بسم الله الرحمن الرحيم
الحسد .. جذوره وعلاجه
[align=right]
لكلٍّ منّا محاسنه ومساوئه .
لكنّنا ـ أحياناً وكجزء من خلق المتاعب لأنفسنا ـ لا نفكّر إلاّ بمساوئنا ومحاسن غيرنا .
هنا ، ننسى أمرين :
أنّ غيرنا له مساوئه أيضاً ، وأ نّه ربّما يتمنّى أن تكون له بعضُ محاسننا .
وقد ننسى أيضاً ـ ونحن نتطلّع إلى ما في أيدي الآخرين ـ أنّ المحاسن مكتسبة أي مثلها مثل أي شيء آخر يمكن تحصيله بالتمرين والتدريب والجدّ والاجتهاد .
فكما كان لغيرك أن يسعى ويكلّل مساعيه بالنجاح ، لكَ أنت أيضاً أن تفعل الشيء نفسه ، إذا سلكت الطريق نفسه ، وحملتَ الهمّة نفسها ، وآمنت بتوفيق الله مثله .
وتسأل : ولِمَ هذا التفاوت بين الناس((لا نريد هنا الخوض في بحث العدل الإلهي في جانبه العقائدي بشكل تفصيلي ، وإنّما نريد تسليط الضوء على الجوانب العملية الملموسة من أسباب وآثار هذا التفاوت )) ؟
هذا التفاوت له أسباب كثيرة ، منها :
ـ التفاوت في الإرادات والعزائم والهمم .
ـ التفاوت في كم وحجم العقبات والصعوبات التي تواجه كلاًّ منّا .
ـ التفاوت في درجة العلم والثقافة والمهارات .
ـ التفاوت في تقدير قيمة الأشياء .
ـ التفاوت في تحديد الآليات والوسائل الموصلة إلى الهدف .
ـ التفاوت في تحديد الأهداف .
ـ التفاوت في القرب أو البعد من الله سبحانه وتعالى .
ولهذا التفاوت جانبان (ربّاني) و (ميداني) .
فلقد أراد الله سبحانه وتعالى بحكمته أن يختلف الخلقُ والبشر في أشياء كثيرة حتى يتحقّق للبشرية الإثراء في هذا التنوّع والتعدّد والاختلاف . فلقد جعلنا شعوباً وقبائل ، وجعل الاختلاف في ألواننا وأجناسنا وألسنتنا ، مثلما جعل الاختلاف في طبيعة الأرض التي نعيش عليها ، والمياه التي نشربها ، والهواء الذي نتنفّسه . وقد يبدو في الظاهر أنّ هذا الاختلاف هو اختلاف تفاضل ، ولكنّه في واقع الأمر اختلاف رحمة وتعدّد من أجل خير عميم ، وقد ثبت علمياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً أنّ التعدّد والتنوّع ثراء .
هل يحاسبنا الله على ما لم يعطنا ؟
هذا خلافُ العدالة تماماً ، ولذا فإنّه لا يحاسبنا ـ مثلاً ـ على أشكالنا وألواننا واختلاف ألسنتنا ، وإنّما يحاسبنا على ما انطوت عليه قلوبنا وعقولنا .
هل التغيير ممكن ؟
نعم ، ممكن . فليست الولادة في أرض قاحلة قدراً لا يمكن للانسان أن يتخلّص منه ، وليس الجهل صفة ملازمة لا يمكن الفكاك منها ، وليس الفقر حالة مادية مكتوبة لا يقدر الانسان أن يحسّنها أو يتجاوزها .
تقول أنّ العملية ليست ممكنة دائماً ، نقول نعم ، لأ نّه ليست الهمم واحدة فـ (على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ) كما يقول الشاعر . وقد تكون هناك عوامل وظروف قاهرة لكن تفاوت الإرادات هو العامل الأكبر في تمييز انسان عن انسان آخر ، أو شعب عن شعب آخر ، وهذا هو الجانب (الميداني) للتفاوت ، وقد أشرنا إلى بعض أسبابه العملية في المقدّمة .
لكنّنا ـ في ظلّ التفاوت الأوّل والثاني ـ نرى أناساً لا يفهمون حقيقة التفاوت ، ويرجعون أسبابه إلى تصورات ذهنية خاطئة ، كأن يظنّوا ـ مثلاً ـ أنّ الله يحبّ صاحب النعمة ولا يحبّهم ، وأنّ نعمهُ سبحانه وتعالى لا تعرف الطريق إليهم ، وقد يقولون بوحي من هذه التصورات أنّ الله يمنح أو يرزق الأدرد ـ الذي بلا أسنان ـ جوزاً ، وما إلى ذلك . ولذا تراهم لا يطيقون رؤية صاحب النعمة ، وينقمون عليه ، ويتمنون أن يتجرّد من نعمته ويبقى أعزلَ منها .
هؤلاء هم الذين نسمّيهم (الحسّاد) .
فيومَ تقبّل الله قربان (هابيل) ولم يتقبّل قربان (قابيل) داخلَ الثاني شعورٌ طاغ بالغيرة القاتلة والحسد المشتعل المتصاعد كنار أكول ، فلم يتحمل رؤية أخيه أفضل منه ، أو أ نّه أقرب إلى الله تعالى منه ، فقرّر وبدافع من نيران الحسد في داخله أن ينتقم منه ، لأنّ رؤيته ماثلاً أمامه تذكّره بأ نّه أفضل منه ، فلم يهنأ له بال حتى أرداه قتيلاً .
وحين رأى إخوة يوسف (عليه السلام) أنّ أباهم يتودّد لـ (يوسف) أكثر منهم لمزايا كثيرة كان يوسف يتمتع بها ، منها أ نّه رأى مناماً صادقاً فهم أبوه يعقوب من تأويله أ نّه سيكونُ ذا شأن عظيم . ورغم أنّ الأب طلب من الابن عدم التصريح بما رأى لإخوته ، لكنّهم قرأوا امتياز يوسف في وجه أبيهم ، فتحرّكوا ، أو قلْ حرّكهم الحسد العاصف إلى التخلّص من يوسف ليخلو لهم وجهُ أبيهم ، فلم يجدوا ، أو لم يفتح لهم الحسد من طريق سوى أن ينتقموا من يوسف البريء بإلقائه في البئر والادّعاء بأنّ الذئب قد اكله .
هل (قابيل) و (إخوة يوسف) الحسّاد الوحيدون ؟
طبعاً لا ، فما أكثر الحسد وما أكثر الحاسدين .
من حالات الحسد :
وطالما أنّ الحديث هنا موجّه إلى الشبّان والفتيات ، دعونا نلتقط بعض حالات الحسد بين هذه الشريحة من كلا الجنسين ، لنتعرّف من خلال الحالات التي رصدناها على العوامل التي تجعل إنساناً يحسد إنساناً آخر .
ومع أنّ دوافع الحسد لدى الجنسين واحدة ومتقاربة ، إلاّ أ نّنا نحاول أن نفصل بين حالات الحسد بين الشبان وبين حالاته بين الفتيات ، وإن كان التداخل كبيراً ، لكنّه تقسيم اقتضاه الجانب الفنّي في البحث .
فمن حالات الحسد بين الشبّان :
1 ـ التفوّق الدراسي :
فالشاب المتفوّق دراسياً ، والذي يحظى بالثناء والتقدير من لدن أساتذته ومربّيه سيجد نفسه ـ من دون ذنب ارتكبه ـ محسوداً من قبل بعض زملائه في الفصل أو الصف .
عيونهم ترمقه بغضب مكتوم وعدم ارتياح ، خاصّة أولئك الذين هم دونه في المستوى الدراسيّ ، أو الذين يأتون في المراتب التالية بعده . فتجدهم وقد انبعث في داخل أحدهم كره وانزعاج من تفوّق هذا الشاب واعتزاز معلّميه به ، وليس هو كرهاً أو انزعاجاً ناتجاً عن تصرف قام به لإغاظتهم .
فإذا ترك هؤلاء لهذه الحالة أن تتفاعل وتتصاعد داخلياً ، فإنّها تتحول إلى حالة تمنٍّ بزوال نعمة التفوّق التي يتمتع بها زميلهم حتى لا يجد الحظوة عند أساتذته وزملائه الآخرين ممّن يقدّرون له جهوده ومثابرته وتفوّقه ويتمنّون له المزيد منها .
2 ـ المحبوب اجتماعياً :
والشاب الذي يستقطب الشباب من حوله ويجذبهم إليه في انفتاحه عليهم واحترامهم وحبّهم وبناء علاقات واسعة متينة معهم ، فيبادلونه حباً بحبّ واحتراماً باحترام ، فيصبح نجماً لامعاً بينهم كونه لطيف المعشر ، دمث الأخلاق ، حسن التعامل ، يعرف كيف ينشئ العلاقة وكيف يحافظ عليها حميمة نابضة ، هو الآخر محسود لا سيما من قبل أولئك المنطوين أو المنكمشين الذين يجدون أنفسهم في عزلة لا يصادقون احداً ولا يصادقهم أحد .
هذه المحبوبية الاجتماعية شبيهة ـ إلى حدٍّ ما ـ بالتفوّق الدراسي ، فهي في نظر الحاسدين (تفوّقٌ اجتماعيّ) والتفوق سواء كان دراسياً أو اجتماعياً أو في أي حقل آخر ، مدعاة للحسد ، أي أ نّه بطبيعته يستثير الحسد في النفوس المهيّأة لذلك .
3 ـ صاحب الموهبة :
وهذا شابّ آخر لا ينجو من حسد الحاسدين وربّما كيدهم أيضاً . فالموهبة التي يمتاز بها تجعل منه محطّ أنظار واهتمام الآخرين ، وبذلك يكثر محبّوه والمعجبون به كما يكثر حسّاده أيضاً ، لأنّ الميزة التي حصل عليها من خلال موهبته تفتح عيون حسّاده عليه بنظرات كلّها اسف وحسرة ورغبة دفينة في رؤيته فاشلاً ولو لمرّة ، أو مجرداً من موهبته تماماً حتى ينفضّ الجمع الذي حوله عنه فيعود إنساناً عادياً عارياً عن أيّة مزيّة تميزه عن غيره ، وما دام متألقاً في إبداعه فإنّ نظرات الحاسدين ترشقه بسهامها ، هذا إذا لم تفعل شيئاً أسوأ من ذلك .
4 ـ صاحب الشمائل الكريمة :
الشاب ذو الأخلاق الحسنة والشمائل اللطيفة والسيرة الحميدة العاطرة هو موضع إعجاب أصدقائه ومحبّتهم ، لكنّه من جهة ثانية موضع حسد الحاسدين أيضاً خاصّة أولئك الذين لا يمتلكون ما لديه من أخلاق طيبة يجتذبون بها أقرانهم من الشبان .
وبسبب من جفاف أخلاقهم أو انفراط أصدقائهم عنهم ، تراهم يعيشون العقدة من لطافة وكرم أخلاق زميلهم ، حتى انّهم يتمنون لو انقلب إلى إنسان فضّ حتى يتفرّق الجمع الذي يتحلّق حوله . وقد يحبّهم أيضاً لأ نّه لا يعيش العقدة إزاءهم ، ولأن نفسه كريمة لا تنطوي على الإساءة إلى أي واحد منهم ، لكنّهم يكنّون له العداوة والبغضاء دونما جرم اقترفه سوى أن أخلاقه وسجاياه لطيفة نبيلة.
5 ـ الشاب الثري :
الشاب المنعّم الثري الذي تظهر آثار النعمة عليه سواء من خلال ملابسه الفاخرة أو النقود التي يحملها ، أو السيارة التي يركبها ، أو مقتنياته ومشترياته الكثيرة ، هو أيضاً موضع حسد زملائه وأصدقائه الذين يقلّون ثراءً أو المعدمين منهم .
ولأنّ للمال بريقه ، فقد يكون الثري ذا علاقات وصداقات كثيرة ، وربّما سارع البعض إلى إقامة صداقة معه وكسب مودّته والتودّد إليه والتمتع ببعض ثرائه ، الأمر الذي يجعل الذين يحسدونه ينظرون إلى الأمرين معاً ، إلى ثرائه الذي لا يقدرون على مجاراته ، وإلى أصدقائه الذين يلتفّون حوله .[/align]
~*¤ô§ô¤*~يتبع~*¤ô§ô¤*~
الحسد .. جذوره وعلاجه
[align=right]
لكلٍّ منّا محاسنه ومساوئه .
لكنّنا ـ أحياناً وكجزء من خلق المتاعب لأنفسنا ـ لا نفكّر إلاّ بمساوئنا ومحاسن غيرنا .
هنا ، ننسى أمرين :
أنّ غيرنا له مساوئه أيضاً ، وأ نّه ربّما يتمنّى أن تكون له بعضُ محاسننا .
وقد ننسى أيضاً ـ ونحن نتطلّع إلى ما في أيدي الآخرين ـ أنّ المحاسن مكتسبة أي مثلها مثل أي شيء آخر يمكن تحصيله بالتمرين والتدريب والجدّ والاجتهاد .
فكما كان لغيرك أن يسعى ويكلّل مساعيه بالنجاح ، لكَ أنت أيضاً أن تفعل الشيء نفسه ، إذا سلكت الطريق نفسه ، وحملتَ الهمّة نفسها ، وآمنت بتوفيق الله مثله .
وتسأل : ولِمَ هذا التفاوت بين الناس((لا نريد هنا الخوض في بحث العدل الإلهي في جانبه العقائدي بشكل تفصيلي ، وإنّما نريد تسليط الضوء على الجوانب العملية الملموسة من أسباب وآثار هذا التفاوت )) ؟
هذا التفاوت له أسباب كثيرة ، منها :
ـ التفاوت في الإرادات والعزائم والهمم .
ـ التفاوت في كم وحجم العقبات والصعوبات التي تواجه كلاًّ منّا .
ـ التفاوت في درجة العلم والثقافة والمهارات .
ـ التفاوت في تقدير قيمة الأشياء .
ـ التفاوت في تحديد الآليات والوسائل الموصلة إلى الهدف .
ـ التفاوت في تحديد الأهداف .
ـ التفاوت في القرب أو البعد من الله سبحانه وتعالى .
ولهذا التفاوت جانبان (ربّاني) و (ميداني) .
فلقد أراد الله سبحانه وتعالى بحكمته أن يختلف الخلقُ والبشر في أشياء كثيرة حتى يتحقّق للبشرية الإثراء في هذا التنوّع والتعدّد والاختلاف . فلقد جعلنا شعوباً وقبائل ، وجعل الاختلاف في ألواننا وأجناسنا وألسنتنا ، مثلما جعل الاختلاف في طبيعة الأرض التي نعيش عليها ، والمياه التي نشربها ، والهواء الذي نتنفّسه . وقد يبدو في الظاهر أنّ هذا الاختلاف هو اختلاف تفاضل ، ولكنّه في واقع الأمر اختلاف رحمة وتعدّد من أجل خير عميم ، وقد ثبت علمياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً أنّ التعدّد والتنوّع ثراء .
هل يحاسبنا الله على ما لم يعطنا ؟
هذا خلافُ العدالة تماماً ، ولذا فإنّه لا يحاسبنا ـ مثلاً ـ على أشكالنا وألواننا واختلاف ألسنتنا ، وإنّما يحاسبنا على ما انطوت عليه قلوبنا وعقولنا .
هل التغيير ممكن ؟
نعم ، ممكن . فليست الولادة في أرض قاحلة قدراً لا يمكن للانسان أن يتخلّص منه ، وليس الجهل صفة ملازمة لا يمكن الفكاك منها ، وليس الفقر حالة مادية مكتوبة لا يقدر الانسان أن يحسّنها أو يتجاوزها .
تقول أنّ العملية ليست ممكنة دائماً ، نقول نعم ، لأ نّه ليست الهمم واحدة فـ (على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ) كما يقول الشاعر . وقد تكون هناك عوامل وظروف قاهرة لكن تفاوت الإرادات هو العامل الأكبر في تمييز انسان عن انسان آخر ، أو شعب عن شعب آخر ، وهذا هو الجانب (الميداني) للتفاوت ، وقد أشرنا إلى بعض أسبابه العملية في المقدّمة .
لكنّنا ـ في ظلّ التفاوت الأوّل والثاني ـ نرى أناساً لا يفهمون حقيقة التفاوت ، ويرجعون أسبابه إلى تصورات ذهنية خاطئة ، كأن يظنّوا ـ مثلاً ـ أنّ الله يحبّ صاحب النعمة ولا يحبّهم ، وأنّ نعمهُ سبحانه وتعالى لا تعرف الطريق إليهم ، وقد يقولون بوحي من هذه التصورات أنّ الله يمنح أو يرزق الأدرد ـ الذي بلا أسنان ـ جوزاً ، وما إلى ذلك . ولذا تراهم لا يطيقون رؤية صاحب النعمة ، وينقمون عليه ، ويتمنون أن يتجرّد من نعمته ويبقى أعزلَ منها .
هؤلاء هم الذين نسمّيهم (الحسّاد) .
فيومَ تقبّل الله قربان (هابيل) ولم يتقبّل قربان (قابيل) داخلَ الثاني شعورٌ طاغ بالغيرة القاتلة والحسد المشتعل المتصاعد كنار أكول ، فلم يتحمل رؤية أخيه أفضل منه ، أو أ نّه أقرب إلى الله تعالى منه ، فقرّر وبدافع من نيران الحسد في داخله أن ينتقم منه ، لأنّ رؤيته ماثلاً أمامه تذكّره بأ نّه أفضل منه ، فلم يهنأ له بال حتى أرداه قتيلاً .
وحين رأى إخوة يوسف (عليه السلام) أنّ أباهم يتودّد لـ (يوسف) أكثر منهم لمزايا كثيرة كان يوسف يتمتع بها ، منها أ نّه رأى مناماً صادقاً فهم أبوه يعقوب من تأويله أ نّه سيكونُ ذا شأن عظيم . ورغم أنّ الأب طلب من الابن عدم التصريح بما رأى لإخوته ، لكنّهم قرأوا امتياز يوسف في وجه أبيهم ، فتحرّكوا ، أو قلْ حرّكهم الحسد العاصف إلى التخلّص من يوسف ليخلو لهم وجهُ أبيهم ، فلم يجدوا ، أو لم يفتح لهم الحسد من طريق سوى أن ينتقموا من يوسف البريء بإلقائه في البئر والادّعاء بأنّ الذئب قد اكله .
هل (قابيل) و (إخوة يوسف) الحسّاد الوحيدون ؟
طبعاً لا ، فما أكثر الحسد وما أكثر الحاسدين .
من حالات الحسد :
وطالما أنّ الحديث هنا موجّه إلى الشبّان والفتيات ، دعونا نلتقط بعض حالات الحسد بين هذه الشريحة من كلا الجنسين ، لنتعرّف من خلال الحالات التي رصدناها على العوامل التي تجعل إنساناً يحسد إنساناً آخر .
ومع أنّ دوافع الحسد لدى الجنسين واحدة ومتقاربة ، إلاّ أ نّنا نحاول أن نفصل بين حالات الحسد بين الشبان وبين حالاته بين الفتيات ، وإن كان التداخل كبيراً ، لكنّه تقسيم اقتضاه الجانب الفنّي في البحث .
فمن حالات الحسد بين الشبّان :
1 ـ التفوّق الدراسي :
فالشاب المتفوّق دراسياً ، والذي يحظى بالثناء والتقدير من لدن أساتذته ومربّيه سيجد نفسه ـ من دون ذنب ارتكبه ـ محسوداً من قبل بعض زملائه في الفصل أو الصف .
عيونهم ترمقه بغضب مكتوم وعدم ارتياح ، خاصّة أولئك الذين هم دونه في المستوى الدراسيّ ، أو الذين يأتون في المراتب التالية بعده . فتجدهم وقد انبعث في داخل أحدهم كره وانزعاج من تفوّق هذا الشاب واعتزاز معلّميه به ، وليس هو كرهاً أو انزعاجاً ناتجاً عن تصرف قام به لإغاظتهم .
فإذا ترك هؤلاء لهذه الحالة أن تتفاعل وتتصاعد داخلياً ، فإنّها تتحول إلى حالة تمنٍّ بزوال نعمة التفوّق التي يتمتع بها زميلهم حتى لا يجد الحظوة عند أساتذته وزملائه الآخرين ممّن يقدّرون له جهوده ومثابرته وتفوّقه ويتمنّون له المزيد منها .
2 ـ المحبوب اجتماعياً :
والشاب الذي يستقطب الشباب من حوله ويجذبهم إليه في انفتاحه عليهم واحترامهم وحبّهم وبناء علاقات واسعة متينة معهم ، فيبادلونه حباً بحبّ واحتراماً باحترام ، فيصبح نجماً لامعاً بينهم كونه لطيف المعشر ، دمث الأخلاق ، حسن التعامل ، يعرف كيف ينشئ العلاقة وكيف يحافظ عليها حميمة نابضة ، هو الآخر محسود لا سيما من قبل أولئك المنطوين أو المنكمشين الذين يجدون أنفسهم في عزلة لا يصادقون احداً ولا يصادقهم أحد .
هذه المحبوبية الاجتماعية شبيهة ـ إلى حدٍّ ما ـ بالتفوّق الدراسي ، فهي في نظر الحاسدين (تفوّقٌ اجتماعيّ) والتفوق سواء كان دراسياً أو اجتماعياً أو في أي حقل آخر ، مدعاة للحسد ، أي أ نّه بطبيعته يستثير الحسد في النفوس المهيّأة لذلك .
3 ـ صاحب الموهبة :
وهذا شابّ آخر لا ينجو من حسد الحاسدين وربّما كيدهم أيضاً . فالموهبة التي يمتاز بها تجعل منه محطّ أنظار واهتمام الآخرين ، وبذلك يكثر محبّوه والمعجبون به كما يكثر حسّاده أيضاً ، لأنّ الميزة التي حصل عليها من خلال موهبته تفتح عيون حسّاده عليه بنظرات كلّها اسف وحسرة ورغبة دفينة في رؤيته فاشلاً ولو لمرّة ، أو مجرداً من موهبته تماماً حتى ينفضّ الجمع الذي حوله عنه فيعود إنساناً عادياً عارياً عن أيّة مزيّة تميزه عن غيره ، وما دام متألقاً في إبداعه فإنّ نظرات الحاسدين ترشقه بسهامها ، هذا إذا لم تفعل شيئاً أسوأ من ذلك .
4 ـ صاحب الشمائل الكريمة :
الشاب ذو الأخلاق الحسنة والشمائل اللطيفة والسيرة الحميدة العاطرة هو موضع إعجاب أصدقائه ومحبّتهم ، لكنّه من جهة ثانية موضع حسد الحاسدين أيضاً خاصّة أولئك الذين لا يمتلكون ما لديه من أخلاق طيبة يجتذبون بها أقرانهم من الشبان .
وبسبب من جفاف أخلاقهم أو انفراط أصدقائهم عنهم ، تراهم يعيشون العقدة من لطافة وكرم أخلاق زميلهم ، حتى انّهم يتمنون لو انقلب إلى إنسان فضّ حتى يتفرّق الجمع الذي يتحلّق حوله . وقد يحبّهم أيضاً لأ نّه لا يعيش العقدة إزاءهم ، ولأن نفسه كريمة لا تنطوي على الإساءة إلى أي واحد منهم ، لكنّهم يكنّون له العداوة والبغضاء دونما جرم اقترفه سوى أن أخلاقه وسجاياه لطيفة نبيلة.
5 ـ الشاب الثري :
الشاب المنعّم الثري الذي تظهر آثار النعمة عليه سواء من خلال ملابسه الفاخرة أو النقود التي يحملها ، أو السيارة التي يركبها ، أو مقتنياته ومشترياته الكثيرة ، هو أيضاً موضع حسد زملائه وأصدقائه الذين يقلّون ثراءً أو المعدمين منهم .
ولأنّ للمال بريقه ، فقد يكون الثري ذا علاقات وصداقات كثيرة ، وربّما سارع البعض إلى إقامة صداقة معه وكسب مودّته والتودّد إليه والتمتع ببعض ثرائه ، الأمر الذي يجعل الذين يحسدونه ينظرون إلى الأمرين معاً ، إلى ثرائه الذي لا يقدرون على مجاراته ، وإلى أصدقائه الذين يلتفّون حوله .[/align]
~*¤ô§ô¤*~يتبع~*¤ô§ô¤*~


تعليق