بداية النهاية لطغاة العالم

الباحث السوري : هشام محمد الحرك
يجري التركيز إعلامياً، حول انفراد أمريكا بالعالم، وأنها أصبحت القوة الوحيدة المسيطرة، والآمرة والناهية، وأنها تمتلك أقوى اقتصاد وأقوى جيش وأقوى تكنولوجيا. كما يجري التركيز على نتائج الاعتداءات الأمريكية من زوايا خسائر الأطراف العربية والإسلامية، والخطط الأمريكية لضرب بلاد أخرى، وتغيير المناهج التعليمية.. إلخ.لكن هذا الملف يذكر الوجه الآخر للقضية وهو : فما هو حجم الخسائر الأمريكية منذ 11 سبتمبر وحتى الآن ؟ وهل يمكن للمجتمع والاقتصاد والجيش الأمريكي "احتمالها" حتى في حدودها الراهنة ؟وهل تحققت لأمريكا أهدافها في عدوانها على أفغانستان والعراق ؟ أم أن النتائج عكسية؟!. إن ثمة فارقاً كبيراً بين أن نقول : إن هناك اعتداءات أمريكية عسكرية وسياسية الخ، وبين أن نقول : إن سبب شن أمريكا اعتداءاتها هنا وهناك هو قوتها الشاملة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وحضارياً .. إذ ربما يكون سبب العدوان هو بدء الانهيار والنزول من حالة الامبراطورية والدولة العضمى الوحيدة، إلى مجتمع دولي متعدد الأقطاب أي انهيار انفراد الولايات المتحدة بقمة العالم.. ويبدو أن ثمة ضرورة للقول بأن الاعتداءات وأشكال العدوان ليست فقط، أحد مؤشرات الضعف أومحاولة قطع الطريق على تغييرات قادمة، ولكنها أيضا جلبت عوامل جديدة، تسارع من تدهور مكانة الولايات المتحدة وليس العكس.وإذا كانت غزوة سبتمبر هي الضربة الاستراتيجية التي أطاحت بالهيبة الأمريكية ، وفتحت "جروح" الاقتصاد الأمريكي ، وأنهت "أسطورة أمريكا المصطنعة كقلعة للحريات وللتعايش الاثني والعرقي والديني ، وفرضت مفهوماً إستراتيجياً للأمن في الولايات المتحدة، لأول مرة في تاريخها، فان العمليات الجارية في أفغانستان والعراق تمثل النزيف التكتيكي الذي يعجل بتطور نتائج هذه الغزوة المباركة ..وهكذا فإن الدب ( العسكرية والأمريكية) يقتل صاحبه (الهيمنة والسطوة والقدرة الإقتصادية ) ..
سنبحث هنا ثلاث من المسائل الشائكة :
1- الخسائر الأمريكية نتيجة ضربات سبتمبر 2001 وتداعياتها السياسية والاقتصادية والإجتماعية .
2- الخسائر الأمريكية نتيجة عدوانها على أفغانستان ، ومن بعدها العراق .
3- الخسائر الأمريكية جراء تبني الولايات المتحدة للكيان الصهيوني ، وهذا المحور أضفناه للتذكير بأن الحرب بين أمريكا والأمة شاملة ، وأن الخسائر متعددة المصادر والأبعادولا بد من التقديم بين يدي هذه الفصول بمقدّماتٍ ثلاثٍ تُعين على تصور وضع أمريكا الحالي ، والمستقبل المتوقع لها ، وهذه المقدمات هي:
أولاً : السنن الكونية.
ثانيًا : الاقتصاد الأمريكي.
ثالثًا : الجهاد خيار الأمة.
المقدمة الأولى : السنن الكونية
خلق الله الكون ، وجعل له سننًا كونيَّةً لا تتبدَّل ، كما قال سبحانه : {فلن تجد لسنَّة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً} ، فمن سننه السنن الفيزيائية والكيميائية وغيرها ، ومن سننه السننُ المتعلِّقةُ بسقوطِ الدُّول وقيامِها.والناظر في حال أمريكا ، يعلمُ أنَّها جمعت الأسباب الكونية لسقوط الدول ، وهذه الأسباب على قسمين : عوامل ذاتيَّة ، وعوامل خارجيَّة. فأمَّا العوامل الذَّاتيَّة : فقد تخلَّت أمريكا عن المبادئ التي قامت عليها ، والدَّولة التي تتّخذ أسسًا لها من المبادئ ثمّ تتخلى عنها تنهار سريعًا ، كما يسقط البنيان إذا اختلّت أساساته الماديَّة ، ونحن نرى كيف تنازلت أمريكا عن قوانين الحريات الشخصية ، وتخلت عن القيم الأمريكية ، وأعرضت عن القانون الدولي –الذي يراه المسلم طاغوتًا يجب الكفر به- وعن هيئة الأمم المتحدة التي لم تكن غير آلةٍ لتنفيذ سياسات أمريكا وحلفائها.كما أنَّ أمريكا جمعت ألوان الفساد الداخلي من انتشار الجريمة ، وشيوع الفواحش وألفتها واستمرائها ، وتشريعها بالقوانين ، وعملت كالذي عمله قوم لوط وأفحش ، وجمعت ذنوب الأمم السابقة وزادت على كل أمة منها ، ولو نظرتَ في تاريخ الأمم السابقة وجدتَ أنَّها لم تسقط ولم تزل إلاَّ بعد انتشار الفواحش والذنوب.
وأما الظلم فحدّث ولا حرج ، فلم يعرف التاريخ المعاصر أظلم من أمريكا ولا أطغى ، ومن سنن الله الكونية ، أنَّ من نازعه الكبرياء والعظمة قصمه الله وأهلكه ، ومن تسلَّط على العباد بالظلم أعاد الله عليه عاقبة ظلمه ، والعدل أساس الملك والممالك ، والدولة الظالمة أسرع الدول سقوطًا ، كما نرى من تهاوي النظام النازي في المملكة العربية السعودية.كما أنَّ أمريكا ضُربت ضرباتٍ موجعةً في اقتصادها ، وسوف نتطرّق في المقدّمة الثانية إلى أهمَّيَّة ذلك بالنسبة لأمريكا.وأمَّا العوامل الخارجيَّة : فقد سلَّط الله على أمريكا فئةً مؤمنةً مجاهدةً ، جمعت قدر الاستطاعة أسباب النصر، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر على الكافرين، والنصر وإن تأخر إلاَّ أنَّ نهايته هزيمة دولة الكفر ، ولا يلزم من الهزيمة سقوط الدولة في الأصل ، إلاَّ أنَّ هذا في أمريكا متلازمٌ بسبب طبيعة الوضع الدولي ، ووضع أمريكا.كما أنَّ أعداء أمريكا كُثُرٌ ، وإذا شعروا بضعفها فستبدأ كثيرٌ من صور تصفية الحسابات.
المقدمة الثانية : الاقتصاد الأمريكيّتقوم أمريكا بجميع مقوّماتها على الاقتصاد ، فعليه يعتمد تقدُّمها التقنيُّ وأبحاثها المتطورة ، كما تحتوي الشركات والمؤسسات جميع القوى العاملة من الشعب وتوفر مصدر الرزق الأساس ، وهو الرافد الرئيسيُّ لقوة التسليح الأمريكية المتفوَّقة ، واقتصاد أمريكا إضافةً إلى ذلك عاملٌ مهمُّ تستعمله أمريكا في تنفيذ سياساتها الخارجية عن طريق الضغط على الدول مخازن الثروات النفطية وغير النفطية ، وفرض الحصار على كل من خالف سياساتها ، كما أنَّ هذا التحكم يعودُ مرَّةً أخرى على الاقتصاد الأمريكي بالدعم ، من جهة توفير الفرص الملائمة ، بل وخلق الفرص التي تحتاجها لدعم اقتصادها في أي دولة وأي سوقٍ من أسواق العالم.إن دولةً يُشكّل الاقتصاد هذه الأهميَّة فيها ، لا يحتاج خصمها إلى كثيرٍ من التفكير ليعرف من أين تؤكل كتفها ، فانهيار الاقتصاد يعني انهيار الدولة ، وسقوط العملة يعني الدخول في هاويةٍ لا يمكن الخروج منها.ساعد على هذا طبيعة الاقتصاد الربوي ، الذي توعَّد الله بمحقِهِ ، فهو اقتصاد متهافتٌ ، لا يقومُ على سلع وأثمانٍ ، وإنَّما يقوم على اتّخاذ الأثمانِ سلعًا كما وضَّح ابن القيم في أعلام الموقعين ، وتضخيمه يجعل الأثمان (أو النقود والعملات) هي السلعة الأساسيَّة والسوق الكبرى للبلد ، وإذا كانت اللعبة الاقتصادية بكاملها إنَّما تقوم على فروق الأسعار فإنَّ النقود وما يمثّلها حين يُباع بعضها ببعض لا يمكن أن يكون ذلك بناء على فرق حقيقي ، بل هو فرقٌ مبنيٌّ على الآجال ، وتوقع الربح الناتج عن التفاوت المتوقّع خلال المدة الزمنية فقط ، وهذا ما يُدخل مسألة "السمعة الاقتصاديَّة" كعاملٍ فعَّال في البُنية الاقتصاديَّة.والسمعة الاقتصادية هي ما يجعل الدولار الأمريكي يهبط سعره كلَّما ظهر الشيخ أسامة بن لادن على الشاشات ، وقد اعتمد اقتصاد أمريكا فيما مضى على السمعة المثالية التي اكتسبها نتيجة الحرية الاقتصادية ، والأمان اللذان توفرهما أمريكا.واعتماد الاقتصاد على هذا العامل ، يُضاعف آثار العمليَّات الجهاديَّة ، التي يدعونها بالهجمات الإرهابيَّة ، ويجعل الضربة ضربتينِ ، فقد كان من أهمّ الأهداف في حروب أمريكا في أفغانستان والعراق ، المحافظة على هذه السمعة وطمأنة المستثمرين إلى قوة أمريكا وهيبتها ، ومحاولة محو آثار الهزة الاقتصادية العنيفة التي مُنيت بها إثر غزة منهاتن ، ولا زالت تنزف الخسائر إلى اليوم.والضربات القادمة بإذن الله وتوفيقه لأمريكا ، ستجعلها تفقد آخر خيوط هذه الهيبة ، وستجعلها محرقةً للاستثمارات ، وستُخرج العملة الأمريكية عن أن تكون لغةً للتداول ، والسوق الأمريكية عن أن تكون سوقًا للتجار من مختلف الجنسيات ، وستبحث رؤوس الأموال عن أسواق جديدة آمنة ، فرأس المال جبانٌ كما يحلو للاقتصاديين أن يُردِّدوا.ومتانة الاقتصاد الأمريكي التي جعلته هو العمود الفقري لهذه الدولة الضخمة ، هي ما أخَّر سقوط أمريكا وانهيارها إلى اليوم ، إضافةً إلى الدعاية الإعلاميَّة الهائلة ، والعامل الأخير وهو مساندة الدول وخاصة دول الخليج النفطية ، وبالأخصّ حكومتا المملكة العربية السعودية والكويت ، اللتان أنهبتا أمريكا النفط والاقتصاد لترقيع آثار الضربة ، ولله حكمة في مد عمر أمريكا إلى هذا الوقت يبتلي بها المؤمنين ، {ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}.والعجيب أن يوجد من أبناء المسلمين من يتكلم بقوة أمريكا وطول بقائها ، ويجزم باستحالة سقوطها ، في وقتٍ أصبح سقوط أمريكا أمرًا حتميًّا لدى المتوسّمين وأصحاب الخبرة ، وأكثرهم تفاؤلاً لأمريكا يجعل احتمال سقوطها احتمالاً قويًّا جدًّا ، بل يرى أن فرص نجاتها محدودة جدًّا.
المقدمة الثالثة : الجهاد خيار الأمةالجهاد عند المسلمين حكم شرعيٌّ ، لا يستمدُّ شرعيَّته من التجارب والمحاولات ، بل هو أمرٌ من الله للمسلمين يفعلونه حسب الاستطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر والغنى والفقر ، ومثال غزوة العسرة يوضح ذلك للمؤمنين.والكافر الصائل المتسلط على المسلمين ، لا حل لكف بأسه إلاَّ الجهاد ، ولا يُجدي معه إلاَّ القتال ، وهذا هو منصوص قوله تعالى : {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسًا وأشدُّ تنكيلاً} ، وقوله : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض} ، كما أنَّه من المتفق عليه في العقول والفطر ، ومما يشهد له التاريخ في أدواره المختلفة.وهذا التقرير "نزيف الخسائر" يُبيِّن شيئًا مما اعترف به العدوُّ من آثار غزوةِ منهاتن التي خاضها تسعة عشر استشهاديًّا أمام أعتى دول العالم ، وخسرت خلال أسبوعٍ واحدٍ تريليون ريالٍ ، كما تحدث عن ذلك الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله في إحدى كلماته ، وما زالت أمريكا تتجرع العلقم من أثر تلك الضربة المؤلمة ، كما تطرقنا في هذا التقرير إلى بيان شيءٍ من الخسائر الأمريكية من أثر الجهاد في أفغانستان والعراق ، وها هي أمريكا تتهاوى ، وتؤذن بالسقوط والدمار ، بسبب تلك المجهودات التي لم يمض عليها سنون كثيرة ، ولو استُغرقت الأعمار بالشجب والاستنكارِ والمطالبة القانونية ، والاستجداء المتمثل في الحملات العالمية السلمية ، لما تحرَّك للعدو ساكنٌ ، ولما حرَّك ذلك منه شعرةً.
الفصل الاول :
الخسائر الامريكية نتيجة غزوة منهاتن
من يتأمل المشكلات الكبرى التى يعانى منها نظام الولايات المتحدة الامريكية على صعيد بنيانها الداخلي وعلى مستوى علاقاتها بالعالم الخارجي يدرك أن امريكا ستخسر امبراطوريتها فى وقت أقصر بكثير مما توقعه أكثر المحللين تشاؤماً .و يمكن القول بأن هذه الامبراطورية بدأت بالفعل فى التفكك .. والأسباب في ذلك كثيرة فمثلاً في كتاب " ما بعد الامبراطورية: دراسة فى تفكك النظام الامريكى " والذي ترجمه الى العربية محمد زكريا اسماعيل , يرجع مؤلفه الكاتب " إيمانويل تود " هذا التفكك إلى الركود الاقتصادي ، وتراجع القدرات العسكرية والايديولوجية ، ومحاولات السيطرة على المحاورالكبرى مثل اوروبا وروسيا والصين واليابان. هذا فضلا عن إفلاسها الأخلاقى على المستوى الدولى فى ظل سياستها الخارجية غير الحكيمة ، وهو البعد الاساسى الذى قد يساعد على سقوط الامبراطورية الامريكية .فعلى المستوي الاقتصادي عندما انتصرت أمريكا في الحرب العالمية الثانية أصبح الدولار سيد السوق العالمية ، وتحول إلى العملة الصعبة لشراء منتجات الصناعات الأمريكية . ولكن ومنذ ذلك الحين تغيرت الساحة العالمية ، وبدأت أمريكا تواجه منافسة قوية من اليابان وألمانيا،ثم الصين والهند وغيرها حتى تحولت أمريكا من دولة مصدّرة إلى اكبر دولة مستوردة في العالم !! ولم ينجح العدوان على أفغانستان و العراق في قلب المعادلة .وكذلك الحملة الإعلامية التي كُرّست بمعظمها لتغطية الحروب وصرف الأنظار عن القضايا الداخلية ،لم تغير هي الأخرى المعطيات الاقتصادية. ففي حين تركزت الأنظار على ما يحدث في تورا بورا والحدود الأفغانية الباكستانية ، ثم البصرة والفرات الأوسط وبغداد ، طرأت تطورات مهمة نشرتها الصحف الأمريكية بالقطارة ، مما أضعف إمكانية حصول المراقبين والمحللين والصحفيين على ما يكوّن صورة واضحة لما يحدث داخل أمريكا في هذا الميدان لكنه أمر بات يتغير رويداً رويداً في ضوء نزيف الخسائر العسكرية والبشرية وفى ضوء الارتباك والاضطراب في العلاقات الدولية مع حلفائها الغربيين حيث هي باتت مواجهة بحلف فرنسي ألماني روسي صيني يتصاعد دوره تدريجياً . وبات تراجع الاقتصاد الامريكي - عن إحتلال ما كان له من موقع مهيمن في العالم الصناعي المعاصر - يشكل إحدى نقاط الضعف في الامبراطورية الأميركية في القرن الحادي والعشرين , وبدأ في أزمة تشير إلى بداية إنهيار طبقات النظام الرأسمالي الأمريكي ,والدخول فى حالة كساد وصفها الاقتصاديون الامريكيون بأنها ستكون أسوأ من أزمة الثلاثينات .... حتى إن هناك من قال : إن هذا الكساد سيؤدي إلى إنهيار الإقتصاد الأمريكي تماماً كما فعلت طائرات المجاهدين في طبقات برجي مركز التجارة العالمي ..لقد جاءت تفجيرات 11 سبتمبر في مرحلة عانى خلالها الاقتصاد الأمريكي من تباطؤ متزايد دفع به إلى حافة ركود فعلي ـ أي انكماش معدل النمو ـ طيلة الأشهر التسعة التي سبقت الهجمات ، وجاءت هذه الضربات المباركة لتعجل بترنح الاقتصاد الأمريكي ..
وتشير المعلومات والبيانات التي تنشر يوماً بعد يوم عن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الأمريكي منذ غزوتي نيويورك وواشنطن التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر ، إلى أنها خسائر ضخمة ومتصاعدة ، فاقت كل التوقعات السابقة , بل إنها قد تكون الأسوأ في تاريخ أمريكا ..

الباحث السوري : هشام محمد الحرك
يجري التركيز إعلامياً، حول انفراد أمريكا بالعالم، وأنها أصبحت القوة الوحيدة المسيطرة، والآمرة والناهية، وأنها تمتلك أقوى اقتصاد وأقوى جيش وأقوى تكنولوجيا. كما يجري التركيز على نتائج الاعتداءات الأمريكية من زوايا خسائر الأطراف العربية والإسلامية، والخطط الأمريكية لضرب بلاد أخرى، وتغيير المناهج التعليمية.. إلخ.لكن هذا الملف يذكر الوجه الآخر للقضية وهو : فما هو حجم الخسائر الأمريكية منذ 11 سبتمبر وحتى الآن ؟ وهل يمكن للمجتمع والاقتصاد والجيش الأمريكي "احتمالها" حتى في حدودها الراهنة ؟وهل تحققت لأمريكا أهدافها في عدوانها على أفغانستان والعراق ؟ أم أن النتائج عكسية؟!. إن ثمة فارقاً كبيراً بين أن نقول : إن هناك اعتداءات أمريكية عسكرية وسياسية الخ، وبين أن نقول : إن سبب شن أمريكا اعتداءاتها هنا وهناك هو قوتها الشاملة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وحضارياً .. إذ ربما يكون سبب العدوان هو بدء الانهيار والنزول من حالة الامبراطورية والدولة العضمى الوحيدة، إلى مجتمع دولي متعدد الأقطاب أي انهيار انفراد الولايات المتحدة بقمة العالم.. ويبدو أن ثمة ضرورة للقول بأن الاعتداءات وأشكال العدوان ليست فقط، أحد مؤشرات الضعف أومحاولة قطع الطريق على تغييرات قادمة، ولكنها أيضا جلبت عوامل جديدة، تسارع من تدهور مكانة الولايات المتحدة وليس العكس.وإذا كانت غزوة سبتمبر هي الضربة الاستراتيجية التي أطاحت بالهيبة الأمريكية ، وفتحت "جروح" الاقتصاد الأمريكي ، وأنهت "أسطورة أمريكا المصطنعة كقلعة للحريات وللتعايش الاثني والعرقي والديني ، وفرضت مفهوماً إستراتيجياً للأمن في الولايات المتحدة، لأول مرة في تاريخها، فان العمليات الجارية في أفغانستان والعراق تمثل النزيف التكتيكي الذي يعجل بتطور نتائج هذه الغزوة المباركة ..وهكذا فإن الدب ( العسكرية والأمريكية) يقتل صاحبه (الهيمنة والسطوة والقدرة الإقتصادية ) ..
سنبحث هنا ثلاث من المسائل الشائكة :
1- الخسائر الأمريكية نتيجة ضربات سبتمبر 2001 وتداعياتها السياسية والاقتصادية والإجتماعية .
2- الخسائر الأمريكية نتيجة عدوانها على أفغانستان ، ومن بعدها العراق .
3- الخسائر الأمريكية جراء تبني الولايات المتحدة للكيان الصهيوني ، وهذا المحور أضفناه للتذكير بأن الحرب بين أمريكا والأمة شاملة ، وأن الخسائر متعددة المصادر والأبعادولا بد من التقديم بين يدي هذه الفصول بمقدّماتٍ ثلاثٍ تُعين على تصور وضع أمريكا الحالي ، والمستقبل المتوقع لها ، وهذه المقدمات هي:
أولاً : السنن الكونية.
ثانيًا : الاقتصاد الأمريكي.
ثالثًا : الجهاد خيار الأمة.
المقدمة الأولى : السنن الكونية
خلق الله الكون ، وجعل له سننًا كونيَّةً لا تتبدَّل ، كما قال سبحانه : {فلن تجد لسنَّة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً} ، فمن سننه السنن الفيزيائية والكيميائية وغيرها ، ومن سننه السننُ المتعلِّقةُ بسقوطِ الدُّول وقيامِها.والناظر في حال أمريكا ، يعلمُ أنَّها جمعت الأسباب الكونية لسقوط الدول ، وهذه الأسباب على قسمين : عوامل ذاتيَّة ، وعوامل خارجيَّة. فأمَّا العوامل الذَّاتيَّة : فقد تخلَّت أمريكا عن المبادئ التي قامت عليها ، والدَّولة التي تتّخذ أسسًا لها من المبادئ ثمّ تتخلى عنها تنهار سريعًا ، كما يسقط البنيان إذا اختلّت أساساته الماديَّة ، ونحن نرى كيف تنازلت أمريكا عن قوانين الحريات الشخصية ، وتخلت عن القيم الأمريكية ، وأعرضت عن القانون الدولي –الذي يراه المسلم طاغوتًا يجب الكفر به- وعن هيئة الأمم المتحدة التي لم تكن غير آلةٍ لتنفيذ سياسات أمريكا وحلفائها.كما أنَّ أمريكا جمعت ألوان الفساد الداخلي من انتشار الجريمة ، وشيوع الفواحش وألفتها واستمرائها ، وتشريعها بالقوانين ، وعملت كالذي عمله قوم لوط وأفحش ، وجمعت ذنوب الأمم السابقة وزادت على كل أمة منها ، ولو نظرتَ في تاريخ الأمم السابقة وجدتَ أنَّها لم تسقط ولم تزل إلاَّ بعد انتشار الفواحش والذنوب.
وأما الظلم فحدّث ولا حرج ، فلم يعرف التاريخ المعاصر أظلم من أمريكا ولا أطغى ، ومن سنن الله الكونية ، أنَّ من نازعه الكبرياء والعظمة قصمه الله وأهلكه ، ومن تسلَّط على العباد بالظلم أعاد الله عليه عاقبة ظلمه ، والعدل أساس الملك والممالك ، والدولة الظالمة أسرع الدول سقوطًا ، كما نرى من تهاوي النظام النازي في المملكة العربية السعودية.كما أنَّ أمريكا ضُربت ضرباتٍ موجعةً في اقتصادها ، وسوف نتطرّق في المقدّمة الثانية إلى أهمَّيَّة ذلك بالنسبة لأمريكا.وأمَّا العوامل الخارجيَّة : فقد سلَّط الله على أمريكا فئةً مؤمنةً مجاهدةً ، جمعت قدر الاستطاعة أسباب النصر، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر على الكافرين، والنصر وإن تأخر إلاَّ أنَّ نهايته هزيمة دولة الكفر ، ولا يلزم من الهزيمة سقوط الدولة في الأصل ، إلاَّ أنَّ هذا في أمريكا متلازمٌ بسبب طبيعة الوضع الدولي ، ووضع أمريكا.كما أنَّ أعداء أمريكا كُثُرٌ ، وإذا شعروا بضعفها فستبدأ كثيرٌ من صور تصفية الحسابات.
المقدمة الثانية : الاقتصاد الأمريكيّتقوم أمريكا بجميع مقوّماتها على الاقتصاد ، فعليه يعتمد تقدُّمها التقنيُّ وأبحاثها المتطورة ، كما تحتوي الشركات والمؤسسات جميع القوى العاملة من الشعب وتوفر مصدر الرزق الأساس ، وهو الرافد الرئيسيُّ لقوة التسليح الأمريكية المتفوَّقة ، واقتصاد أمريكا إضافةً إلى ذلك عاملٌ مهمُّ تستعمله أمريكا في تنفيذ سياساتها الخارجية عن طريق الضغط على الدول مخازن الثروات النفطية وغير النفطية ، وفرض الحصار على كل من خالف سياساتها ، كما أنَّ هذا التحكم يعودُ مرَّةً أخرى على الاقتصاد الأمريكي بالدعم ، من جهة توفير الفرص الملائمة ، بل وخلق الفرص التي تحتاجها لدعم اقتصادها في أي دولة وأي سوقٍ من أسواق العالم.إن دولةً يُشكّل الاقتصاد هذه الأهميَّة فيها ، لا يحتاج خصمها إلى كثيرٍ من التفكير ليعرف من أين تؤكل كتفها ، فانهيار الاقتصاد يعني انهيار الدولة ، وسقوط العملة يعني الدخول في هاويةٍ لا يمكن الخروج منها.ساعد على هذا طبيعة الاقتصاد الربوي ، الذي توعَّد الله بمحقِهِ ، فهو اقتصاد متهافتٌ ، لا يقومُ على سلع وأثمانٍ ، وإنَّما يقوم على اتّخاذ الأثمانِ سلعًا كما وضَّح ابن القيم في أعلام الموقعين ، وتضخيمه يجعل الأثمان (أو النقود والعملات) هي السلعة الأساسيَّة والسوق الكبرى للبلد ، وإذا كانت اللعبة الاقتصادية بكاملها إنَّما تقوم على فروق الأسعار فإنَّ النقود وما يمثّلها حين يُباع بعضها ببعض لا يمكن أن يكون ذلك بناء على فرق حقيقي ، بل هو فرقٌ مبنيٌّ على الآجال ، وتوقع الربح الناتج عن التفاوت المتوقّع خلال المدة الزمنية فقط ، وهذا ما يُدخل مسألة "السمعة الاقتصاديَّة" كعاملٍ فعَّال في البُنية الاقتصاديَّة.والسمعة الاقتصادية هي ما يجعل الدولار الأمريكي يهبط سعره كلَّما ظهر الشيخ أسامة بن لادن على الشاشات ، وقد اعتمد اقتصاد أمريكا فيما مضى على السمعة المثالية التي اكتسبها نتيجة الحرية الاقتصادية ، والأمان اللذان توفرهما أمريكا.واعتماد الاقتصاد على هذا العامل ، يُضاعف آثار العمليَّات الجهاديَّة ، التي يدعونها بالهجمات الإرهابيَّة ، ويجعل الضربة ضربتينِ ، فقد كان من أهمّ الأهداف في حروب أمريكا في أفغانستان والعراق ، المحافظة على هذه السمعة وطمأنة المستثمرين إلى قوة أمريكا وهيبتها ، ومحاولة محو آثار الهزة الاقتصادية العنيفة التي مُنيت بها إثر غزة منهاتن ، ولا زالت تنزف الخسائر إلى اليوم.والضربات القادمة بإذن الله وتوفيقه لأمريكا ، ستجعلها تفقد آخر خيوط هذه الهيبة ، وستجعلها محرقةً للاستثمارات ، وستُخرج العملة الأمريكية عن أن تكون لغةً للتداول ، والسوق الأمريكية عن أن تكون سوقًا للتجار من مختلف الجنسيات ، وستبحث رؤوس الأموال عن أسواق جديدة آمنة ، فرأس المال جبانٌ كما يحلو للاقتصاديين أن يُردِّدوا.ومتانة الاقتصاد الأمريكي التي جعلته هو العمود الفقري لهذه الدولة الضخمة ، هي ما أخَّر سقوط أمريكا وانهيارها إلى اليوم ، إضافةً إلى الدعاية الإعلاميَّة الهائلة ، والعامل الأخير وهو مساندة الدول وخاصة دول الخليج النفطية ، وبالأخصّ حكومتا المملكة العربية السعودية والكويت ، اللتان أنهبتا أمريكا النفط والاقتصاد لترقيع آثار الضربة ، ولله حكمة في مد عمر أمريكا إلى هذا الوقت يبتلي بها المؤمنين ، {ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}.والعجيب أن يوجد من أبناء المسلمين من يتكلم بقوة أمريكا وطول بقائها ، ويجزم باستحالة سقوطها ، في وقتٍ أصبح سقوط أمريكا أمرًا حتميًّا لدى المتوسّمين وأصحاب الخبرة ، وأكثرهم تفاؤلاً لأمريكا يجعل احتمال سقوطها احتمالاً قويًّا جدًّا ، بل يرى أن فرص نجاتها محدودة جدًّا.
المقدمة الثالثة : الجهاد خيار الأمةالجهاد عند المسلمين حكم شرعيٌّ ، لا يستمدُّ شرعيَّته من التجارب والمحاولات ، بل هو أمرٌ من الله للمسلمين يفعلونه حسب الاستطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر والغنى والفقر ، ومثال غزوة العسرة يوضح ذلك للمؤمنين.والكافر الصائل المتسلط على المسلمين ، لا حل لكف بأسه إلاَّ الجهاد ، ولا يُجدي معه إلاَّ القتال ، وهذا هو منصوص قوله تعالى : {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسًا وأشدُّ تنكيلاً} ، وقوله : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض} ، كما أنَّه من المتفق عليه في العقول والفطر ، ومما يشهد له التاريخ في أدواره المختلفة.وهذا التقرير "نزيف الخسائر" يُبيِّن شيئًا مما اعترف به العدوُّ من آثار غزوةِ منهاتن التي خاضها تسعة عشر استشهاديًّا أمام أعتى دول العالم ، وخسرت خلال أسبوعٍ واحدٍ تريليون ريالٍ ، كما تحدث عن ذلك الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله في إحدى كلماته ، وما زالت أمريكا تتجرع العلقم من أثر تلك الضربة المؤلمة ، كما تطرقنا في هذا التقرير إلى بيان شيءٍ من الخسائر الأمريكية من أثر الجهاد في أفغانستان والعراق ، وها هي أمريكا تتهاوى ، وتؤذن بالسقوط والدمار ، بسبب تلك المجهودات التي لم يمض عليها سنون كثيرة ، ولو استُغرقت الأعمار بالشجب والاستنكارِ والمطالبة القانونية ، والاستجداء المتمثل في الحملات العالمية السلمية ، لما تحرَّك للعدو ساكنٌ ، ولما حرَّك ذلك منه شعرةً.
الفصل الاول :
الخسائر الامريكية نتيجة غزوة منهاتن
من يتأمل المشكلات الكبرى التى يعانى منها نظام الولايات المتحدة الامريكية على صعيد بنيانها الداخلي وعلى مستوى علاقاتها بالعالم الخارجي يدرك أن امريكا ستخسر امبراطوريتها فى وقت أقصر بكثير مما توقعه أكثر المحللين تشاؤماً .و يمكن القول بأن هذه الامبراطورية بدأت بالفعل فى التفكك .. والأسباب في ذلك كثيرة فمثلاً في كتاب " ما بعد الامبراطورية: دراسة فى تفكك النظام الامريكى " والذي ترجمه الى العربية محمد زكريا اسماعيل , يرجع مؤلفه الكاتب " إيمانويل تود " هذا التفكك إلى الركود الاقتصادي ، وتراجع القدرات العسكرية والايديولوجية ، ومحاولات السيطرة على المحاورالكبرى مثل اوروبا وروسيا والصين واليابان. هذا فضلا عن إفلاسها الأخلاقى على المستوى الدولى فى ظل سياستها الخارجية غير الحكيمة ، وهو البعد الاساسى الذى قد يساعد على سقوط الامبراطورية الامريكية .فعلى المستوي الاقتصادي عندما انتصرت أمريكا في الحرب العالمية الثانية أصبح الدولار سيد السوق العالمية ، وتحول إلى العملة الصعبة لشراء منتجات الصناعات الأمريكية . ولكن ومنذ ذلك الحين تغيرت الساحة العالمية ، وبدأت أمريكا تواجه منافسة قوية من اليابان وألمانيا،ثم الصين والهند وغيرها حتى تحولت أمريكا من دولة مصدّرة إلى اكبر دولة مستوردة في العالم !! ولم ينجح العدوان على أفغانستان و العراق في قلب المعادلة .وكذلك الحملة الإعلامية التي كُرّست بمعظمها لتغطية الحروب وصرف الأنظار عن القضايا الداخلية ،لم تغير هي الأخرى المعطيات الاقتصادية. ففي حين تركزت الأنظار على ما يحدث في تورا بورا والحدود الأفغانية الباكستانية ، ثم البصرة والفرات الأوسط وبغداد ، طرأت تطورات مهمة نشرتها الصحف الأمريكية بالقطارة ، مما أضعف إمكانية حصول المراقبين والمحللين والصحفيين على ما يكوّن صورة واضحة لما يحدث داخل أمريكا في هذا الميدان لكنه أمر بات يتغير رويداً رويداً في ضوء نزيف الخسائر العسكرية والبشرية وفى ضوء الارتباك والاضطراب في العلاقات الدولية مع حلفائها الغربيين حيث هي باتت مواجهة بحلف فرنسي ألماني روسي صيني يتصاعد دوره تدريجياً . وبات تراجع الاقتصاد الامريكي - عن إحتلال ما كان له من موقع مهيمن في العالم الصناعي المعاصر - يشكل إحدى نقاط الضعف في الامبراطورية الأميركية في القرن الحادي والعشرين , وبدأ في أزمة تشير إلى بداية إنهيار طبقات النظام الرأسمالي الأمريكي ,والدخول فى حالة كساد وصفها الاقتصاديون الامريكيون بأنها ستكون أسوأ من أزمة الثلاثينات .... حتى إن هناك من قال : إن هذا الكساد سيؤدي إلى إنهيار الإقتصاد الأمريكي تماماً كما فعلت طائرات المجاهدين في طبقات برجي مركز التجارة العالمي ..لقد جاءت تفجيرات 11 سبتمبر في مرحلة عانى خلالها الاقتصاد الأمريكي من تباطؤ متزايد دفع به إلى حافة ركود فعلي ـ أي انكماش معدل النمو ـ طيلة الأشهر التسعة التي سبقت الهجمات ، وجاءت هذه الضربات المباركة لتعجل بترنح الاقتصاد الأمريكي ..
وتشير المعلومات والبيانات التي تنشر يوماً بعد يوم عن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الأمريكي منذ غزوتي نيويورك وواشنطن التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر ، إلى أنها خسائر ضخمة ومتصاعدة ، فاقت كل التوقعات السابقة , بل إنها قد تكون الأسوأ في تاريخ أمريكا ..

تعليق