مناسبة حسب التقويم الهجري

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #196
    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

    أبو جعفر المنصور.. الحاكم الجاد

    (في ذكرى وفاته: 6 من ذي الحجة 158هـ)


    يعد أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية التي ظلت خمسة قرون زينة الدنيا، ومركز الحضارة، وموئل الثقافة، وعاصمة العالم. نهض إلى الخلافة بعد أن أصقلته التجارب وأنضجته المحن، وخَبِر الناس وعاشرهم ووقف على دواخلهم وخلائقهم، وما إن أمسك بزمام الأمور حتى نجح في التغلب على مواجهة صعاب وعقبات توهن عزائم الرجال وتضعف ثبات الأبطال، وتبعث اليأس والقنوط في النفوس. وكانت مصلحة الدولة شغله الشاغل، فأحكمت خطوه وأحسنت تدبيره، وفجرت في نفسه طاقات هائلة من التحدي، فأقام دولته باليقظة الدائمة والمثابرة الدائبة والسياسة الحكيمة.

    مولده ونشأته

    في قرية "الحميمة" التي تقع في الأردن ولد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس سنة (95هـ = 714م)، ونشأ بين كبار رجال بني هاشم الذين كانوا يسكنون الحميمة، فشب فصيحا عالما بالسير والأخبار، ملما بالشعر والنثر. وكان أبوه محمد بن علي هو الذي نظّم الدعوة العباسية، وخرج بها إلى حيز الوجود، واستعان في تحركه بالسرية والكتمان، والدقة في اختيار الرجال والأنصار والأماكن التي يتحرك فيها الدعاة، حيث اختار الحميمة والكوفة وخراسان.

    وحين نجحت الدعوة العباسية وأطاحت بالدولة الأموية؛ تولى أبو العباس السفّاح الخلافة سنة (132هـ = 749) واستعان بأخيه جعفر في محاربة أعدائه والقضاء على خصومه وتصريف شئون الدولة، وكان عند حسن ظنه قدرة وكفاءة فيما تولى، حتى إذا مرض أوصى له بالخلافة من بعده، فوليها في (ذي الحجة 136هـ = يونيو 754م) وهو في الحادية والأربعين من عمره.

    الفترة الأولى من خلافته

    لم تكن الدولة العباسية حين تولى أمرها الخليفة أبو جعفر المنصور ثابتة الأركان مستقرة الأوضاع، بل كانت حديثة عهد، يتربص بها أعداؤها، ويتطلع رجالها إلى المناصب الكبرى، وينتظرون نصيبهم من الغنائم والمكاسب، ويتنازع القائمون عليها من البيت العباسي على منصب الخلافة. وكان على الخليفة الجديد أن يتصدى لهذه المشكلات التي تكاد تفتك بوحدة الدولة، وتلقي بها في مهب الريح.

    وكان أول ما واجهه أبو جعفر المنصور ثورة عارمة حمل لواءها عمه عبد الله بن علي الذي رأى أنه أحق بالخلافة من ابن أخيه؛ فرفض مبايعته، وأعلن التمرد والعصيان، وزعم أن "أبو العباس السفاح" أوصى بالأمر له من بعده، واستظهر بالجيش الذي كان يقوده في بلاد الشام.

    لجأ الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إلى المدينة واتباع الطرق السلمية في علاج الموقف، فبعث إلى عمه رسائل عدة تدعوه إلى الطاعة وترك العصيان، لكنه أعرض عن دعوته وركب رأسه وأعماه الغرور، فلم يجد المنصور بدًا من الاستعانة بالسيف، وأرسل له قائده "أبو مسلم الخراساني" على رأس جيش كبير، فتمكن بعد عدة معارك من هزيمة عم الخليفة المتمرد هزيمة ساحقة في (جمادى الآخرة 137هـ = نوفمبر 754م)، فاضطر إلى الفرار والاختباء عند أخيه سليمان بن علي والي البصرة، ولما علم الخليفة أبو جعفر المنصور بخبره احتال له حتى قبض عليه، وألقى به في السجن حتى توفي.

    وما كاد يلتقط الخليفة العباسي أنفاسه حتى أعد العدة للتخلص من أبي مسلم الخراساني، صاحب اليد الطولى في نجاح قيام الدولة العباسية، وكان الخليفة يخشاه ويخشى ما تحت يده من عدد وعتاد في خراسان، ولم يكن الرجلان على وفاق منذ قيام الدولة. وكان أبو مسلم الخراساني يتيه بما صنعه للدولة. وتحين أبو جعفر المنصور الفرصة للتخلص من غريمه، ولجأ إلى الحيلة والدهاء حتى نجح في حمل أبي مسلم على القدوم إليه بعيدًا عن أنصاره وأعوانه في (شعبان 137هـ = فبراير 755م)، وبعد جلسة حساب عاصفة لقي القائد الكبير مصرعه بين يدي الخليفة.

    وبعد مقتل أبي مسلم الخراساني اشتعلت ضد الخليفة العباسي عدة ثورات فارسية للثأر لمقتله، غير أن الخليفة اليقظ نجح في قمع هذه الفتن والقضاء عليها.

    ثورة محمد النفس الزكية

    غير أن أخطر ما واجه المنصور هو ثورة العلويين بقيادة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية، وأخيه إبراهيم، وكانا يعدان العدة للخروج على أبي جعفر المنصور، وينتظران الفرصة للانقضاض عليه، واختفيا عن أنظار الخليفة يبثان رجالهما وينشران الدعوة إليهما.

    وكان محمد النفس الزكية يرى نفسه أحق بالخلافة من أبي جعفر المنصور، فامتنع عن بيعته، كما امتنع من قبل عن بيعة أبي العباس السفاح، فلما ولي أبو جعفر المنصور رأى في بقاء محمد وأخيه خطرًا يهدد دولته، وأيقن أنهما لن يكفا عن الدعوة إلى أحقية البيت العلوي بالخلافة، وأقلق اختفاؤهما الخليفة اليقظ؛ فبذل ما في وسعه لمعرفة مكانهما فلم ينجح في الوصول إليهما، وعجز ولاة المدينة عن تتبع أخبارهما، فاستعان بوالٍ جديد للمدينة غليظ القلب للوصول إلى مكان محمد النفس الزكية، فلجأ إلى القبض على عبد الله بن الحسن والد الزعيمين المختفيين وهدده وتوعده، وقبض أيضا على نفر من آل البيت، وبعث بهم مكبلين بالأغلال إلى الكوفة فشدد عليهم الخليفة وغالى في التنكيل بهم، فاضطر محمد النفس الزكية إلى الظهور بعد أن مكث دهرا يدعو لنفسه سرا، واعترف الناس بإمامته في مكة والمدينة، وتلقّب بأمير المؤمنين، وكان الناس يميلون إليه لخلقه وزهده وحلمه وبعده عن الظلم وسفك الدماء حتى أطلقوا عليه النفس الزكية. وحين نجحت حيلة المنصور في إجبار محمد النفس الزكية على الظهور بعد القبض على آل بيته، بعث إليه بجيش كبير يقوده عمه عيسى بن موسى فتمكن من هزيمة محمد النفس الزكية وقتله بالمدينة المنورة في (14 من رمضان 145هـ = 6 من ديسمبر 762م).

    ثم تمكن من هزيمة الجيش العلوي الثاني الذي كان يقوده إبراهيم أخو محمد النفس الزكية، الذي تغلب على البصرة والأهواز وفارس، ونجح في القضاء عليه بعد صعوبة بالغة في (25 من ذي القعدة 145هـ = 14 من يناير 763م) في معركة حاسمة وقعت في "باخمرى" بين الكوفة وواسط، وبذلك زال خطر هائل كان يهدد سلامة الدولة الناشئة.

    وقد أثبتت هذه الأحداث المتلاحقة والثورات العارمة، ما يمتلكه الخليفة أبو جعفر المنصور من براعة سياسية وخبرة حربية، وقدرة على حشد الرجال، وثبات في المحن، ودهاء وحيلة في الإيقاع بالخصوم، وبذلك تمكن من التغلب على المشكلات التي واجهته منذ أن تولى الحكم.

    المنصور وبناء بغداد

    رغب الخليفة أبو جعفر المنصور في بناء عاصمة جديدة لدولته بعيدة عن المدن التي يكثر فيها الخروج على الخلافة كالكوفة والبصرة، وتتمتع باعتدال المناخ وحسن الموقع، فاختار "بغداد" على شاطئ دجلة، ووضع بيده أول حجر في بنائها سنة (145هـ = 762م) واستخدم عددا من كبار المهندسين للإشراف على بنائها، وجلب إليها أعدادا هائلة من البنائين والصناع، فعملوا بجد وهمة حتى فرغوا منها في عام (149هـ = 766م) وانتقل إليها الخليفة وحاشيته ومعه دواوين الدولة، وأصبحت منذ ذلك الحين عاصمة الدولة العباسية، وأطلق عليها مدينة السلام؛ تيمنا بدار السلام وهو اسم من أسماء الجنة، أو نسبة إلى نهر دجلة الذي يسمى نهر السلام. ولم يكتف المنصور بتأسيس المدينة على الضفة الغربية لدجلة، بل عمل على توسيعها سنة (151هـ = 768م) بإقامة مدينة أخرى على الجانب الشرقي سماها الرصافة، جعلها مقرا لابنه وولي عهده "المهدي" وشيد لها سورا وخندقا ومسجدا وقصرا، ثم لم تلبث أن عمرت الرصافة واتسعت وزاد إقبال الناس على سكناها.

    بيت الحكمة

    ومن الأعمال الجليلة التي تُذكر للمنصور عنايته بنشر العلوم المختلفة، ورعايته للعلماء من المسلمين وغيرهم، وقيامه بإنشاء "بيت الحكمة" في قصر الخلافة ببغداد، وإشرافه عليه بنفسه، ليكون مركزا للترجمة إلى اللغة العربية. وقد أرسل أبو جعفر إلى إمبراطور الروم يطلب منه بعض كتب اليونان فبعث إليه بكتب في الطب والهندسة والحساب والفلك، فقام نفر من المترجمين بنقلها إلى العربية.

    وقد بلغ نشاط بيت الحكمة ذروته في عهد الخليفة المأمون الذي أولاه عناية فائقة، ووهبه كثيرا من ماله ووقته، وكان يشرف على بيت الحكمة قيّم يدير شئونه، ويُختار من بين العلماء المتمكنين من اللغات. وضم بيت الحكمة إلى جانب المترجمين النسّاخين والخازنين الذين يتولون تخزين الكتب، والمجلدين وغيرهم من العاملين. وظل بيت الحكمة قائما حتى داهم المغول بغداد سنة (656هـ = 1258م).

    شخصية المنصور

    كان الخليفة أبو جعفر المنصور رجل عمل وجد، لم يتخذ من منصبه وسيلة للعيشة المرفهة والانغماس في اللهو والاستمتاع بمباهج السلطة والنفوذ، يستغرق وقته النظر في شئون الدولة، ويستأثر بمعظم وقته أعباء الحكم.

    وكان يعرف قيمة المال وحرمته، فكان حريصا على إنفاقه فيما ينفع الناس؛ ولذلك عني بالقليل منه كما عني بالكثير، ولم يتوان عن محاسبة عماله على المبلغ الزهيد، ولا يتردد في أن يرسل إليهم التوجيهات والتوصيات التي من شأنها أن تزيد في دخول الدولة، وكان يمقت أي لون من ألوان تضييع المال دون فائدة، حتى اتهمه المؤرخون بالبخل والحرص، ولم يكن كذلك فالمال العام له حرمته ويجب إنفاقه في مصارفه المستحقة؛ ولذلك لم يكن يغض الطرف عن عماله إذا شك في أماناتهم من الناحية المالية بوجه خاص لأنه كان يرى أن المحافظة على أموال الدولة الواجب الأول للحاكم.

    وشغل أبو جعفر وقته بمتابعة عماله على المدن والولايات، وكان يدقق في اختيارهم ويسند إليهم المهام، وينتدب للخراج والشرطة والقضاء من يراه أهلا للقيام بها، وكان ولاة البريد في الآفاق يكتبون إلى المنصور بما يحدث في الولايات من أحداث، حتى أسعار الغلال كانوا يطلعونه عليها وكذلك أحكام القضاء. وقد مكنه هذا الأسلوب من أن يكون على بينة مما يحدث في ولايات دولته، وأن يحاسب ولاته إذا بدر منهم أي تقصير.

    ولم يكن المنصور قوي الرغبة في توسيع رقعة دولته ومد حدوده؛ لأنه كان يؤثر توطيد أركان الدولة والمحافظة عليها وحمايتها من العدوان والقلاقل والثورات الداخلية، لكنه اضطر إلى الدخول في منازعات وحروب مع الدولة البيزنطية حين بدأت بالعدوان وأغارت على بلاده، وقد توالت حملاته على البيزنطيين بعد أن استقرت أحوال دولته سنة (149هـ = 766م) حتى طلب إمبراطور الروم الصلح فأجابه المنصور إليه، لأنه لم يكن يقصد بغزو الدولة البيزنطية الغزو والتوسع بقدر إشعارهم بقوته حتى يكفوا عن التعرض لدولته.

    وعلى الرغم من الشدة الظاهرة في معاملة المنصور، وميله إلى التخلص من خصومه بأي وسيلة، فقد كان يقبل على لقاء العلماء الزاهدين ويرحب بهم ويفتح صدره لتقبل نقدهم ولو كان شديدا. وتمتلئ كتب التاريخ والأدب بلقاءاته مع سفيان الثوري وعمرو بن عبيد وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم. ويؤخذ عليه شططه في معاملة الإمامين الكبيرين: أبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس؛ لاعتقاده أنهما يتفقان مع خصومه من آل البيت العلوي.

    دامت خلافة أبي جعفر المنصور اثنين وعشرين عاما، نجح خلالها في تثبيت الدولة العباسية ووضع أساسها الراسخ الذي تمكن من الصمود خمسة قرون حتى سقطت أمام هجمات المغول. وبعد حياة مليئة بجلائل الأعمال توفي الخليفة العباسي في (6 من ذي الحجة 158هـ = 7 من أكتوبر 755م) وهو محرم بالحج والعمرة، ودُفن في مقبرة المعلاة (بئر ميمون) في أعلى مكة المكرمة.


    منقول
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

    تعليق

    • عبدالغفور الخطيب
      عضو متميز

      • Nov 2004
      • 2698

      #197
      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

      معركة تولوز.. أمل لم يتحقق

      (في ذكرى نشوبها: 9 من ذي الحجة 103هـ)



      توفي سليمان بن عبد الملك في (العاشر من صفر سنة 99هـ = 22 من سبتمبر 717م) وخلفه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فبدأت بلاد الأندلس في خلافته عهدا جديدا؛ حيث جعلها تابعة له مباشرة، شأنها في ذلك شأن بعض الولايات الإسلامية الأخرى، وكانت الأندلس من قبل تابعة لولاية إفريقية، واختار لها واحدا من الرجال الصالحين الأكْفاء القادرين على النهوض بمسئولياتهم في إيمان ونزاهة. وكان الخليفة العادل حريصا على ذلك أيما حرص؛ فكانت أمور المسلمين شغله الشاغل.

      وكان ذلك الوالي الكفء الذي اختاره الخليفة لولاية الأندلس هو "السمح بن مالك الخولاني"، تخيّره الخليفة لأمانته وكفاءته وإخلاصه. وتذكر الروايات التاريخية أن من عادة خلفاء بني أمية أنهم كانوا لا يدخلون خزائن بيت المال شيئا مما يرسله ولاتهم من أموال الخراج إلا إذا شهد 10 من عُدُول الجند في الولاية بأن هذا المال هو المستصفى الحلال لبيت المال، بعد دفع أعطيات الجند والإنفاق على مصالح الولاية وشئونها؛ فلما أقبلت أموال ولاية إفريقية في أحد أعوام خلافة سليمان، كان يصحبها 10 من العدول الذين اختارهم الوالي، وكان فيهم إسماعيل بن عبيد الله، والسمح بن مالك، فلما طلب الخليفة شهادتهم حلف 8 بصحة هذا المال، ورفض الرجلان أن يحلفا على ذلك. وكان عمر بن عبد العزيز حاضرا هذه الجلسة، فأعجب بنزاهة الرجلين وشجاعتهما، فلما ولي الخلافة استعان بهما في إدارة ولايات دولته.

      ولاية السمح بن مالك

      ولم يقدم الخليفة عمر بن عبد العزيز على النظر في شئون المغرب والأندلس إلا بعد مضي أكثر من عام من خلافته؛ فقد شغلته أمور الدولة الأخرى عن متابعة ما يجري في الأندلس، وكان يفكّر في إرجاع المسلمين من الأندلس وإخلائهم منها؛ فكان يخشى تغلّب العدو عليهم لانقطاعهم من وراء البحر عن المسلمين.

      غير أن هذه الفكرة تبددت لديه، وعزم على إصلاح أمور الأندلس حديثة العهد بالإسلام، فاختار لولايتها السمح بن مالك، وأمره أن يحمل الناس على طريق الحق، ولا بعدل بهم عن منهج الرفق، وطلب منه أن يكتب له بصفة الأندلس، وأنهارها وبحرها، فلما استقر السمح هناك كتب إليه يعرفه بقوة الإسلام وكثرة مدائنهم، وشرف معاقلهم؛ فلما استوثق الخليفة عمر من أهمية الأندلس، وثبات أقدام المسلمين فيها أولاها من عانيته ما هي جديرة به. ولم يكد السمح بن مالك يتولى أمر الأندلس حتى ظهر أثر كفايته وصلاحه في البلاد، فانتظمت أمورها، ونعم الناس بالأمن والسلام، وتحسنت موارد الدولة، واجتمع له من المال مبلغ كبير منه، استغله في إصلاح مرافق الولاية.

      وحدث أن قنطرة "قرطبة" الرومانية التي كانت مقامة على نهر الوادي الكبير للاتصال بنواحي جنوبي الأندلس قد تهدمت، واستعان الناس بالسفن للعبور، وكان في ذلك مشقة عليهم، وأصبح المسلمون في حاجة إلى بناء قنطرة متينة يستطيعون العبور عليها من الجنوب إلى قرطبة عاصمتهم الجديدة، ووجد السمح بن مالك أن خير ما ينفق فيه هذا المال هو بناء تلك القنطرة، فكتب إلى الخليفة عمر في دمشق يستأذنه في بناء القنطرة فأذن له، فقام السمح ببنائها على أتم وأعظم ما يكون البناء. وكان لهذه القنطرة أهميتها في تاريخ الأندلس السياسي والفكري، فربطت بين قرطبة بجنوبي الأندلس وشمالي أفريقيا، وكانت من الجمال والبهاء بحيث أصبحت متنزه أهل قرطبة ومدار خيال شعراء الأندلس.

      الاتجاه إلى الفتح

      وبعد أن اطمأن السمح بن مالك إلى أحوال أمور الأندلس، ووثق الخليفة عمر باستقرار المسلمين بها، بدأ السمح يفكر في معاودة الفتح، ورد المتربصين بولايته من أمراء ما وراء جبال ألبرت، فأعد العدة لذلك، وجهز جيوشه لهذه المهمة.

      واخترقت جيوش السمح جبال ألبرت من الشرق، وسيطر على عدد من القواعد هناك، واستولى على "سبتمانيا" في جنوبي فرنسا، وأقام بها حكومة إسلامية، ووزع الأراضي بين الفاتحين والسكان، وفرض الجزية على النصارى، وترك لهم حرية الاحتكام إلى شرائعهم، ثم زحف نحو الغرب ليغزو "أكوتين".

      وكانت مملكة الفرنج حينما عبر المسلمون إلى غاليا –فرنسا- تفتك بها الخلافات والحروب بين أمرائها، غير أن الأمير "أدو" دوق أكوتين كان أقوى أمراء الفرنج في غاليا وأشدهم بأسا، نجح في غمرة الاضطراب الذي ساد المملكة أن يستقل بأكوتين، ويبسط نفوذه وسلطانه على جميع أنحائها في الجنوب من اللوار إلى البرنية.

      فلما زحف السمح بن مالك إلى الغرب ليغزو أكوتين قاومه البشكنس -سكان هذه المناطق- أشد مقاومة، لكنه نجح في تمزيق صفوفهم، وقصد إلى تولوشة تولوز. وفي أثناء سيره جاءت الأخبار بأن الدوق "أدو" أمير أكوتين جمع جيشا كبيرا لرد المسلمين، وإخراجهم من فرنسا، فآثر السمح بن مالك ملاقاة عدوه على كثرة عددهم عن مهاجمة تولوشة، والتقى الفريقان بالقرب منها، ونشبت بينهما معركة هائلة في 9 من ذي الحجة 102هـ = 9 من يونيو 721م، سالت فيها الدماء غزيرة، وكثر القتل بين الفريقين، وأبدى المسلمون رغم قلتهم شجاعة خارقة وبسالة وصبرًا، وتأرجح النصر بين الفريقين دون أن يحسم لصالح أحد من الفريقين، حتى سقط "السمح" شهيدًا من على جواده، فاختلت صفوف المسلمين، ووقع الاضطراب في الجيش كله، وعجز قادة الجيش أن يعيدوا النظام إلى الصفوف، وارتد المسلمون إلى "سبتمانيا" بعد أن فقدوا زهرة جندهم، وسقط عدد من كبار قادتهم.

      العودة إلى الأندلس

      وعلى إثر استشهاد السمح بن مالك اختار الجيش أحد زعمائه "عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي"، فبذل جهدًا خارقًا ومهارة فائقة في جمع شتات الجيش، والتقهقر به إلى الأندلس، وأقام نفسه واليًا على الأندلس عدة أشهر قليلة حتى يأتي الوالي الجديد، وفي هذه المدة القليلة نجح عبد الرحمن الغافقي في ضبط أمور الولاية، والقضاء على الفتن التي ظهرت في الولايات الجبلية الشمالية.

      ثم تولى عنبسة بن سحيم الكلبي أمر الأندلس في (صفر 103هـ = أغسطس 722م)، وكان من طراز السمح بن مالك كفاءة وقدرة وورعًا وصلاحًا، له شغف بالجهاد وحرص على نشر الإسلام وتوسيع دولته، وما إن استقرت الأمور في الأندلس بعد اضطراب واختلال حتى عاود الفتح، وخرج على رأس جيشه من قرطبة، وسار نحو سبتمانيا التي فقد المسلمون كثيرًا من قواعدها، وتابع زحفه شمالاً في وادي الرون، ولم تقف هذه الجملة الظافرة إلا قرب بلدة "سانس" على بعد ثلاثين كيلومترًا جنوبي باريس، وخشي "أدو" دوق أكوتين أن يهاجمه المسلمون مرة أخرى، فسعى إلى مفاوضتهم ومهادنتهم، وبذلك بسط المسلمون نفوذهم في شرق جنوبي فرنسا.

      ولما لم يكن في نية عنبسة الاستقرار في تلك المناطق، فقد عاد إلى بلاده بعد أن أعاد نفوذ المسلمين في مملكة غالة، قاطعًا نحو ألف ميل شمالي قرطبة، وفي طريق العودة داهمته جموع من الفرنجة، فالتحم معها في معركة أصيب أثناءها بجراح بالغة توفي على إثرها في (شعبان 107هـ = ديسمبر 725م)، بعد أن انفرد بين الفاتحين المسلمين بفخر الوصول برايات الإسلام إلى قلب أوروبا الغربية، ولم يدرك هذا الشأو بعد ذلك فاتح مسلم آخر.

      وقد تكررت محاولات المسلمين لفتح مملكة غالة والاستقرار بها ثم التوسع في قلب أوروبا لنشر الإسلام بها، لكنها لم تلقَ نجاحًا، وكانت آخر تلك المحاولات ما قام به القائد العظيم عبد الرحمن الغافقي، لكن استشهاده في معركة بلاط الشهداء (رمضان 114هـ = أكتوبر 732م) قضى على أحلام المسلمين في الفتح والتوسع.


      منقول
      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

      تعليق

      • عبدالغفور الخطيب
        عضو متميز

        • Nov 2004
        • 2698

        #198
        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

        "الظهير البربري".. فرّق تستعمر

        (في ذكرى صدوره: 17 من ذي الحجة 1340هـ)





        استطاعت القوى الغربية الاستعمارية أن تجري تغييرات جذرية في التركيبة الشخصية والعقلية واللسانية في بعض الدول التي استعمرتها، ويكفي أن نشير هنا أن فرنسا الاستعمارية نجحت في مسخ الشخصية الثقافية واللغوية للمجتمعات الأفريقية التي استعمرتها، ويكاد لا يوجد اليوم مجتمع أفريقي لا تمثل "اللغة الفرنسية" لغة وطنية فيه تجمع أشتاته، وتؤلف بين عناصره.

        غير أن هذه المقولة لا تؤخذ على إطلاقها، فنجاح فرنسا في المجتمعات الأفريقية ذات الشخصية الطيّعة المرنة القابلة للتشكيل السريع التي لم تكن تعتصم بدين أو لغة ذات عراقة وعمق -لم يكن ملازما لها في المجتمعات التي استعمرتها، فقد واجهت هذه الشعوب المسلمة فرنسا الساعية إلى فَرْنَستهم وتنصيرهم، بالإصرار على الإسلام واللغة العربية التي أصبحت "لغة مقدسة" في وجدانهم؛ لارتباطها بالوحي والقرآن الكريم؛ ومن ثم لم تخرج اللغة العربية من ميدان المقاومة، وظلت هي والإسلام العقبة الكئود أمام الاستعمار.

        حقائق وملاحظات

        ومن خلال استكناه هذه التجارب الاستعمارية يمكن أن نشير هنا إلى جملة من الملاحظات التي ينبغي أن تكون ماثلة في الأذهان، يأتي في مقدمتها أننا نحتاج إلى الوعي التاريخي؛ لأن كثيرا من الأحداث التي نعايشها اليوم سبق أن مرت علينا وعايشنا ما يشبهها في السابق، فقد سبق أن نظر إلينا على أننا مذاهب وأعراق وأقليات… إلى آخر تصنيفاته لنا؛ ليشق صفنا ويضع بذور الفتنة بل يرعاها بين أبناء الوطن الواحد ليسهل له النفاذ إلى أهدافه وتحقيقها، فضلا عن انتقاء وتقريب بعض هذه الفئات إليه لتقوم بعبء العمل وتنفيذ خططه وأهدافه.

        الملاحظة والحقيقة الثانية أن الاستعمار قديمه وحديثه ينظر إلى الشعوب التي لا تتوافق مع حضارته نظرة "دونية" تعطيه "الحق" في أن يفعل بها ما يشاء؛ وهو ما يكشف عن ضمير استعماري متشابه. وما كانت تقوم به بعض الدول الكبرى من رعاية بعض حركات التحرر الوطني إنما كان يأتي في إطار التنافس والصراع بين هذه الدول، ومن ثم فنحن أمام "ضمير" واحد لا يعرف إلا لغة المصالح والمادة، ولا يطبق إلا "قانون الوحوش" مع الشعوب المنكوبة.

        الحقيقة الثالثة أن "الأمة" المسلمة مهما بلغت حالتها من الضعف والتراجع فإنها تمتلك القدرة على الانبعاث والتجديد والمقاومة؛ لأنها أمة لا تعرف الموت، ويرتبط ذلك برجوعها إلى دينها الخالص بفهم صحيح وعمل دءوب.

        فرنسا والجزائر العربية

        كان الاستعمار الفرنسي لا يكتفي باحتلال الأرض ونهب الثروة وتسخير الشعوب المستعمرة في خدمة أهدافه فقط؛ وإنما كان يقوم بهدم استقلالية هذه الشعوب وتحطيم حصونها الثقافية والمعنوية حتى يسهل انقيادها، ويصبح السير خلف "فرنسا" نابعا من الذات التي انقطعت عن جذورها، ويقتدي المغلوب بالغالب بعدما غاب عن وعيه الحضاري.

        أدرك الفرنسيون أن الاستعمار لا بد أن يأتي يوم ويرحل، ولذا كان لا بد من إبقاء السيطرة المعنوية والثقافية على هذه الشعوب، ونجحت فرنسا في أفريقيا، مستغلة غياب عوامل التوحد بها، لكن هذه السياسة فشلت نسبيا في بلاد المغرب العربي؛ نظرا لوجود الإسلام واللغة العربية، فمنذ احتلال فرنسا للشمال الأفريقي وضعت نفسها في مواجهة مع هذين الحصنين، وأفرغت جهدا كبيرا للاستيلاء على العقل والقلب واللسان، وفق إستراتيجية استعمارية تقوم على إحداث شروخ في النسيج الوطني يعطيها الفرصة للقيام بهذه العملية التي وصفت بأنها عملية "اغتصاب ثقافي" للشعوب المستعمرة.

        الظهير.. بعيدا عن الشريعة والسلطان

        وكان من بين الأساليب التي استخدمها الفرنسيون في "المغرب" إصدار قانون عرف باسم "الظهير البربري" في (17 من ذي الحجة 1340هـ=16 من مايو 1930م). والظهير يعني المرسوم. ونصّ هذا الظهير على جعل إدارة المنطقة البربرية تحت سلطة الإدارة الاستعمارية، فيما تبقى المناطق العربية تحت سلطة "حكومة المخزن" والسلطان المغربي، وتم إنشاء محاكم على أساس العرف والعادة المحلية للبربر، وإحلال قانون العقوبات الفرنسي محل قانون العقوبات "الشريفي" المستند إلى الشريعة الإسلامية؛ ومن ثم قام هذا القانون بنوعين من العزل تجاه المناطق البربرية؛ أولهما عزل الإدارة السلطانية عنهم، وعزل الشريعة الإسلامية عن التقاضي بينهم، على اعتبار أن العادات والأعراف البربرية كانت سابقة على الإسلام!! وكان البربر يشكلون حوالي 45% من سكان المغرب في تلك الفترة، وينتشرون في بلاد الريف وجبال أطلس.

        السياسة البربرية؟

        جاء إصدار هذا القانون ضمن سياسة فرنسية عرفت باسم "السياسة البربرية" التي ترتكز على أن البربر "ذوو إسلام سطحي" غير متعمق في نفوسهم؛ فهم ما زالوا محتفظين بكثير من عاداتهم القبلية، وهؤلاء يمكن "تمسيحهم وتنصيرهم" بعد خلق فجوة بينهم وبين العرب، ولهذا فمن الضروري على فرنسا أن تعطي فرصة لنمو مشاعر التمايز بين عنصري الأمة بعد إبعاد البربر عن الإسلام واللغة العربية!

        وذكر محضر اللجنة المكلفة بإعداد المشروع أن الفرنسيين رأوا أنه لا ضرر من كسر وحدة التنظيم القضائي بالمنطقة الفرنسية عندما يكون الأمر متعلقا بتقوية العنصر البربري؛ وذلك لتحقيق "توازن" مع العنصر العربي؛ وتحقيق فوائد من الناحية السياسية للاستعمار؛ لأنه يضع البربر في مواجهة السلطان المغربي والشريعة الإسلامية والعرب، ويحقق التصاقا بين البربر والاستعمار.

        ولم يمض وقت طويل حتى فتحت مدارس في المناطق البربرية لتشجيع النزعة الانعزالية، ومُنع الحديث فيها باللغة العربية، ودُرّس التاريخ على أن العرب "غزاة"، وأن البربر هم أصحاب البلاد الأصليون، وأنهم قريبون من الحضارة الأوربية التي تنتمي إلى الحضارة اليونانية.

        العزل الاصطناعي

        يقول المستشرق الفرنسي "جودفروي دومومبين" في كتابه "المهمة الفرنسية فيما يخص التعليم في المغرب" الصادر عام (1928م): "إن الفرنسية -وليست البربرية- هي التي يجب أن تحل مكان العربية كلغة مشتركة وكلغة حضارة"، ثم يقول: "وجود العنصر البربري مفيد كعنصر موازن للعرب يمكننا استعماله ضد حكومة المخزن"، "إن قوام السياسة البربرية هو العزل الاصطناعي للبربر عن العرب، والمثابرة في تقريبهم منا من خلال التقاليد"، وهذا أيضا ما قرره الكولونيل "مارتي" في كتابه "مغرب الغد" الصادر في تلك الفترة "أن المدارس البربرية يجب أن تكون خلايا للسياسة الفرنسية، وأدوات للدعاية، بدلا من أن تكون مراكز تربوية بالمعنى الصحيح"، ولذلك دعا أن يكون المعلمون فيها وكلاء لضباط القيادة ومتعاونين معهم، ودعا أن تكون المدرسة البربرية فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلاميذها وبيئتها.

        التمسيح والتنصير

        صدر قانون "الظهير البربري" مع تنامي النشاطات التبشيرية في الأوساط البربرية، يقول الجنرال "بريمون" في كتابه "الإسلام والمسائل الإسلامية من وجهة النظر الفرنسية" الصادر (1932م): "يجب محو إسلام البربر وفَرْنَستهم". أما الأب "جيرو" في كتابه "العدالة الشريفة: عملها، تنظيمها المستقبلي" الصادر (1930م) فيقول: "يجب توجيه غزو معنوي للبربر. الغزاة سيكونون من الإرساليات التبشيرية. لنكلم هؤلاء الناس حول المسيح؛ أساطيرهم مليئة باسم المخلص". وحسب تقارير كنسية فرنسية؛ فإن فكرة "الظهير البربري" وتنصير البربر كانت إستراتيجية لا محيد عنها.

        الظهير.. قضية لا قانون

        وعلى عكس ما كان يرجو المستعمر، كان صدور "الظهير البربري" عاملا هاما في إيقاظ الروح الوطنية بين المغاربة، وتسليط الأضواء على "القضية المراكشية" بشكل غير مسبوق. يقول "دانييل ريفيه" الأستاذ بجامعة "السربون" في كتابه "المغرب أمام امتحان الاستعمار": "إن المغاربة تمسكوا بما لم يستطع الاستعمار أن ينتزعه منهم"، حيث اصطدم هذا المرسوم مع جيل بأكمله، ونهض هذا الجيل لمواجهته، واستغل هذه المواجهة لإيقاظ النزعة التحررية.

        لقد كان ظهور أول حزب مغربي بعد صدور "الظهير"؛ إذ ثار المغاربة على محاولات الاستعمار المسّ بوحدتهم الوطنية، واشتعلت حركة الاحتجاج في عدد من المدن، مثل "فاس"، و"سلا"، و"طنجة"، و"تطوان".

        وكان من ذكاء الحركة الوطنية في ذلك الوقت أنها ربطت الأمر بالدين؛ وهو ما وفر لها احتشادا جماهيريا كبيرا، كما أنها انطلقت من المسجد الكبير في "سلا" وبعد دعاء طويل لله ألا يفرق بين العرب والبربر؛ وبذلك حملت الهم الوطني إلى المسجد، فاشتعلت المظاهرات، وانضم التجار والصناع إلى المتعلمين.

        واجه الاستعمار الحركة الوطنية الآخذة في التكون بالقمع واعتقال المحرضين، لكن المظاهرات تأججت بشكل أكبر، واستمرت في بعض المدن عدة أيام متواصلة، وتكونت أول جماعة للكفاح الوطني في منزل "أحمد المكوار"، وأخذ أعضاؤها أسماء حركية على أسماء العشرة المبشرين بالجنة، وأطلقت هذه الجماعة على نفسها اسم "الطائفة"، وفي (29 من ربيع الأول 1349هـ=23من أغسطس1930م) كتبت عريضة لتقدمها إلى السلطان "محمد الخامس" تضمنت 3 بنود أساسية وهي: إلغاء التشريعات المتعلقة بالظهير البربري، وتوحيد التشريع والإدارة في البلاد، وتركيز السلطات في يد الملك والحكومة.

        المقاومة.. والصور

        وبرزت "كتلة العمل الوطني" التي تعد أول تنظيم سياسي مغربي، وأصدرت جريدة ومجلة إحداهما في المغرب باسم "الشعب"، والأخرى في باريس باسم "المغرب" فكان لهما أثر كبير في إيقاظ الروح الوطنية، وبدأت قضية القومية العربية والانتماء الإسلامي تطفو بقوة في المجتمع المغربي، فألقيت محاضرات عن بلاء البربر وخدمتهم للإسلام. واهتمت الحركة بنشر التعليم لحماية الثقافة والوعي، ودخل الشعب في موجات من التظاهر والإضرابات.

        لكن المهم في ذلك أن الحركة الوطنية لجأت إلى أساليب جديدة في مقاومة الاستعمار، منها مخاطبة الرأي العام بالأسلوب الذي يفهمه؛ مما وفر له التضامن الشعبي، كما أشركت الشعب في النضال الوطني من خلال اللجوء إلى مقاطعة البضائع الفرنسية بناء على نصيحة من الأمير "شكيب أرسلان" الذي قال: "إن المقاطعة هي السلاح الذي يخشاه الأوربيون؛ فهم الذين يضعون النقود فوق الله"، فبدأت حركة مقاطعة واسعة للبضائع الفرنسية شاركت فيها ربات البيوت، وامتنع الناس عن تدخين السجائر، واستخدام السكر الفرنسي، ورفضوا لبس المنسوجات الفرنسية، كما نصحهم بتصعيد قضيتهم على المستوى الدولي.

        ولجأت الحركة الوطنية إلى الأدب، ونسجت أشعارا عربية وبربرية ترفض التفريق بين مكوني الأمة، ومنها:

        صوت ينادي المغربي ** من مازغٍ ويعربِ

        يحدو الشباب المغربي ** للموت دون الوطنِ

        لا نرتضي بالتفرقةْ ** ولو علونا المشنقةْ

        ولو غدت ممزقةْ ** أشلاؤنا فدى للوطن

        وعلى مستوى العالم الإسلامي أظهر المسلمون تضامنا مع مسلمي المغرب ضد "الظهير البربري"، واعتبروا هذا المرسوم "سياسة صليبية"، فشارك "الأزهر" في حملة الاعتراض، وكونت "جمعية الهداية الإسلامية" لجنة مهمتها الحفاظ على إسلام البربر، وقامت جمعية "الشبان المسلمين" بدور في إثارة الاهتمام بالقضية، وزار الأمير "شكيب" المغرب، لكن الفرنسيين أخرجوه من طنجة.

        إلغاء.. وبقايا

        استمر هذا الظهير موجودا حتى ألغاه السلطان "محمد الخامس" في منتصف الخمسينيات. استطاعت الحركة الوطنية إفشال الأهداف الكبرى لهذا الظهير، لكن بقيت بعض رواسبه حتى الآن في بعض مظاهر الازدواجية الثقافية واللغوية بين النخبة المثقفة في المغرب.

        ويلفت النظر آراء عدد من الباحثين الذين يذهبون إلى أن "الفرانكوفونية" -وهي الرابطة التي تجمع الشعوب الناطقة بالفرنسية- ما هي إلا تطوير فرنسي للظهير البربري. كما أن الإستراتيجية الفرنسية ما زالت تشجع الفصل بين العرب والبربر، ففرنسا أنشأت "الأكاديمية البربرية" سنة (1383هـ= 1963م) التي اضطلعت بكتابة الإنجيل بالأبجدية الأمازيغية. كما أن باريس كانت تشجع الهجرة البربرية إليها دون الهجرة العربية من شمال أفريقيا


        منقول
        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

        تعليق

        • عبدالغفور الخطيب
          عضو متميز

          • Nov 2004
          • 2698

          #199
          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

          الثورة الفرنسية.. في الميزان

          (في ذكرى سجن لويس السادس عشر: 24 ذي الحجة 1206هـ)


          تعتبر الثورة الفرنسية التي انطلقت شرارتها الأولى في العام (1204هـ = 1789م) من أهم الأحداث ليس في تاريخ فرنسا فحسب بل في تاريخ أوروبا كلها، وثمة عوامل تضافرت مجتمعة في فرنسا أدت إلى حدوث هذه الثورة يمكن التعرف عليها من خلال إطلالة سريعة على أحوال فرنسا قبيل العام (1789م = 1204هـ).

          على صعيد الأحوال الاجتماعية والسياسية كانت فرنسا تعيش حالة من الاستقرار النسبي في ظل حكم لويس الرابع عشر الذي اهتم بالفنون والآداب ونال حب الشعب واحترامه، ولكن بعد وفاته، وانتقال العرش إلى رجال أقل منه شأنًا، بدأ العبء ينزلق تدريجيًا عن كاهل الملك ووزرائه إلى كاهل الطبقة المتوسطة (البرجوازية) التي كانت قد بدأت تبرز للوجود، وبخاصة في عهد لويس السادس عشر الذي اتسم بضعف الشخصية، والذي قامت في عهده الثورة وتم إعدامه فيها في (8 جمادى الآخرة 1207هـ = 21 يناير 1793م)، وكان أفراد هذه الطبقة المتوسطة في معظمهم متعلمين وميسوري الحال، ومن ثم بدءوا يشعرون بعدم الرضا عن المكانة الدنيا التي يحتلونها بالقياس إلى طبقة النبلاء، وأصحاب المقام الرفيع في الكنيسة. فكان تذمرهم وتمردهم على هذه الأوضاع من العوامل التي أشعلت فتيل الثورة بالتحالف مع العامة أو من يسمونهم بالطبقة الثالثة التي كانت ترزح في أوضاع سيئة في ظل النظام الإقطاعي السائد آنذاك.

          أما عن الأحوال الاقتصادية فقد بلغت غاية السوء للدرجة التي لم تستطع فيها الحكومة أن توفر للشعب الغذاء الكافي، وكان ذلك نتيجة الحروب الطويلة، والبذخ على المستويين العام والخاص، وضعف الملوك وعجز الوزراء عن التمسك بالسياسات الموحدة، كل هذا أدى إلى حالة من الفوضى الاقتصادية في البلاد، ولم يستطع أحد علاجها حتى تفاقمت الديون على فرنسا.

          اجتماع مجلس طبقات الأمة

          بعد أن ساءت الأحوال الاقتصادية، وزادت الضرائب المفروضة قرر الملك عقد مجلس الطبقات في (1204هـ = 5 مايو 1789م) الذي جاء على هوى الطبقة الأرستقراطية. فقد كانت التقاليد تقضي بأن يتألف المجلس من ثلاث هيئات منتخبة تمثل إحداها "الإقليدوس" (الملك- الكنيسة)، وتمثل الثانية "النبلاء"، والثالثة تمثل "الشعب". وكان الاقتراع يتم على هيئة ثلاث وحدات منفصلة وليس طبقًا لعدد الأعضاء. وحيث كانت طبقة رجال الكنيسة خاضعة لسيطرة النبلاء الذين يتقلدون المناصب الرفيعة في الكنيسة لقاء الخدمات التي يقدمونها، فقد كانت الطبقتان الأوليان على يقين دائم من الحصول على أغلبية الأصوات، وبالتالي يقوم أبناء الطبقة الثالثة –الشعب- بتحمل عبء الضرائب المفروضة وحدهم. وقد فطن أبناء هذه الطبقة لهذا الأمر، وطالبوا بأن يكون التصويت في المجلس طبقًا لعدد الأعضاء لا طبقًا للطبقة، ثم طالبوا بأن يكون للمجلس السلطة في تنفيذ المشاريع. وطالب الشعب في أول الأمر بأن يجتمع المجلس في قاعة واحدة، وكل هذه الإجراءات سعى العامة لتحقيقها لكي يحصلوا على الأغلبية بمن ينضم إليهم ممن يعطفون عليهم وعلى حركتهم من رجال الدين والأشراف الذين كانوا يريدون انضمامهم إلى العامة ليكون لهم القيادة والنفوذ.

          وقبل ذلك كان المجلس يجتمع ويعرض الملك عليه آراءه ثم ينصرف أعضاؤه إلى مدنهم قانعين. ولكن هذا المجلس طالب بأن المسائل التي تعرض عليهم يجب تنفيذها وألا يُفضّ المجلس بل يبقى بجانب الملك. أصر نواب العامة على تنفيذ مطالبهم التي رفضها الملك؛ فأضربوا عن دفع الضرائب، وكلما مر الوقت ازداد رجال العامة قوة بمن ينضم إليهم من أشراف ورجال الدين، وكلما زادت قوتهم تشددوا في مطالبهم.

          وفي ذلك الوقت يظهر بين طبقة العامة نائب يدعى (سييس) وهو من رجال الدين الذين تولوا البحث في الدستور، وأعلن أنه إذا رفضت طبقة الأشراف ورجال الدين الانضمام إليهم فسيعلنون أنفسهم نوابًا للشعب ويطلقون على أنفسهم الجمعية الوطنية، وقد ووفق على هذا الاقتراح في (3 من شوال 1204هـ = 16 يونيو 1789م) ولكن الملك لم يوافق على اجتماع الطبقات في قاعة واحدة، وأصر نواب العامة على مطلبهم فاضطر الملك مرغمًا إلى الموافقة، ورأى رجال الجمعية الوطنية أن يضعوا دستورًا للدولة.


          الثوار يدكون الباستيل رمز الطغيان

          وتوالت بعد ذلك الأحداث حتى نجح الثوار في إسقاط سجن الباستيل رمز الطغيان في (2 من ذي القعدة 1204هـ = 14 يوليه 1789م) وبسقوطه زادت قوة الثوار حتى أصدروا الدستور الجديد الذي اتخذ من الحرية والإخاء والمساواة قواعد انطلق منها إعلان حقوق الإنسان والمواطن في (15 من ذي الحجة 1204هـ = 26 أغسطس 1789م) ثم إعلان الجمهورية وإلغاء الملكية في (5 من صفر 1207هـ = 22 سبتمبر 1892م). وقد سبق إعلان الجمهورية سجن لويس السادس عشر في (24 من ذي الحجة عام 1206هـ = 13 أغسطس 1792م) ثم إعدامه في (8 من جمادى الآخرة 1207هـ = 21 من يناير 1893م)، ثم إعدام زوجته "ماري أنطوانيت" في (10 من ربيع الأول 1408هـ = 16 أكتوبر 1793م).

          شعارات الثورة في الميزان

          اتخذت الثورة الفرنسية مبادئها من أفكار الفلاسفة: "جان جاك روسو" و"فولتير" و"مونتسكيه"، ورفعت عبارة: (الحرية – الإخاء – المساواة) كشعار لها، ولكن إلى أي مدى التزمت الثورة بهذا الشعار سواء على صعيد الداخل الفرنسي إبان الثورة أو على صعيد سياسة حكومتها الخارجية فيما بعد؟


          لويس الـ16 وزوجته في قبضة الثوار

          يعلق "روبرت دارنتون" أستاذ تاريخ أوروبا الحديث في جامعة "برنستون" في ذكرى احتفال فرنسا بمرور مائتي عام على قيام الثورة الفرنسية قائلاً: إذا كانت فرنسا تحتفل بمرور مائتي عام على سقوط الباستيل، وإزالة الإقطاع، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، فإن الوضع في فرنسا في الفترة التي قامت فيها الثورة لم يكن في حقيقة الأمر على كل ذلك القدر من السوء كما يعتقد الكثيرون. فالباستيل كان خاليًا تقريبًا من السجناء وقت الهجوم عليه يوم (14 يوليو 1789م = 2 من ذي القعدة 1402هـ) كما أن الإقامة فيه لم تكن سيئة تمامًا كما يتصور الناس، ولكن ذلك لم يمنع الثوار من أن يقتلوا مدير السجن لا لشيء إلا لأنه من النبلاء، ثم طافوا بعد ذلك بجثته في الشوارع. كذلك كان الإقطاع قد انتهى بالفعل وقت أن أعلنت الثورة إلغاءه أو لم يكن على الأقل موجودا بمثل تلك الدرجة الفاحشة.

          ويضيف قائلاً: وإذا كانت الثورة قد أعلنت حقوق الإنسان والمواطن فإنها لم تلبث أن أهدرت هذه الحقوق بما ارتكبته من جرائم ومذابح وموجات إرهاب اجتاحت فرنسا كلها بعد 5 سنوات فقط من إعلان تلك الحقوق لدرجة أن بعض المؤرخين البريطانيين مثل "ألفريد كوبان" كان يصف هذه الإعلانات (حقوق الإنسان والمواطن) بأنها مجرد أسطورة.

          ويقول المؤرخ الفرنسي "بيير كارون" الذي أصدر عام (1354هـ = 1935م) كتابًا عن المذابح التي حدثت في السجون الباريسية إبان عهد الثورة في (15 من محرم 1207هـ= 2 سبتمبر 1792م).. يقول عن هذه المذابح: إن هذه المذابح كان لها طابع (شعائري) جارف، وقد بدأت بالهجوم على بعض السجون بزعم القضاء على بعض المؤامرات التي كانت تدبر فيها للإطاحة بالثورة، وأقام "الدهماء" من أنفسهم محكمين وقضاة ومحلفين في فناء هذه السجون، حيث كان السجناء يقدمون للمحاكمة واحدًا بعد الآخر فتوجه إليهم التهم ويحكم لهم أو عليهم ليس تبعًا للأدلة والشواهد؛ وإنما تبعًا لمظهرهم العام وسلوكهم وشخصيتهم بل وتكوينهم الجسدي. كما كان أي تردد أو أي اضطراب يظهر على الشخص يعد دليلاً للإدانة وعلى ثبوت التهمة فيحكم عليه بالإعدام، وكان الذي يتولى المحاكمة وإصدار الحكم شخصًا عاديًا، كما كانت أحكامه تقابل بالتصفيق والصياح من الجماهير الذين تجمعوا من الشوارع المحيطة وأصبحوا بمثابة محلفين، وكان الشخص الذي يحكم ببراءته يؤخذ بالأحضان والتهنئة والقبلات ويطوفون به الشوارع، بينما كان الشخص الذي يحكم عليه بالإدانة يتم إعدامه طعنًا بالخناجر والسيوف وضربه بالهراوات الثقيلة ثم تنزع عنه ملابسه ويلقى بجسده فوق كومة من أجساد الذين سبقوه.

          والغريب أن الذين كانوا يقترفون هذه المذابح كانوا يرتكبونها باسم الحرية وحقوق الإنسان و(المواطن والعدالة والمساواة)!

          منبع الإرهاب!


          أما "سيرجو بوسكيرو" رئيس الحركة الملكية الإيطالية فيقول: إن الثورة الفرنسية كانت عبارة عن حركة معادية للشعب الفرنسي إبان قيامها، كما أن أسطورة السيطرة الشعبية على سجن الباستيل لم تكن سوى عملية سطو على مخزن الأسلحة في الباستيل الذي كان يستضيف 7 مساجين فقط، منهم 3 مجانين.

          ويضيف قائلاً: إن الثورة الفرنسية بحق قامت بأكبر مجزرة في التاريخ أو على الأقل في الشعب الفرنسي، حيث قتلت 300 ألف فلاح، وهي بذلك تعد منبع الإرهاب العالمي؛ إذ ولدت "ظاهرة الإرهاب" من الثورة الفرنسية.

          حرية أم عبودية؟

          أما على صعيد السياسة الخارجية التي انتهجتها حكومات الثورة الفرنسية فقد جاءت متناقضة تمامًا مع ما أعلنته الثروة من مبادئ (الحرية والإخاء والمساواة) وبخاصة فيما يتعلق بشعوب آسيا وإفريقيا التي استعمرتها والتي تعاملت معها بمنطق السيد والعبد. ولم تمضِ فترة وجيزة من الزمن حتى جاءت الحملة الفرنسية على مصر عام (1213هـ = 1789م)، ثم بعدها بفترة جاء الاحتلال الفرنسي للجزائر والمغرب وتونس وغيرها من المناطق في آسيا وإفريقيا.

          ومما يؤكد أسطورية المبادئ التي رفعتها الثورة الفرنسية من الحرية والإخاء والمساواة إلقاء نظرة سريعة على بعض أفكار الفيلسوف الفرنسي "مونتسكيه" الذي قامت الثورة على مبادئه وأفكاره، وفي ذلك تقول الدكتورة "زينب عصمت راشد" أستاذة التاريخ الحديث بجامعة عين شمس: إنه ليؤسفنا حقًا أن ينخدع العالم بوجود مفكرين راشدين بين من زعموا أنهم ثاروا لدعوة الحق والحرية والعدالة والإخاء والمساواة، وفيهم من استحل ظلم الإنسان لأخيه الإنسان لا لشيء سوى بشرته. ويعد مونتسكيه أشهر الأمثلة على ذلك، وهو من أئمة التشريع في الثورة الفرنسية، وصاحب كتاب "روح القوانين"، إذ يقول في تبرير استرقاق البيض للسود كلامًا لا يمكن صدوره من عقل مفكر، يقول مونتسكيه في بعض عباراته: "لو طلب مني تبرير حقنا المكتسب في استرقاق السود لقلت إن شعوب أوروبا بعد أن أفنت سكان أمريكا الأصليين لم تر بدًا من استرقاق السود في إفريقيا لتسخيرهم في استغلال تلك البقاع الواسعة، ولولا استغلالهم في زراعة هذه الأرض للحصول على السكر لارتفع ثمنه".

          وتمضي د. زينب قائلة: يقول مونتسكيه مبررًا جرائم الاستعمار الأوروبي ما يأتي: "أولئك الذين سخروا في هذا العمل ليسوا غير أقوام من السود، فطس الأنوف لا يستحقون شيئًا من رحمة أو رشاد".

          ويقول: "إنه لا يتصور مطلقًا أن الله بحكمته السامية قد وضع في تلك الكائنات السود أرواحًا يمكن أن تكون طيبة".

          الثورة الفرنسية والمشرق الإسلامي

          لم يحدث أن سمع المشرق العربي الإسلامي عن الثورة الفرنسية ومبادئها إلا مع قدوم نابليون بونابرت على رأس حملته على مصر للاستيلاء عليها واستعمارها عام (1213 هـ= 1798م)، وقد حاول نابليون أن يطبق في مصر ما أقرته الثورة الفرنسية من أفكار ونظم سياسية، وكان الحكم النيابي في طليعة الإجراءات التي حاول نابليون تطبيقها.

          ويرى كثير من العلماء والدارسين أن هذا النوع من الحكم المتكئ في أصوله إلى الثورة الفرنسية هو بداية العلمانية في مصر؛ ومن ثم إلى معظم البلدان العربية، حيث تم تصريف الأمور وحكم الرعية بعيدًا عن الدين وتوجيه القرآن الكريم.

          وقد لاحظ الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ذلك عندما وصف الفرنسيين بأنهم "لا يتدينون". وهذه النظرة العلمانية أثرت في المجتمع المصري تأثيرًا واضحًا؛ حيث شجع الفرنسيون المصريين على البغاء، وسفور النساء وتبرجهن واختلاط الجنسين.

          الثورة الفرنسية والصهيونية

          ومما يتعلق بالثورة الفرنسية وحملة بونابرت على مصر وأثرهما في العالم العربي والإسلامي تبنيها للحركة الصهيونية ومساعدة اليهود في إنشاء وطن قومي في أرض الميعاد -على حد زعمهم- فقد وعد الثوار بإقامة كومنولث يهودي في فلسطين إن نجحت الحملة الفرنسية في احتلال مصر والشرق العربي.

          يذكر الدكتور أمين عبد محمود مؤلف كتاب "مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى" أن الوعد الفرنسي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين كان مقابل تقديم الممولين اليهود قروضًا مالية للحكومة الفرنسية التي كانت تمر آنذاك بضائقة مالية خانقة، والمساهمة في تمويل الحملة الفرنسية المتجهة صوب الشرق بقيادة بونابرت.


          منقول
          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

          تعليق

          • عبدالغفور الخطيب
            عضو متميز

            • Nov 2004
            • 2698

            #200
            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

            المبرّد.. أسير اللغة العربية

            (في ذكرى وفاته: 28 ذي الحجة 286هـ)




            عاش "المبرِّد" في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، وعاصر كثيرًا من الخلفاء العباسيين الذين اهتموا بالعلم والعلماء، وساهموا في إرساء دعائم الحضارة الإسلامية ورقيِّها وصناعة نهضة حضارية عظيمة في مختلفة العلوم والفنون.

            وكان "المبرِّد" واحدًا من هؤلاء العلماء الذين تشعبت معارفهم، وتنوعت ثقافاتهم لتشمل العديد من العلوم والفنون، وإن غلبت عليه العلوم البلاغية والنقدية والنحوية، فإن ذلك ربما كان يرجع إلى غيرته الشديدة على قوميته العربية ولغتها وآدابها في عصر انفتحت فيه الحضارة العربية على كل العلوم والثقافات، وظهرت فيه ألوان من العلوم والفنون لم تألفها العرب من قبل.

            نشأته وشيوخه

            ولد المبرد بالبصرة نحو سنة [210هـ = 825م]، واسمه محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، وينتهي نسبه بـ"ثمالة"، وهو عوف بن أسلم من الأزد.

            وقد لُقب بالمبرد قيل: لحسن وجهه، وقيل: لدقته وحسن جوابه، ونسبه بعضهم إلى البردة تهكمًا، وذلك غيرة وحسدًا.

            نشأ المبرد في البصرة، وتلقى العلم فيها على عدد كبير من أعلام عصره في اللغة والأدب والنحو منهم: "أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي"، وكان فقيهًا عالمًا بالنحو واللغة، و"أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني" الذي وصفه "المبرد" بأنه كان أعلم الناس بالنحو بعد "سيبويه"، كما تردد على "الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر"، وسمع منه وروى عنه حتى عُد من شيوخه، وأخذ عن "أبي حاتم السجستاني"، وكان من كبار علماء عصره في اللغة والشعر والنحو، كما تلقى عن "التوزي" -أبو محمد عبد الله بن محمد-، وكان من أعلم الناس بالشعر.

            ولم تقتصر روافد ثقافة "المبرد" ومصادر علمه على ما يتلقاه عن شيوخه فحسب، وإنما كان نهم القراءة؛ فكان يقرأ كل ما يمكن أن يصل إليه من كتب السابقين.

            تلاميذه

            وقد تلقى عنه عدد كبير من الأدباء والأعلام، منهم: "الزَّجَّاج" و"الصولي" و"نفطويه النحوي" و"أبو على الطوماري" و"ابن السراج" و"الأخفش الأصغر" و"أبو على إسماعيل الصفار" و"أبو الطيب الوشاء" و"وابن المعتز العباسي" و"أبو الحسين بن الجزار" و"ابن درستويه" و"وأبو جعفر النحاس".

            وهم جميعًا من كبار علماء العربية وأعلامها المشهورين، وقد تركوا العديد من المؤلفات القيمة والتصانيف الشهيرة في مختلف العلوم والفنون.

            وكان "الزَّجَّاج" أكثرهم التصاقًا به وأغزرهم رواية عنه؛ فهو أول تلميذ للمبرد في "بغداد"، وقد ظل وفيًا له طوال حياته.

            وقابل "المبرد" ذلك الوفاء بمزيد من الحب والتقدير، فكان لا يقرئ أحدًا كتاب "سيبويه" إلا إذا قرأه على "الزجاج"، ولما تقدمت به السن طلب منه الخليفة "المعتضد" تصنيف بعض الكتب، فاعتذر لكبر سنه ومرضه، وسأل الخليفة أن يقوم بذلك تلميذه "الزجاج" بدلا منه.

            مكانته العلمية

            بعد وفاة "المازني" صار المبرد زعيم النحويين بلا منازع وإمام عصره في الأدب واللغة من بعد شيخه، فأقبل عليه الدارسون من كل حدب وصوب، وصار بيته كعبة لطلاب العلم ورواد المعرفة من كل مكان، ومنتدى للوجهاء والعظماء والأعيان.

            واختصه كثير من سراة القوم وأعيانهم لتأديب أبنائهم؛ لما عُرف عنه من العلم والفضل والأدب، وما اشتهر به من المروءة والوفاء.

            وبالرغم من أنه عاصر تسعة من الخلفاء العباسيين هم: "المأمون" [ 198 ـ 218 هـ = 813- 833م]، و"المعتصم" [218 ـ 227هـ= 833ـ842م]، "والواثق" [227 - 232هـ = 842ـ 843م] و"المتوكل" [232 - 247 هـ = 847 - 861م]، و"المنتصر" [247 ـ 248هـ = 861 ـ 862م]، و"المستعين" [248 ـ 252 هـ= 862 ـ 866 هـ]، و"المهتدي" [252 ـ 256هـ= 866 ـ 870م] و"المعتمد" [256 ـ 279هـ= 870 ـ 892م]، و"المعتضد" [279ـ 290هـ= 892 ـ 905م].

            فإنه لم يتصل إلا بواحد فقط منهم، هو الخليفة "المتوكل"، وقد جاء خبر قدومه عليه في قصة لطيفة، وذلك أن "المتوكل" قرأ يومًا في حضرة "الفتح بن خاقان" قوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام: 109)

            بفتح همزة (أن)، فقال له الفتح: إنها يا سيدي بالكسر، وصمم كل منهما على أنه على صواب، فتبايعا على عشرة آلاف درهم يدفعها من لا يكون الحق في جانبه.

            وتحاكما إلى "يزيد بن محمد المهلبي"، وكان صديقًا للمبرد، ولكنه خاف أن يسخط أيا منهما، فأشار بتحكيم "المبرد، فلما استدعاه "الفتح" وسأله عنها قال: "إنها بالكسر، وهو الجيد المختار، وذكر تفسير ذلك والأدلة عليه".

            فلما دخلوا على "المتوكل" سأله عنها، فقال: يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرءونها بالفتح، فضحك "المتوكل" وضرب رجله اليسرى، وقال: "أحضر المال يا فتح".

            فلما خرجوا من عنده عاتبه "الفتح" فقال المبرد: "إنما قلت: أكثر الناس يقرءونها بالفتح، وأكثرهم على الخطأ، وإنما تخلصت من اللائمة، وهو أمير المؤمنين"!

            وتوثقت صلته بالفتح الذي أعجب بعلمه وذكائه وغزارة علمه وحسن حديثه؛ فكان كل منهما يحرص على وُدِّ صحابه، ويقدر له مكانته.

            المبرد بين أنصاره وحساده

            وقد عرف "المبرد" بطلاقة لسانه، وسلامة عبادته، وكان عذب الحديث حسن الفكاهة؛ ولذلك فقد حرص الولاة والأمراء على مجالسته ومسامرته.

            وكان على علمه ومكانته حلو الفكاهة لطيف المداعبة، معروفًا بالأدب والظرف؛ فكان أصدقاؤه يحبون ذلك منه، ويجيبون دعاباته بلطائف دعاباتهم.

            روي أن أحد الأدباء، وكان يُدعى "برد الخيار" لقي المبرد على الجسر في يوم بارد، فقال: "أنت المبرد وأنا برد الخيار، واليوم بارد، اعبر بنا سريعًا لئلا يصيب الناس الفالج" (ريح يصيب الإنسان فيرخِّي بعض البدن).

            وكان المبرد إلى جانب ما عُرف به من كثرة محفوظه وقوة حافظته يتمتع ببديهة حاضرة وذهن وقّاد، وأكسبته غزارة علمه قدرة فائقة على الرد على كل سؤال، وكان ذلك مثار عجب أنصاره وحسد أعدائه، حتى إنهم اتهموه بالوضع في اللغة لكثرة حفظه وسرعة إجابته.

            أقوال العلماء فيه

            وقد وثقه العلماء وأصحاب الجرح والتعديل؛ فقال عنه "الخطيب البغدادي":

            "كان عالمًا فاضلا موثوقًا في الرواية". وقال "ابن كثير": "كان ثقة ثَبَتًا فيما ينقله". وقال "القفطي": "كان أبو العباس محمد بن يزيد من العلم وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العشرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط، وصحة العزيمة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق؛ على ما ليس عليه أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه". وقال: "ياقوت": "كان إمام العربية، وشيخ أهل النحو ببغداد، وإليه انتهى علماؤها بعد الجرمي والمازني". وقال: "الزبيدي": "كان بارعًا في الأدب وكثرة الحفظ والفصاحة وجودة الخط".

            ومدحه عدد من الشعراء، منهم "البحتري" الذي دعا إلى الاقتباس من أنوار علمه، ووصفه بالكوكب:

            ما نال ما نال الأميرُ محمد
            إلا بيُمن محمـد بن يزيــد

            وبنو ثمالةَ أنجمٌ مسعودة
            فعليك ضوءُ الكوكب المسعود



            المنافسة بين "ثعلب" و"المبرد"

            حينما قدم "المبرد" إلى "بغداد" كان "أبو العباس أحمد بن يحيى" المعروف بثعلب على رأس علمائها ومشايخها، فخشي مزاحمة "المبرد" له، وانتزاع الرياسة منه؛ فأغرى به بعض تلاميذه يعنتونه بالأسئلة حتى يعجزوه؛ فينصرف عنه الناس، وكان "الزجاج" على رأس من أغراهم "ثعلب" به؛ لأنه كان أبرعهم حجة وأكثرهم علمًا وذكاء.

            ولكن "المبرد" استطاع بعلمه وبلاغته وقوة حجته أن يأخذ بعقل "الزجاج" ويستحوذ على إعجابه؛ فترك "ثعلب" ولزم "المبرد" يأخذ عنه ويتتلمذ عليه.

            وبالرغم من اشتعال المنافسة بين الرجلين واشتداد التنافر بينهما، وعنف "ثعلب" في الهجوم على "المبرد" وكثرة تعريضه به، وتعرضه له، فإن "المبرد" كان بعيدًا عن العنف به، ويأبى مواجهته بالسوء؛ فلم يُعرف عنه أنه أغرى به أحدًا من تلاميذه، أو أوعز إلى أحد أن يعنته بسؤال. بل إنه حينما سئل عن "ثعلب" قال: "ثعلب أعلم الكوفيين بالنحو"!

            "المبرد" شاعرًا

            كان "المبرد" مع روايته للشعر وحفاوته به قليل الشعر، ولم يصل إلينا من نظمه إلا النزر اليسير، وهو على ندرته يتسم بالجودة والرقة والعذوبة. ومن جيد شعره قوله في الغزل:

            فإن تكُ ليلى قد جفتني وطاوعت
            على صرْم حبلي من وَشى وتكذَّبا

            لقد باعت نفسًا عليهـا شفيقـة
            وقلبًا عصى فيها الحبيب المقرَّبا

            فلست وإن ليلـى تولت بودِّهـا
            وأصبح باقي الوصل منها تقضُّبا

            بمُثنٍ سوى عرف عليها ومشمتٍ
            وشاة بها حولـي شهـودًا وغيَّبا

            ولكننـي لا بـد أنـي قـائـل
            وذو الودّ قـوَّال إذا مـا تعقَّـبـا


            وله في المدح:

            جهرت بحلفة لا أتقيهـا
            بشكِّ في اليمين أو ارتياب

            بأنك أحسـن الخلفــاء
            وأسْمحُ راحتين ولا أحابي

            وأن مطيعك الأعلى مقامًا
            ومن عصاك يهوى في تباب


            وله في الرثاء:

            لعمري لئِن غال ريبُ الزمان
            فساء لقد غـال نفسًا حبيبـة

            ولكن علمـي بما في الثـوا
            ب عند المصيبة يُنسي المصيبة


            وله في الحكمة:

            ما القرب إلا لمن صحت مودتُــه
            ولم يخُنك، وليس القرب في النسب

            كم من قريب دوى الصدر مضطغن
            ومن بعيـد سليم غيـر مغتـرب


            آثار "المبرد" ومؤلفاته


            بالرغم من مكانة المبرد الأدبية والعلمية، وغزارة علمه واتساع معارفه، فإنه لم يصلنا من آثاره ومؤلفاته إلا عدد قليل منها:

            1- الكامل: وهو من الكتب الرائدة في فن الأدب، وقد طُبع مرات عديدة، وشرحه "سيد بن علي المرصفي" في ثمانية أجزاء كبيرة بعنوان "رغبة الأمل في شرح الكامل".

            2- الفاضل: وهو كتاب مختصر يقوم على أسلوب الاختيارات، ويعتمد على الطرائف وحسن الاختيار.

            3- المقتضب: ويقع في ثلاثة أجزاء ضخمة، ويتناول كل موضوعات النحو والصرف بأسلوب واضح مدعَّم بالشواهد والأمثلة.

            4- شرح لامية العرب.

            5- ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد.

            6- المذكر والمؤنث.

            كما يُنسب إليه عدد آخر من المؤلفات التي لا تزال مخطوطة، مثل:

            1- التعازي والمرائي.

            2- الروضة.



            بالإضافة إلى بعض الكتب الأخرى التي وردت إشارات عنها في عدد من المراجع والمصادر العربية القديمة، ولكنها لم تصل إلينا، مثل:

            1- الاختيار: وقد ذكره "المبرد" في "الكامل".

            2- الاشتقاق: وذكره "ابن خلكان" في "وفيات الأعيان".

            3- الشافي: وقد ورد ذكره في "شرح الكافية".

            4- الفتن والمحن: ذكره "الصولي" في "أخبار أبي تمام".

            5- الاعتناب": ذكره "البغدادي" في "خزانة الأدب".

            6- شرح ما أغفله سيبويه: ذكره "ابن ولاد" في "الانتصار".

            وتوفي "المبرد" في [28 من ذي الحجة 286هـ = 5 من يناير 900م].



            منقول
            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

            تعليق

            • عبدالغفور الخطيب
              عضو متميز

              • Nov 2004
              • 2698

              #201
              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

              أورخان الأول.. والاتجاه نحو أوربا

              (في ذكرى مولده: الأول من المحرم 687 هـ)




              نشأ أورخان في كنف أبيه السلطان "عثمان الغازي" مؤسس الدولة العثمانية التي إليه تنسب. وحرص أبوه على إعداده لتولي المسئولية ومهام الحكام؛ فعهد إليه بقيادة الجيوش التي كان يرسلها إلى حدود الدولة البيزنطية. وكان أورخان عسكريا من الطراز الأول.

              لم يكد أورخان ينجح في فتح مدينة بورصة -مدينة في آسيا الوسطى- حتى استدعاه والده الذي كان في مرض الموت وأوصى له بالحكم من بعده في (21 من رمضان 726 هـ= 21 من أغسطس 1325م) وترك له وصية سجلها المؤرخ العثماني عاشق الحلبي جاء فيها:

              "يا بني، أحط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود، لا يغرنّك الشيطان بجهدك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة. يا بني، لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم، أو سيطرة أفراد؛ فنحن بالإسلام نحيا وللإسلام نموت، وهذا يا ولدي ما أنت أهل له. يا بني، إنك تعلم أن غايتنا هي إرضاء رب العالمين، وأنه بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق فتحدث مرضاة الله جل جلاله".

              وعلى الرغم من أورخان لم يكن أكبر أبناء عثمان الغازي فإن أخاه الأكبر "علاء الدين" لم يعلن العصيان أو يعارض وصية أبيه، بل قدم الصالح العام للدولة على الصالح الخاص والذاتية الشخصية، وجعل نفسه في خدمة أهداف الدولة العليا. وقد عين أورخان أخاه علاء الدين في الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) فقام بتدبير الأمور الداخلية، على حين تفرغ أورخان للفتوحات العثمانية.

              كان أول عمل قام به أورخان هو أن نقل عاصمة دولته إلى مدينة بورصة؛ نظرا لحسن موقعها. وأرسل أورخان قواد جيوشه لفتح ما تبقى من بلاد آسيا الصغرى الخاضعة لنفوذ البيزنطيين؛ ففتحوا أهم مدنها، وفتح السلطان بنفسه مدينة "أزميد" وهى مدينة يونانية قديمة بآسيا الصغرى. ولم يبق من المدن المهمة بتلك المنطقة سوى مدينة "أزنيك" فحاصرها وضيق عليها الحصار حتى دخلها بعد سنتين، وانتهى بذلك نفوذ البيزنطيين في بلاد آسيا الصغرى.

              اتبع أورخان في البلاد المفتوحة سياسة اللين والرفق؛ وهو ما جذب إليه قلوب الأهالي، حيث لم يعارضهم في إقامة شعائر دينهم، وسمح لهم بحرية الحركة والتنقل ونحو ذلك.

              وقد أدت هذه السياسية السمحة إلى أن الغالبية العظمى من الروم البيزنطيين الذين كانوا يسكنون هذه المناطق دخلوا الإسلام طوعا. وأفتى الفقهاء -الذين كان السلاطين يستشيرونهم في كل ما يتصل بتشريعات الدولة ونظمها- بأن كل من أسلم بأهله من السكان صار من أهل الدولة.

              وهذه الفتوى سهلت على العثمانيين فتح إمارة "قرة سي" الواقعة على البحر سنة (736هـ= 1336م) وبهذا سيطر الأتراك العثمانيون على الركن الشمالي الغربي لآسيا الصغرى.

              تسامع الأتراك في شرقي آسيا بانتصارات بني عمومتهم فتوافدوا عليهم ألوفا وانضموا إلى جيوشهم فتضاعف أعداد الأتراك العثمانيين مرات كثيرة.

              أعمال نظامية حضارية

              وبعد أن فتح أورخان إمارة "قرة سي" أمضى 20 سنة دون أن يخوض معارك كبيرة؛ ولذا شغل نفسه في وضع النظم المدنية والعسكرية التي تقوي من شأن الدولة وتعزز من الأمن الداخلي، وعني ببناء المساجد والمدارس ورصد الأوقاف عليها وإقامة المنشآت العامة.

              ولعل من أهم الأعمال التي قام بها أورخان في تنظيم الجيوش أنه أنشأ فرق الإنكشارية بناء على اقتراح من أحد قادة الجيش يدعى "قرة خليل". ويقوم بناء فرق الإنكشارية على عزل الأولاد الصغار من أسرى الحرب وتربيتهم تربية إسلامية خالصة تقطعهم عن ماضيهم السابق فلا يعرفون أبا إلا السلطان ولا حرفة إلا الجهاد في سبيل الله.

              وقد ارتقت فرق الإنكشارية في النظم وزاد عددها فيما بعد وصارت الدولة العثمانية تعول عليها في حروبها، وكانت من أكبر وأهم عوامل امتداد سلطة الدولة العثمانية وزيادة رقعتها واتساع فتوحاتها.

              عبور الشاطئ الأوربي

              وفي سنة (756 هـ= 1355م) استنجد الإمبراطور البيزنطي "جان باليولوج" بالسلطان أورخان طالبا الدعم والمساعدة لصد غارات ملك الصرب "إستفان دوشان" الذي أصبح يهدد القسطنطينية نفسها، وكانت مملكة الصرب التي تقع جنوبي شبه جزيرة "غاليبولي" وتعرف بمملكة "ولاشيا" الصربية قد شهدت نهضة قصيرة في أيام ملكها إستفان دوشان.

              أجاب أورخان طلب الإمبراطور البيزنطي وأرسلا لدوشان جيشا كبيرا، لكن دوشان عاجلته المنية قبل وصوله بجيوشه إلى القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية فتوقفت حملته، وتخلص البيزنطيون من تهديده، وفي الوقت نفسه عاد الجيش العثماني من حيث أتى دون قتال.

              غير أن العثمانيين بعد عبورهم للشاطئ الأوروبي تيقنوا من حالة الضعف التي حلت بالإمبراطورية البيزنطية؛ وبدأ أورخان يجهز الكتائب لاجتياز الحرب واحتلال بعض النقاط على الشاطئ الأوروبي لتكون مركزا لأعمال العثمانيين في أوربا؛ فاجتاز سليمان باشا أكبر أبناء السلطان أورخان مضيق الدرنديل سنة (758هـ= 1357م) وتمكن هو وجنوده من فتح مدينة غاليبولي التي تبعد عن القسطنطينية بحوالي 86.5 ميلا، واحتلوا عدة مدن أخرى منها "أبسالا" وهي تقع في شمال مضيق الدرنديل في الجانب الأوروبي، و"رودزستو" التي تقع على بحر مرمرة من الجانب الغربي؛ ولذا يعد أورخان أول سلطان عثماني يمتد ملكه إلى داخل أوربا، ويعد دخول الأتراك العثمانيين إلى البلقان والقارة الأوروبية من الوقائع التاريخية المهمة؛ حيث غيرت وجه التاريخ الأوربي ومصير الدول الأوربية، وكان ذلك بداية لتقدم تركي سريع في البلقان.

              توفي السلطان أورخان سنة (762هـ= 1362م) بعد حكم دام 38 سنة، وقد بلغت مساحة الأراضي العثمانية في هذا التاريخ 95000 كم2، وهي تمثل 6 أضعاف ما كانت عليه عند جلوس السلطان أورخان على كرسي الحكم.

              منقول
              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

              تعليق

              • عبدالغفور الخطيب
                عضو متميز

                • Nov 2004
                • 2698

                #202
                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                البهائية.. والخروج من رحم البابية

                (في ذكرى مولد مؤسسها: 2 من المحرم 1233هـ)



                في قرية "نور" محمد نواحي "مازندران" بإيران ولد "حسين علي بن عباس بزرك"، الملقب بالبهاء مؤسس البهائية. كان أبوه موظفا كبيرا في وزارة المالية، ومن أسرة يشغل أبناؤها المناصب المهمة في المصالح والوزارات الحكومية.

                لم يتلق "حسين علي" تعليما نظاميا في مدرسة أو معهد، وإنما عهد به أبوه إلى من يعلمه في المنزل، ولما نال قسطا من التعليم اعتمد على نفسه في المطالعة والقراءة، فقرأ كتب الصوفية والشيعة، وشغف بقراءة كتب فرقة الإسماعيلية، وكتب الفلاسفة القدماء، وتأثر بأفكار بعض الأديان الوضعية كالبرهمية، والبوذية والزرادشتية، واشتهر بالقدرة على المناظرة والجدل.

                الالتقاء بـ"الباب"

                وفي سنة (1260هـ = 1844م) انضم حسين علي إلى دعوة الميرزا "علي محمد الشيرازي" المعروف بـ"الباب" الذي ادَّعى النبوة والرسالة، والتفّ حوله الأتباع والدعاة من غلاة الباطنية، وكان "حسين علي" من بين هؤلاء الدعاة.

                وقد بدأت الدعوة البابية الفاسدة في الانتشار، مستغلة سوء نظام الحكم في فارس، والجهل بأحكام الدين وحقائق الإسلام، كما أنها نشرت دعوتها سرا ولم تواجه الناس بحقيقتها.

                ولما شاع أمر "البابية" قبضت الحكومة الإيرانية على الميرزا علي محمد الشيرازي، وأودعته قلعة "ماه كو" في "أذربيجان" وذلك في (ربيع الآخر 1263هـ = مارس 1847م) غير أن هذا لم يمنع أتباعه من زيارته في سجنه والاجتماع به، وبدءوا يجهرون بالدعوة بعدما كانوا يكتمونها عن عامة الناس، واستعدوا لعقد مؤتمر يجتمع فيه أقطاب البابية لبحث إمكانية تخليص الباب من سجنه، وإعلان نسخ الشريعة الإسلامية بظهور "الباب" وإبطال العمل بها.

                وفي هذا المؤتمر الذي عقد في صحراء "بدشت" بإيران في (رجب 1264هـ= يونيه 1848م) برز اسم "حسين علي"، حيث استطاع أن يؤثر في الحاضرين بهذه الفكرة الخبيثة، وأن يُلقَّب نفسه باسم "بهاء الله".

                اشترك "البهاء حسين" في عملية اغتيال الملك "ناصر الدين" شاه إيران، ولما فشلت المؤامرة فر إلى السفارة الروسية التي حمته ولم تسلمه إلى السلطات الإيرانية إلا بعدما اطمأنت أنه لن يُعدم، وبعد أن اعتقل فترة نفته حكومة الشاة إلى بغداد في (جمادى الآخرة 1269هـ = إبريل 1853م) مع أخيه "الميرزا يحيى"، المعروف بـ"صبح الأزل" الذي تجمعت حوله البابية بعد مقتل الميرزا علي محمد الشيرازي بوصية منه.

                وفي بغداد أصبح "البهاء حسين" وكيلا عن أخيه يحيى صبح الأزل ونائبا عنه في تصريف أمور البابية، لكنه بدأ في تنفيذ خطة للاستقلال بالزعامة، والاستئثار بالأمر دون أخيه، فحجبه عن الناس بحجة أن ذاته مقدسة لا تغيب عن الأحباب، وإن كانوا لا يرونها، وبهذه الحيلة وثق صلته بالأتباع الذين ضعف ارتباطهم بيحيى شيئا فشيئا، وفي الوقت نفسه قرَّب إليه نفرا من الأتباع المخلصين، وتخلص من الشخصيات الكبيرة التي يخشى منافستها.

                إبعاد ولكن..

                وفي أثناء ذلك طلبت الحكومة الإيرانية من دولة الخلافة العثمانية نقل البابيين إلى مكان بعيد عن الحدود الإيرانية لخطورتهم على أهالي إيران، فنُقلوا جميعا إلي إستانبول في (ذي القعدة 1279هـ = إبريل 1863م)، وأقام البهاء حسين في حديقة نجيب باشا خارج المدينة اثنى عشر يوما قبل الرحيل إلى "أدرنة"، وخلال هذه المدة أعلن البهاء دعوته في نطاق ضيق من أتباعه، وفي سرية تامة، حتى لا يعلم أخوه يحيى بذلك، وزعم أنه هو الوريث الحقيقي للباب علي محمد الشيرازي.

                ثم نقلوا جميعًا إلى أدرنة بعد أربعة أشهر، ومكثوا هناك نحو أربع سنوات ونصف، قام البهاء خلالها بنشر دعوته بين عامة الناس، فالتف حوله مجموعة من الأتباع سموا بالبهائية، على حين بقيت مجموعة أخرى تتبع أخاه فسميت بالأزلية أو البابية، وأدى هذا بطبيعة الحال إلى وقوع الخلاف بين الأخوين، وأن يكيد كل منهما للآخر، ويحاول التخلص منه، ووصل الحال بينهما إلى أن يقوم البهاء بدس السم لأخيه.

                ولما أدركت الدولة العثمانية خطورتهما على الناس قررت نفيهما، فنفت "يحيى صبح الأزل" إلى قبرص، وظل بها حتى توفي، في حين نفت "البهاء حسين" إلى عكا ومعه بعض أتباعه فنزل بها سنة (1285هـ = 1868م)، وهناك لقي حفاوة من اليهود فأغدقوا عليه الأموال، وأحاطوه بالرعاية والأمن، وسهلوه له الحركة، على الرغم من صدور الفرمانات من الباب العالي بمنع تجوله وخروجه إلى الناس أو اتصالهم به، وأصبحت عكا منذ هذا التاريخ مقرا دائمًا للبهائية، ومكانا مقدسا لهم.

                شرائع وأفكار باطلة


                وفي عكا بذل البهاء جهدا كبيرا في نشر دعوته وكسب الأنصار والأتباع، مطمئنا إلى حمايته، فأعلن حقيقة شخصه، وأبطل ما كان يدعيه "الباب" حتى انسلخ هو وأتباعه من شريعة الباب، ولم يبق من كلامه إلا ما كان فيه إشارة أو إيماءة تبشر بمقدم البهاء، ولم يكتف بادعاء النبوة، بل تجاوزها إلى ادعاء الألوهية، وأنه القيوم الذي سيبقى ويخلد، وأنه روح الله، وهو الذي بعث الأنبياء والرسل، وأوحى بالأديان، وزعم أن الباب لم يكن إلا نبيا مهمته التبشير بظهوره.

                وجعل البهاء الصلاة ثلاث مرات: صبحا وظهرا ومساء، في كل مرة ثلاث ركعات، وأبطل الصلاة في جماعة إلا في الصلاة على الميت، وقصر الوضوء على غسل الوجه واليدين وتلاوة دعاءين قصيرين. وحدد شهر الصوم بتسعة عشر يوما من كل عام الذي هو عنده تسعة عشر شهرا. ويكون الصوم في شهر "العلاء" (21:2 مارس) وهذا الشهر هو آخر الشهور البهائية. وجعل الحج إلى مقامه في "عكا" وهو واجب على الرجال دون النساء، وليس له زمن معين أو كيفية محددة لأدائه، كما غيّر في أحكام الزواج والمواريث وبدل في أحكام العقوبات، وفرض نوعا من الضرائب على أتباعه لتنظيم شئونهم تقدر بنسبة (19%) من رأس المال وتدفع مرة واحدة فقط.

                وكان من تعاليم "البهاء" إسقاط تشريع الجهاد وتحريم الحرب تحريما تاما، ومصادرة الحريات إلا حرية الاستماع إلى تعاليم البهاء، وإلغاء فكرة الأوطان تحت دعوى فكرة الوطن العام، والدعوة إلى وحدة اللغة التي لم تكن إلا وسيلة خادعة لفصل الأمم عن تراثها، وبخاصة الأمة الإسلامية حتى تنقطع عن كتابها وتاريخها.

                وترك البهاء عدة كتب منها "الإيقان" و"مجموعة اللوائح المباركة" و"الأقدس" وهو أخطر كتب البهاء حيث ادعى أنه ناسخ لجميع الكتب السماوية بما فيها القرآن.

                وأصيب البهاء في آخر حياته بالجنون، فاضطر ابنه عباس إلى حبسه حتى لا يراه الناس، وتحدث باسمه إلى أن هلك في (2 من ذي القعدة 1309هـ = 1892م) وخلفه ابنه "عباس عبد البهاء" في رئاسة البهائية.


                منقول
                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                تعليق

                • عبدالغفور الخطيب
                  عضو متميز

                  • Nov 2004
                  • 2698

                  #203
                  مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                  الدولة العثمانية.. ميلاد خلافة

                  (في ذكرى ميلادها بالقاهرة: 8 من المحرم 923 هـ)




                  اتجه العثمانيون في الدور الأول من دولتهم إلى الميدان الأوروبي، فنجح السلطان محمد الفاتح في عام (857 هـ = 1453م) في فتح "القسطنطينية" عاصمة الدولة البيزنطية، واتخذها عاصمة لدولته، كما شرع في فتح "روما" مقر البابوية، ونزلت قواته في "أوترانت" في مملكة نابولي عام (884هـ= 1480م) استعدادًا لهذا الفتح، غير أن المنية عاجلته فتوقف هذا المشروع، كما شملت فتوحاتهم وسط أوربا.

                  وكانت أنباء هذه الفتوحات تُقابَل بارتياح من قبل سلاطين المماليك في القاهرة، وغيرهم من القوى الإسلامية، واتسمت العلاقة بين الدولتين في كثير من فتراتها بالود والصداقة حتى إن السلطان العثماني بايزيد الأول أرسل في سنة (797 هـ= 1394م) هدايا وتحفًا إلى الخليفة العباسي في مصر "المتوكل على الله" طالبًا منه تفويضًا شرعيًا بالسلطنة، فبعث له الخليفة بذلك، وكانت الهدايا ووسائل التهنئة تتردد بين الدولتين كلما حقق أي منهما نصرًا أو فتحًا على أعدائه، وليس أدل على ذلك من احتفال القاهرة في عهد السلطان "إينال" بنجاح محمد الفاتح في الاستيلاء على القسطنطينية.

                  اتجاه للشرق

                  غير أن العثمانيين تركوا جهادهم في الميدان الأوروبي، واتجهوا بأبصارهم ناحية المشرق الإسلامي ليضموه إلى دولتهم، مدفوعين بعاملين مهمين: أولهما تنامي الدولة الصفوية في إيران والعراق وتهديدها للعثمانيين، فضلاً عن نشاط الدعاة الشيعيين الذين أرسلهم الشاه إسماعيل الصفوي لنشر المذهب الشيعي في "الأناضول"؛ مما جذب بعض المؤيدين، وأسفر عن بعض القلاقل، فاضطرت الدولة إلى التدخل، وساءت العلاقة بين الدولتين المتجاورتين، واحتكما إلى السيف، فالتقيا في معركة "جالديران" في (2 من رجب 920هـ= من أغسطس 1514م) ونجح السلطان "سليم الأول" في تحقيق النصر، وفتح مدينة بتريز عاصمة الدولة الصفوية.

                  أما العامل الآخر فهو تنامي الخطر البرتغالي في الخليج العربي بعد أن احتل البرتغاليون عدن وعمان سنة (921هـ= 1516م) بالإضافة إلى تعاون المماليك في عهد السلطان "الغوري" وتحالفهم مع الدولة الصفوية في صراعها مع العثمانيين.

                  مرج دابق والريدانية




                  ولما انتشرت الأنباء في القاهرة في أوائل عام (922هـ= 1516م) بأن السلطان سليم الأول يعد العدة لمداهمة الدولة الصفوية أدرك "الغوري" سلطان مصر أن بلاده هي المقصودة بهذه الاستعدادات العسكرية، فاستعد لمحاربة العثمانيين، وحشد قواته لمواجهة هذا الخطر الداهم، وخرج بعساكره إلى "حلب" وبعدما حاول "خاير بك" أن يثنيه عن الخروج إلى الشام، ويقنعه بأن العثمانيين لا يريدون حرب المماليك وإنما يريدون الدولة الصفوية، وكان "خاير بك" قد انضم إلى "سليم الأول" سرًا ضد الغوري، وبدأ يعمل معه على تقويض دولة المماليك.

                  وعند "مرج دابق" بالقرب من حلب أخذ الغوري ينظم جيشه، ويصدر تعليماته استعدادًا للمعركة المرتقبة، ولم تلبث أن لاحت مقدمة الجيش العثماني، والتقى الجيشان يوم الأحد (25 من رجب 922 هـ = 24 من أغسطس 1516م)، وفي تلك المعركة أبدى المماليك شجاعة نادرة، وقاموا بهجوم خاطف زلزل أقدام العثمانيين، غير أن هذا الثبات لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما دب الخلاف بين فرق المماليك المحاربة، وانحاز بعضها إلى الجيش العثماني، كما سرت إشاعة بين المماليك أن الغوري سقط قتيلاً، ففترت عزيمتهم، وخارت قواهم، وحاول الغوري أن يستحث جنوده، وأمراءه على الثبات والصمود، لكن دون جدوى فحلت الهزيمة بالمماليك وساعدت المدافع العثمانية على تفوق الجيش العثماني، فقُتل الغوري في ساحة المعركة، وتفرق جيشه، ورحل من بقى منهم إلى مصر.

                  ولما وصلت أنباء هذه الهزيمة إلى القاهرة، وتحقق موت السلطان الغوري قام نائبه في مصر الأمير "طومان باي" بالأمر، واستعد لمقاتلة العثمانيين، ورغب في لقائهم بالشام قبل وصولهم إلى مصر، غير أنه لم يتمكن من ذلك، إذ استولى العثمانيون على غزة، وفي أثناء ذلك أرسل السلطان سليم الأول رسالة إلى "طومان باي" يعرض فيها الصلح وحقن الدماء، ويقره على حكم مصر شريطة أن يقر بتبعيته للسلطان العثماني، غير أن مساعي الصلح لم تكلل بالنجاح.

                  خرج السلطان طومان باي لمقاتلة العثمانيين، ودفع خطرهم، وأقام بالريدانية قرب صحراء العباسية بالقاهرة، إذ لم يجد استجابة من المماليك للخروج أبعد من ذلك، وبدأ في تحصين الريدانية، وحفر خندقًا على طول الخطوط الأمامية، لكن العثمانيين الذين اخترقوا الحدود المصرية وتوغلوا في أراضيها وتحاشوا الاصطدام بالمماليك عند الريدانية بعد علمهم بأنباء تحصينات المماليك، وواصلوا زحفهم صوب القاهرة، فلحق بهم طومان باي، والتحم الفريقان في معركة حامية في (29 من ذي الحجة 922 هـ= 23 يناير 1517م) وكانت الخسائر فادحة من الجانبين، وقُتل "سنان باشا" الصدر الأعظم، لكن العثمانيين حملوا حملة صادقة عصفت بالمماليك وزلزلت الأرض من تحتهم، وألحقت بهم هزيمة مدوية، واضطر طومان باي إلى الفرار وتنظيم قواته لمواجهات جديدة.

                  وبعد ذلك بثمانية أيام أي في يوم (8 من المحرم 923هـ= 31 يناير 1517م) دخل العثمانيون القاهرة، على الرغم من المقاومة التي أبداها المماليك، الذين قاتلوهم من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع، وأبدوا ضروبًا من الشجاعة والإقدام. وقد جرت محاولات للصلح بين طومان باي وسليم الأول ولكنها فشلت، ثم لم يلبث أن وقع في أيدي العثمانيين بخيانة بعض من كان معه، ثم أُعدم بأمر من السلطان سليم الأول يوم (الإثنين 21 من ربيع الأول 923 هـ = 23 إبريل 1517م) وانتهت بذلك دولة المماليك والخلافة العباسية في مصر، وأصبحت مصر ولاية عثمانية.

                  منقول
                  [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                  تعليق

                  • عبدالغفور الخطيب
                    عضو متميز

                    • Nov 2004
                    • 2698

                    #204
                    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                    غروب شمس الأندلس

                    (في ذكرى معاهدة تسليمها:21 من المحرم 897 هـ)



                    ما كان أحد يظن أن شمس الإسلام التي أشرقت على أرض الأندلس ستغرب عنها يومًا، وأن كلمات الأذان الصادح من فوق قامات المآذن ستتحول إلى أصوات أجراس من فوق أعواد الكنائس، وما كان أحد يتصور أن ستغيب عن الأندلس حلقات العلم، ودروس الحديث والفقه في جوانب المساجد، وأن الأرض التي امتلأت جنباتها شعرًا ونثرًا عربيًا ستصبح غريبة الوجه واللسان.. ولكن هذا ما كان.

                    أخذ الضعف يدب في أوصال دولة الإسلام منذ أوائل القرن السابع الهجري، وبدأ الغزو الأسباني يجتاح أرض الأندلس، ويلتهم قواعدها وثغورها واحدًا إثر آخر، ولم يكد ينتصف القرن السابع الهجري حتى كانت ولايات الأندلس الشرقية والوسطى قد سقطت جميعها في يد أسبانيا النصرانية، وتقلصت دولة الإسلام، في بضع ولايات صغيرة في الطرف الجنوبي من الأندلس.

                    مملكة غرناطة


                    وقامت في هذه الرقعة الصغيرة مملكة غرناطة سنة (629 هـ = 1232م) على يد "محمد بن يوسف بن نصر (ابن الأحمر)، وضمت ثلاث ولايات كبيرة هي ما بقي من أرض الأندلس للمسلمين: "غرناطة" في الوسط، وفيها العاصمة غرناطة، وولايات المرية في الشرق، وولاية مالقة في الغرب والجنوب، وامتدت حدودها حتى بلغت شاطئ البحر المتوسط ومضيق جبل طارق.

                    وتتابع على مملكة غرناطة اثنان وعشرون أميرًا في أكثر من قرنين ونصف من الزمان، واستطاعت في ثبات عجيب أن تستمر رغم صغرها وقلة عدد سكانها، وأن تواجه ببسالة محاولات أسبانيا لالتهامها -على ما بين الدولتين من بون شاسع في القوة والعدد، والإمكانيات والمدد- وأن تقيم بين ربوعها حضارة حافلة بأرقى نظم الحياة المادية والأدبية.

                    أراجون وقشتالة

                    اتحدت أسبانيا النصرانية باتحاد مملكتي أراجون وقشتالة، وذلك بزواج الملكة "إيزابيلا" ملكة قشتالة من "فرديناند الخامس" ملك أراجون سنة (884 هـ = 1479م)، واتحدت إرادتهما على غزو مملكة غرناطة والقضاء على الأمة الأندلسية المسلمة، وساعدهما على ذلك اشتعال الصراعات الأسرية والحروب بين أبناء البيت الحاكم في غرناطة، وتفرق كلمتهم، وتوقد نار التعصب في قلبي الملكين الكاثوليكيين.

                    تدفقت جيوش الملكين المتحدين على مملكة غرناطة، ونجحا في الاستيلاء على مالقة أمنع ثغور الأندلس في (شعبان 892 هـ = أغسطس 1487م) ثم على وادي آش والمنكب والمرية في أواخر سنة (894 هـ = 1489م) ثم على بسطة في (المحرم 895 هـ= ديسمبر 1489م)، ولم يبق من معاقل الإسلام التي لم تسقط سوى مدينة غرناطة.

                    روح المقاومة

                    في أوائل (صفر 895 هـ= 1490م) أرسل الملكان الكاثوليكيان إلى أبي عبد الله الصغير أمير غرناطة سفارة يطلبان فيها تسليم مدينة "الحمراء" مقر الملك والحكم، وأن يبقى مقيمًا في غرناطة في طاعتهما وتحت حمايتهما، أو أن يُقْطِعاه أي مدينة أخرى من مدن الأندلس يختار الإقامة فيها، وأن يمداه بمال وفير.

                    وكان جواب أبي عبد الله عدم الاستجابة لمطلب الملكين، وقام بجمع كبار رجال دولته، فأيدوا موقفه، وأعلنوا عزمهم الراسخ على الدفاع عن مدينتهم ودينهم ما وسعهم الجهد والطاقة، واشتعلت الحرب بين المسلمين والأسبان خلال سنة (895 هـ = 1490م)، في عدة معارك واسترد المسلمون عدة حصون، ثم توقفت الحرب لمجيء الشتاء.

                    حصار غرناطة

                    أيقن ملك قشتالة أنه لا بد من الاستيلاء على غرناطة حتى تستتب له الأمور في المناطق الإسلامية؛ فهي لا تزال تبث روح الجهاد في نفوس المسلمين، وتحيي الأمل في نجاح المقاومة، فخرج على رأس جيش جرار يبلغ خمسين ألف مقاتل من الفرسان والمشاة، ومزود بالأسلحة والعتاد واتجه إلى غرناطة، وضرب حصارًا شديدًا حولها في (12 جمادى الآخرة 896 هـ = 23 من إبريل 1491) وأتلف الحقول القريبة منها، ليمنع عنها المؤن والغذاء، وقطع كل اتصال لها بالخارج سواء من البر أو البحر، ورابطت السفن الأسبانية في مضيق جبل طارق على مقربة من الثغور الجنوبية لتمنع وصول أي إمداد من مسلمي الشمال الأفريقي.

                    لم تستسلم غرناطة ورجالها البواسل للحصار الغاشم؛ فهي لا تملك أمام الجيوش الحرارة التي تموج كالبحر الزاخر سوى الشجاعة والإقدام، فكان المسلمون يخرجون لقتال العدو المحاصر يهاجمونه ويسببون له خسائر كبيرة، ولبثت المدينة عدة أشهر تعاني شدائد الحصار وهي صابرة محتسبة، حتى دخل الشتاء ونزلت الثلوج، واشتد بالناس الجوع والبلاء، وقلت المؤن، ودب اليأس إلى قلوب الناس جميعًا، وعند ذلك لم يجد أبو عبد الله مفرًا من بحث الأمر، فدعا مجلسًا من كبار الجند والفقهاء والأعيان وتبحاثوا ما هم فيه من ضيق وحرج، وأن المؤن أوشكت على النفاد، وأنه لم يعد للناس من طاقة للدفاع، واتفق الجميع على التسليم، وضاعت في هذا الجو المتخاذل أصوات الداعين إلى الصمود والثبات، ومقاومة المعتدي حتى الموت.

                    مصرع غرناطة


                    أرسل أبو عبد الله الصغير قائده "أبا القاسم عبد الله" إلى معسكر الملكين للمفاوضة في شروط التسليم، واستمرت المفاوضات بضعة أسابيع، وانتهى الفريقان إلى وضع معاهدة للتسليم وافق عليها الملكان، ووقعت في (21 من المحرم 897 هـ= 25 من نوفمبر 1491م).

                    وتضمنت المعاهدة شروطًا عديدة بلغت 56 مادة خلاصتها: أن يتعهد ملك غرناطة بتسليم المدينة إلى الملكين الكاثوليكيين خلال ستين يومًا من بدء توقيع المعاهدة، وأن يُطلق سراح الأسرى من الطرفين دون فدية، وأن يؤمّن المسلمون في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يحتفظوا بشرائهم وقضاتهم، وأن يتمتعوا بحرية إقامة شعائرهم من صلاة وصوم، وأن تبقى المساجد حرمًا مصونة، وألا يدخل نصراني مسجدًا أو دار مسلم، وألا يُولّى على المسلمين نصراني أو يهودي، وأن يعبر إلى "أفريقيا" من شاء من المسلمين في سفن يقدمها ملك النصارى في ظرف ثلاثة أعوام.

                    غير أن هذه العهود لم تكن في الواقع -حسبما أيدت الحوادث فيما بعد- سوى ستار للغدر والخيانة؛ فقد تم نقض كل هذه الشروط، وأُجبر المسلمون بعد سقوط غرناطة على الهجرة خارج البلاد والتنصر.

                    منقول
                    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                    تعليق

                    • عبدالغفور الخطيب
                      عضو متميز

                      • Nov 2004
                      • 2698

                      #205
                      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                      المأمون وازدهار الحركة العلمية

                      (في ذكرى توليه الخلافة: 25 من المحرم 198هـ)



                      ولد عبد الله المأمون في [15 من ربيع الأول 170 هـ= 6 من سبتمبر 786م]، في اليوم الذي استُخلف فيه الرشيد، وقد سماه المأمون تيمنًا بذلك، وكانت أمه "مراجل" جارية فارسية، وما لبث أن توفيت بعد أيام من ولادته متأثرة بحمى النفاس.

                      وبالرغم من أن المأمون كان هو الابن الأكبر للخليفة هارون الرشيد، ومع كل ما كان يتميز به المأمون من نجابة وذكاء وعلو همة، وما حظي به من ثقة أبيه فيه.. فإن الرشيد آثر أن يجعل البيعة بولاية العهد للأمين، وقد كان لزبيدة أم الأمين الدور الأكبر في ذلك؛ فقد كان لها من المكانة لدى الرشيد ما لم يكن لأم المأمون، فاستغلت حظوتها لديه ومنزلة أخوال ولدها الأمين ومكانتهم لدى زوجها الرشيد في حثه على إعلان ولاية العهد لابنها الأمين وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره سنة [175 هـ = 791هـ]، ولكن الرشيد عاد فأشرك المأمون مع أخيه في ولاية العهد سنة [183 هـ = 799م].

                      أراد الرشيد بذلك أن تستقر الأمور بين الأخوين من بعده، فلا يثور الخلاف بينهما ولا يحدث ما كان يحدث عادة من صراع حول الحكم بعد كل خليفة، فاستوثق لكل منهما من أخيه سنة (186 هـ = 802م) وأشهد على ذلك كبار رجال دولته.

                      الطريق إلى العرش

                      توفي الخليفة هارون الرشيد وتولّى الأمين الخلافة من بعده، وبدأ الخلاف يدب بين الأخوين، خاصة بعد تراجع الأمين عما قطعه لأبيه من عهود ومواثيق، حيث جعل ابنه موسى وليًا للعهد بدلاً من أخويه المأمون و"المؤتمن"، كما رفض أن يردَّ إلى أخيه المأمون مائة ألف دينار كان والده قد أوصى بها إليه، وسرعان ما تطور الخلاف بين الأخوين إلى صراع وقتال، ودارت حرب عنيفة بين الجانبين، وقامت جيوش المأمون بمحاصرة بغداد وانتهى الأمر بمقتل الأمين عام (198هـ = 813م)، وتولى المأمون على إثر ذلك الخلافة من بعده في [25 من المحرم 198هـ= 25من سبتمبر 813م].

                      القضاء على الفتن والثورات

                      سعى المأمون منذ الوهلة الأولى للعمل على استقرار البلاد، والقضاء على الفتن والثورات، فتصدى بحزم وقوة لثورات الشيعة، وواجه بحسم وعنف حركات التمرد ومحاولات الخروج على سلطة الخلافة، فقد قضى على حركة "ابن طباطبا العلوي" سنة [199هـ = 814م]، وثورة "الحسن بن الحسين" في الحجاز، و"عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب" في اليمن سنة [207هـ = 822م].

                      وفي مقابل ذلك فإنه أقدم على خطوة جريئة، وأمر لم يسبقه إليه أحد من الخلفاء، فقد اختار أحد أبناء البيت العلوي وهو "علي بن موسى الرضا" ليكون وليًا للعهد من بعده، وقد أثار هذا الأمر غضب واستياء العباسيين؛ مما دفعهم إلى مبايعة "إبراهيم بن المهدي" –عم المأمون– بالخلافة سنة [202هـ =817م].

                      لما علم المأمون بذلك جهز جيشًا كبيرًا، وسار على رأسه من خراسان قاصدًا بغداد، فهرب إبراهيم بن المهدي من بغداد. وفي ذلك الوقت توفي علي بن موسى، فكان لذلك أكبر الأثر في تهدئة الموقف، فلما دخل المأمون بغداد عفا عن عمه.

                      نهضة علمية

                      شهد عصر المأمون نهضة حضارية كبيرة، فقد كان المأمون محبًا للعلم والأدب وكان شاعرًا وعالمًا وأديبًا، يحب الشعر ويجالس الشعراء ويشجعهم، وكان يعجب بالبلاغة والأدب، كما كان للفقه نصيب كبير من اهتمامه، وكان العلماء والأدباء والفقهاء لا يفارقونه في حضر أو سفر، وقد أدى تشجيعه للشعراء في أيامه إلى إعطاء الشعر دفعة قوية، وكان تشجيعه للعلوم والفنون والآداب والفلسفة ذا أثر عظيم في رقيها وتقدمها، وانبعاث حركة أدبية وعلمية زاهرة، ونهضة فكرية عظيمة امتدت أصداؤها من بغداد حاضرة العالم الإسلامي ومركز الخلافة العباسية إلى جميع أرجاء المعمورة، فقد استطاع المأمون أن يشيد صرحًا حضاريًا عظيمًا، وأن يعطي للعلم دفعة قوية ظلت آثارها واضحة لقرون عديدة.

                      لقد أرسل المأمون البعوث إلى "القسطنطينية" و"الإسكندرية" و"إنطاكية" وغيرها من المدن للبحث عن مؤلفات علماء اليونان، وأجرى الأرزاق على طائفة من المترجمين لنقل هذه الكتب إلى اللغة العربية، وأنشأ مجمعًا علميًا في بغداد، ومرصدين أحدهما في بغداد والآخر في "تدمر"، وأمر الفلكيين برصد حركات الكواكب، كما أمر برسم خريطة جغرافية كبيرة للعالم.

                      حركة الترجمة

                      وكان لتشجيعه حركة الترجمة أكبر الأثر في ازدهارها في عهده، فظهر عدد كبير من العلماء ممن قاموا بدور مهم في نقل العلوم والفنون والآداب والفلسفة إلى العربية، والإفادة منها وتطويرها، ومن هؤلاء:

                      "حنين بن إسحاق" الطبيب البارع الذي ألف العديد من المؤلفات الطبية، كما ترجم عددًا من كتب أرسطو وأفلاطون إلى العربية.

                      و"يحيى بن ماسويه" الذي كان يشرف على "بيت الحكمة" في بغداد وكان يؤلف بالسريانية والعربية، كما كان متمكنًا من اليونانية، وله كتاب طبي عن الحميات اشتهر زمنًا طويلاً، ثم ترجم بعد ذلك إلى العبرية واللاتينية.

                      و"ميخائيل بن ماسويه" وكان طبيب المأمون الخاص، وكان يثق بعلمه فلا يشرب دواءً إلا من تركيبه.

                      المأمون والروم

                      ولعل من أبرز الأسباب التي أدت إلى ظهور تلك النهضة الحضارية والعلمية في عصر المأمون ذلك الهدوء الذي ساد الأجواء بين الخلافة العباسية والروم، والذي استمر لأكثر من عشرة أعوام.

                      ولكن ما لبث أن تبدد ذلك الهدوء حينما بدأ المأمون حملاته ضد الروم عام [215هـ = 830م] ففتح عددًا من الحصون القريبة من حدود دولته، مثل حصن "قرة" و حصن "ماجدة" و حصن "سندس" وحصن "سنان" ثم عاد إلى الشام، ولكن الروم أغاروا على "طرسوس" وقتلوا نحو ألف وستمائة من أهلها، فعاد إليهم المأمون مرة أخرى، واستطاع أخوه "المعتصم" أن يفتح نحو ثلاثين حصنًا من حصون الروم.

                      وفي العام التالي أغار عليهم المأمون مرة أخرى، حتى طلب منه "تيوفيل" – ملك الروم- الصلح، وعرض دفع الفدية مقابل السلام.

                      ولم يمر وقت طويل حتى توفي المأمون في "البندون" قريبًا من طرسوس في [18 من رجب 218هـ= 10من أغسطس 833م] عن عمر بلغ ثمانية وأربعين عامًا، قضى منها في الخلافة عشرين عامًا.

                      منقول
                      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                      تعليق

                      • عبدالغفور الخطيب
                        عضو متميز

                        • Nov 2004
                        • 2698

                        #206
                        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                        سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية

                        (في ذكرى سقوطها: 4 من صفر 656 هـ)




                        نجح جنكيز خان في إقامة إمبراطورية كبيرة ضمن أقاليم الصين الشمالية، واستولت على العاصمة بكين، ثم اصطدم بالدولة الخوارزمية التي كانت تجاوره بسبب سوء تصرف حاكمها "محمد خوارزم شاه". وانتهى الحال بأن سقطت الدولة وحواضرها المعروفة مثل: "بخارى"، "وسمرقند"، و"نيسابور" في يد المغول بعد أن قتلوا كل من فيها من الأحياء، ودمروا كل معالمها الحضارية، وتوفي جنكيز خان سنة (624هـ = 1223م) بعد أن سيطرت دولته على كل المنطقة الشرقية من العالم الإسلامي.

                        الاستعداد لغزو الخلافة العباسية


                        بعد سلسلة من الصراعات على تولي السلطة بين أمراء البيت الحاكم تولى "منكوقآن بن تولوي بن جنكيز خان" عرش المغول في (ذي الحجة 648هـ = إبريل 1250م). وبعد أن نجح في إقرار الأمن وإعادة الاستقرار في بلاده اتجه إلى غزو البلاد التي لم يتيسر فتحها من قبل، فأرسل أخاه الأوسط "قوبيلاي" على رأس حملة كبيرة للسيطرة على جنوب الصين ومنطقة جنوب شرق آسيا، وأرسل أخاه الأصغر هولاكو لغزو إيران وبقية بلاد العالم الإسلامي، وعهد إليه بالقضاء على طائفة الإسماعيلية وإخضاع الخلافة العباسية.

                        خرج هولاكو على رأس جيش كبير يبلغ 120 ألف جندي من خيرة جنود المغول المدربين تدريبا عاليا في فنون القتال والنزال ومزودين بأسلحة الحرب وأدوات الحصار، وتحرك من "قراقورم" عاصمة المغول سنة (651هـ = 1253م) متجها نحو الغرب تسبقه سمعة جنوده في التوغل والاقتحام، وبأسهم الشديد في القتال، وفظائعهم في الحرب التي تزرع الهلع والخوف في النفوس، ووحشيتهم في إنزال الخراب والدمار في أي مكان يحلون به.

                        القضاء على الإسماعيلية

                        وعندما وصل هولاكو إلى الأراضي الإيرانية خرج أمراؤها لاستقباله وأمطروه بالهدايا الثمينة وأظهروا له الولاء والخضوع، ثم عبر هولاكو نهر جيحوم واتجه إلى قلاع طائفة الإسماعيلية، ودارت بينه وبينها معارك عديدة انتهت بهزيمة الطائفة ومقتل زعيمها "ركن الدين خورشاه".

                        وكان لقضاء المغول على طائفة الإسماعيلية وقع حسن عَمَّ العالم الإسلامي على الرغم مما عاناه من وحشية المغول وتدميرهم؛ وذلك لأن الإسماعيلية كانت تبث الرعب والفزع في النفوس، وأشاعت المفاسد والمنكرات، وأذاعت الأفكار المنحرفة، وكان يخشى بأسها الملوك والسلاطين.

                        رسائل متبادلة

                        نجح هولاكو في تحقيق هدفه الأول بالقضاء على الطائفة الإسماعيلية وتدمير قلاعها وإبادة أهلها، وبدأ في الاستعداد لتحقيق هدفه الآخر بالاستيلاء على بغداد والقضاء على الخلافة العباسية؛ فانتقل إلى مدينة "همدان" واتخذها مقرا لقيادته، وكان أول عمل قام به أن أرسل إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله رسالة في (رمضان 655 هـ = مارس 1257 م) يدعوه فيها إلى أن يهدم حصون بغداد وأسوارها ويردم خنادقها، وأن يأتي إليه بشخصه ويسلم المدينة له، وأوصاه بأن يستجيب حتى يحفظ مركزه ومكانته ويضمن حريته وكرامته، وإن أبى واستكبر فسيحل بأهله وبلاده الدمار والخراب، ولن يدع أحدا حيا في دولته.

                        جاء رد الخليفة العباسي على كتاب هولاكو شديدا ودعاه إلى الإقلاع عن غروره والعودة إلى بلاده، ثم أرسل هولاكو رسالة ثانية إلى الخليفة ذكر له فيها أنه سوف يبقيه في منصبه بعد أن يقر بالتبعية للدولة المغولية، ويقدم الجزية له؛ فاعتذر الخليفة العباسي بأن ذلك لا يجوز شرعا، وأنه على استعداد لدفع الأموال التي يطلبها هولاكو مقابل أن يعود من حيث أتى.

                        كان رد هولاكو على رسالة الخليفة أشد إنذارا وأكثر وعيدا وفي لهجة عنيفة وبيان غاضب وكلمات حاسمة؛ فحل الفزع في قلب الخليفة؛ فجمع حاشيته وأركان دولته واستشارهم فيما يفعل؛ فأشار عليه وزيره "ابن العلقمي" أن يبذل الأموال والنفائس في استرضاء هولاكو وأن يعتذر له، وأن يذكر اسمه في الخطبة، وينقش اسمه على السكة، فمال الخليفة إلى قبول هذا الرأي في بداية الأمر غير أن مجاهد الدين أيبك المعروف بـ"الدويدار الصغير" رفض هذا الاقتراح، وحمل الخليفة العباسي على معارضته متهما ابن العلقمي بالخيانة والتواطؤ مع هولاكو؛ فعدل الخليفة عن رأيه السابق ومال إلى المقاومة.

                        حصار بغداد

                        يئس هولاكو من إقناع الخليفة العباسي بالتسليم؛ فشرع في الزحف نحو بغداد وضرب حولها حصارا شديدا، واشتبك الجيش العباسي الذي جهزه الخليفة العباسي بقيادة مجاهد الدين أيبك بالقوات المغولية فكانت الهزيمة من نصيبه، وقتل عدد كبير من جنوده لقلة خبرتهم بالحروب وعدم انضباطهم، وفر قائد الجيش مع من نجا بنفسه إلى بغداد.

                        كان الجيش المغولي هائلا يبلغ حوالي 200 ألف مقاتل مزودين بآلات الحصار، ولم تكن عاصمة الخلافة العباسية تملك من القوات ما يمكنها من دفع الحصار ودفع المغول إلى الوراء، في الوقت الذي كان يظن فيه هولاكو أن ببغداد جيشا كبيرا، ثم تكشفت له الحقيقة حين اشتد الحصار، ونجحت قواته في اختراق سور بغداد من الجانب الشرقي، وأصبحت العاصمة تحت رحمتهم.

                        سقوط بغداد
                        أحس الخليفة بالخطر، وأن الأمر قد خرج من يديه؛ فسعى في التوصل إلى حل سلمي مع هولاكو، لكن جهوده باءت بالفشل؛ فاضطر إلى الخروج من بغداد وتسليم نفسه وعاصمة الخلافة إلى هولاكو دون قيد أو شرط، وذلك في يوم الأحد الموافق (4 من صفر 656 هـ= 10 فبراير 1258م) ومعه أهله وولده بعد أن وعده هولاكو بالأمان.

                        كان برفقه الخليفة حين خرج 3 آلاف شخص من أعيان بغداد وعلمائها وكبار رجالها، فلما وصلوا إلى معسكر المغول أمر هولاكو بوضعهم في مكان خاص، وأخذ يلاطف الخليفة العباسي، وطلب منه أن ينادي في الناس بإلقاء أسلحتهم والخروج من المدينة لإحصائهم، فأرسل الخليفة رسولا من قبله ينادي في الناس بأن يلقوا سلاحهم ويخرجوا من الأسوار، وما إن فعلوا ذلك حتى انقض عليهم المغول وقتلوهم جميعا.

                        ودخل الغزاة الهمج بغداد وفتكوا بأهلها دون تفرقة بين رجال ونساء وأطفال، ولم يسلم من الموت إلا قليل، ثم قاموا بتخريب المساجد ليحصلوا على ذهب قبابها، وهدموا القصور بعد أن سلبوا ما فيها من تحف ومشغولات قيمة، وأتلفوا عددا كبيرا من الكتب القيمة، وأهلكوا كثيرا من أهل العلم فيها، واستمر هذا الوضع نحو أربعين يوما، وكلما مشطوا منطقة أشعلوا فيها النيران، فكانت تلتهم كل ما يصادفها، وخربت أكثر الأبنية وجامع الخليفة، ومشهد الإمام موسى الكاظم، وغيرها من البنايات التي كانت آية من آيات الفن الإسلامي.

                        وبالغ المؤرخون في عدد ضحايا الغزو المغولي حين دخلوا بغداد، فقدرهم بعض المؤرخين بمليون وثمانمائة ألف نسمة، على حين قدرهم آخرون بمليون نسمة، وفي اليوم التاسع من صفر دخل هولاكو بغداد مع حاشيته يصحبهم الخليفة العباسي، واستولى على ما في قصر الخلافة من أموال وكنوز، وكانت الجيوش المغولية أبقت على قصر الخلافة دون أن تمسه بسوء، ولم يكتف هولاكو بما فعله جنوده من جرائم وفظائع في العاصمة التليدة التي كانت قبلة الدنيا وزهرة المدائن ومدينه النور، وإنما ختم أعماله الهمجية بقتل الخليفة المستعصم بالله ومعه ولده الأكبر وخمسه من رجاله المخلصين الذين بقوا معه ولم يتركوه في هذه المحنة الشديدة.

                        وبمقتل الخليفة العباسي في (14 من صفر 656 هـ = 20 من فبراير 1258م) تكون قد انتهت دولة الخلافة العباسية التي حكمت العالم الإسلامي خمسة قرون من العاصمة بغداد لتبدأ بعد قليل في القاهرة عندما أحيا الظاهر بيبرس الخلافة العباسية من جديد.

                        منقول
                        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                        تعليق

                        • عبدالغفور الخطيب
                          عضو متميز

                          • Nov 2004
                          • 2698

                          #207
                          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                          المغول.. من الهمجية إلى الإسلام

                          (في ذكرى محاولتهم الاستيلاء على الشام: 18 من صفر 712هـ)






                          عرف العالم المغول في طورهم الأول شعبًا همجيًا؛ أباد الناس، وهدم الحضارة، وأفسد في الأرض، وألقى الرعب والفزع في الأفئدة والقلوب، وعانى العالم الإسلامي من جراء عاصفة هذا الطور خرابًا وتدميرًا، ثم لم تلبث هذه العاصفة أن هدأت وسكنت، وجاء الوقت الذي تأثر فيه المغول الهمج بحضارة المسلمين؛ فاعتنقوا دينهم، وشرعوا في إصلاح ما أفسده آباؤهم، وأقبلوا يسهمون في الحضارة الإسلامية.

                          السلطان محمود غازان

                          بتولي السلطان محمود غازان عرش الدولة الإيلخانية سنة (694هـ= 1295م) بدأ عصر جديد في تاريخ المغول؛ حيث كان أول مرسوم يصدره ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وبإسلامه أسلم أكثر من مائة ألف شخص في فترة قصيرة، وانقطعت الروابط التي كانت تربطه ببلاط الخاقان الأعظم للمغول في الصين.

                          وأدى اعتناق محمود غازان الإسلام عن إيمان وإخلاص إلى قيامه بعدد من الإصلاحات، تناولت شئون الإدارة والمال والاقتصاد والقضاء والعمران والتشييد في بلاده، وأفسحت لاسمه مكانًا بارزًا في أبطال التاريخ وكبار المصلحين وصناع الحضارة.

                          واشتهر غازان بحبه للثقافة والمعرفة، وشغفه بالتاريخ، وإتقانه للفارسية، وعنايته بالفنون والصناعات اليدوية، واشتغل في فترة من حياته بالكيمياء، وكان له معمل في قصره يقضي فيه أوقاتًا طويلة بين كتبه وتجاربه، ومن أعماله التي تدل على حبه للعمارة والبناء قيامه بتجميل عاصمة مملكته "تبريز" بأبنية فخمة تشمل مسجدًا عظيمًا، ومدرسة كبيرة، ودارا للكتب، ودارًا لحفظ الدفاتر والقوانين التي استنها، ومرصدا فلكيًا، وبستانًا، ومستشفى وخانقاة للمتصوفة.

                          وتوفي غازان، وهو لا يزال في ريعان الشباب سنة (703هـ = 1303م)، وعمره لم يتجاوز الثالثة والثلاثين.

                          السلطان محمد أولجايتو

                          اعتلى أولجايتو العرش الإيلخاني خلفًا لأخيه السلطان محمود غازان، وذلك في (15 من ذي الحجة 703هـ = 21 من يوليو 1304)، ولم يكن عمره قد تجاوز الرابعة والعشرين، وتسلم قيادة الدولة وهي في أوج بهائها وعظمتها؛ فإصلاحات غازان قد أصابت كل أنحاء الدولة، ودفعت بها خطوات واسعة نحو الحضارة والمدنية والإنسانية.

                          وبعد ثلاثة أيام من الحكم أصدر (أولجايتو) مرسومًا بإقامة شعائر الإسلام، واحترام القوانين الشرعية التي أصدرها أخوه محمود غازان، وإلزام المغول كافة باعتناق الإسلام، وأبقى "رشيد الدين فضل الله الهمداني" في منصب الوزارة كما كان في عهد أخيه، وكان عالمًا كبيرًا ومؤرخًا عظيمًا، صاحب الكتاب المعروف (جامع التواريخ)، وهو يعد أهم كتاب تناول تاريخ المغول في هذه الفترة.

                          سار أولجايتو على نهج أخيه غازان خان في حسن معاملة رعاياه، وإقامة العدل بينهم، ونصرة المظلومين منهم، ومنع تعدي المغول على الناس، واستمر في تشييد المؤسسات الاجتماعية التي تنهض بالناس من بناء المدارس والمستشفيات والحمامات والملاجئ، وأعاد بناء مرصد مراغة الذي بناه هولاكو. وأما عن سياسته الخارجية، فقد نجح في فتح إقليم جيلان وبسط سيطرته عليه، ولم يكن المغول قد تمكنوا من السيطرة عليه من قبل، وحافظ على علاقات ودية مع دول أوروبا المسيحية.

                          أولجايتو ودولة المماليك

                          تأثرت العلاقات بين الدولتين نتيجة لاعتناق الإيلخان المذهب الشيعي، وهو يُعد أول حاكم مغولي يعتنق المذهب الشيعي، وأمر به الجند وألزمه أهل مملكته، وذلك في سنة (709هـ= 1301م) بعد أن كان سنيًا يلتزم المذهب الحنفي ثم الشافعي.

                          وحاول أولجايتو أن يوثق عرى الصداقة بين دولته والمماليك، وتودد إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون سلطان دولة المماليك، ثم لم تلبث أن ساءت العلاقة بين الدولتين؛ فقام أولجايتو بتجهيز حملة على بلاد الشام في (18 من صفر 712 هـ = 26 من يوليو 1312م) مستعينًا باثنين من كبار قادة السلطان الناصر، كانا قد فرا إليه، وزيَّنَا له الاستيلاء على بلاد الشام التي كانت خاضعة لسلطة دولة المماليك، غير أن تلك الحملة التي خرج على رأسها السلطان أولجايتو اصطدمت بأول قلعة مملوكية على الحدود الشامية، وهي قلعة الرحبة الواقعة على نهر الفرات، وفشل في اقتحامها وإخضاعها؛ فقرر العودة إلى بلاده في (26 من رمضان سنة 712هـ = 1 من فبراير 1313)، ولم يحاول بعد ذلك أن يغزو الشام، وأقلع تمامًا عن هذه الفكرة.

                          بناء سلطانية

                          كان من أماني السلطان غازان أن يبني مدينة بموضع بستان سلطانية الواقعة شمال شرقي العراق في البلاد الواقعة بين نهري زبخان وأبهر، وشرع في تنفيذ ذلك لولا أن وافاه الأجل المحتوم، فحال بينه وبين إتمام المدينة.

                          وكان المغول يطلقون على موضع سلطانية الحالي اسم (قنغورألانك)، وكانت مرعى لأغنامهم ينزلون به في طريقهم من العراق إلى أذربيجان، وجاء السلطان محمود غازان واتخذ من هذا المكان أساسًا لمدينته.

                          ثم بدأ أولجايتو في استكمال ما بدأه أخوه؛ فأتم بناء المدينة في عشر سنوات، وأطلق عليها اسم سلطانية واتخذها عاصمة لدولته، واستغرق بناؤها الفترة ما بين سنتي (704هـ=1304م وسنة 714هـ = 1314م)، وتحول الموضع الذي كان مرعى خاليًا من العمران إلى مدينة عظيمة تضم العمائر الفخمة، والمدارس الكبيرة، والمساجد الرائعة، والحمامات والأسواق، وامتلأت بالناس من كل الطبقات.

                          وأنشأ أولجايتو حولها حصنًا مربع الشكل، بلغ طوله نحو ثلاثين ألف قدم، ويسمح عرض جداره بأن يتحرك عليه أربعة فرسان جنبًا إلى جنب، وجعل في منتصف السور قلعة كبيرة تشبه المدينة في ضخامتها، وبنى فيه ضريحًا لنفسه بالغ الارتفاع تعلوه ثماني مآذن ليدفن فيه، ويُعد هذا الضريح من أهم نماذج العمارة في العصر المغولي.

                          نهاية أولجايتو

                          يعد السلطان أولجايتو من ملوك المغول الإيلخانيين الذين نهضوا بإيران نهضة عظيمة؛ نظرًا لملكاتهم الممتازة في الحكم والإدارة وعنايتهم بالعلم والثقافة، وحبهم للبناء والتعمير، وعزز من ذلك النجاح حسن إدارة الوزير العالم "رشيد الدين فضل الله الهمداني".

                          وفي (28 من رمضان 716هـ= 16 من ديسمبر 1316م) تُوفي أولجايتو، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ودفن في ضريحه الذي بناه لنفسه، بعد أن ترك ذكرى طيبة في تاريخ إيران، عبر عنها المؤرخ الكبير ابن الفوطي بقوله: "لم يَلِ من ملوكهم –أي المغول- أعدل منه ولا أكرم، ولا أجمع لصفات الخير وأسباب الصلاح".

                          منقول
                          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                          تعليق

                          • عبدالغفور الخطيب
                            عضو متميز

                            • Nov 2004
                            • 2698

                            #208
                            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                            سيف الدولة.. لمحات تاريخية وثقافية

                            (في ذكرى وفاة سيف الدولة: 25 من صفر 356هـ)




                            ترجع الجذور الأولى للحمدانيين إلى تغلب بن وائل بن قاسط رأس قبيلة تَغْلِب الشهيرة، والذي ينتهي نسبه إلى ربيعة بن نزار.

                            وكانت تغلب من أعظم قبائل ربيعة شأنا في بلاد العرب قبل الإسلام لعهدها القديم، فلما أشرق نور الإسلام على الجزيرة العربية، وسارعت قبائل العرب إلى الدخول في الإسلام، كانت قبيلة تغلب من القبائل التي ناصبت الإسلام والمسلمين العداء، بل إنها ناصرت سجاح حينما ادعت النبوة، وساندتها وأتباعها في حربهم المسلمين، وحتى عندما انتهى أمرها وتبددت دعوتها بعدما تصدى أبو بكر الصديق للمرتدين، وقضى على أدعياء النبوة، فإن تغلب لم تستطع أن تُخفي عداءها للمسلمين، فوقفت في صف الروم في حربها ضد المسلمين سنة 12هـ = 637م.

                            بنو تغلب عبر التاريخ

                            ومع اتساع الدولة الإسلامية وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية وما حولها، لم يتغير موقف بني تغلب كثيرا؛ فلم يدخل منها في الإسلام إلا قليل، وبقي معظمهم على نصرانيتهم، ومع ذلك فإن الخليفة الثاني الفاروق "عمر بن الخطاب" لم يفرض عليهم الجزية التي كانت تؤخذ من أهل الكتاب، وإنما اكتفى بأن أخذ منهم الصدقة التي كانت تؤخذ من المسلمين، ولكنه ضاعفها عليهم.

                            وفي عصر الدولة الأموية حظي أبناء تغلب من الشعراء بمكانة عظيمة، فظهر الأخطل والقطافي -وهما شاعران نصرانيان-، وكان لهما حظ وفير من المجد والشهرة في بلاد الأمويين.

                            فلما جاءت الدولة العباسية، كان لبني تغلب مكانة مرموقة في كنف الأسرة العباسية، وتمكنوا من إنشاء دولتهم المستقلة التي كان لها دورها الكبير في حركة التاريخ، وساهمت بشكل فعال في إرساء نهضة حضارية وفكرية عظيمة.

                            ظهور وتغلغل

                            ولكن البداية الحقيقية لظهور الحمدانيين على مسرح الأحداث ترجع إلى مؤسس هذه الأسرة "حمدان بن حمدون التغلبي" صاحب قلعة "ماردين" القريبة من "الموصل"، وذلك عندما خاض حمدون على رأس جنوده عدة معارك قوية ضد الروم، إلا أن بداية علاقتهم الفعلية بالعباسيين لم تتحدد إلا بعد عام (272هـ=885م)، عندما تحالف مع "هارون الشاري" الخارجي، واستطاعا غزو الموصل والاستيلاء عليها، وقد أدى ذلك إلى ثورة الخليفة العباسي المعتضد وغضبه عليه، فقبض عليه وحبسه.

                            ومع استفحال أمر "الشاري" ظلّ الخليفة يفكر في وسيلة للقضاء عليه، ووجدها "الحسين بن حمدان" فرصة لإظهار قدراته واكتساب ثقة الخليفة وإطلاق سراح أبيه من الحبس، واستطاع الحسين هزيمة الشاري بعد معركة قوية، وأسره وقدّمه إلى الخليفة يرسف في أغلاله؛ فسر الخليفة بذلك، وأطلق سراح أبيه، وبدأ مرحلة جديدة من التعاون مع بني حمدان؛ فاستعان بهم في محاربة القرامطة والتصدي لخطرهم، كما وجههم إلى العديد من الفتوحات في فارس ومصر والمغرب.

                            وهكذا استطاع الحمدانيون الوصول إلى أخطر المراكز، وتقلدوا أعلى المناصب، وشاركوا مشاركة فعلية في الحياة السياسية في بغداد لفترة غير قصيرة، واستطاعت الأسرة الحمدانية أن توثق صلاتها بالعباسيين، وأخذ نفوذهم يزداد، وتوغلوا في جميع مرافق الدولة، بالرغم من الدسائس والمؤامرات المستمرة التي ظلت تحاك ضدهم من بعض العناصر غير العربية في بلاط العباسيين، وبرز عدد كبير من أبناء هذه الأسرة كان في مقدمتهم الأمير "سيف الدولة الحمداني".

                            سيف الدولة.. الأمير الفارس

                            وُلد الأمير "سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدون التغلبي" في (303هـ = 915م) في مدينة "ميافارقين" -أشهر مدن ديار بكر- على إثر تولي أبيه إمارة الموصل.

                            وقد عُني أبوه بتعليمه وتنشئته على الفروسية منذ نعومة أظفاره، وأظهر سيف الدولة استعدادا كبيرا ومهارة فائقة في القنص والرمي وركوب الخيل منذ صغره.

                            ولم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى صار فارسا لا يُشَقّ له غبار، وخاض العديد من المعارك الطاحنة ضد أعداء الدولة والمتمردين عليها؛ سواء في الداخل أو في الخارج.

                            واستطاع الأمير الشاب أن يحقق انتصارا عظيما على البريدين الذين اقتحموا بغداد عام (330هـ = 942م) ودفعوا الخليفة العباسي "المتقي لله" إلى الخروج منها، واللجوء إلى الموصل للاستنجاد بالحمدانيين، فلما حقّق الأمير الشاب "علي بن أبي الهيجاء" النصر على البريدين بعد أن تعقبهم إلى المدائن، أنعم عليه الخليفة بلقب "سيف الدولة"، وأمر أن تُضرب باسمه الدنانير والدراهم.

                            الانتصار على البيزنطيين

                            وبدأ نجم سيف الدولة يعلو ويسطع منذ ذلك الحين؛ فحقق المزيد من الانتصارات على الروم والبيزنطيين، واستطاع أن يصدّ هجماتهم، كما تمكن من المحافظة على حدود الدولة الإسلامية ضد غاراتهم، واستطاع أن يتوغل داخل حدود الدولة البيزنطية.

                            وقد عُني سيف الدولة بتسليح جيشه في مواجهة استعدادات الجيش البيزنطي العسكرية القوية وتنظيمه الجيد، وتنوع تسليحه، فاتجه إلى توفير المال اللازم لتجهيز الجيش وتسليح الجنود، واهتم بتدريب رجاله وتربية جنوده تربية عسكرية صارمة.

                            واتخذ سيف الدولة مدينة "حلب" مركزا ليبدأ منها مرحلة جديدة من حياته؛ حيث أعلن إمارته على مناطق حلب والجزيرة الفراتية وإقليم الثغور والعواصم، وبدأ يدخل في مرحلة جديدة من الصراع مع الروم البيزنطيين والحروب الطاحنة معهم، واستطاع خلالها أن يحقق عدة انتصارات عليهم، ووجه إليهم العديد من الضربات المتلاحقة الموجعة، وألحق بهم سلسلة من الهزائم المتتالية.

                            الصراع مع الإخشيديين

                            وقد أثارت انتصارات سيف الدولة على الروم البيزنطيين حفيظة والإخشيديين الذين وجدوا عليه تلك البطولات والأمجاد، وخشوا من تعاظم نفوذه وقوة شوكته؛ فتحركوا لقتاله، ولكنهم ما لبثوا أن آثروا الصلح معه بعد أن لمسوا قوته وبأسه.

                            وبدأ الروم البيزنطيون يعيدون ترتيب صفوفهم وتنظيم قوتهم، وراحوا يهاجمون الثغور العربية في سنة (336هـ = 947م)، ولكن الأمير سيف الدولة الحمداني تصدّى لهم وتعقبهم، وجدد البيزنطيون هجماتهم مرة أخرى بعد عام، فتعقبهم سيف الدولة، وقتل منهم عددا كبيرا.

                            ولكن هجمات الروم البيزنطيين لم تتوقف؛ مما دفع سيف الدولة إلى تجهيز حملة كبيرة قوامها ثلاثون ألف فارس، وانضم إليهم جيش طرطوس في أربعة آلاف مقاتل، واستطاع اقتحام حدود الدولة البيزنطية، والتوغل داخل أراضيها، وفتح عددا من حصونها، وألحق بالبيزنطيين هزيمة منكرة، وأسر عددا من قادتهم؛ مما دفع البيزنطيين إلى طلب الهدنة منه، بعد أن ضاقوا ذرعا بالحروب الطاحنة التي كبدتهم العديد من الخسائر وأصابتهم بالوهن.

                            نهضة شاملة

                            وبالرغم من الطابع العسكري والحربي لدولة الحمدانيين بصفة عامة، وإمارة سيف الدولة على نحو خاص، فإن ذلك لم يصرف الأمير "سيف الدولة" عن الاهتمام بالجوانب الحضارية والعمرانية.

                            فقد شيّد سيف الدولة قصره الشهير بـ"قصر الحلبة" على سفح جبل الجوشن، وتميز بروعة بنائه وفخامته وجمال نقوشه وزخارفه، وكان آية من آيات الفن المعماري البديع، كما شيّد العديد من المساجد، واهتم ببناء الحصون المنيعة والقلاع القوية.

                            وشهدت الحياة الاقتصادية ازدهارا ملحوظا في العديد من المجالات؛ فمن ناحية الزراعة كثرت المزروعات، وتنوعت المحاصيل من الحبوب والفاكهة والثمار والأزهار، فظهر البُرّ والشعير والذرة والأرز والبسلة وغيرها. كما ظهرت أنواع عديدة من الفاكهة كالتين والعنب والرمان والبرقوق والمشمش والخوخ والتوت والتفاح والجوز والبندق والحمضيات. ومن الرياحين والأزهار والورد والآس والنرجس والبنفسج والياسمين. كما جادت زراعة الأقطان والزيتون والنخيل. وظهرت صناعات عديدة على تلك المزروعات، مثل: الزيتون، والزبيب، كما ظهرت صناعات أخرى كالحديد والرخام والصابون والكبريت والزجاج والسيوف والميناء.

                            ونشطت التجارة، وظهر العديد من المراكز التجارية المهمة في حلب والموصل والرقة وحران وغيرها.

                            وشهدت الحياة الفكرية والثقافية نهضة كبيرة ونشاطا ملحوظا في ظل الحمدانيين؛ فظهر الكثير من العلماء والأطباء والفقهاء والفلاسفة والأدباء والشعراء.

                            وكان سيف الدولة يهتم كثيرا بالجوانب العلمية والحضارية في دولته، وظهر في عصره عدد من الأطباء المشهورين، مثل "عيسى الرَّقي" المعروف بالتفليسي، و"أبو الحسين بن كشكرايا"، كما ظهر "أبو بكر محمد بن زكريا الرازي" الذي كان أعظم أطباء الإسلام وأكثرهم شهرة وإنتاجا.

                            ومن أبرز الفلكيين والرياضيين الذين ظهروا في عصر الحمدانيين في بلاد الشام "أبو القاسم الرَّقي"، و"المجتبى الإنطاكي" و"ديونيسيوس" و"قيس الماروني"، كما عُني الحمدانيون بالعلوم العقلية كالفلسفة والمنطق، فلَمع نجمع عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين في بلاط الحمدانيين، مثل: "الفارابي"، و"ابن سينا".

                            أما في مجال العلوم العربية؛ فقد ظهر عدد من علماء اللغة المعروفين، مثل "ابن خالويه"، و"أبو الفتح بن جني"، و"أبو على الحسين بن أحمد الفارسي"، و"عبد الواحد بن علي الحلبي" المعروف بأبي الطيب اللغوي.

                            كما لمع عدد من الشعراء المعروفين، مثل "المتنبي"، و"أبو فراس الحمداني"، و"الخالديان: أبو بكر، وأبو عثمان"، و"السرى الرفاء" و"الصنوبري"، و"الوأواء الدمشقي"، و"السلامي" و"النامي".

                            وظهر كذلك عدد كبير من الأدباء المشهورين، وفي طليعتهم "أبو الفرج الأصفهاني" صاحب كتاب "الأغاني" الذي أهداه إلى سيف الدولة؛ فكافأه بألف دينار، و"ابن نباتة"، وظهر أيضا بعض الجغرافيين، مثل: "ابن حوقل الموصلي" صاحب كتاب "المسالك والممالك"…

                            ولم يلبث سيف الدولة أن عاجله المرض، ثم تُوفي في (25 من صفر 356هـ = 10 من فبراير 966م)، وقيل في رمضان، وهو في الثالثة والخمسين من عمره.

                            وقد ظلت آثار تلك النهضة الثقافية والحضارية ذات أثر كبير في الفكر العربي والثقافة الإسلامية على مدى قرون عديدة وأجيال متعاقبة.

                            منقول
                            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                            تعليق

                            • عبدالغفور الخطيب
                              عضو متميز

                              • Nov 2004
                              • 2698

                              #209
                              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                              ميلاد النبي: الحدث.. وطرق الاحتفال

                              (في ذكرى مولده: 12 ربيع الأول من عام الفيل)



                              كانت "مكة" على موعد مع حدث عظيم كان له تأثيره في مسيرة البشرية وحياة البشر طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان، وسيظل يشرق بنوره على الكون، ويرشد بهداه الحائرين، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

                              كان ميلاد النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم أهم حدث في تاريخ البشرية على الإطلاق منذ أن خلق الله الكون، وسخر كل ما فيه لخدمة الإنسان، وكأن هذا الكون كان يرتقب قدومه منذ أمد بعيد.

                              وفي (12 من ربيع الأول) من عام الفيل شرف الكون بميلاد سيد الخلق وخاتم المرسلين "محمد" صلى الله عليه وسلم.

                              وقد ذهب الفلكي المعروف "محمود باشا الفلكي" في بحث له إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين (9 من ربيع الأول الموافق 20 من أبريل سنة 571 ميلادية).

                              نسبه الشريف

                              هو "أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة"، ويمتد نسبه إلى "إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان"، وينتهي إلى "إسماعيل بن إبراهيم" عليهما السلام.

                              وأمه "آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة"، ويتصل نسب أمه مع أبيه بدءًا من "كلاب بن مرة".

                              ورُوي في سبب تسميته أن أمه أُمرت أن تسميه بذلك وهي حامل، وروي أن جده عبد المطلب رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذ بأهل المشرق والمغرب يتعلقون بها؛ فتأولها بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء فسماه "محمد".

                              وتبدو أسباب التهيئة والإعداد من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم في مهمته الجليلة ورسالته العظيمة، جلية واضحة منذ اللحظة الأولى في حياته، بل إنها كانت قبل ذلك، وقد تجلى ذلك حتى في اصطفاء اسمه صلى الله عليه وسلم، فليس في اسمه أو اسم أبيه أو جده ما يحط قدره وينقص منزلته، وليس في اسمه شيء محتقر، كما أنه ليس اسمه اسمًا مصغرًا تستصغر معه منزلته، وليس فيه كبرياء أو زيادة تعاظم يثير النفور منه.

                              ابن الذبيحين

                              ويعرف النبي صلى الله عليه وسلم بابن الذبيحين، فأبوه "عبد الله" هو الذبيح الذي نذر "عبد المطلب" ذبحه ثم فداه بمائة من الإبل، وجده "إسماعيل" – عليه السلام- هو الذبيح الذي فداه ربه بذبح عظيم.

                              وقد اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الشرف والكمال ما يوقع في نفوس الناس استعظامه، ويسهل عليهم قبول ما يخبر به، وأول تلك الأسباب كان شرف النسب "وأشرف النسب ما كان إلى أولي الدين، وأشرف ذلك ما كان إلى النبيين، وأفضل ذلك ما كان إلى العظماء من الأنبياء، وأفضل ذلك ما كان إلى نبي قد اتفقت الملل على تعظيمه".

                              ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مجوسيًا، لأنه لو كان من أهل ملة لكان خارجًا عن دين من يدعوهم فيكون عندهم مبتدعًا كافرًا، وذلك ما يدعوهم إلى تنفير الناس منه، وإنما كان حنيفًا مسلمًا على مله آبائه: "إبراهيم" و"إسماعيل" عليهما السلام.

                              مولد النبي صلى الله عليه وسلم إيذان بزوال الشرك

                              كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم نذيرا بزوال دولة الشرك، ونشر الحق والخير والعدل بين الناس، ورفع الظلم والبغي والعدوان.

                              وكانت الدنيا تموج بألوان الشرك والوثنية وتمتلئ بطواغيت الكفر والطغيان، وعندما أشرق مولد سيد الخلق كانت له إرهاصات عجيبة، وصاحبته ظواهر غريبة وأحداث فريدة، ففي يوم مولده زلزل إيوان "كسرى" فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار "فارس" ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة "ساوة".

                              وروى عن أمه أنها قالت: "رأيت لما وضعته نورًا بدا مني ساطعًا حتى أفزعني، ولم أر شيئًا مما يراه النساء". وذكرت "فاطمة بنت عبد الله" أنها شهدت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: "فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن عليَّ".

                              وروى أنه صلى الله عليه وسلم ولد معذورًا مسرورًا -أي مختونًا مقطوع السرة- وأنه كان يشير بإصبع يده كالمسبّح بها.

                              محمد اليتيم

                              فقد محمد صلى الله عليه وسلم أباه قبل مولده، وكانت وفاة أبيه بالمدينة عند أخوال أبيه من "بني النجار" وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

                              وعلى عادة العرب فقد أرسله جدُّه إلى البادية ليسترضع في "بني سعد"، وكانت حاضنته "حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي"، فلم يزل مقيمًا في "بني سعد" يرون به البركة في أنفسهم وأموالهم حتى كانت حادثة شق الصدر، فخافوا عليه وردوه إلى جده "عبد المطلب" وهو في نحو الخامسة من عمره.

                              لم تلبث أمه "آمنة" أن توفيت في "الأبواء" – بين "مكة" و "المدينة" – وهي في الثلاثين من عمرها، وكان محمد صلى الله عليه وسلم قد تجاوز السادسة بثلاثة أشهر.

                              وكأنما كان على "محمد" صلى الله عليه وسلم أن يتجرع مرارة اليتم في طفولته، ليكون أبًا لليتامى والمساكين بعد نبوته، وليتضح أثر ذلك الشعور باليتم في حنوّه على اليتامى وبره بهم، ودعوته إلى كفالتهم ورعايتهم والعناية بهم.

                              محمد في كفالة جده وعمه

                              عاش "محمد" صلى الله عليه وسلم في كنف جده "عبد المطلب" وكان يحبه ويعطف عليه، فلما مات "عبد المطلب" وكان "محمد" في الثامنة من عمره، كفله عمه "أبو طالب"، فكان خير عون له في الحياة بعد موت جده، وكان أبو طالب سيدًا شريفًا مطاعًا مهيبًا، مع ما كان عليه من الفقر، وكان "أبو طالب" يحب محمدًا ويؤثره على أبنائه ليعوضه ما فقده من حنان وعطف.

                              وحينما خرج "أبو طالب" في تجارة إلى "الشام" تعلق به "محمد" فرقّ له "أبو طالب" وأخذه معه، فلما نزل الركب "بصرى" -من أرض "الشام"- وكان بها راهب اسمه "بحيرى" في صومعة له، فلما رآه "بحيرى" جعل يلحظه لحظًا شديدًا، ويتفحصه مليًا، ثم أقبل على عمه "أبي طالب" فأخذ يوصيه به، ويدعوه إلى الرجوع به إلى بلده، ويحذره من اليهود.

                              محمد في مكة

                              وشهد "محمد" صلى الله عليه وسلم حرب الفجار – الذين فجّروا القتال في شهر الله الحرام رجب- وكان في السابعة عشرة من عمره.

                              وحضر "حلف الفضول" وقد جاوز العشرين من عمره، وقد قال فيه بعد بعثته: "حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما يسرني به حمر النعم، ولو دُعيت إليه اليوم لأجبت".

                              وقد عُرف النبي صلى الله عليه وسلم – منذ حداثة سنه – بالصادق الأمين، وكان موضع احترام وتقدير "قريش" في صباه وشبابه، حتى إنهم احتكموا إليه عندما اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة، حينما أعادوا بناءها بعدما تهدّمت بسبب سيل أصابها، وأرادت كل قبيلة أن تحظى بهذا الشرف حتى طار الشرُّ بينهم، وكادوا يقتتلون، فلما رأوه مقبلاً قالوا: قد رضينا بحكم "محمد بن عبد الله"، فبسط رداءه، ثم وضع الحجر وسطه، وطلب أن تحمل كل قبيلة جانبًا من جوانب الرداء، فلما رفعوه جميعًا حتى بلغ الموضع، أخذه بيده الشريفة ووضعه مكانه.

                              وعندما بلغ "محمد" صلى الله عليه وسلم الخامسة والعشرين تزوج السيدة "خديجة بنت خويلد"، قبل أن يُبعث، فولدت له "القاسم" و"رقية" و"زينب" و"أم كلثوم"، وولدت له بعد البعثة "عبد الله".

                              من البعثة إلى الوفاة

                              ولما استكمل النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة كانت بعثته، وكانت "خديجة" أول من آمن به من النساء، وكان "أبو بكر الصديق" أول من آمن به من الرجال، و"علي بن أبي طالب" أول من آمن من الصبيان.

                              وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين يكتم أمره، ويدعو الناس سرًا إلى الإسلام، فآمن به عدد قليل، فلما أمر بإبلاغ دعوته إلى الناس والجهر بها، بدأت قريش في إيذائه وتعرضت له ولأصحابه، ونال المؤمنون بدعوته صنوف الاضطهاد والتنكيل، وظل المسلمون يقاسون التعذيب والاضطهاد حتى اضطروا إلى ترك أوطانهم والهجرة إلى "الحبشة" ثم إلى المدينة.

                              ومرّت الأعوام حتى عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحًا –في العام العاشر من الهجرة- ونصر الله المسلمين بعد أن خرجوا منها مقهورين، ومكّن لهم في الأرض بعد أن كانوا مستذلّين مستضعفين، وأظهر الله دينه وأعز نبيه ودحر الشرك وهزم المشركين.

                              وفي العام التالي توفي النبي صلى الله عليه وسلم في (12 من ربيع الأول 11هـ = 7 من يونيو 632م) عن عمر بلغ (63) عامًا.

                              بدايات الاحتفال بالمولد النبوي

                              لعل أول من أحدث الاحتفال بذكرى المولد النبوي هو الملك المظفر "أبو سعيد كوكبري بن زيد الدين علي بن بكتكين" صاحب إربل، وكان أحد الملوك الأمجاد، وكان يحتفل به احتفالاً هائلاً يحضره الأعيان والعلماء ويدعو إليه الصوفية والفقراء.

                              وقد اختلف العلماء حول شرعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وانقسموا بين مؤيد ومعارض، وكان من أشد المنكرين لذلك المعارضين له؛ باعتباره بدعة مذمومة الشيخ "تاج الدين اللخمي" الذي يقول: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكّالون".

                              وقد انبرى الإمام "السيوطي" للرد عليه وتفنيد مزاعمه وإبطال حججه، وإذا كان بعض الناس يرتكبون أفعالاً منكرة في الاحتفال بالمولد، من لهو وصد عن ذكر الله وغير ذلك، فإن تعظيم هذا اليوم إنما يكون بزيادة الأعمال الصالحة والصدقات وغير ذلك من ألوان القربات إلى الله تعالى.

                              وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم؛ فصامه وأمر بصيامه.. (بخاري: كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، رقم 2004).

                              ولعل في إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضيلة هذا اليوم حينما سأله سائل عن صوم يوم الإثنين فقال: "ذلك يوم ولدت فيه"؛ ففيه تشريف لهذا اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم.

                              كيف نحتفل بالمولد؟

                              يميل أكثر العلماء إلى شرعية الاحتفال بالمولد النبوي، ووجوب إحياء هذه الذكرى بالذكر والعبادة، والتماس مواطن القدوة في حياة صاحب الذكرى صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به وإحياء سننه، والسير على نهجه وشرعته.

                              يقول الإمام "ابن حجر العسقلاني": "أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرّى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة".

                              ويقول الإمام "السخاوي": "لو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى، وإذا كان أهل الصليب اتخذوا مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر".

                              ويقول العلامة "فتح الله البناني": "إن أحسن ما ابتُدع في زماننا هذا ما يُفعل كل عام في اليوم الذي يوافق مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك –على ما فيه من الإحسان إلى الفقراء- مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك".


                              منقول
                              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                              تعليق

                              • عبدالغفور الخطيب
                                عضو متميز

                                • Nov 2004
                                • 2698

                                #210
                                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                                دمشق بوابة صلاح الدين إلى الوحدة

                                (في ذكرى دخول صلاح الدين دمشق: 29 ربيع الأول 570هـ)



                                مرّت الأمة العربية والإسلامية بمرحلة شديدة من الضعف والانقسام قبيل ظهور "صلاح الدين الأيوبي" على مسرح الأحداث، وأصبح العرب والمسلمون مطمعًا لدول أوروبا، وصارت بلاد المسلمين نهبًا للصليبيين المتربصين بالأمة الإسلامية، فقد كانت الخلافة العباسية تؤذن بالزوال، وأصبح الخليفة العباسي بلا أي سلطان، بل لقد صار هو نفسه تحت وصاية القادة الأتراك الذين ازداد نفوذهم وأصبحت لهم السطوة والسلطة في الخلافة، وصارت وظيفة إمرة الأمراء يفوق سلطانها سلطان الخلافة، حتى أطلق المؤرخون على الخلفاء العباسيين في ذلك الوقت المستضعفين.

                                ظهور أسرة الأيوبيين

                                وفي ظل تلك الأجواء المشحونة بالتفكك والتخاذل ظهرت أسرة صلاح الدين، تلك الأسرة الكردية التي أسلمت منذ وقت مبكر، وكان لها من البأس والقوة ما مكّنها من السيطرة على عامة أرض فارس في عهد الدولة الأموية.

                                واشتدت قوتهم وازداد نفوذهم مع ضعف الخلافة العباسية، إلا أن ظهور السلاجقة في العراق قضى على تلك الدويلات الصغيرة التي أنشأها الأكراد، خاصة في الأجزاء الغربية من جبال إيران.

                                وتذكر المصادر التاريخية أن "شادي" جد صلاح الدين هاجر مع أسرته من أذربيجان إلى العراق التي كان يسيطر عليها السلاجقة، واستطاع أن يتصل ببعض رجال الدولة السلجوقية، وكان متميزا بالجرأة والشجاعة وشخصيته القوية فمنحوه حكم قلعة "تكريت"، فلما تُوفي شادي ورثه ابنه الأكبر "أيوب"، وأصبح حاكما عليها، وكان يعاونه أخوه الأصغر "شيركوه".

                                وفي تلك القلعة وُلِد "صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي" في سنة (532هـ=1137م).

                                في بلاط الأتابكة

                                واضطر أبناء شادي إلى ترك القلعة واللجوء إلى الأتابكة في الموصل فرارا من السلاجقة بعد أن قتل شيركوه قائدا سلجوقيا كاد يبطش بامرأة هناك، ولقي الأخوان أيوب وشيركوه الحفاوة والتكريم من "عماد الدين زنكي" حاكم الموصل الذي ألحقهما بالعمل معه، وجعل أيوب أميرًا على "بعلبك"، فلما قتل "عماد الدين" على يد غلمانه سنة (541هـ=1146م) ظل الأخوان إلى جانب ابنيه "نور الدين محمود" و"غازي"؛ فاتسع نفوذهما وقوى سلطانهما.

                                دمشق في حياة صلاح الدين

                                لعلَّ أولى ذكريات دمشق في وعي صلاح الدين ووجدانه ترجع إلى فترة مبكرة من صباه، وهو غلام صغير لم يتجاوز الحادية العشرة، عندما غزا الصليبيون دمشق في حملتهم الثانية إلى المشرق وحاصروها في (ربيع الأول 543هـ=يونيو 1148م)، فتصدى لهم أبوه "أيوب" مع "معين الدين أنر" حاكم دمشق ـ استمات أهل دمشق في الدفاع عنها في ملحمة بطولية رائعة حتى اضطر الصليبيون في النهاية إلى قبول العرض الذي طرحه "أنر" عليهم بتسليمهم حصن "بانياس" مقابل رفع الحصار عن دمشق، خاصة بعدما علموا بخروج الأميرين الزنكيين نور الدين وأخيه غازي لنجدة أنر، ولكن خروج الصليبيين من دمشق على هذا النحو بعد مصالحة "أنر" لهم دفع نور الدين إلى أن يفكر جديا في الاستيلاء عليها وضمها إلى أملاكه، وقوي هذا العزم في نفس نور الدين بعد أن توفي أخوه غازي وأصبحت مقاليد الأمور كلها في يده.

                                وقد ساهم الأخوان أيوب وشيركوه بقدر كبير في تحقيق أمنية نور الدين، فلما آلت إليه دمشق سنة 549هـ=1154م نقل إليها مركز حكمه، وعيّن أيوب حاكما عليها وجعل شيركوه نائبا عنه، واتخذ صلاح الدين رئيسا للشرطة، وكان في السابعة عشرة من عمره.

                                نور الدين والفاطميون

                                واتسعت دولة "نور الدين" لتمتد من حلب إلى دمشق، وكان لجهود الأخوين "أيوب" و"شيركوه" أكبر الأثر في توطيد أركان تلك الدولة الفتية، وفي الوقت الذي كان نجم دولة "نور الدين" في الشام آخذا في الصعود كانت أوضاع دولة الفاطميين في مصر في تدهور مستمر، خاصة بعدما تفاقم الصراع بين كل من "شاور" و"ضرغام" على الوزارة، والذي انتهى بانتصار "ضرغام" وطرد "شاور" من مصر سنة (558هـ=1163م).

                                ولجأ "شاور" بعد هزيمته إلى "نور الدين" في الشام فاستنجد به، وأطمعه في مصر، ووعده بثلث خراجها، وتعهد أن يكون تابعًا مخلصًا له.

                                فأرسل "نور الدين" حملة عسكرية كبيرة جعل على رأسها "شيركوه"، وخرج معه ابن أخيه "صلاح الدين" ـ وكان في الخامسة والعشرين من عمره ـ حتى دخلوا القاهرة، وألحقوا بضرغام وجنوده هزيمة منكرة، وقُتل مع من بقي من أتباعه.

                                ولكن "شارو" ما لبث أن نكث بعهوده، وأظهر الغدر، بعد أن استعاد الوزارة، واستعان بالصليبيين لمحاربة "شيركوه" و"صلاح الدين".

                                واستمر الصراع بين الجانبين عدة سنوات حتى استطاع "شيركوه" ومعه "صلاح الدين" دخول "مصر" في (ربيع الأول 564 هـ-ديسمبر 1168م)، وأراد "شاور" تدبير مؤامرة للخلاص من "شيركوه" ومن معه، وإخراج جيشه من مصر، ولكن شيركوه أسرع بالقبض عليه، فأمر الخليفة الفاطمي "العاضد" بإعدامه، فأعدم في (17 من ربيع الآخر 564هـ=19 من يناير 1169م)، وبموته استقرت الأمور في البلاد، وتقلّد شيركوه الوزارة إلا أنه تُوفي بعد نحو شهرين من تقلده الوزارة، فخلفه عليها صلاح الدين وكان عمره (31) عامًا.

                                صلاح الدين وزيرًا

                                وكان الخليفة الفاطمي يظن أن "صلاح الدين" سيكون أداة طيعة في يده لصغر سنه، ولكن الوزير الشاب خيب ظنَّ الخليفة، وعمل منذ الوهلة الأولى على استمالة قلوب الناس إليه، وأنفق في سبيل ذلك أموالاً طائلة، حتى سيطر سيطرة تامة على الجند، واستطاع القضاء على الجنود السودان الذين كان الخليفة الفاطمي يعتمد عليهم.

                                وما لبث الخليفة "العاضد" أن تُوفي في (المحرم 567هـ= سبتمبر 1171م)، فانتهت بوفاته الدولة الفاطمية، وقضى صلاح الدين على كل أثر لها في مصر.

                                بداية الوحدة الإسلامية


                                كان الخطر الصليبي لا يزال يحدق بالأمة العربية والإسلامية، وأدرك "صلاح الدين" أنه لا مجال لصد ذلك الغزو الصليبي إلا بالوحدة الإسلامية، ولمِّ شتات الإمارات المختلفة تحت لواء واحد قوي.

                                وقد لاحت له الفرصة حينما علم بوجود بعض القلاقل والاضطرابات في الشام، فاستخلف أخاه "العادل" على مصر، واتجه على رأس جيشه إلى الشام فدخل دمشق في (آخر ربيع الأول 572 هـ = 29 من أكتوبر 1174).

                                وبدخول صلاح الدين مدينة دمشق بدأت أولى خطواته نحو تحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى التي عاش يحلم بها، وتمكن ـ بعد ذلك ـ من الاستيلاء على عدة مدن من أهمها "حمص"، و"حماة"، و"حلب"، واستطاع أن يحقق الأمن والاستقرار للبلاد، وأحسن تدبير أمور الدولة، حتى أصبحت بلاد الشام التي فتحها خاضعة له، واستطاع "صلاح الدين" أن يحظى باعتراف الخليفة العباسي "المستضيء" بسيادته على مصر والشام واليمن.

                                وعاد "صلاح الدين" إلى مصر، ليبدأ التخطيط والإعداد للقضاء على النفوذ الصليبي في المشرق، بعد أن حقق حلمه بقيام الواحدة الإسلامية الكبرى بين مصر والشام، والذي توجّه ـ بعد ذلك ـ بانتصاره الساحق على الصليبيين في حطين.


                                منقول
                                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                                تعليق

                                يعمل...