صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #16
    مشاركة: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

    اللوبي الصهيوني American-Israel Public Affairs Committee (AIPAC)

    قبل أن ندخل بالحديث عن هذا اللوبي الذي يعتبر الأهم بين جماعات الضغط التي تتدخل في مناقشة قضايانا نحن العرب وتؤثر على كيفية صناعة القرار الأمريكي، أستميح القارئ العذر، في التأشير على مثالين تأكدت منهما في الحياة العامة .. ففي مهنتنا يلجأ بعض المسوقين لإرسال مجموعات من طرفهم بشكل أفراد للمتاجر الكبرى لتبحث عن صنف دجاج مجمد مثلا (الوردة الحمراء) .. فيجيب موظف المبيعات أن لدينا عدة أصناف ويذكرها عدا الصنف الذي تم سؤاله عنه، وعندما تتكرر تلك الحالة عشرة مرات في اليوم من الأفراد الذين بعثتهم الشركة، فإن إدارة المخازن ستتصل بصاحب العلامة التجارية وتطلب منه.

    المثال الثاني كنت قد اشتركت فيه بنفسي في لجان مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، عندما وضعنا هدفا لمضايقة من يبيعون المشروب الغازي (كوكاكولا) فبعد أن يقوم المشتري (من أعضاء المجموعة) باختيار مشترياته ووضعها على الطاولة لدفع قيمتها، يمثل دورا بأنه اكتشف أن المتجر يبيع الكوكاكولا فيلغي عملية الشراء .. وقد تفقدنا أثر تلك التمارين المتكررة لبعض المتاجر، فكانت النتيجة أن تمتنع بعض المتاجر عن التعامل مع هذا الصنف.. لنتذكر هذين المثلين في الحديث عن اللوبي الصهيوني..

    لقد أدركت الحركة الصهيونية أهمية الولايات المتحدة منذ بداية العشرينات من القرن الماضي، واستطاعت خلال عشرين عاما أن تتسلل الى أهم المواقع المؤثرة في صناعة القرار الأمريكي.. واتضحت قوتها لأول مرة عام 1948 عندما أعلنت دولة الكيان الصهيوني.. فكان موقف الرئيس الأمريكي (ترومان) في البداية عدم الاعتراف بهذا الكيان وإعاقة عملية الاعتراف الدولي به .. إلا أن عمل (الإيباك ـ اللوبي الصهيوني) أدى دوره ليخرج (ترومان) الى مستشاريه والذين كانوا على أعتاب انتخابات (رغم معارضة البعض من هؤلاء المستشارين وعلى رأسهم وزير الخارجية والدفاع ورئيس هيئة الأركان الذين لم يريدوا الاعتراف بالكيان الصهيوني) .. خاطبهم (ترومان) بالقول: (( آسف أيها السادة. إن علي التجاوب مع رغبات مئات الآلاف من المتحمسين لنجاح الصهيونية، إنه لا يوجد بين رعيتي مئات الآلاف من العرب))، لم يشأ ترومان القول عن العرب الذين قد يكونوا موجودين في ذلك الوقت بأعداد قد تتجاوز أعداد اليهود، بأنهم فاقدو الحماس لعروبتهم ..

    لقد أسس (ترومان) بتراجعه عن موقفه من الكيان الصهيوني لموقف كان ولا يزال له الأثر الأكبر على العلاقة الأمريكية ـ العربية وجسد من خلاله :

    1ـ السماح لكبار المسئولين بوضع طموحاتهم السياسية (الانتخابية) أمام مصالح أمريكا القومية.
    2ـ السماح للأقليات الأمريكية بتشكيل مجموعات ضغط خاصة هدفها تطويع سياسة أمريكا الخارجية لخدمة أهداف ومصالح أطراف ودول أجنبية.

    وكون الصهاينة يحترفون هذا العمل منذ آلاف السنين، فقد واظبوا على تطوير جماعات الضغط الخاصة بهم والتي وصل عددها عام 1985 أكثر من 200 مجموعة تتزعمها (ايباك) التي ارتفع عدد كوادرها من 6000 عام 1980 الى 50000 عام 1985، ويعمل بها بشكل دائم 50 موظفا مهمتهم :

    1ـ إعداد الدراسات التي تعكس وجهة نظر الكيان الصهيوني، وتضع ملفات أعضاء الكونجرس و تجمع عنهم المعلومات وتتصل بهم وتثقفهم عن قضاياها، وتدفع لهم الرواتب وتؤمن لهم (شطحات) ترفيهية وإغرائية وتهددهم بالسقوط.

    2ـ العمل على إعاقة التعاون العسكري المؤثر مع الدول العربية..

    3ـ عقد الندوات التثقيفية الجامعية لنخب الطلاب والأساتذة المدعوين لأمريكا، وشرح قضية الصهيونية كضحية لأوباش محيطين بها! فقد عقدت بين عامي 1980و 1983 حوالي 350 ندوة شارك بها 5000 كادر مستضاف من أمريكا.

    وكون (ايباك) تعرف مدى الدرجة العلمية والمالية لأفراد (اليهود) في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استغلتهم أسوأ استغلال وقد ظهر كتاب بين اليهود يستهجنوا خضوع أمريكا لرغبات الصهيونية، والسماح لهم باستغلال يهود أمريكا بشكل مهين، ومنهم (نعوم شومسكي) الكاتب المعروف، والكاتبة اليهودية (روبرتا شتراوس فوبرلشت) التي كتبت (( لا يمكن تصور أن يحدث استغلال أقلية صهيونية لأكثرية يهودية .. وأين في بلد يدعي أنه راعي أفضل ديمقراطية بالعالم .. إنه كبت للحرية ورجم لمن يخالفها الرأي بالحجارة حتى الموت)).

    لقد تطور عمل (إيباك) في عهد كيسنجر، كما أسلفنا، إذ تم زج أعدادا غير قليلة ليصلوا في النهاية الى أعلى المراتب مثل نائب رئيس الجمهورية ومساعد وزير الخارجية والدفاع وغيرها من مئات الوظائف التي أوصلت منطقتنا العربية لما هي عليه الآن .. كما أن علاقات الدول والشعوب التي تريد التقرب من أمريكا لطلب مساعدتها، أدركت فيما بعد أن زيارة مسئولي (إيباك) ورضاهم خطوة أساسية لإكمال مشوار التقرب، وقد رأينا الدول الإفريقية والأمريكية الجنوبية كيف كانت تقيم علاقات مع الكيان الصهيوني كثمن (لفيزا) الالتقاء بالمسئولين الأمريكان وطلب دعمهم !
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

    تعليق

    • عبدالغفور الخطيب
      عضو متميز

      • Nov 2004
      • 2698

      #17
      مشاركة: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

      لجان العمل السياسي Political Action Committees (PACS)

      يعتبر جمع المال وتوظيفه لشراء ولاء السياسيين، الوظيفة الرئيسية للجان العمل السياسي. وتتم عملية شراء ولاء السياسيين عادة من خلال المساهمة في تمويل حملاتهم الانتخابية وتوجيه الأتباع لدعمهم ماديا والتصويت لصالحهم. وعلى الرغم من تباين أساليب العمل بين تلك اللجان وجماعات الضغط، إلا أن غاياتهما متشابهة.

      وقد اكتشفت جماعات الضغط بأن قوة المنطق والإقناع وحدها لا تكفي، فكان لا بد من إنشاء تلك الأذرع لمعاونتها عن طريق شراء الذمم وتغيير مواقف السياسيين ومنهم البرلمانيين من خلال توصيلهم للكونجرس و مراقبتهم وتوجيههم باستمرار بما يخدم أهداف جماعات الضغط نفسها.

      في عام 1974 كان في الولايات المتحدة حوالي 600 لجنة عمل سياسي، تمثل كل القطاعات الصناعية والتجارية والقوى السياسية وتنتشر في كل مدن الولايات المتحدة. وعندما رأى السياسيون والذين هم ليس بعيدين عن قطاعات الإنتاج (الإمبريالية)، أن عمل تلك اللجان قد أعطى ثماره، فقد ارتفع عدد تلك اللجان عام 1986 الى نحو 4500 لجنة .. أسهمت تلك اللجان في 65 مليون دولار في انتخابات عام 1986 أي ما يعادل 44% من كلفة الحملة.

      وتعتمد لجان العمل السياسي أسلوبا، حيث تدعم عودة مرشحين قدامى وتبتعد عن دعم مرشحين جدد، حيث تكون قد اطلعت على نمطية أداء النواب والشيوخ القدامى وآراءهم .. حيث قدمت عام 1988 ما قيمته 115مليون لدعم المرشحين القدامى، في حين كان نصيب المرشحين الجدد، ما قيمته 17 مليون فقط.

      وفي بعض الأحيان تتجاوز قيمة الدعم المالي لبعض المرشحين ما ينفقوه فعلا. وقد بلغ متوسط كلفة المرشح لمجلس الشيوخ عام 1986 ما مقداره 3 ملايين لكل مرشح، فإذا عرفنا أن مدة مجلس الشيوخ هي ست سنوات، فإن المرشح عليه جمع ما قيمته 10آلاف دولار كل أسبوع. وإذا كان العضو من المهمين ويُخشى عليه الرسوب، فإن عليه جمع أضعاف ذلك المبلغ. فقد بلغت كلفة حملة

      وعلى سبيل المثال أسفرت المنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ بين (بوب جراهام) حاكم ولاية فلوريدا السابق و (بولا هوكنز) عضوة مجلس النواب في عام 1986 عن إنفاق 13مليون دولار. وفي ولاية (نورث كارولينا) بلغت تكاليف حملة انتخابات أحد المقاعد في مجلس الشيوخ في عام 1984 بين السناتور (جيسي هلمز) ومنافسه (جيمس هنت) حاكم الولاية السابق، حوالي 32مليون دولار.

      وعلينا تصور المبالغ التي صرفت عام 2006 بعد مرور عشرين عاما، فهي بالتأكيد قد زادت عشر مرات على الأقل.. وعلينا على ضوء كل ذلك أن نتأمل تلك الديمقراطية الشفافة التي يبشرون بها في منطقتنا، ومدى حرية أداء عضو الكونجرس ونزاهة مواقفه!
      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

      تعليق

      • عبدالغفور الخطيب
        عضو متميز

        • Nov 2004
        • 2698

        #18
        مشاركة: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

        مراكز الأبحاث والمؤسسات المالية :

        من الملامح التي تختلف الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية عن غيرها في بلدان العالم، تلك التي تعني بتشكيل جماعات ومؤسسات خاصة تتابع القضايا السياسية للبلاد وتقيم برامج الحكومة المتنوعة وتقترح برامج سياسية مستخدمة أساليب مشروعة في ذلك ومن هذه المؤسسات: مجموعات الضغط السياسي، التجمعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الجامعات ومعاهد التعليم، مراكز البحوث، المؤسسات الخيرية المعنية أساسا بتقديم المعونات المالية للباحثين ومراكز الدراسات ..

        سأحاول عمل مقاربة بسيطة للقارئ حتى يكون صورة عن المؤسسات هذه ودورها وكيفية تسللها لمنطقتنا وتحت عناوين مختلفة .. تضع بعض الدول الكبرى جزءا من ميزانيتها للمساعدات الإنسانية، فمثلا تضع ألمانيا 0.33% من ميزانيتها .. وتستفيد من هذا الرقم آلاف المؤسسات المدنية في دول العالم الثالث، وتشترط ألمانيا تقديم تلك المساعدات كبرامج لتطوير الوعي الصحي، أو الوعي القانوني وحقوق الإنسان .. فتعطي مثلا ما قيمته 750دولار لمحاضرة قانونية .. في حين تستضيف مؤسسة اجتماعية ما (جمعية خيرية، نقابة، اتحاد المرأة) أحد المحامين الذي يحس بغبطة أنه أستضاف لدور ما! دون ذكر ما سيستحقه من مخصصات، كذلك يدعى طبيب لإعطاء محاضرة عن الكوليرا، وتقدم تلك الفعاليات لتستلم تلك المنظمات نقودا بدلا منها، في حين أن فعالياتها تمت مجانا .. ولن تستطيع أي لجنة رقابة مالية أن تعرف كيفية تسريب تلك الأموال للبلاد.. وستبقى القيادات المحلية (المدنية) والتي تتربع على وعاء للرأي العام متكالبة للبقاء في مكانها ومهادنة للدول المانحة ونمطية رؤاها، وقد تعلم الدول المانحة لتلك المنظمات ذلك التسيب، لكنها تستفيد في إيجاد منظمات مدنية غير حقيقية، شغلت مكانا يفترض أن يكون حقيقي .. وهنا يتم تعطيل الدور الجماهيري من خلال إفساده .. بمخصصات تبدو للناس أنها بريئة وتنم عن كرم في حين هي غير ذلك ..

        يتقبل المجتمع الأمريكي دور تلك المؤسسات ويشجعها ويمدها بالمال ويستجيب لطلباتها في كثير من الأحيان .. وقد كان لتعاظم شأن الإعلام وبالذات التلفزيون بعد الحرب العالمية الثانية، بروز دور تلك المؤسسات التي توزع خطابها على محطات التلفزيون أو أن تملك هي بعض تلك المحطات .. لقد أدى تعاظم دور تلك المؤسسات الى تراجع الولاء الحزبي والركون الى ما تبثه تلك المؤسسات.

        مراكز البحوث :

        تقوم مراكز البحوث والدراسات في العادة بالمشاركة في صنع السياسة العامة للدولة من خلال إرساء الأسس الفكرية والفلسفية والاقتصادية والاجتماعية للبرامج والسياسات الرئيسية .. وتعني تلك البرامج بتقييم الخطط القديمة من سياسات تعليمية واقتصادية وصحية وغيرها، وتبقى تلك المراكز تحذر مما تتخوف منه، وحتى يحدث هذا الشيء في تحريك السياسة الخارجية، ونذكر الأكاذيب التي بثت عام 1990 عن تلوث البيئة التي زعمت تلك المراكز أن العراق هو من سببه .. في حين كانت الصور من مناطق لا علاقة لها بالخليج. كما نرى اليوم كم دراسة تخرج عن دارفور لتحريض المجتمع الدولي على التدخل في السودان .. في حين تنخرس تلك المراكز عن ذكر ما يحدث في العراق بسبب الاحتلال الأمريكي نفسه .. أو تتعفف تلك المراكز عن الخوض مما يتعرض إليه الشعب الفلسطيني من اضطهاد على أيدي الصهاينة..

        في عام 1988 وصل عدد تلك المراكز في الولايات المتحدة الى ألف مركز، نصفها تقريبا ارتبط بجامعات والنصف الآخر يعمل كمؤسسات مستقلة. ويوجد منها في واشنطن حوالي 20% .. وهناك ثلاثة مستويات لتلك المراكز: الأول: ذو تمويل حوالي 2 مليون دولار( البسيط) .. وعدد المشتغلين فيه لا يزيد عن عشرة أشخاص. والمستوى الثاني (المتوسط) بميزانية تتراوح بين 10ـ15 مليون دولار سنويا .. وعدد العاملين يصل الى مئة .. وهناك المستوى الثالث: حيث يبلغ التمويل قرابة 100 مليون دولار مثل مؤسسة (راند كوربوريتشن) وبها من العاملين حوالي 500 مستخدم.

        قد يستغرب البعض، ولماذا هذا العمل وما وراءه من أرباح .. هناك بعض المراكز التي يعتبر كلامها ثقة فعندما تكلف بدراسة ما، وتنشر نتائجها فإنها تتقاضى أموالا على دراستها أو نصائحها أو الأثر التي تحدثه الدراسة في خلخلة بعض نظم الدول في العالم .. كما أن تلك المراكز تسهم في تزويد الحكومة المركزية بموظفين ممتازين أو الإدارات الفدرالية (في الولايات) .. فعلى سبيل المثال جاء (جيمس شليسنجر) والذي شغل مناصب وزير الطاقة ووزير الدفاع ومدير الاستخبارات المركزية من (مؤسسة راند كوربوريتشن) .. أما كيسنجر فقد جاء من جامعة (هارفارد) وعاد بعد انتهاء إدارة الرئيس فورد الى (مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية) .. أما (جين كيركباتريك) ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بعهد ريغان فقد جاءت من مركز (أمريكان انتربرايز انستيتيوت) .. وقد وجد أن حوالي نصف أعضاء الحكومات الأمريكية يتم التزود بهم من خلال تلك المراكز ..
        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

        تعليق

        • عبدالغفور الخطيب
          عضو متميز

          • Nov 2004
          • 2698

          #19
          مشاركة: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

          بنوك التفكير الرئيسية :*1

          تعتبر بعض المراكز من أهم بنوك التفكير في أمريكا، إذ تزود الدولة بدراسات ومعلومات تهتم بالسياسة الخارجية وقضايا أخرى يحتاجها صانع القرار السياسي في أمريكا، ومن تلك البنوك: (بروكينجر أنستتيوشن) و (أمريكان انتربرايز انتستيتيوت) و (سنتر فور ستراتيجيك آند انترناشيونال ستاديز) و (مؤسسة راند كوربوريشن) ..

          وتأسس معهد (بروكينجر أنستتيوشن Brookings Institution) عام 1927 متخصصا في إجراء الدراسات الأكاديمية، وينشر المعهد دراساته في نشرات دورية، وبعد عام 1932 أصبح هذا المعهد يدعم الدولة بدراسات اقتصادية.. ويتبع هذا المركز عمليا للحزب الديمقراطي، وقد زود المعهد إدارة الرئيس (كارتر) بالعديد من الموظفين الهامين بين عامي 1977و 1980، ومنهم (تشارلز شولتز) رئيس هيئة مستشاري الرئيس الاقتصاديين .. وبلغت ميزانية المعهد السنوية حوالي 15 مليون دولار .. ويعمل به أكثر من 100مختص نصفهم يعمل بالشؤون السياسية والاقتصادية وهم موظفون سابقون بالحكومة( وهو تقليد لا يزال حتى اليوم .. يخرج الموظف الكبير من الحكومة فيعمل بتلك المراكز ثم يعود ) .. ويشرف المركز على برامج أكثر من 100 محطة إذاعية ..

          أما معهد (أمريكان انتربرايز انتستيتيوت American Enterprise Institute) فقد تأسس في عام 1943، كمؤسسة أبحاث خاصة استهدفت الدفاع عن النظام الرأسمالي وعن مسلكية الشركات الكبيرة ومصالحها.. وقد اتسعت نشاطاته حتى شملت قضايا الميزانية والشؤون الدولية ودور الدين والفلسفة في السياسة العامة للدولة.. وكان بالمعهد عام 1985 176 موظف بميزانية 13مليون دولار ... والمعهد تابع للحزب الجمهوري وقد زود المعهد إدارة ريغان ب 32 من كبار الموظفين .. والجدير بالذكر أن الرئيس (جيرالد فورد) كان من كوادر المعهد.. ويصدر المعهد أربعة مجلات دورية، و130 كتاب ودراسة سنوية .. ويكتب المعهد 3 مقالات كل أسبوعين تنشر في 101 جريدة يومية ..

          أما (سنتر فور ستراتيجيك آند انترناشيونال ستاديزCenter for Strategic and International Studies) أي مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية) فقد أسس في عام 1962 كمؤسسة خاصة تابعة لجامعة جورجتاون .. بهدف تشجيع صانعي القرار السياسي والجمهور في التفكير بشكل إستراتيجي فيما يتعلق بالقضايا الدولية .. وبلغ عدد العاملين في المركز عام 1988، 140 شخصا، بميزانية 8.5 مليون دولار ويصدر مجلة فصلية و8 كتيبات سياسية سنوية..

          ومؤسسة (راند كوربوريشن Rand Corporation) تعتبر أكبر مؤسسات البحث الخاصة في أمريكا، التي ينحصر اهتمامها في قضايا الأمن والدفاع .. وتعتبر العقل المدبر لوزارة الدفاع الأمريكية، وتقوم هذه المؤسسة بتنسيق طلبات وزارة الدفاع وتحويلها لمصانع ومختبرات أبحاث تستفيد كلها من خلال علاقاتها ذات الطابع الرأسمالي، لتنسق مبيعات الأسلحة للحكومة وقبض أثمانها بما يؤمن الربحية للمصانع .. وتعد الدراسات للحروب لاستعمال الأسلحة وهكذا.
          وتبلغ ميزانيتها 75 مليون دولار ويعمل بها 500 شخص .. وتزود تلك المؤسسة وزارة الدفاع بالكوادر .. ومنهم (رامسفيلد) وزير الدفاع المستقيل حديثا ..

          ويتم تمويل تلك المؤسسات من خلال نظام يتحايل على قوانين الضريبة، حيث تكون ميزانياتها من التبرعات الخيرية التي تعفى من الضرائب أو تستقطع منها.

          المراجع
          ـــ
          صنع السياسية الأمريكية.. والعرب/ د محمد عبد العزيز ربيع/ دار الكرمل ص 118ـ 122
          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

          تعليق

          • عبدالغفور الخطيب
            عضو متميز

            • Nov 2004
            • 2698

            #20
            رد: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

            المؤسسات المالية الخاصة :

            بعد أن مررنا على (بنوك التفكير) وكيفية اعتمادها على المؤسسات الخيرية Non Profit Foundations في الحصول على الأموال اللازمة لإمدادها في عملها .. وكيف أن النخب الرأسمالية في الولايات المتحدة وبالذات تلك التي في الحكم قد عملت حماية قانونية لتلك المؤسسات، إذ تم إعفائها من اقتطاع الضرائب من تلك الأموال الموظفة في تلك المؤسسات، وذلك لتشجيعها على استثمار أموالها في دعم تلك المؤسسات التي تعزز في النهاية ديمومة الفكر والمثل الرأسمالية، وتجعل تأثيرها، ليس على صعيد المجتمع الأمريكي فحسب، بل على الصعيد العالمي. وهذا سيقودنا لإلقاء الضوء على شكل جديد من تلك المؤسسات التي ترتبط بما سبق و تؤدي دورا متناغما معها، إنها المؤسسات المالية الخاصة..

            لقد أدرك أثرياء الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن بعيد، أن امتلاك الثروة وحده لا يكفي، بل إن حماية تلك الثروة واستثمارها وتنميتها، وما يتعلق بهاتين الرغبتين من رغبة أهم وهي الوصول للحكم لترجمة تلك الرغبات بإجراءات حكومية، تستخدم كل إمكانيات الولايات المتحدة وعلاقاتها الدولية في تحقيق تلك الأهداف.. وهذا يجعل من إنشاء مؤسسات مالية خاصة، غلافها الخارجي يعني بالأعمال الخيرية و تشجيع العلوم والحفاظ على القيم والأخلاق الرأسمالية الليبرالية، وحقيقتها توسعية إمبريالية ملتصقة بروح الدولة ومتماهية معها، وتستمد القوة من الدولة وتمد الدولة بالنصائح والرجال والدراسات..

            يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية ما يزيد عن 35 ألف مؤسسة مالية خيرية خاصة، تقوم أساسا بدعم بنوك التفكير والجامعات والبحوث الطبية، والفنون والعلوم التطبيقية وغيرها..

            وبعض تلك المؤسسات تعني بالوضع السياسي العالمي، وهي مؤسسات كبرى، كمؤسسة فورد Ford Foundation ومؤسسة كارنجي Carngie Foundation ومؤسسة روكفلر Rockfellor Foundation وهذه المؤسسات تقوم بتبني دراسات استراتيجية في السياسة والقانون الدولي وتدريب القيادات، وتؤثر في الرأي العام الأمريكي والعالمي وتؤثر في شكل سياسات الدولية الأمريكية..

            فمؤسسة (كارنجي) التي تأسست عام 1910 استطاعت خلال ثلاثين عاما من 1910الى 1940 أن تصبح أكثر مؤسسة تأثيرا في السياسة الأمريكية لأربعين سنة قادمة من 1940 الى 1980، فقد استطاع مجموعة من رجالها وأمنائها العامين أن يصلوا الى أعلى المراكز الوظيفية في الدولة الأمريكية. فقد وصل (دوايت أيزنهاور) عام 1952 ليصبح رئيسا للولايات المتحدة، كما وصل (جان فوستر دالاس) ليكون وزيرا للخارجية، ووصل (روبرت ماكنمارا) ليصبح وزيرا للدفاع في عهد الرئيس (كندي) .. كما أصبح هو رئيس البنك الدولي. وتتبنى مؤسسة (كارنجي) ـ نفس الوقت ـ دعم وتأسيس مؤسسات أقل أهمية ..

            وفي الولايات المتحدة الأمريكية 37 مؤسسة كبرى، كانت تملك من الأموال عام 1986 (55) مليار دولار، تستثمرها في مشاريع تنموية، وتتبرع بثلثي أرباحها السنوية الى مشاريعها التي أسست من أجلها، وتتراوح أرباحها من مشاريعها التنموية ما يقرب من (15) مليار دولار، تتبرع بحوالي (10) مليار منها، وهذه الخطة تنمي قوة تلك المؤسسات وتزيد من موجوداتها المالية، حيث تقدر الآن (2007) بحوالي (170) مليار دولار ..

            ومن ألمع أسماء تلك المؤسسات فهي إضافة الى (كارنجي) و (روكفلر) و(فورد) يوجد أيضا (كرسجي) و (ليلي) و (جونسون) و (مآك آرثر) و(روديسون) .. وقام على تأسيس تلك المؤسسات رجال أثرياء جمعوا ثروتهم من السيارات و سكك الحديد والبنوك و النفط والفحم الحجري وتجارة السلاح ومواد التجميل والتأمين وصناعة الصلب والأدوية وغيرها .. ودفعهم الى ذلك طموحهم السياسي قبل الاستشعار بالمصلحة الإمبريالية ..

            وازداد عدد تلك المؤسسات ونشاطها بعد وصول (رونالد ريغان) الى الحكم، كما تأسس في عهد ريغان مؤسسات مالية كبرى تتبنى الخط اليميني المتطرف، وهم ما يطلق عليهم (المحافظون الجدد) .. ومن تلك المؤسسات المالية اليمينية المتطرفة: ( سكافي Scaffe) ومؤسسة (جون أم أولين John M Olin ) ومؤسسة (سميث ريكاردسون Smith Richardson) .. وقد استطاعت هذه المؤسسات أن توصل في العقد الأخير، الكثير من الموظفين الكبار للإدارة الأمريكية ..
            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

            تعليق

            • عبدالغفور الخطيب
              عضو متميز

              • Nov 2004
              • 2698

              #21
              رد: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

              بنوك التفكير الرسمية

              تعتمد السياسة الأمريكية في جمع معلوماتها وتحديد سياساتها تجاه الكثير من القضايا على بنوك تفكير خاصة ممولة من بيوت مال خاصة، ففي عام 1965 مثلا، أنفقت على البحوث التطبيقية الاجتماعية (وحدها) 235 مليون دولار، في حين زاد الإنفاق في هذا المجال فقط عام 1975 حتى تخطى2 مليار دولار، ولزيادة الإنفاق في مثل هذه النشاطات فكرت الإدارة الأمريكية باستحداث بنوك تفكير رسمية تابعة للحكومة ..

              ومن أهم المراكز البحثية التي تلعب دورا بارزا اليوم، في توجيه السياسة العامة للدولة، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية، المراكز التالية:

              مكتب المحاسبة العام General Accounting Office :

              يعتبر هذا المكتب بمثابة جهاز تحقيقات تابع للكونجرس، مهمته القيام بالدراسات وتقييم البرامج المختلفة واقتراح السياسات بناء على طلب الكونجرس، ويقوم هذا المركز بدراسات تتعلق بالتجارة الخارجية والطاقة والتمويل، ومعونات التنمية، والمعونات الأمنية للدول الخارجية وجدواها فيما تعود به على المصالح الأمريكية، ففي عام 1983 قام المركز بدراسة المعونات المقدمة للكيان الصهيوني، فتحت الباب أمام نقاشات استراتيجية أخرى. ويعتبر هذا المركز أكبر وأهم المراكز الحكومية ويعمل به 5000 شخص .. تمويله وصل عام 1985 الى نصف مليار دولار.

              مركز الكونجرس للخدمات البحثية Congressional Research Service :

              هو المركز الذي يزود الكونجرس بالمعلومات الدولية اللازمة لاتخاذ القرارات، كما يقوم المركز بتحضير الإجابات عن الأسئلة التي يطلبها أعضاء الكونجرس، حول مختلف القضايا الدولية .. ويناط بالمركز مهمة تدقيق المعلومات الواردة من جماعات الضغط (اللوبي) .. ويعمل في المركز 850 شخص يغطون حوالي 500 تخصص .

              مكتب الكونجرس للميزانية Budget Office Congressional :

              تم إقامة هذا المركز ليتابع شؤون الميزانية، ويتوقع عجزها، ويحدد قيمة العجز، ويقدم بعض الحلول كتوصيات للخروج من أزمات عجز الميزانية، كما يعني بالتعديلات الضريبية وما يترتب عليها. يبلغ عدد العاملين في المركز 200 شخص ..

              مكتب تقييم التكنولوجيا The Office Of Technology Assessment :

              أقيم هذا المركز في أوائل السبعينات من القرن الماضي لمساعدة الكونجرس على فهم تعقيدات التكنولوجيا الحديثة وإصدار التشريعات بشأنها. وهي تلك المتعلقة بتأثير تلك التغييرات التكنولوجية على عادات الناس، وما تتركه من آثار بيئية وما يترتب عليها اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.. كما يهتم المركز بضبط نقل التكنولوجيا خارج الولايات المتحدة وبالذات للدول الفقيرة والتي لا تسير مع خط الولايات المتحدة .. ويهتم كذلك برصد ومراقبة أبحاث الفضاء .. ويبلغ عدد العاملين فيه حوالي 140 شخصا..

              الى جانب تلك المراكز، قامت الحكومة الأمريكية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بإنشاء معاهد أبحاث متخصصة في كل الوزارات مثل معهد الخدمة الدولية التابع لوزارة الخارجية ..

              كما أن جهات ومعاهد وأشخاص يكلفون بدراسة قضايا بعينها، سواء كانوا من منظمات حكومية أو أهلية. فعلى سبيل المثال تم تكليف الدكتور (ناداف سفران) رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة (هارفارد) وهو يهودي من أصل مصري، لدراسة شؤون الأمن والدفاع في المملكة السعودية، يتحرى فيه عن خلفية الفئات المكونة للجيش السعودي، ودراسة الآثار المحتملة للتطورات داخل الجيش على استقرار السعودية في السنوات القادمة. وقد نال عليه 107 آلاف دولار، وخرج بكتاب بعنوان (السعودية : البحث الدائم عن الأمن) .. كما تلقى منحة لعقد مؤتمر حول (السياسة والإسلام) بمقدار 46 ألف دولار ..
              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

              تعليق

              • عبدالغفور الخطيب
                عضو متميز

                • Nov 2004
                • 2698

                #22
                رد: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

                الرأي العام الأمريكي

                كانت نشأة الولايات المتحدة الأمريكية وتنوع ساكنيها من حيث منشئهم وخصوبة وغنى الأراضي الأمريكية وبعدها عن العالم القديم، وراء عدم اهتمام سكانها بما وراء حدود بلادهم، فانشغلوا بتثبيت أقدامهم وتقوية مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية هناك، فكانت الأولوية لقضايا ما داخل حدود تلك البلاد، فكانت النخب الثقافية التي تمثل الاقتصاد والسياسة تخاطب الرأي العام الأمريكي للتأثير فيه كي يصطف وراءها في شؤون قضايا التحرر من البريطانيين أولا ثم توحيد البلاد ثانيا وثم وضع الدستور والقوانين التي تنظم الحياة الداخلية لهؤلاء السكان، وتبع تلك الأنشطة نشاطات فرعية متتابعة تهم طريقة الانتخابات وتداول السلطة، وصيانة الاستقلال وحقوق الإنسان والضرائب الخ ..

                هذا الوضع استمر تقريبا بشكله المنعزل والمتقوقع على داخله، حتى الحرب العالمية الثانية تقريبا، وكانت فلسفة المبشرين بهذا النهج والموجهين للرأي العام كي يناصرهم به، تتمثل بأن بلادهم واسعة وغنية وليسوا محتاجين لنصرة أي دولة لا بشكل مالي ولا عسكري ولا ثقافي، بل على العكس كانت بلادهم ولا تزال تهوي إليها النفوس للهجرة بإمكانيات المهاجرين العلمية والفكرية والاقتصادية ..

                وإن أتينا على موضوع (الرأي العام) كموضوع لا تتخصص به حالة أمريكا وحدها، وتأملنا في تعريفه، وهو الاتجاه العام للأغلبية في مسألة ما، فإن هذه الوظيفة التي اخترناها من تعريف الرأي العام، ستكون مضللة ـ بلا شك ـ إذ أنه لا يعقل أن يتكون اتجاه شعبي عام في لحظة محددة وحول قضية محددة، وبشكل متجانس، دون فعل فاعل .. فمن يُحرك الإعلام هم نخب ثقافية ترتبط بمصالح قد تتطابق مع مصلحة الدولة وقد تتقاطع معها، ويستخدمون وسائل إعلام تملكها شركات لها مصلحتها في شكل معين تريد أن يكون الرأي العام عليه.. لذا فإن الرأي العام إنما يعكس وجهات نظر نخب معينة لها مصالح معينة وسمحت لها الدولة بالنفاذ الى جمهور الرأي العام لغايات معينة ..

                في أمريكا تكون الشخصيات الحكومية الكبرى مع القضايا الكبرى سواء كانت داخلية أم خارجية هي مواد الاستبيانات الصحافية التي تمهد لصناعة رأي عام حول قضية معينة.. ومن المؤكد أن تكون تلك الشخصيات لها صلاحيات واسعة حتى تلفت نظر الجمهور، فرئيس الجمهورية ووزير الدفاع ومدير المخابرات ووزير الخارجية ومن هم في مستواهم تكون شخصيات تحت مراقبة الرأي العام، وذلك كما أسلفنا للتعبير عن ذوي المصالح القريبة من الدولة أو المتقاطعة معها، كما أن مسألة الانتخابات ليست بعيدة عن تلك الأنشطة.

                الإعلام الرأي العام الأمريكي

                يكون في العاصمة الأمريكية (واشنطن) في أي عينة من الوقت يوميا حوالي أربعة آلاف مراسل إعلامي عالمي، ينقلون ما يسمعون أو يشاهدون لمختلف بلدان العالم .. والسبب في ذلك يعود الى التأثير العالمي الواسع للدولة الأمريكية في معظم أحداث العالم الساخنة. وقد أدرك الساسة الأمريكيون ومعهم صناع الرأي العام الأمريكي والعالمي تلك الخاصية، فجعلوا من صناعة الخبر والدراسة الميدانية والاستطلاع مدخلا هاما للتأثير في الرأي العام تمهيدا لتنفيذ برنامج سياسي خارجي أو داخلي .. فتربط أجهزة الإعلام ما يقال في الداخل والخارج حول قضية بعينها تريد الإدارة الأمريكية أن تنفذها أو تحركها، فتهيئ الرأي العام الأمريكي لتقبلها وتتصاعد في بث البرامج الإعلامية والدعائية المخصصة لذلك ..

                على سبيل المثال يقول (دانيال بايبس) أن الصحافيين الأمريكيين يهتمون بموضوعين فقط فيما يتعلق بالشرق الأوسط هما أمريكا وإسرائيل .. فيكون توجيه الرأي العام لتضخيم أثر من يشكل خطرا على مصالحهما، حتى لو بصورة غير مباشرة، فتقوم شبكات البث التلفزيوني بتصوير هؤلاء غير المنخرطين في خدمة مصالح الطرفين، على أنهم أعداء لحقوق الإنسان وأعداء لشعوبهم وأعداء للسامية وأعداء للطفولة والبيئة و القطط وكل شيء يهتم به المواطن الأمريكي كإنسان من أجل زرع الكراهية في نفوس مواطنيهم تجاه هذا العدو، الذي يُحتمل أن تتطور درجة العداء معه لغزوه!

                الرئيس والرأي العام

                إن السلطات الواسعة التي منحها الدستور الأمريكي للرئيس في تقديم طاقم عمله و في إدارة الحروب والعلاقات الخارجية، تجعل منه شخصية محورية أساسية في الولايات المتحدة، بحيث لا يغيب طيفه عن المواطن الأمريكي ليوم واحد. ونتيجة لضعف الحالة الحزبية في العمل الميداني، وترك المؤسسات لوضع الدراسات واستبيانات الرأي، فإن صلة المواطن بالرئيس الأمريكي هي أكثر منها في حالة تواصل أخرى، لذا نرى أن الرؤساء قد نجحوا في فترة ستة عقود سابقة في جعل الجمهور الأمريكي يلتف حولهم في حروبهم الخارجية، وقد كان ذلك منذ الحرب العالمية الثانية وحتى بداية الفترة الثانية للرئيس (بوش) الحالي، ونشاهد اليوم صعوبات كبيرة تواجه رئيس الجمهورية في رفع نسبة تأييد الرأي العام الأمريكي له، حيث وصلت الى نسبة لم تصل إليها في عهود كل رؤساء أمريكا ..

                الرأي العام وصنع السياسة الخارجية

                قبل هزيمة أمريكا في فيتنام لم يحدث أن كان الرأي العام الأمريكي لا يعطي لرئيسه أقل من 50% وهي النسبة التي يحتاجها أي رئيس للتعامل مع القضايا الخارجية بحرية مطلقة مع أمور التمويل والقرارات الصعبة .. لكن بعد هزيمة فيتنام وفضيحة (ووتر غيت) .. أدرك الشعب الأمريكي أهمية مشاركته في صنع القرار من خلال ممثليه في الكونجرس .. وقبل أسبوع، أي في منتصف أغسطس/آب 2007 .. وصل التفاف الرأي العام الأمريكي حول (الكونجرس) نفسه أدنى درجاته إذ بلغت نسبة الراضين عن أداء الكونجرس 22% فقط.

                إن كان الثبات هو الصفة السائدة على دور وتأثير الرأي العام الأمريكي في العقود الماضية، فإن التغير هو السمة التي ظهرت عليه في الآونة الأخيرة، ويعود ذلك الى بروز العديد من الناشطين على الصعيد الداخلي الأمريكي من كتاب ومفكرين وفنانين، ويعود الى انفضاح أمر أهداف الساسة الأمريكان في خدمة مصالحهم الشخصية، كما يعود الى تطور التداخل الإعلامي العالمي ووصوله الى المواطن الأمريكي، والذي كان تتفرد فيه قوى إعلامية يتطابق أداؤها مع أهداف الساسة.. إضافة للخسائر البشرية العالية في العراق وافتضاح كذب الإعلام الأمريكي من خلال تسريب الجنود العائدين من العراق وذوي القتلى والمصابين التي زكمت أخبارهم أنوف الأمريكيين ..
                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                تعليق

                • عبدالغفور الخطيب
                  عضو متميز

                  • Nov 2004
                  • 2698

                  #23
                  رد: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

                  الجزء الثاني :

                  التطور التاريخي لأهداف وإدارة السياسة الأمريكية*1


                  المنطلقات والأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية
                  التطور التاريخي لسياسة وأهداف أمريكا الشرق أوسطية
                  أسس ومقومات الانحياز الأمريكي لإسرائيل
                  العرب و صنع السياسة الأمريكية


                  المنطلقات والأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية

                  لا تختلف الولايات المتحدة الأمريكية في عناصر سياستها الخارجية عن أي دولة مستقلة في العالم بالزمن الحاضر وما سبقه .. حيث تتدخل التجربة التاريخية والخلفية الثقافية والأوضاع الداخلية والتطلعات المستقبلية للأمريكيين بوجه عام .. وقد وضع (جورج واشنطن) أول رئيس لأمريكا المنطلقات الأساسية لسياسة بلاده الخارجية عندما قال: (إن علاقاتنا الخارجية تقوم على أساس الابتعاد عن إقامة تحالفات دائمة مع أي جزء من العالم، وأن الخطأ الأكبر في إدارة العلاقات الدولية يكمن في تصور إمكانية قيام دولة ما بتقديم العون لدولة أخرى بصفة مستمرة)*2 وقد تطور هذا المفهوم فيما بعد حيث حل محله المفهوم القائل بأن (العلاقات بين الدول لا تقوم على أساس صداقات وتحالفات دائمة وإنما على أساس مصالح متبادلة)

                  ويمكن تلخيص أسس السياسة الأمريكية حتى العقد الأول من القرن العشرين أي قبل الحرب العالمية الأولى بقليل بما يلي:

                  1ـ الرغبة في بناء نظام ديمقراطي داخلي يعمل على صيانة حريات الأغلبية (البيض) ويضمن حقهم في السعي لتحقيق الرفاه والتقدم.

                  2ـ قناعة، بأن الرفاه والتقدم يحتاج الى موارد إضافية يمكن الحصول عليها من خلال التوسع على حساب الغير.

                  3ـ الإيمان بضرورة الابتعاد عن التحالفات العسكرية، خاصة مع الدول الأوروبية، ورفض مبدأ تدخل تلك الدول في الشؤون الأمريكية.

                  4ـ الرغبة في إقامة علاقات دبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من دول العالم وذلك بهدف تعزيز المكانة الدولية وزيادة النشاطات التجارية.

                  لقد نجح الساسة الأمريكان في جذب عشرات الملايين من المهاجرين الأكفاء ليدعموا نمو اقتصاد أمريكا بتزاوج جهودهم البشرية مع إمكاناتها الطبيعية.. لكن النقطة التي أشارت الى القيام بالتوسع على حساب الغير، كانت مثار جدل أخلاقي من دولة تدعي الديمقراطية والوقوف الى جانب حماية حقوق الإنسان، وكان لا بد من توضيحها أدبيا .. ولكن الساسة الأمريكان رأوا أنه لا بد من (اختلاق) خطر خارجي أو داخلي يهدد الوجود والكيان الأمريكي .. ووجدوا ضالتهم في البداية مع الهنود الحمر، وامتد اختلاق الأعداء مرورا بالخطر الشيوعي وانتهاء (الآن) بخطر الإسلام .. أسلحة دمار شامل .. الخوف من توقف جريان النفط .. الإرهاب ..

                  كان الجدل قائما بين مفكرين ورؤساء أمريكان في القرن التاسع عشر حول أهمية استخدام الاحتلال العسكري والقوة العسكرية من طرف وبين القائلين بالاكتفاء بالنفوذ الاقتصادي لجذب وقوف الدول لجانب أمريكا. وقد استحدث فكرة الاحتلال العسكري كل من الرئيس (جفرسون) و(جون آدمز) ..

                  مبدأ مونرو Monroe Doctrine

                  أعلن الرئيس (مونرو) عام 1823 مبدأه المشهور والذي قال فيه بأن أمريكا ستقف في وجه أية محاولة أوروبية للتدخل في شؤون الدول المستقلة في أمريكا الجنوبية .. وقد استخدم مبدأ (مونرو) عام 1875 عندما حاولت دول أوربية فتح قناة بنما، حيث عارضت الولايات المتحدة إلا إذا أصبحت القناة تحت سيطرتها الكاملة وكان لها ذلك . وفي عام 1904 أعلن الرئيس (روزفلت) أن أمريكا ستتدخل في دول أمريكا الجنوبية التي تثير الإدارة السيئة لحكوماتها قلق الولايات المتحدة، وهذا تطوير واضح لمبدأ (مونرو) من الدفاع الى الهجوم.

                  آليات التدخل

                  منذ عهد الرئيس (مونرو) الى عهد الرئيس الحالي (بوش الابن) .. وأمريكا تستخدم منطق حماية المصالح القومية كمبرر لتدخلاتها في العالم (عسكريا) .. ففي عام 1953 قامت ال (CIA) بالتدخل في إزاحة نظام (مصدق) في إيران، وفي عام 1954 غيرت نظام غواتيمالا الديمقراطي بنظام عميل. وفي عام 1958 أرسل الرئيس (إيزنهاور) قواته الى لبنان لدعم نظام فاسد. وفي عام 1958 نفسه قامت ال (CIA ) بمحاولة اغتيال الرئيس احمد سوكارنو في إندونيسيا .. وهي المحاولة التي تكررت بنجاح عام 1965. في عام 1961 دعمت أمريكا قوى مرتزقة لغزو كوبا وهي ما نجم عنها قضية الصواريخ في (خليج الخنازير) .. وفي العام نفسه تم اغتيال رئيس وزراء الكونغو (باتريس لوممبا) .. في عام 1964 ساهمت الولايات المتحدة بقلب نظام الحكم في البرازيل (الرئيس بولارد) .. في عام 1973 أطاحت برئيس تشيلي المنتخب (سلفادور الليندي) وأتت بنظام دكتاتوري عميل (بينو شيه) .. ولو أخذنا فيتنام وغرانادا و بنما والفلبين وإفغانستان والعراق لارتفع الرقم الى أكثر من 200 حالة تدخل منذ عام 1798 الى يومنا هذا ..



                  هامش
                  ــــ
                  *1 الموضوع في الأصل محاولة قراءة لكتاب صنع السياسة الأمريكية والعرب/ تأليف: محمد عبد العزيز ربيع/منشورات دار الكرمل ـ صامد/عمان/الأردن1990/ مع بعض التصرف في الاختزال بما يتناسب مع صبر المتصفح في الشبكة، ومقاربة الأحداث التي وقعت بعد نشر الكتاب.
                  *2ـ Trewhitt, The American Way, P.1
                  [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                  تعليق

                  • عبدالغفور الخطيب
                    عضو متميز

                    • Nov 2004
                    • 2698

                    #24
                    رد: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

                    مناطق النفوذ وبرنامج المعونات الخارجية

                    تم تطوير مبدأ (مونرو) من سياسة الدفاع عن مصالح أمريكا الى سياسة هجوم، جعل بعض كبار مفكري السياسة الأمريكية في الأربعينات من القرن الماضي الى تقسيم العالم الى مناطق (نفوذ) فجعلوا الأمريكيتين وأوروبا الغربية مناطق نفوذ أمريكية.. وكانوا يعتبرون (وهم على حق) أن اقتصاد أمريكا هو أقوى اقتصاد في العالم وإن كان تعداد السكان فيها لا يجعلها بمصاف الدول الكبرى سكانيا .. وعزز ثقتهم بدولتهم واقتصادها، ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية التي قتلت أكثر من ستة ملايين أوروبي غربي، ودمرت 25% من اقتصاد أوروبا واليابان، والذي كان الاقتصاد في تلك الدول موجها لخدمة الحرب ..

                    في حين استطاعت أمريكا البعيدة عن ساحات القتال أن تطور اقتصادها بزيادة القدرة الانتاجية وخلق 17 مليون فرصة عمل جديدة في تلك الفترة .. وهذا مما سرع من نمو وتعزبز موقف الأمريكان، إذ ما أطل النصف الثاني من القرن العشرين برأسه حتى أصبح الإنتاج الأمريكي يساوي 52% من الإنتاج العالمي.

                    ولدور أمريكا في إنهاء الحرب العالمية الثانية ولاعتراف الجميع بقدراتها تطورت توجهاتها لترسم طريقها وفق الرؤى التالية:

                    1ـ المساعدة على إعادة بناء اقتصاديات أوروبا الغربية واليابان على أسس رأسمالية معادية للشيوعية .. وقد وصل حجم الأموال الأمريكية المنفقة على هذا التوجه الى 40 مليار دولار بين عامي 1946 و 1952

                    2ـ العمل على زيادة مناطق النفوذ والقيام بدور البوليس الدولي لضمان عدم الإخلال بموازين القوى التي أفرزتها الحرب العالمية.

                    3ـ السيطرة على مصادر الثروة خارج أمريكا، خاصة موارد الشرق الأوسط النفطية. وموارد أمريكا اللاتينية المعدنية والزراعية ..

                    4ـ العمل على إخضاع اقتصاديات العالم الرأسمالي والنامي للاقتصاد الأمريكي.

                    5ـ بناء التحالفات العسكرية لضمان استمرارية الهيمنة الأمريكية ومحاصرة دول المجموعة الاشتراكية واحتواء نفوذ الاتحاد السوفييتي..

                    لجأت أمريكا لطرق تتنافى مع رغبة حلفائها، فعندما طلبت أوروبا 45000 عربة قطار حديدي، وهي الوسيلة المشهورة في أوروبا للنقل .. زودتها بعشرين ألف فقط مع 65 ألف شاحنة عملاقة .. كما كانت تغرق الأسواق في الدول التي رضيت بالارتباط بها بما قيمته 2 مليار من فائض المواد التموينية، لإرباك الإنتاج في تلك الدول وخفض قدرتها على إنتاج غذائها على المدى البعيد.

                    وقد لجأ المخططون الأمريكان الى الطرق التالية لتكريس خططهم:

                    1ـ تشجيع دول العالم الثالث على تأجيل برامج الإصلاح الزراعي.
                    2ـ إقناع حكومات تلك الدول بعدم الحاجة لإعطاء قطاع الزراعة ما يستحقه من أولوية. وبالتالي توجيه الاستثمارات الى قطاعات أخرى قد لا تكون مهمة.
                    3ـ التسبب في خفض أسعار المنتوجات الزراعية في الدول المستفيدة بوجه عام من برنامج المعونات، لحرمان المزارعين من عوامل التطور والصمود وتركهم لزراعتهم ..

                    بين عامي 1953 و 1961 وهي فترة حكم إيزنهاور قدمت أمريكا ما قيمته 41 مليار دولار كمساعدات ومعونات معظمها ذات طابع عسكري .. وبعد أن استلم (جون كندي) الحكم عام 1961 كانت أمريكا بأوج عظمتها، وكانت أوروبا قد فقدت معظم مستعمراتها بنيلها استقلالها .. فرفع شعار (تحسين نوعية الحياة) للدول الممنوحة .. وقد كان مجموع المساعدات التي قدمتها أمريكا منذ عام 1946 وحتى نهاية فترة ريجان عام 1988 ما يزيد عن 400 مليار دولار كان ثلثها بشكل معونات عسكرية .. أما تلك غير العسكرية فقد كان يتم منح نصفها على الأقل بشكل منح أمنية ودورات تدريبية لقوى الأمن والمخابرات في تلك الدول ..وقد نالت دول الشرق الأوسط من تلك المساعدات ما يقارب الثمانين مليار لغاية عام 1985 ذهب أكثر من 40% منها للكيان الصهيوني وحصلت عشرة دول عربية على 24 مليار .. في حين ذهب المتبقي لقبرص وباكستان وإيران ..

                    في حين حصلت 28 دولة من أمريكا اللاتينية على 21.4 مليار دولار أي أقل من ثلثي ما حصل عليه الكيان الصهيوني .. أما دول جنوب شرق آسيا (5 دول) هي إندونيسيا و فيتنام الجنوبية وكوريا الجنوبية والفلبين وتايوان فقد حصلت على 52.3 مليار معظمها مساعدات عسكرية وأوروبا الغربية على 47 مليار حصلت عليها من خلال مشروع مارشال ..

                    من يراقب الأرقام يستطيع معرفة مطابقتها مع سياسة مناطق النفوذ التي وضع أسسها مخططو الولايات المتحدة الأمريكية ..
                    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                    تعليق

                    • عبدالغفور الخطيب
                      عضو متميز

                      • Nov 2004
                      • 2698

                      #25
                      رد: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

                      سياسة الاحتواء

                      برز الاتحاد السوفييتي الذي أسهم إسهاما كبيرا في هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية كقوة كبيرة تشكل خطرا على الفكر الرأسمالي والليبرالي بشكل عام .. وقد ظهر مصطلح (سياسة الاحتواء ) عام 1947 بعدما كتب (جورج كينان George Kennan) أحد موظفي وزارة الخارجية الأمريكية حينذاك تحت عنوان : (أصول السلوك السوفييتي) حذر فيه من خطر الشيوعية ومن سياسة الاتحاد السوفييتي..

                      باختصار، إن سياسة الاحتواء تعني بمحاصرة كل جيوب نفوذ الاتحاد السوفييتي في خارجه، حتى يتم انكماشه وتحقيق الانتصار عليه وهزيمته نهائيا، وقد بدأ ذلك داخل الولايات المتحدة بقيادة السناتور (مكارثي) حيث جعل من حملته للتصعيد في معاداة الاتحاد السوفييتي هدفا محوريا، حيث تم إخماد الأصوات المطالبة بالحوار السلمي .. واتهمها بأنها شيوعية، وقد نجحت حملته في تطهير وزارة الدفاع والخارجية من جيوب (مزعومة) بأنها شيوعية ومتسللة الى داخل هاتين الوزارتين ..

                      لقد كانت النقاط الإستراتيجية في سياسة الاحتواء ما يلي :

                      1ـ تطهير الولايات المتحدة من عناصر الحزب الشيوعي أو المتعاطفين معه، أو الممتنعين عن محاربته، وإثارة الرعب في نفوس الأمريكان والأوروبيين من خطر الشيوعية ..

                      2ـ إقامة التحالفات العسكرية في العالم وتوجيهها ضد الخطر السوفييتي .. حلف الناتو حلف بغداد وغيرها من الأحلاف في جنوب شرق آسيا وأمريكا.

                      3ـ التدخل في التوازنات الدولية .. وحتى في الدولة نفسها ليصبح الحال أقرب الى التوافق مع السياسة الأمريكية .. التدخل ضد مصدق في إيران لصالح الشاه، التدخل في تشيلي ضد الرئيس المنتخب (سلفادور الليندي) التدخل في كوريا وفيتنام وجرانادا فلسطين لبنان العراق الخ من مسلسل التدخلات ..

                      في الستينات حاول الرؤساء الديمقراطيون (كندي وجونسون) بالتدخل المباشر بصورة أكبر .. لكن مع استلام (ريتشارد نيكسون ) تراجع التدخل ليصبح (الوفاق الدولي) محل الحرب الباردة.. وقد قاد كيسنجر تلك المهمة الجديدة فتم الاعتراف بالصين لتصبح صاحبة المقعد الخامس الدائم في مجلس الأمن بدلا من تايوان .. وتم الاتفاق على تقليص سباق التسلح مع الاتحاد السوفييتي وتم إلغاء خدمة العلم (التجنيد الإجباري) وتم التمهيد للانسحاب من فيتنام، لتتجلى تلك الفترة من التراجع باستلام (كارتر) للحكم وتوجهه لإيجاد حل لقضية فلسطين الخ.

                      وقد عاودت سياسة الاحتواء الى الظهور في فترة حكم الرئيس ريغان لدورتين، وقد ظهر الصراع حول مناطق النفوذ من جديد. وإن كانت إيران الشاه مع الكيان الصهيوني قد قاما بدور قوي في دعم السياسة الأمريكية والقيام بدور كبير في مضايقة الدول التي حاولت أن تكون حليفة للاتحاد السوفييت، فإنه مع بداية عهد الرئيس ريغان، غابت إيران الشاه، ولكن ظهر صراع من نوع آخر عجل في كسب الحرب الباردة، ألا وهو مشاغلة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.

                      سقوط الإجماع وسياسة كارتر

                      شهد عقد السبعينات من القرن الماضي تراجع قوة أمريكا الاقتصادية وفقدان هيبتها الدولية واتجاهها نحو العزلة السياسية وكان من أسباب ذلك الرئيسية:

                      1ـ اضطرار أمريكا في عام 1971 الى خفض قيمة الدولار وفك ارتباطه بالذهب.

                      2ـ ارتفاع معدلات التضخم ودخول الاقتصاد الأمريكي حالة من الركود، خاصة خلال الفترة 1974/1975 وذلك بعد وقوع أزمة الطاقة الأولى وارتفاع أسعار النفط بنسبة 400% تقريبا خلال بضعة أسابيع في أواخر عام 1973 [ يستطيع القارئ الكريم المقارنة مع الأوضاع الراهنة].

                      3ـ فشل أمريكا في فيتنام بعد تكبدها خسائر بشرية وسياسية ونفسية كبيرة للغاية ( المقارنة بالوضع بالعراق الآن).

                      4ـ قيام الكونجرس بسبب فيتنام بتحديد صلاحيات الرئيس في مجال السياسة الخارجية، خاصة ما كان يتعلق منها بتحركات القوات المسلحة الأمريكية في الخارج (تعالت الأصوات الآن داخل الأوساط السياسية لتقييد سلطة الرئيس).

                      5ـ اضطرار الرئيس نيكسون الى الاستقالة من الحكم بسبب فضيحة ووترغيت.


                      هذه الأوضاع جعلت (كارتر) الذي حكم بين عامي 1977 و1981، بعد أن رأى تراجع إجماع النخبة الحاكمة، ومطالبتها بمراجعة وتعديل السياسة الأمريكية، توجه كارتر الى تبني الخطوط التالية والتي رافقت تخفيض ميزانية الدفاع:

                      1ـ الدخول مع الاتحاد السوفييتي في مفاوضات للحد من التسابق على التسلح.
                      2ـ التركيز على حل مشاكل العالم الثالث، وتقديم المزيد من المساعدات لها.
                      3ـ ترسيخ التعاون والتشاور مع حلفاء أمريكا وعدم التفرد بالتصرف.
                      4ـ إزالة بعض العقبات التي كانت تحول دون تحسين العلاقات مع الصين .. وتخفيف حدة عداء العالم الثالث للولايات المتحدة ..
                      5ـ محاولة حل مشكلة الشرق الأوسط (القضية العربية المركزية/فلسطين) وإنجاز الحل مع مصر ..

                      إلا أن السنة قبل الأخيرة من حكم كارتر والتي شهدت تغيير نظام الحكم في إيران جعلت أمريكا تتراجع بسرعة هائلة في برامج الوفاق الدولي، فقد تم إيقاف تصدير القمح للاتحاد السوفييتي ووضعت الخطط للدفاع عن نفط الخليج، وبرزت الخطة التي وضعت أيام نيكسون (لاحتلال العراق) وتم الاستفادة من العداء التاريخي بين العراق وإيران لتدخل حركة أمريكا بما سمي ب (الاحتواء المزدوج) لإطالة أمد الحرب بين العراق وإيران لإضعاف الخصمين الذين يهددا مصالح الولايات المتحدة، ويقلقا أصدقائها ..
                      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                      تعليق

                      • عبدالغفور الخطيب
                        عضو متميز

                        • Nov 2004
                        • 2698

                        #26
                        رد: صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

                        السلام من خلال القوة

                        أوجد تلك الرؤية المعروفة (السلام من خلال القوة) الرئيس ريغان بعد تسلمه الحكم عام 1981, وهو يعني أنه لا يمكن أن يتحقق السلام إلا من خلال القوة .. لقد أضافت تلك الرؤية عاملا جديدا للتسريع في إعادة التسابق على التسلح.. وهذا ما جعل ريغان يرفع مخصصات وزارة الدفاع حتى بلغت بفترتي رئاسته بين عامي 1981و1989 الى 2600 مليار دولار، مع تقديم 60 مليار دولار كمساعدات لحلفائه .. وهذا جعله أيضا يعيب على سلفه (كارتر) باتباع مبدأ المفاوضات مع السوفييت، في حين حافظ على رؤية كارتر بإعطاء الدفاع عن منطقة الخليج معطى أولي ..

                        كانت الدوافع وراء تشدد ريغان في هذه الرؤية، ما سبق تلك الفترة من تغيرات تمثلت بتبعية نظام نيكاراغوا لكوبا، ودخول الاتحاد السوفييتي لإفغانستان والتغيير الذي حصل في إيران.. وهو الحدث الذي جعل ريغان إطلاق لقب (إمبراطورية الشر) على الاتحاد السوفييتي، وتكثيف الحملات لزرع الكراهية في نفوس أبناء العالم من السوفييت واستغلال تلك الحملة لدفع الأوروبيين لفتح بلدانهم لتكديس السلاح الأمريكي والمساهمة في أثمانه ..

                        إن هذه السياسة حملت الميزانية الأمريكية الكثير. وكثر الحديث عن إمكانية إفلاس أمريكا إذ كتب اثنان ممن كلفوا بوضع دراسة عن مستقبل أمريكا، عام 1982 من قبل (ريغان) بأن إفلاس أمريكا سيحصل عام 1992. وقد كتب أحد قادة الحزب الجمهوري (السيناتور ريتشارد لوغار) رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس(سابقا) : (إن الفجوة بين أهداف أمريكا الخارجية وإمكانياتها الذاتية اتسعت بشكل كبير مما أدى الى خلق ما يمكن أن يطلق عليه (الأزمة الأمنية) .. وعلى الرغم من اتفاق الحزبين الجمهوري والديمقراطي على توصيف الأزمة فإنهما اختلفا على طرق علاجها ..

                        وباختصار فإن سياسة أمريكا الخارجية كانت تقوم على أربعة محاور:

                        1ـ العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، وتقوم على التنافس على دول العالم الثالث، ومنع السوفييت من استغلال علاقاتهم بتلك الدول ..

                        2ـ العلاقة مع الحلفاء الغربيين وتقوم على إحداث حالة تعاون لا تفتر، ومنعها من الفتور، وتسخير اقتصاد أوروبا للمضي قدما في دعم أمريكا.

                        3ـ العلاقة مع دول العالم الثالث، وقد تطورت نحو الأسوأ، فبعد أن بدأ تشهد انتعاشا في عهد كارتر لتخليص العالم الثالث من فقره (وقد بدأت بعهد كندي) تراجعت في عهد ريغان لتقوم على تغذية الحروب (في أقاليم العالم) وإنهاك اقتصادها نتيجة ذلك ..

                        4ـ العلاقة مع المنظمات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، وكانت ولا زالت لاستغلال تلك المنظمة وتسخيرها لخدمة الأهداف الأمريكية ..

                        وجهة نظر كيسنجر

                        يعتبر كبسنجر مع دالاس ووارن كريستوفر أهم ثلاثة وزراء خارجية في تاريخ الولايات المتحدة ولهم فلسفات خاصة بهم تترك أثرها في مجرى السياسة الأمريكية ..

                        يقول هنري كيسنجر أن على كل دولة أن تجاوب على ثلاثة أسئلة رئيسية على الأقل قبل صياغة سياستها الخارجية:

                        أ ـ ماذا تعني بمفهوم الأمن القومي؟ أو بعبارة أخرى، ما هي التغيرات الدولية التي لا بد من مقاومتها؟

                        ب ـ ما هو الهدف القومي؟ بمعنى آخر، ما هي الأهداف التي تسعى لتحقيقها؟

                        ج ـ ما هي الموارد المتاحة لتحقيق الهدفين؟

                        لو اعتمدنا تلك التساؤلات لفهم ما جرى ويجري في الولايات المتحدة، لرأينا أن الولايات المتحدة التي كانت بعد الحرب العالمية الثانية تنتج ما يعادل 52% من الإنتاج العالمي، ونظرنا إليها الآن في نهاية 2007 لوجدنا أن الظروف قد تغيرت كثيرا، فلم يعد الأمريكان ولا السوفييت (الروس) هم من يسهم مساهمات كبرى في الانتاج العالمي .. بل صعد قوى مختلفة في العالم تسهم في نسب كبيرة في الإنتاج، ففي حين كانت اليابان قبل 20 عاما أي في عام 1987 تحتل المرتبة الثانية في الإنتاج العالمي، فإنه في عام 2010 ستحتل الصين تلك المرتبة التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، والذي سيتراجع (روسيا) الى المرتبة الرابعة بعد اليابان ..

                        يبدو أن ما كان يسمى بسياسة توازن القوى في المرحلة السابقة، قد اختل بشكل ينتظر بعض الوقت لتسقط فيه كل المعايير السابقة ..
                        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                        تعليق

                        يعمل...