نهضة اليابان

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #16
    رد: نهضة اليابان

    الفصل الثالث عشر:

    المعرفة الغربية والمايجي إيشين

    تقديم: لو وان هي/ أكاديمية تيانجين للعلوم الاجتماعية/الصين

    (1)

    شن المعتدون الاستعماريون الآتون من الغرب حرب الأفيون في الصين العام 1840، وضغطوا على اليابان، مهددين باستخدام القوة العسكرية لفتح موانئها في العام 1853. وهكذا حمل منتصف القرن التاسع عشر الى كل من اليابان والصين أزمة قومية خطيرة.

    نشأت هذه الأزمة أساساً ـ إذا وصفت بلغة الفروقات القومية ـ من التناقض بين الدول الإقطاعية والدول الرأسمالية. وتفرض الظروف السائدة على الشعب الذي يتعرض للغزو أن يتفادى الخضوع فقط عبر تحويل مجتمعه وبسرعة الى نظام رأسمالي، ومن لم يفعل أصبح مستعمراً أو شبه مستعمر من قبل قوى الغرب وهذا ما أثبته التاريخ. وقد اختارت اليابان المسار الأول فيما عانت الصين قدر أن تكون شبه مستعمرة.

    (2)

    يتساءل الباحث: لماذا أنجزت اليابان نهضتها قبل الصين؟
    يستبعد الباحث أثر العوامل الخارجية، فاليابان كما الصين تعرضتا لأطماعٍ استعمارية. كما يستبعد أثر البرجوازية فالشعب الصيني يتشابه مع الياباني في نمو التيار البرجوازي. ويستبعد أيضاً نشاط ثورة الفلاحين في اليابان وتفوقها على ما كان موجودا في الصين...

    يركز الباحث على ناحية بعينها هي التي ميزت الوضع في اليابان عنه في الصين. وتلك الناحية تتجسد في نقل المعارف الغربية الى اليابان بسرعة ودقة.

    يقول: لقد بدأت أوروبا بالتفوق علمياً وحضارياً وفلسفياً على بقية أنحاء العالم، منذ القرن السادس عشر. ويشير الى أن تلك المعارف قد دخلت الصين لأول مرة في العام 1581 على يد الإرسالي اليسوعي الإيطالي (ماثيو ريتشي)، في حين دخلت المعارف الأوروبية الى اليابان على يد راهب يسوعي آخر هو (فرانسيس خافيير) في العام 1549. كانت تلك المعارف تدعى في ذلك الوقت ((ثقافة البرابرة الجنوبيين)).

    هذه المعارف الغربية، تم التعامل معها بأسلوبين مختلفين في اليابان والصين، وقد تشابه الأسلوبان في البداية لكنهما اختلفا في مراحل لاحقة.

    فقد توقف انتشار ثقافة البرابرة (كما كان أهل اليابان يطلقون عليها) في عام 1663، وتوقفت في الصين عام 1720، وكان توقفها في الصين بسبب النزاع الذي حصل بين بابا الفاتيكان والإمبراطور الصيني (كانغشي) حيث أرسل البابا مبعوثاً الى الصين مرتين في عام 1705 وعام 1720، أمر فيهما الصينيين الكاثوليك أن يمتنعوا عن ممارسة الشعائر الصينية التقليدية في طقوسهم المسيحية، مما حدا بإمبراطور الصين للقول (أعيدوا مبشريكم الى الغرب) ولكنه لم يحرم نقل المعارف العلمية لإيمانه بالفصل بين الدين والعلم.

    لم يلتزم أباطرة الصين الذين جاءوا بعده، بالفصل بين الدين والعلم، بل حرموا حتى دخول المواد العلمية والثقافية وغيرها، وبقي هذا التحريم زهاء 80 عاما.

    (3)

    في اليابان، كان الوضع مختلفاً، فحتى في سنوات العزلة والانغلاق، (بين عامي 1683 و 1751) فقد كانت النخب الحاكمة تطلع على ثقافات الغرب.

    وفي عام 1720 بالذات، تم التساهل في استقبال المواد العلمية والثقافية، ولم يستمر اليابانيون في نعتها بثقافة البرابرة بل أسموها (رانغاكو) أو (المعارف الهولندية)، لأنها أدخلت أساساً بواسطة الهولنديين الذين أقاموا في المصنع في (ناجازاكي).

    وقد قُدِّر عدد الكُتب التي ترجمت من الدول الأوروبية بين عامي 1744 و 1852، حوالي 500 كتاب غربي بواسطة 117 مترجما وكاتباً يابانياً.

    وقد لمّح أحد المفكرين اليابانيين في معرض انتقاده للرؤية الصينية ونزعتها الانعزالية والمعتدة بهويتها القومية بقوله (إن الأرض كُرة توزعت عليها دولٌ كثيرةٌ وعليها تعيش كل شعوب الأرض. ويجب النظر الى كل دولة بنفسها على أنها مركز الكرة الأرضية، والصين بدورها كباقي الدول) ...(وأنه من الخطأ عبادة الصين على نحوٍ أعمى على أنها المملكة الوسطى مع النظر الى الدول الأخرى على أنها بربرية).

    وفي اجتماعهم السنوي في عام 1795 اجتمع 30 من دارسي العلوم الغربية (الرانغاكو) للاحتفال برأس السنة الميلادية لأول مرة في اليابان، دوّن في هذا الاجتماع (أن لنا أصدقاء لنا على بعد 9000 لي [لي: 540متر]، كل شعوب القارات الخمس هم جيرانٌ لنا).

    (4)

    تصاعدت وتيرة انتشار العلوم الغربية في اليابان بسرعة هائلة ففي عام 1868 كانت الرياضيات تُدرَّس في 141 مدرسة من أصل 240 مدرسة تديرها الدولة، والعلوم الغربية في 77 مدرسة والطب في 68 والفلك 5. وكلها علوم ومعارف غربية.

    وقد كان في عام 1872 حوالي 500 ياباني يستطيعون قراءة وفهم ما يقرءونه من كتب غربية، في حين كان في السنة نفسها 11 صينياً يستطيع ذلك.

    واجهت كل من اليابان والصين في منتصف القرن التاسع عشر أزمة خطيرة على المستوى القومي كما على مستوى الحكومة الإقطاعية، ولم تكن الرأسمالية والبرجوازية في كلا البلدين قد اكتملتا نمواً، كما أن البرجوازية فشلت في أخذ زمام المبادرة في إطلاق الثورة. فهل كان من الممكن تأجيل الثورة الاجتماعية حتى اكتمال نضج الطبقة البرجوازية؟

    الجواب الواضح هو لا، فالأوضاع التاريخية آنذاك قد جعلت الرأسمالية الغربية القوة المهيمنة في كل أنحاء العالم، واستطاعت البرجوازية الغربية، كما أشار ماركس وأنجلز، أن تهزّ سور الصين العظيم.

    إن إرجاع نهوض اليابان لا يفهم منه أن وراءه المعارف الغربية وحدها، فضربات الفلاحين للإقطاع ونضال القوى المسحوقة لا يمكن بدونها أن تقوم المعارف الغربية بأي أثر. لكن أثبت التاريخ أن المعرفة والثقافة والعلوم لها الدور الفعال في إرساء الأسس العقائدية لعمليات النهوض.
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

    تعليق

    • عبدالغفور الخطيب
      عضو متميز

      • Nov 2004
      • 2698

      #17
      رد: نهضة اليابان

      الفصل الرابع عشر:

      ثورة المايجي التي لم تكتمل في التاريخ العقلاني

      تقديم: تاكيدا كيوكو/ الجامعة المسيحية العالمية/طوكيو


      تقديم: من المهم ملاحظة هذا البحث ومواضعته مع ما يجري في المنطقة العربية حيث بدأت انتفاضات شعبية واسعة في مختلف البلدان العربية، احتار المواطن في تصنيفها أو التنبؤ بنتائجها. وهي بالتأكيد ستؤسس لمرحلة من إنشاء دول حديثة قد تحتاج الى إنجازها لمدة بين ثلاثين وخمسين عاماً للوصول الى الاستقرار واللحاق بركب الدول المتقدمة.

      (1)


      وجّهت عملية إحياء (المايجي) نحو أهداف عريضة: تفكيك نظام حُكم (باكوهان) الإقطاعي والإتيان بنظام برلماني (ديمقراطية ليبرالية دستورية)، تعميق الوحدة بين اليابانيين على أساس إجماع شعبي وإقامة دولة قومية موّحدة حديثة، ورفع سياسة الانعزال القومي الحازمة وتنمية الاتصال مع العالم الخارجي، وتحويل التقليدية المنغلقة الى مجتمع منفتح من المواطنين المتساوين حيث تبطل سيادة المراتب الاجتماعية المكتسبة. إنها أهداف وضعت اليابان على طريق التحديث وتؤدي الى إقامة دولة حديثة.

      وبالرغم من الإنجازات الهائلة التي وصلت باليابان الى ما هي عليه، فإن كثيراً من المفكرين اليابانيين لم يتوقفوا عن طرح سؤال: هل اكتملت ثورة اليابان؟

      في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، نشر الصحافي والمؤرخ (سانسا) عملين كان لهما أصداء في كل أنحاء اليابان وهما: (تاريخ جديد لليابان) و (تاريخ ألفين وخمسمائة سنة) في ثلاثة مجلدات. فيقول: (لم تكن ثورة مثالية حيث ينهض الشعب ضد طغيان المستبدين باسم مبادئ الحرية واحترام حقوق الإنسان، وإنما ثورة غير ناضجة، وقعت في زمن اضطرابات عندما كان المجتمع نفسه في حالة انهيار، وتحركت في مسار متذبذب يكتنفه الغموض الى أن برزت صدفةً قضايا دبلوماسية ذات أبعاد خطيرة مع وصول ((السفن السوداء)).

      [الإشارة الى السفن السوداء: هي تحركات الغرب لاحتلال اليابان، على ضوء ما جرى للجارة الصين، مما استدعى من اليابانيين تكييف اضطراباتهم التي سبقت ثورة إعادة (المايجي) بأربعين سنة تقريباً، والتفافهم حول الإمبراطور، كرمز مع تحديد صلاحياته وتقييدها وِفق أسس ثورية]


      ويقول حول مسألة إبقاء الإمبراطور: (إن الموالاة للإمبراطور لم تكن عاملاً مؤدياً الى الحدث التاريخي (الثورة)، ولم يكن العرش الإمبراطوري إلا وسيلة أصبحت الحاجة إليها ماسة وأُدخلت الى مسرح الأحداث في وقت لم يعد من الممكن فيه احتواء نقمة الشعب المكبوتة فأوجدت متنفساً لهذه النقمة).

      لقد لخص (سانسا) نظريته في أن عملية إعادة (المايجي: الثورة) تتمثل في مبدأين: (الكل في الإمبراطورية تحت حكم واحد) و (الكل في الإمبراطورية تحت حكم الكل).

      (2)

      وفي تلك الفترة أي بعد الانتهاء من الثورة، أعلن (فوكوزاوا يوكيتيشي) والذي يطلق عليه اليابانيون (رائد الفكر التنويري) في كتابه (موجز نظرية الحضارة)، ((أن العودة الى النظام الإمبراطوري لا يمكن أن تكون مسألة ضغط يمارسها البيت الملكي، فقد يبدو ذلك وكأن البيت الملكي يعير اسمه الى القوة المستمدة من نشر المعرفة بين كل أفراد الشعب)).

      ويؤكد على قيمة الإمبراطور بأنها سوف تكون دون شك هائلة إذ سيعمل على مصالحة المجموعات السياسية المتعارضة ووضع حد لنزاعاتها.

      وفي عام 1906 كتب (كيتا إيكِّي) في كتابه (الدولة القومية والاشتراكية الكاملة) ((لقد نجحت ثورة الإعادة جزئياً فقط، بطريقة تدميرية ضد الأرستقراطية. أما من جانب البناء فلم تحقق سوى انفجار غير مخطط له. إن الذين كان لهم الإسهام الأكبر في العملية التدميرية في ثورة الإعادة هم زعماء الزمرة الإقطاعية، أما في الجانب البنّاء والمهمة الأكثر إلحاحاً، فقد تبين أن هؤلاء الرجال أنفسهم هم المحركون الرئيسيون لعملية الاضطهاد التي سحقت أتباع الديمقراطية))*1

      (3)

      ينتقل الباحث الى نقطة ثانية في بحثه، تتعلق بعملية إعادة تشكيل الشخصية اليابانية أي (خلق إنسان ياباني جديد)، فيشير الى جهود المفكرين والمربين الهائلة في تهيئة الشعب الياباني وتثقيفه ليكون قادرا على النهوض بقوة للقيام بثورة صناعية محاذية لثورته السياسية.

      وأشار الباحث الى أن المفكرين رفضوا اعتبار التحديث يقف عند حدود الثورة الصناعية، وهم آمنوا بأن بناء مجتمع حديث على أنقاض مجتمع آسيوي تقليدي منغلق يتطلب فوق كل شيء عملية تدريب لأناس يعتبرون أن المهمة الماثلة أمامهم ثورة ثقافية واسعة، في القيم عبر احتوائها العلاقات الاجتماعية كذلك.

      وقد أشار أحد المفكرين الى أن عماد الوطن ليس بالضرورة حفنة من الأبطال. فالوطن يقوم على القدرة التنظيمية والأخلاق النبيلة لشعبه، وأن الإنسان الياباني ليس من المطلوب تنشئته على فهم إنجازات الغرب العلمية والتكنولوجية فحسب، فمن المهم تنمية شعب يمارس العلوم ويقدر على الإتيان بشيء جديد في مجالات التكنولوجيا والعلوم الطبيعية والاجتماعية.

      (4)

      وانتقل الباحث الى نقطة ثالثة وهي اختيار النماذج التي يجب أن تُحتذى في التحديث وبمسألة تواصل، أو انقطاع، الملامح الشعبية الفطرية المتأصلة في التقاليد اليابانية.

      أشار الباحث الى مشاهد تبدو غريبة، في اعتماد الكُتّاب والمفكرين لنقل النماذج الغربية والاحتذاء بها، فلم يكن نموذج (اليانكي الأمريكي) هو النموذج الذي افتتن به اليابانيون، بل نموذج (الأمريكي البيوريتاني البدائي من نيوإنجلاند). كما لم يقتد اليابانيون بالطبقة الأرستقراطية وملاكي الأراضي في إنجلترا بل اختاروا نماذج من العمال والفلاحين والعصاميين الإنجليز والأوروبيين.

      لقد أخذ اليابانيون من (الكونفوشيوسية) الصينية، وتأثروا بجان جاك روسو الفرنسي، كما أخذوا من غيرهم. وفي كتاب (الرجل الياباني النموذجي) تم تكثيف كل ما هو راقٍ في العالم ليصبح نموذجاً للإنسان الياباني المنشود. وكانت العبارة الشهيرة التي تم تكثيف الحكمة فيها (من لا يعمل لا يأكل).

      (5)

      النقطة الأخيرة التي أشار لها الباحث: وهي تأثر شعوب آسيا المجاورة لليابان والقريبة منه، واقتباسها من تجربة اليابان، عزز مكانة اليابان في نفوس اليابانيين، ليكونوا في مستوى المثل الأعلى. فينتقي الباحث نماذج تدلل على انبهار الصين والهند وإندونيسيا وسنغافورة وغيرها من الشعوب المجاورة، والكيفية التي أشار بها المفكرون والكتاب والسياسيون والاقتصاديون للتجربة اليابانية.

      ومع ذلك فإن الباحث والذي كتب بحثه في نهايات القرن العشرين، يقول: أن هناك من يقول أن ثورة المايجي لم تكتمل بعد، ومعه حق (والقول للباحث).

      انتهى القسم الخامس


      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

      تعليق

      يعمل...