قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #91
    مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

    الأعمدة
    (2)
    العسكر : هل يصلحون أن يكونوا عمودا في العصر الحديث ؟


    المرحلة الثانية : مرحلة الازدهار .. وتعدد ولاء الجيوش

    اذا كانت المرحلة الأولى دشنت قواعد دولة قوية ذات إرادة مركزية ، مهدت لإطلاق إبداعات المبدعين في المرحلة التي تليها ، فان المرحلة التي تلتها والتي امتدت من بدء العهد العباسي الى نهاية عهد الخليفة العباسي العاشر (المتوكل) والتي أطلق عليها عصور الازدهار ، فانها شهدت من جانب آخر تهديد تلك الإرادة المركزية ، وأسست لتجزئة سلسة لا زالت آثارها قائمة حتى اليوم .

    فبعكس المرحلة الأولى ، كانت الجيوش في الأطراف تتبع إرادة حكام محليين كانوا يكلفونها بتصليب أوضاعهم المستقلة و أحيانا التطاول على أصقاع الدولة المركزية وقضمها شبرا بعد شبر .

    ومع ذلك كان كل من حكام تلك المناطق الانفصالية ، يدعي بأنه يصون وحدة أراضي الدولة المركزية ، ويذود عن حماها ، وهو بالحقيقة ، كان يتحين الفرص ليحظى بالانفراد بالإيحاء للخليفة (المركزي) لتحسين وضع ملكه وسلطاته ولم يشبع هؤلاء حتى لو قاموا بدور الخليفة نفسه من وراء ستار .

    ولتعدد أعراق الجيوش ، التي تزامنت مع تداخل تشكيل دول أو دويلات كثيرة ، بدءا من دولة الأغالبة في تونس والأدارسة في المغرب و ودولة بني سامان ودولة بني صفار (في فارس و خراسان ) ودولة اليعافرة في اليمن ، ومن ثم دولة الغزنويين في افغانستان و التسارع الشديد بعد ذلك في تكوين كميات هائلة من الدويلات ( العقيليين في الموصل ) والحمدانيين في حلب ، الطولونيون والأخاشدة والمهديين والفاطميين والبويهيين والزنكيين الخ من تلك الدويلات وجيوشها التي حمتها .

    ان تكوين تلك الجيوش ، قد أحدث تصور لحدود الدولة القطرية ، التي كانت تمثل في كثير من الأحيان ولا زالت ، خطا لحماية القطر الذي يطمع به حاكم تلك المساحة و جيشه ، وقد كون هذا التسلسل ذاكرة سياسية جغرافية لسكان تلك البلاد ، فلا عجبا ان تجد اليوم من يدافع عن تلك القطرية ، لأنه يعجز بالبحث عن بقعة في تلك الذاكرة تجعله يحس بمشاعر وحدوية مع أشقاءه في الأقطار الأخرى ..

    ان بداية هذا المسلسل ، تم تجيير فعلها لمصلحة (العسكر) الذين كرسوا تلك القطرية منطلقين من مصلحة صاحب الغاية الانفصالية . وقبل ذلك كانت صفقات الانفصال تتم على هامش مقايضة الفعل العسكري باقتطاع ملك لمن يقدم تلك هذا الفعل ، فكانت صفقة ابراهيم ابن الأغلب بإعطاءه تونس له ولأبناءه من بعده لقاء إسكات الأدارسة في المغرب ، وكانت صفقة بني صفار في ايران لقاء وقوفهم مع المأمون في صراعه مع أخيه الأمين .. وهكذا تم مع عبد الرحيم بن يعفر في اليمن .
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

    تعليق

    • عبدالغفور الخطيب
      عضو متميز

      • Nov 2004
      • 2698

      #92
      مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

      (3)

      المرحلة الثالثة : مرحلة الحاميات الثابتة


      يمكن القول أن هذا الشكل من الأداء والتنظيم العسكري قد بدأ في عهد المماليك ، حيث كان يقتطع لهم أو يقطعون لأنفسهم مساحات ، تقام فيها الحاميات الثابتة ، وتغلق تلك الحاميات على من في داخلها ، لا يسمح حسب هذا النموذج الاختلاط بالحياة المدنية بشكل واسع .

      ثم تطورت تلك الحالة عند العثمانيين ، لتصبح تلك الحاميات مدارس متخصصة في زرع العقيدة العسكرية والولاء المطلق لقيادة العسكر ، وقد أتاح هذا النمط من زيادة التدريب واحتراف فنون القتال ، بشكل يتفوق على غيرهم من الجيوش ، وهذا كان من أحد أسباب تحقيق الانتصارات المتتالية للعثمانيين .

      وقد ظهر تنظيم الانكشارية الذي كان يعزل أطفال البلاد ذات الديانة المسيحية عن أهلهم وتربيتهم تربية عسكرية شديدة ، بعد العمل على تعليمهم الاسلام ، وكان هؤلاء الانكشاريون لا يقيمون أصلا في حاميات قريبة من أوطانهم التي أخذوا منها طوعا او قسرا .. ومع الزمن تتصلب أحاسيسهم و يصبحون أشبه باللاعبين المحترفين .

      كانت تلك الحاميات تابعة إداريا للسلطان مباشرة ، فيعين قياداتها و يفوض الولاة في الولايات إدارتها أو التنسيق مع قياداتها في ضبط الأمن والحدود .

      لم يكن في قيادة تلك الحاميات أي عنصر غير تركي ، ولكن كان فيها من الجند والعسكر ، والذين كانوا يوضعون في مناطق نائية عن بلادهم .. وكان عندما يجند العربي مثلا ويؤخذ للخدمة ، فن رحلة نحو المجهول قد بدأت .. وغالبا ما تنتهي بالموت .

      استمر استبعاد العناصر غير التركية ، في قيادة ، وحتى في رتب الضباط ، في تلك الحاميات لغاية القرن التاسع عشر عندما كثرت القلاقل في أطراف الامبراطورية ، فتم ترقية أو إناطة مسؤوليات الضباط الى قسم من أبناء العرب والذين كانوا يبعدوا أيضا عن أوطانهم فابن العراق يخدم بالمغرب وابن الشام يخدم بالبلقان ، وابن المغرب يخدم بالشام وهكذا .

      وقد أدخل قسم من هؤلاء الضباط الى دورات متقدمة كان يحضر لها مدربون من بروسيا و فرنسا ، وتقدموا في رتب الجيش ، حتى بدأت تنشط حركات قومية تركية ، تدعو الى تتريك الامبراطورية هي و أطرافها ، فنشأ عند هؤلاء الضباط العرب هواجس قومية مضادة ، وأخذوا يفكرون بتنظيمات ذات طابع قومي ، إضافة لمطالبتهم بتغيير سياسة الخدمة خارج أوطانهم .
      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

      تعليق

      • عبدالغفور الخطيب
        عضو متميز

        • Nov 2004
        • 2698

        #93
        مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

        المرحلة الرابعة : مرحلة الاستعمار الأوروبي
        اختلفت تلك المرحلة عن سابقاتها بالتركيز على الأقليات الإثنية ، ببناء جيوش عربية ، قياداتها من أبناء الأقليات ، وذلك لحصر ولائهم بالمستعمرين ، دون أن تنازعهم على هذا الولاء ارتباطات هؤلاء النخب مع قبائلهم وشبكة علاقات تلك القبائل مع بعضها ، مما كان يصنع هاجسا كبيرا عند المستعمرين .

        ومن هذا المنطلق انخرط في الجيش الذي بني تحت أعين المحتلين في العراق ، أبناء الأقلية الكردية والآشورية ، وفي سوريا العلويين والدروز والأرمن ، وفي لبنان الموارنة وهكذا ، وقد أسهمت تلك السياسات في زرع بذرة توكيد الذات الإثنية لدى تلك الأقليات التي انتقلت من الظل الى دائرة الأضواء ، فأخذت تطور من محاولاتها في تعميق دورها السيادي ، فكانت طلائع الأحزاب الشيوعية من هؤلاء الفئات ، ومنافذ الدخول لإحداث قلاقل داخل البلاد العربية من خلال تلك الفئات التي خرجت عن مواضعة تعايشها القديم مع الأكثرية العربية ، لتمارس دورا بالوكالة عن القوى التي كانت تنوي زعزعة الاستقرار في تلك البلاد .

        وبعد بوادر الاستقلال الاسمي ، أخذت العائلات الميسورة وذات النفوذ ، زج أبناءها بالجيش لتتقاسم مع تلك الأقليات النفوذ العسكري ، ولتصنع حالة من التعايش السيادي غير الثابت في معظم البلدان العربية .

        وبعد الاستقلال وانشغال الدول في معارك الاستقلال ، وفيما بعد حروب داخلية كحالة العراق مع الأكراد ، أو في حالات الحروب الخارجية ، كالتي كانت مع الكيان الصهيوني ، و ما شملها من حالات تعبئة غير جادة ، كل ذلك جعل من المؤسسات العسكرية ، لوجود حالة التوتر الدائم تلتهم حوالي ثلثي ميزانيات الدول العربية .

        وهذا أوجد حالات تكدس التقنيات و الأموال في المؤسسات العسكرية ، فتهافت أبناء الأرياف و البادية للانخراط بالجيش ، طمعا بدخل ثابت ومتفوق نوعا عن غيره من مصادر الرزق .. وفي كل مرحلة اهتزاز أمن السلطات الحاكمة يجري تغيير في رأس المتنفذين في القوات المسلحة ، والتي كان يحرص رأس الحكم على ضمان ولائها ..

        من هنا نكتشف أن المؤسسة العسكرية أسهمت في بقاء حدود الدولة القطرية ، لطابع الاستقلال النزق والذي بقي ولا زال ، من مفاصل قياداته المحترفة ، ممن تربى في مدارس المحتلين و أرضعوا وربوا ممن أفتتن بهم على هذا النهج القطري .. فأصبحت قيادات الأمن والاستخبارات بيد الأقلية غير العربية في كثير من الدول ، مما أبقى القنوات مفتوحة مع الأجنبي ، والذي كان يضع تلك الشخصيات كثوابت في نظم تعاونه ورضاه عن الكثير من الأنظمة العربية .

        وبالمقابل فان الصراع الذي قام بين المنخرطين من أبناء الريف ، والحرس القديم ممن تناسل من السلالات الأولى لقيادات الجيوش العربية ، بقي قائما فيأخذ طابع الانقلاب العسكري في أكثر من قطر عربي ، حتى كنت ترى أن أكثر رؤساء الدول العربية منذ الأربعينات وحتى اليوم ، تقترن برتبة عسكرية السيد الرئيس العقيد او الرائد او الفريق او اللواء او المشير الخ .

        ان هذا الوضع الذي لا زالت آثاره واضحة حتى اليوم ، كان على صلة كبيرة جدا بما رافقه من طابع اقتصادي وثقافي و صناعي وزراعي متأثرا بالحالة الإيبستمولوجية العسكرية وهذا ما سنمر عليه في حديثنا القادم .
        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

        تعليق

        • عبدالغفور الخطيب
          عضو متميز

          • Nov 2004
          • 2698

          #94
          مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

          أثر العسكر في تردي أوضاع العرب :

          برز دور العسكر في العصر الحديث ، خلال قرن من الزمان متوافقا مع مجموعة من العوامل التي جعلت من العسكر أقرب الى أن يكونوا العامل الأهم في تردي أوضاع العرب :

          1 ـ لقد تزامن ظهورهم كقوة ، متحالفين بالسر مع قوى أرستقراطية ، التقت معهم بالصلة مع المستعمر القديم ولو بتنسيق خارجي نظمته أجهزة المستعمر القديم . لقد تزامن ذلك مع الاستقلال الشكلي الذي حصل مع خروج المستعمر ، دون نصر واضح الا في حالات محدودة في مصر والجزائر و السودان واليمن ، وحالات أقل وضوحا في العراق وسوريا و ليبيا ، وحالات لا تكاد ترى في باقي الدول العربية .. هذا في مرحلة إعلان الاستقلال .

          كل هذا جعل تلك القوى تتصرف ، وكأنها لها أحقية حصر وكالة سلعة ما في الاستيراد والبيع و إعادة التفويض .

          2 ـ لقد أوجد هذا الشكل من القوى الراهنة مزاجا ، تم التعايش والتعامل معه من قبل أبناء الشعب بلين واعتراف ضمني ، بالسكوت اللامحدود عن حالات التصرف بأموال البلاد ، تحت ذرائع الدواعي الأمنية ، خصوصا بعدما علا الضجيج بالاستعداد للمعركة الحاسمة مع الكيان الصهيوني والتي انتهت حتى إدعاءات قيامها يوما عند هؤلاء .

          3 ـ بالمقابل فان القوى التي نبتت في رحم الشعب وتسللت الى أعماق الجيش أو الجيوش العربية ، وتأثرت أو تبنت طرح فكر عقائدي تكون هنا وهناك ، واستطاعت بالتالي انتزاع السيادة من الحرس القديم . ان تلك استلهمت أسلوب تعامل الحرس القديم مع شؤون الدولة ، لا بل وتعاملت مع الوحي الذي كان يلهم الحرس القديم ، في كثير من النماذج .

          4 ـ ان الشكلين ، الحرس القديم و أضداده ، قد أسقطوا رؤاهم على كافة مناحي الحياة المدنية ، بل وكان في كثير من الأحيان بعد أن يتعبوا من الحياة العسكرية ، التي غالبا ما كانت تقتصر على الزي العسكري باللباس فقط ، فانهم يتحولون الى الوزارات ، لا لحل مشاكل الوزارات بهم ، بل لحل إشكالية مستقبلهم بوضعهم بتلك الوزارات ..وكان في أحيان أخرى يتزعموا أحزابا ويطوعوا أجهزتها وسياساتها بما يخدم و ضعهم وأهدافهم .

          5 ـ لقد تعامل هؤلاء مع وزارات ومنشئات الدولة العربية ، كإقطاعيات بشكل جديد تنمى من خلاله ثرواتهم من خلال العقود والعقود بالباطن ، والتي بنوا من خلالها شبكة حماية من المنتفعين توزعت بربوع البلاد لتبقي الغلبة للنظام ومن يستفيد منه .

          6 ـ ان صفقات الأسلحة ، التي كانت تدخل البلدان العربية ، وهي من الدرجة الثانية أو الثالثة ، ولا تفرق هنا مدى درجتها ، طالما ان استخدامها كان محصورا ، في استتباب الأمن ( أمن النظام ، وليس البلاد ) . ان ذلك جعل لتلك القوى حماة خارجيين ، يعتبرونهم كنزا لا ينضب ، اذ من خلالهم يصرفون بقايا سلاحهم الذي لم يعد ذو أهمية استراتيجية لبلادهم ، ولولا جيوش المغفلين أو لصوص البلاد العربية ، لصهرت تلك الدول المتقدمة سلاحها الذي صدرته لنا وتعاملت معه كمواد خام !

          7 ـ ان هناك جيوشا خفية مدنية ، تنسق مع القوى الراهنة العسكرية وتحتمي بمن تحتمي بها الأخيرة ، مهمتها تعطيل تطور البلاد مدنيا ، ونموذج (سعيد مالك العلي ) وزير الري العراقي كان نموذجا ذكيا اذ استطاع ان يكون وزيرا منذ أيام العهد الملكي ، الى أن أعدم في السبعينات ، بعدما انكشف أمره في تعطيل إنشاء سد الموصل .

          8 ـ لذلك كله ، تكالبت القوى الخارجية و الداخلية المستفيدة ، من خلال ما تبقى من الحرس ( العسكري ) القديم و حلفاءه المدنيين ، في كبح أي محاولة لتطوير التصنيع العسكري في أي بلد عربي .. ونموذج العراق واضح .
          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

          تعليق

          • عبدالغفور الخطيب
            عضو متميز

            • Nov 2004
            • 2698

            #95
            مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

            هل لا زالت فرص العسكر في الحكم باقية ؟

            اذا كانت الأجواء التي سادت مطلع القرن الماضي ، تسمح بصعود نجم العسكر وتسلمهم مقاليد الحكم في البلاد العربية وتفويض أنفسهم بالتصرف بأموال البلاد ورسم استراتيجياتها في كل المناحي ، مستغلين بذلك حالة عدم الإحساس بضرورة الدولة التي استمرت لقرون طويلة قبل صعود نجمهم ، وتواضع طلبات المواطنين الحياتية التي كانوا يقضونها بأنفسهم ، وجهل المواطنين بحقوقهم ، وعدم معرفتهم بأهمية حراكهم ، فان الوقت الحاضر اختلف تماما .

            لقد تعاقب على الذاكرة الجماعية لأبناء الأمة العربية ، أشكال كثيرة من أصناف الحكم ، وكانت الصفة العامة للحكام لا تبتعد كثيرا عن صورة النعمان ابن المنذر الذي كان له يوم سعد ويوم نحس ، فحالة التسليم القدري لأهواء الحاكم بنحسه وسعده ، هي السائدة ، حتى تغلغلت في قصصهم و آدابهم و سلوكهم .

            ولكن بعد أن تعرف المواطن على الصور التي يمكن أن تتحقق من حراكه اذا تحرك ، فلن يبقى أمامه مستحيلا ، لا يمكن الوصول اليه . وعندما يستعرض المواطن العربي عينات قوة أمته وانتصاراتها ، فانه يجدها حيث يسود العدل ويقل الفساد ، ويلتحم الشعب مع قياداته . وبعد أن تكررت إرهاصاته وجرح كرامته وابتعدت عنه أسباب الحياة الآمنة ، كان لا بد أن يتفحص الدارة الكهربائية لسيارته متتبعا إياها في كل وصلة .

            حقا أن الجيوش لا يمكن الاستغناء عنها في الذود عن حدود البلاد وثرواتها ، وحقا انه لا فائدة من كنز الكنوز و جمع الثروات و تحقيق الازدهار اذا ما كان هناك من يتربص بالبلاد سوءا ، وهذا الأمر يبقى ماثلا طالما هناك حياة .

            فالاهتمام بالجيش وتسليحه وتنقيته من الجواسيس والمفسدين ، لا يقل أهمية عن تشجيع العلم و تسجيل براءات الاختراع و تأمين العمل والسكن والصحة العامة للمواطنين . لكن دون التركيز على إناطة هذا الأمر للقيادات العسكرية ، التي تسقط وضعها الكامل على الحياة المدنية مما يفسد الحالتين معا ، العسكرية والمدنية .

            ان تحقيق مسألة التوازن تلك يتأتى فقط عندما تتحقق شرعية كاملة للحكم ، ولن تبقى أي إشكالية حول تلك الشرعية ، فانها لوبقيت هناك إشكالية ، فانه كما يهمس بها المواطن فان الحكم يدركها ، مما يدفعه الى التوجه للمبالغة في كسب ود الجيش وما حوله من أجهزة أمن ومخابرات وغيرها ، مما يصنع أسس الفساد والتفرقة و إطلاق أيدي تلك الأجهزة لتكيف نشاطاتها ، من خلال التفويض الذي أعطي لها ، لعمل توازن بين مصالحها و مصالح من فوضها .

            ان المواطنين ، يدركوا ذلك جيدا ، وان كانت تخونهم قدرتهم على التعبير ، التي تتحالف مع فرص إبقائهم ساكتين ، فانهم يتكيفوا مع تلك الظروف ، من خلال الهجرة من الوطن أو التزلف للحكم أو العيش مع احتقاناتهم لتنفجر بأي لحظة ، باتجاهات لن تكون محمودة في أغلب الأوقات ، لوجود من يتنبأ بتلك الانفجارات أو يعمل على توقيتها مستغلا إياها أسوأ استغلال .

            ان سلسلة الانقلابات التي حدثت في كثير من الأقطار العربية ، ذهب ضحيتها قادة عسكريون ، لهم شأنهم ، كما ذهب ضحيتها ساسة و أناس قد يكون توفيرهم ، هو لصالح الوطن ، كما قد يكون ذهب بها أيضا أناس لا اعتبار لهم ، لكن كان يمكن اختصار كل تلك التضحيات لو تم تأسيس علاقة ، بين مراكز القوة في البلاد و جعل السيد سيدا في محيطه و اختصاصه ، ضمن سيادة عليا لهيبة الدولة ، ترسى دعائمها ، وتوزع الأدوار بها ، بالفطنة والتجربة والتطوير المستمر .
            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

            تعليق

            • عبدالغفور الخطيب
              عضو متميز

              • Nov 2004
              • 2698

              #96
              مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

              الأعمــدة :

              المرجعية الدينية :


              في أوقات كثيرة يتجنب نوع من المثقفين العرب ، التطرق للحديث بمواضيع الدين ، وان كان الكثير منهم من يلتزم بواجباته الدينية من عبادات و حسن سلوك والتزام وتحيز للإيمان ضد الكفر ، وغيرها من العلامات التي لا يصنفوا من خلالها الا مع الجانب الذي ضد الإلحاد ، أو في بعض الأحيان يعتبرون من خيرة الناس إيمانا بالله عز وجل و الالتزام بأوامره .

              لكن ما يجعلهم يأخذون موقف عدم الخوض بهذا المجال من الحديث ، ينبع من عدم إلمامهم بعلوم الفقه والشريعة والاجتهادات التي حصلت بها خلال القرون الطويلة ، مما يجعلهم في موقف أضعف بالحوار بهذا المجال الواسع والمتشعب ، وبنفس الوقت قد يضعهم في جانب و كأنهم من المشككين في مسائل ، تجعلهم بنظر القراء في خانة أعداء الدين ، وتجعل من يرد عليهم ، وكأنهم حماة للدين نصبتهم انتصاراتهم في الحوار غير المتكافئ معرفيا .

              ان المساجلات التي تمت بهذا المنحى من النشاط الفكري ، بالرد والرد على الرد ، لم تترك قيمة مهمة في مساعدة الباحثين عن مسالك الخلاص للأمة ، بل زادت في تشويش الباحثين ، وتمزيق تركيز الجماهير ، التي تنتظر مخلصين من أي صنف يخرجها مما هي فيه من بؤس ، و ما تلبث ان تصطف وراء الدعاة للعودة الى الدين . مما يجعل هؤلاء الدعاة يزهون بالحجم الأكبر من تأييد الناس حولهم ، ولكن بالواقع ان التفاف الناس حول هؤلاء مرده هو :

              1ـ انهم استفادوا ثقافيا ، بأن كل ما كتب في تاريخ المسلمين ، يجيرونه لهم على أنهم امتداد طبيعي له ، وهم ينفردون بهذا الجانب عن غيرهم .

              2 ـ انهم استفادوا تعبويا ، بأنهم يستغلون المساجد والمآتم والمناسبات الدينية للتعريف برموزهم و تأكيد مسألة ارتباطهم بجذور الأمة بقوتها ، فيتعرف عليهم الناس بخطاب يلتقي مع ما في نفوس الناس . في حين تغلق الأبواب من قبل الدولة العربية أمام غيرهم من التيارات ، والتي تسهم هذه الحركات الدعائية الدينية في تشويه صورتها أمام الجماهير ، متحالفة بذلك مع الدولة العربية !

              3ـ ان الذاكرة القريبة ، خلال قرن مثلا ، لا تسجل أي تقصير على تلك الحركات ، كونها لم تمارس الحكم ، بل صنفت على أنها حركات معارضة كل تلك المدة ، مما عفا ذلك تلك الحركات من أخطاء الحكم ، وجعل الناس يدربون أنفسهم على التطلع لحصول هؤلاء على الحكم .

              4 ـ من يتفحص سلوك تلك الحركات ، يجد تناقضا مع ما تطرح ، لا من خلال مهادنتها بعض الأنظمة العربية التي لا تخفي ولا تنكر علاقاتها مع أعداء الأمة ، بل تذهب أكثر من ذلك في تسلم مهام حكومية وإحالة عطاءات الدولة لها ، بالمقاولات وغيرها .. وهذا النموذج ماثل في ثلاثة أقطار عربية بوضوح .

              5 ـ ان هناك من تلك الأشكال الداعية للعودة للدين ، من يتعامل مع الأعداء بوضوح ، ومن خلال أكثر من طائفة دينية ، وهذا النموذج ماثل الآن في العراق وسبقه في أقطار أخرى .

              6 ـ هناك من تلك الحركات ما يدعو لعودة الخلافة الاسلامية ، منذ أكثر من ستين عاما ، ويعتمد على مركز نشاطه في دول أجنبية ، لم يسجل في تاريخ تكوينه أي عملية فدائية ، ولم يشترك في أشكال المقاومة في الأقطار التي تستدعي المقاومة ، ولم يستشهد لها عضو واحد .

              لهذا وغيره من الأسباب ، رأينا ـ وعلى تردد ـ ان نلقي الضوء على هذا الجانب الهام ، وتفحص وضع صلاحيته أن يكون عمودا في البيت ..
              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

              تعليق

              • عبدالغفور الخطيب
                عضو متميز

                • Nov 2004
                • 2698

                #97
                مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                ما هي المرجعية الدينية التي نقصد ؟

                ونحن بصدد مناقشة أعمدة البيت ، وهي هنا ذات كناية سياسية بحتة . فلن نهتم بالدرجة الأولى الا الى الإشارة لعلاقة الدين بالدولة ، وهو ما يهمنا بهذا الصدد ، كونه بالوقت الحاضر يأخذ شأوا كبيرا في طرح الكثير من الناشطين سياسيا في مجال التبشير باعتماد الدين ، منحى يأخذ المعطى الأولي .

                أما المرجعية الدينية بمفهومها العملي ، فان جذورها تمتد عميقا الى ما بعد وفاة نبي الله ( إدريس ) عليه السلام ، حيث عاش مدة طويلة يعلم الناس تعاليم الله عز وجل ، إضافة الى تعليمهم شؤون الحياة كاملة من فن الخياطة والنجارة والطب وكافة ما يفيدهم في حياتهم . فاحتل بنفوس الناس مكانة إضافية فوق مكانته كرسول من عند الله ، وعندما توفي ، فقد الناس شخصا استثنائيا ، حتى اختلفوا في نشأته وتكوينه ، فمنهم من قال انه ليس بشرا بل ملكا من ملائكة الله ومنهم من قال انه الله نفسه ، وأخيرا خرج لديهم رأي توفيقي ، بأنه وكيل الله في الأرض ، ورفعه الله اليه ليتمثل بنجم أو كوكب ، فبرزت عبادة الكواكب ، والتي كانت الغيوم والنهار يمنع رؤيتها فأقيمت له تماثيل و أصنام الخ .

                وقد أخذت تلك الهالة والاختلاف حول (إدريس ) عليه السلام ، والذي أطلقت عليه بقية الشعوب غير العربية ، اسم (هرمس) تتمثل بتنصيب وكيل ، حتى بعد ان بعد أثر (هرمس) مع طول الوقت ، و بعث الرسل من بعده ، فقد برز باسم (البابا) في الديانة المسيحية ، بمختلف طوائفها ، وبرز باسم (الحاخام الأكبر) عند الديانة اليهودية قبل ذلك ، كما برز عند بعض الطوائف الاسلامية ، التي اعتنقت الاسلام من شعوب الهضبة الايرانية ، بمسميات مختلفة ، (آية الله ) أو المرجع الفلاني .. وهي استعاضة واضحة بجذورها الهرمسية .

                أما عند أهل السنة المسلمين ، والذين لم ينظروا الى الرسل الا كمبلغين لرسالات الله عز وجل ، فلم يكن الله يحتاج لوسيط بينه وبين العبد ، فلم تظهر تلك المهمة الا في أشكال محدودة ، كما ظهر عند شيخ الأزهر ، ذلك المسجد الذي أسسه أهل الشيعة و أعطوه وظيفة تختلف عن وظائف المساجد عند أهل السنة ، ولما أعيد الصلاة بهذا المسجد بعد توقف طويل ، عادت معها جذور مكانة الإمام ، ولو أن أثرها بقي محدودا على عموم أهل السنة .

                ولولا محاولتنا صناعة مقتربات للتجسير لموضوعنا ، لما خضنا بتلك المسألة ، ولكن أصل النظرة تجاه موقف الدين من الدولة ، ينبع عند أهل السنة ، بفحص موقف الصحابة رضوان الله عليهم ، واتخاذ مواقفهم بما فيها ما تم الاختلاف عليه و رجوح آخر الآراء ، كمرجعية تاريخية ، يقاس عليها في اتخاذ المواقف من مسألة الدولة .
                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                تعليق

                • عبدالغفور الخطيب
                  عضو متميز

                  • Nov 2004
                  • 2698

                  #98
                  مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                  صحوة إسلامية :

                  كثير ما يحب بعض الكتاب ان يطلقوا على ، سعة الأشكال المطالبة بعودة الدين الى الصدارة ، والى أن يأخذ دوره الأول في إدارة شؤون الدولة ، بالصحوة الاسلامية ، و في اعتقادي انهم أحبوا استخدام هذا المصطلح ، لأنه يشير الى حالة انتباه ، يعتقدها البعض انها جاءت بعد غفلة ونوم طويلين .. وهم يستعينوا بهذا التشبيه بما حدث لأهل الكهف !

                  ان مصطلح كهذا ( صحوة) قد لا يصلح في هذا المقام ، لأن الصحوة التي تلي النوم مباشرة ، تتبع بحركة طبيعية اعتيادية ، تتماشى مع مدة النوم الطبيعية ، لعدة ساعات ، وهي بالتالي لن تقوم بتغيير رأسي ونوعي للعمل الذي سبق النوم اليومي الاعتيادي .

                  واذا أصر الذين يستخدمون هذا المصطلح للتشبيه بما حدث لأهل الكهف ، نوم طويل ، فانه سيكون من الخطأ ، اتباعه بمصطلح السلفية ، والذي يعني فيما يعني تنقية ، السلوك الديني من البدع ، والعودة للتمسك بما سار عليه السلف الصالح في مرحلة ازدهار الدولة الإسلامية الأولى ، والتي تصل الى الثلث الأول من العهد العباسي .

                  لكننا رأينا كيف أن أهل الكهف ، الذين انقطعوا عن الحياة الاعتيادية ، زهاء ثلاثمائة عام ، كيف حاروا في تدبير أمرهم ، وكيف كانوا مميزين او استثنائيين عن بقية الناس الذين ، سرعان ما اكتشفوا أمرهم . وهذا ما يدعو للتأمل في حالة الاستعاضة تلك ، التي نحن بصددها .

                  هذا اذا سلمنا بأن حالة الانقطاع عن الدين قد طالت مدة مساوية ، لما حدث لأهل الكهف .. ولكن في الحقيقة ، لم يلحظ أي متفحص لمسار تاريخ الأمة الاسلامية ، وليست العربية فقط ، بمثل هذا الانقطاع ، واذا استثنينا ما حدث لأهل الأندلس ، من حملات إبادة وتنصير إجباري ، فان عهد الأمة بدينها قد بقي ثابتا ، بل ويتصلب كلما استفز من قوة خارجة ، فلم يستطع السوفييت إخفاء أثر المسلمين في جمهوريات تتارستان وبشكيريا و داغستان و أنجوش والشيشان ، كما لم تستطيع قوى لادينية أخرى إخفاء أثر الدين في كل من مقدونيا وألبانيا والبوسنة والهرسك الخ .

                  أما في العهود القديمة ، فان غزاة كالتتار (المغول) سرعان ما اعتنقوا الديانة الاسلامية ، وهكذا فعل غيرهم وكاد أن يفعله نابليون بونابرت .

                  إذن فالتواصل الديني ، ليس هو ما فقدناه ، بل فقدنا القدرة على اكتشاف منهج في إدارة دولتنا . وان قال أحدهم ان الاسلام دين ودولة ، فنقول نعم انه دين ودولة ، لكننا في معظم نقاشاتنا الاسلامية والدينية ، لم ننصف الدولة بوجهة نظر واضحة المعالم تؤسس لحالة إجرائية ، بل امتلأ الخطاب بالمواعظ والتحذيرات و تذكر ما نود تذكره عن أسلافنا ، ورمي ما قد يكون فيه مثيرات الانتباه التي تدلنا على صنع حالة توافق بين الدين والدولة .
                  [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                  تعليق

                  • عبدالغفور الخطيب
                    عضو متميز

                    • Nov 2004
                    • 2698

                    #99
                    مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                    لم يكن بالضرورة أن يحكم المسلمين من هو أكثرهم فقها بالدين :

                    عندما نناقش موضوع الدولة ، كبشر لا على التعيين ، فاننا ننظر لها من زاوية كونها مسألة تعني بتنظيم شؤون الناس الحياتية الدنيوية . وعندما نناقش الدولة من خلال كوننا ندين بدين الاسلام ، فاننا سنضع في نقاشنا عاملا جديدا ، وهو مدى تطابق القوانين والأوامر الصادرة عن الدولة ، مع شرع الله ، والنصوص الواردة في القرآن الكريم ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكيفية التي تعامل بها الصحابة رضوان الله عليهم ، في العهد الراشدي ، كونهم المرجعية ، التي لا يكثر حولها الاختلاف .

                    ولو تفحصنا ، تاريخ الدولة الاسلامية ، أو الدول التي ظهرت ، أثناء فترة الخلافة ، والتي كانت كل منها تذود عن ثغور المسلمين ، وتطلق إبداع المبدعين في مختلف مناحي الفنون والعلوم و الفقه والسنة .

                    لكن لو رأينا كيفية وصول الذين كانوا يحكمون أو يتزعموا تلك الدول ، لما رأينا أي أثر للدين في إيصالهم للحكم ، بل كانوا يصلون للحكم ، إثر صراعات قبلية أو عصبية أو سياسية في أغلب الأحيان .

                    ولو تفحصنا أزمنة تواجد علماء الدين والفقه الإسلامي ، وتزامنها مع حكام الدول الإسلامية ، لوجدنا أن ليس هناك توافق مستمر ومودة مستمرة بين الحاكم وهؤلاء العلماء ، بل نجدها أحيانا تصل الى حد العداء ، كما حدث لابن حنبل ، وغيره من العلماء ..

                    ونحن من زاوية نزهو ونفتخر بإنجازات خليفة أو حاكم إسلامي من فتوحات وإشاعة أجواء المعرفة ، ونذكر مناقبه كأحد القادة السياسيين الذين أسهموا بقوة بترسيخ دعائم الدولة الاسلامية وحضارتها ، وبنفس الوقت نزهو ونفتخر دينيا بإنجازات أحد العلماء أو الأئمة الذي كان يعاصر ذاك الخليفة أو الحاكم ، وقد تعرض لعدم إنصاف من ذلك الخليفة او الحاكم !

                    ولو ناقشنا الكيفية التي كانت تنتقل بها الخلافة أو الحكم من واحد لآخر ، لما استطعنا تكييف أمرها وفقا للشرع ، بل نسكت عن تلك الكيفية والتي كانت الخلافات حولها في حينها من الدرجة بمكان الى ان آلت اليه الدولة الى مجموعات كثيرة من الدول أو الدويلات .

                    ان عظمة الإنجازات التي حققتها تلك الدول ، و ان كانت تدفعنا لتناسي الكيفية التي كان يتم بها تناقل السلطة ، فاننا اليوم و نحن نناقش أمرنا ، لا بد من أن نعترف أن الدولة كانت تتكون على هامش رؤى سياسية ، وليس على هامش رؤى دينية ، وكان الخلاف السياسي قد يحدث بين أكثر المسلمين ورعا وتقوى ، حتى لو كانوا من المبشرين بالجنة .
                    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                    تعليق

                    • عبدالغفور الخطيب
                      عضو متميز

                      • Nov 2004
                      • 2698

                      #100
                      مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                      الأوتاد :

                      لو سلمنا جدلا بمعقولية اعتبار ما ذكرناه من هيئات أو أشكال اجتماعية ، لتكون بمثابة أعمدة ، ونحن هنا ، ليس لنا خيارات متعددة ، للبحث عن غير ذلك . فان تلك الأعمدة وعلى افتراض تناسق أدوارها مع بعض ، وهذا ما سنتناوله لاحقا ، فانها بحاجة لأوتاد تحفظ وقوفها بشكل عمودي ، وتضمن ثبات انتصاب البيت ، وكلما كثرت الأوتاد فان الرياح لا تستطيع النيل من البيت ، حتى لو تغيرت اتجاهاتها كل ساعة .

                      فعمود الأحزاب المقترح ، سيسهل عملية رسم الخطط الإنمائية ، ضمن صياغة برامج يدعو لها من خلال هيئاته ، ويتوسم خيرا من التجمعات الإدارية (الأوتاد) في أن تترجمها . وعمود الأسر المتزعمة في أقاليم أو مناطق من الدولة (أي دولة) سيضمن حالة التذاوت (توكيد الذات) لفئات عريضة من المجتمع ، تحاول التعبير عن ذاتها الجماعية التي تعتد بها . وعمود العسكر ، يصنع إحساسا لدى ساكني البيت بالأمان . أما عمود الدين ، فانه يحفظ المنظومة الأخلاقية العامة التي تفلسف مكافحة الفساد والخوف من الله في حالة ظلم العباد .

                      ولكن قبل أن ندخل بتفصيل موضوع الأوتاد ، علينا أن نمر سريعا ، على مصطلح الديمقراطية ، لما له علاقة بوصف ما سيئول اليه حديثنا في النهاية ، أي الى أي الأنماط ينتمي الشكل الذي نحاول صياغة مسودته ، في المستقبل ، أي أين هو من الديمقراطية ؟

                      منذ محاولات مونتسكيو الأولى وجهد جان جاك روسو وفولتير ، وحتى الآن فان دعاة الديمقراطية ، يزعمون بأنها أسلوب ، يضمن تناقل السلطة بعدل بين المواطنين ويحقق إطلاق إبداعات المجتمع .. وهذا الانتقاء من أهداف الديمقراطية ، وان كان مقصودا ، فانه سيسهل علينا محاكمة الصيغ التي انتشرت في العالم ومدى مطابقتها لتلك المزاعم .

                      فلو سلمنا مع الشكل الإجرائي النهائي الذي سيوصل ، أفراد دون غيرهم الى السلطة ، وهو الاحتكام لدى صناديق الاقتراع ، فاننا سنلحظ على وجه السرعة بأن الشخوص الواصلة الى مجالس النواب ، ان لم يكن لها جذور قوية مدعمة من أهمية الذين يصلحون كأوتاد ، فان حظوظ تلك الشخوص بالوصول للبرلمان تكاد تكون معدومة ، حتى لو كان أصحابها علماء . فقوة المال وقوة الأسرة ودعم الهيئات الدينية ، أو الانطلاق من خلفية عسكرية ، شروط يستوجب وجودها لكي ينافس من ينافس على الوصول للبرلمان .

                      إذن لنعدل من صياغة مزاعم دعاة الديمقراطية ، ونقول انها أسلوب يضمن تناقل السلطة بعدالة بين القوى المؤثرة ( وليس المواطنين بشكل مطلق) .

                      أما الهدف الثاني الذي انتقيناه ، فهو قد يكون صحيح ، فهو يدعو لإطلاق الإبداعات العامة لدى عموم الشعب .. لكن وفق إرادة القوى المؤثرة أيضا . فان كان موضوع الخصخصة الذي يضر بمصالح الفقراء ، يخدم مصالح القوى المؤثرة فان قوانين الخصخصة ستمرر من خلال مجالس النواب ، رغم عدم رضا الشعب ، الذي يدرك ذلك ، وهو يعطي صوته للمرشحين !

                      عموما ، فان معالجة ذلك ستكون أوضح ، في مناقشات قادمة ، سواء كانت في الأوتاد أو حبال الشد للبيت ..
                      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                      تعليق

                      • عبدالغفور الخطيب
                        عضو متميز

                        • Nov 2004
                        • 2698

                        #101
                        مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                        اذا هبت الرياح .. فمن تتبع الأوتاد ؟

                        نعلم وظيفة الأوتاد بتثبيت البيت جيدا ، ونعلم ان الجزء المخفي منها داخل الأرض هو الأكبر ، في حين أن الجزء الظاهر ، هو فقط لعمل عقدة الربط لحبل الشد بين قمة العمود و الوتد .

                        لكن ان شاء مهندس البيت أن يجعل الأوتاد تنتسب للأعمدة ، أكثر مما تنتسب للأرض ، فان آثار الرياح العاتية ، ستؤثر على البيت كله ، بما فيه أعمدته إذا ما اتفق على جعل الأوتاد تظهر فوق الأرض متشامخة، ومنتسبة للأعمدة أكثر ما تنتسب الى الأرض .

                        نعم ، ان هناك دواعي ضخمة لوجود علاقة بين الأعمدة و الأوتاد ، وهي علاقة تكامل أدوار ، لا علاقة تنافر ، لكن اذا كان كثيرا ما يتم الاستعاضة بعمود عن آخر ، والبيت قائم ، فإنه عندما ترى أن الأعمدة زائلة ، ستزول معها الأوتاد فان هناك خلل كبير ، يعيق من تواصل واستمرارية بناء البيت .

                        النقابات أوتاد ، الجمعيات التعاونية أوتاد ، منتديات الثقافة أوتاد ، الجمعيات الخيرية و المنظمات التي تعني بهدف دراسي أو تعني بتكريس مثل وقيم ، أيضا تعتبر من الأوتاد ، الأندية الرياضية وغرف التجارة وغرف الصناعة والبلديات ، كلها أوتاد .. إنهم في العالم يطلقون عليها منظمات المجتمع المدني ، وقد لا يروق هذا المصطلح المستورد لكثير من أبناء أمتنا .

                        لن نغوص كثيرا في تفصيل كل واحدة من تلك المنظمات ، فكل واحدة منها تعتبر موضوعا ، يمكن كتابة عدة كتب عنه .. وذلك سيجعلنا نبتعد عن محور حديثنا ، ونصعب من متابعته .. لكننا سنتحدث عن ظروف نشأة تلك المنظمات والكيفية الأكثر فائدة للتعامل معها ، باعتبارها منظمات ذات ضرورة و وظيفة في آن واحد ..

                        نشأة منظمات المجتمع المدني :

                        عندما أخذ الانسان يتدرج بتحضره شيئا فشبئا ، فان هناك جماعات اصطناعية أخذت تظهر من رحم الجماعات الطبيعية ، فصنف من أبناء المهنة يعتبرون جماعة اصطناعية داخل قبيلتهم أو قريتهم أو وطنهم .

                        ان لغة وصحبة وتعاون وتنافر ، ستحدث بين أفراد تلك الجماعات المصطنعة ، فعندما يسهبون بالكلام في مهنتهم فان من يستمع اليهم لا يكاد يفهم الكثير مما يتحدثون به ، فمفردات الرعاة غير مفردات النجارين غير مفردات الأطباء ، وآلام و أحلام كل صنف من هؤلاء ، تختلف عن آلام و أحلام غيره . واذا اشتكى مهندس من العقبات التي تواجه مهنته ، فان من يستمع اليه من غير أبناء مهنته ، لن يتفاعل معه بنفس الحرارة التي يتعامل بها زميله .

                        ان هذا الوضع صنع منذ الأزمان الغابرة ، مجتمعات غير مرئية ، لا فواصل بينها و بين المجتمع الكلي الطبيعي ، لكن كان هناك اعتراف بوجودها ، فان رجوع الأفراد أو تذكرهم لقائمة طويلة من الأسماء التي تتشابه في مهنتها ولون تلك المهنة .. وهو تحديد واضح للاعتراف بها .

                        لن نكون مغالين ، اذا قلنا أن العرب بجذور حضارتهم المتوغلة في القدم ، كانوا أول سكان الأرض ممن أشار في قوانينه وتشريعاته لمكونات المجتمع المدني .. فشرائع حمورابي دالة كبرى .. و إحالة بناء الأهرام لجماعات متخصصة هو كذلك دالة ، وتفنن الفينيقيين بعلوم البحر والسفن ، هو دالة ، ومزاود دول كمنهو وقتبان وتمثيل كل المهن بتلك المزاود هو سبق تنظيمي وإداري واضحين .

                        لذا لم نعجب عندما كان هذا الرشح للإمتداد الحضاري ، يصل الى الدولة العباسية عندما كان لكل مهنة شيخ ، يرجع له في فض المشكلات بين المهنيين المتخاصمين .. كما استنبط القرامطة فكرة هي أقرب للنقابات في عصرنا الحديث وقد أسهم القرامطة بخلطهم الهدف السياسي مع المهني ، في إلهام الحركة الماسونية في صياغة أدبياتها .

                        وعندما قامت الثورة الصناعية ، في أوروبا ، لم تنطلق الدعوة لإنشاء النقابات من فراغ ، بل وجدت تراثا عميقا كانت بصمات حضارتنا واضحة كل الوضوح فيه ، وما عملوه فقط هو مواضعة وتكييف لما كان يستجد عندهم ، من أمور .. ولما حاول العرب نقل تلك التجربة أو تطبيقها من جديد ، فقدوا القدرة على تتبع فقهها في الدور والغاية .
                        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                        تعليق

                        • عبدالغفور الخطيب
                          عضو متميز

                          • Nov 2004
                          • 2698

                          #102
                          مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                          بين الموضوع و الادعاء والاستدعاء :

                          لا شك أن مؤسسات المجتمع المدني ، بمختلف أصنافها ، كانت ولا تزال تأتي كاستجابة شرطية ، لظرف ما ، تأثر به المتنادون في تشكيل مؤسستهم ، فعندما سحقت إنسانية عمال الخياطة في بريطانيا ، تشكلت أول نقابة في التاريخ الحديث عام 1747 م كاستجابة شرطية ، لدرء الأذى الذي تعرض لها عمال الخياطة هناك .

                          وعندما تتلوث منطقة بإشعاع نووي ، فان أهل المنطقة تتنادى لتشكيل تنظيم لها يتابع موضوع الخطر الذي يهدد المنطقة ، وهي استجابة شرطية عاقلة ، للتعبير بردة فعل متحضرة وملائمة ..

                          وان كان تشكيل المنظمات المدنية ، يأتي كوصفة طبية لمعالجة مرض ما ، فان تلك الوصفة ، قد لا تفيد مريض آخر في مكان آخر وبمرض آخر .

                          تماما كما أن نص الوصفة لا يمكن تناقلها ، فان أدبيات المؤسسات النقابية ، لا يمكن تناقلها كما هي بين سكان الأرض .. كما هي الحال بالنسبة للعرائض أو الاستدعاءات التي تقدم للدوائر ، فهي تختلف من مستدعي لآخر ومن دائرة لأخرى ، وان كان بالآونة الأخيرة ، ظهر كتاب الاستدعاء عند أبواب الدوائر الحكومية ، محتفظين بنماذج محددة ، متروك بها فراغات تعبأ حسب صاحب المشكلة . لكن تلك النماذج تختلف من دائرة لدائرة ، ومن كاتب الى آخر .. ومع ذلك ان تلك النماذج أصبحت أضعف من إعداد عريضة او استدعاء ، لكل مراجع .. ولكن كسل ( العرضحلجي) جعله يبدع في مثل هذا الابتكار .

                          لكن في جميع الأحوال فان ( العرضحلجي) أو كاتب الاستدعاءات ، يصبح لديه تخصص في صياغة العرائض .. ولا بد له مع ذلك من الاستماع لصاحب الشكوى لكي يتفنن هو بصياغتها ، ليقوم بالتأثير الوجداني على من تعنيه تلك العريضة ..

                          في حال تأسيس النقابات والجمعيات والهيئات العربية .. فقدت مسألة الموضوع والاستدعاء كثيرا من خصائصها .. فكاتب الاستدعاء كان من المثقفين الذين لا يرتبطون عضويا و صميميا مع من يستدعي من أجلهم ، فكانت صياغته باهتة في كثير من الأحيان ، ولا تعبر كثيرا عن واقع من تطوع للدفاع عنهم . بل صاغها على عاتقه ، كتقليد عالمي ، كوصفة طبية وقعت بيده فأعجب بها فأراد أن يهديها للعمال والفلاحين وغيرهم ، لكن بادعاء نسبها لنفسه .

                          المسألة الثانية ، فوق ان ليس هناك من كلفه في صياغة تلك العريضة ، وان كان هو قد قبض أجرتها على شكل مجد أو على شكل شهرة ، او من أجل هجرة موضعه من بين صفوف الكادحين ، ليخطو بتلك الوسيلة عن طريق إسكاته بتسليمه منصبا حكوميا او غيره . فوق ذلك كله فان من كتبت باسمه أو باسمهم العريضة ، أنهم لم يفهموا مفرداتها ، ولم يوقعوا عليها أو حتى يبصموا . وقد يكونوا لم يعلموا أصلا أن هناك من كتب مثل تلك العريضة .

                          في حالات نصوص العرائض ، يكون الشخص او الجهة المقدمة لها العريضة معروفة ، وتروس العريضة باسمها ، ويتبعها عنوان الشكوى او الطلب . فيقال مثلا السيد مدير الأحوال المدنية في ... أرجو التفضل بمنحي شهادة ميلاد او وفاة الخ .. لكن في حالة نصوص استدعاء تأسيس نقابة أو منظمة من منظمات المجتمع المدني .. فان العنوان يفهم فهما و لا يعلن عنه صراحة ..

                          فالجهة الأولى التي تبعث لها تلك العريضة ، التي تشبه الإنذار ، هي جماهير المهنة أو الجماعة التي يعنيها مضمون النص ، لكي ينبهها من مخاطر معينة ، تحيق بها ، فان لم تنتبه وتنتسب الى تلك المنظمة ، سيلحقها حيف من نوع معين وفي زمن معين .

                          أما الجهة الثانية ، فهي الدولة بكل مؤسساتها ، تعلمهم تلك الوثيقة ، بأن ينتبهوا فإن هناك مزاج خاص بالجماعة الفلانية ، آخذ بالتكون ، فلتراعي الدولة وهيئاتها المشرعة هذا المزاج ، ولتأخذ حذرها ، فلم تعد طريقها سالكة في تجاهل تلك الجماعة .

                          أما الجهة الثالثة ، فهي القوى الوطنية والمنظمات الأخرى ، التي تتهيأ لمناصرة هذا المولود الجديد ، والذي سيكون نصيرا جديدا لها في التعاون على الخروج مما فيه الأمة .
                          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                          تعليق

                          • عبدالغفور الخطيب
                            عضو متميز

                            • Nov 2004
                            • 2698

                            #103
                            مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                            لو علم الحكام أهمية المؤسسات الشعبية لاعتنوا بها جيدا

                            تتغلغل الهواجس الأمنية نفوس الحكام و أعوانهم ، فيغالوا في إحتياطاتهم ، بأن يصبحوا يشككون في أي تجمع ، حتى لو كان مأتما ، فتجلس العيون بين الذقون ، وتوحد ربها مع الموحدين ، وتشغل بقية الحواس لقنص أي خبر من أي نوع لترفعه لمن هو أعلى منها ، وتفرح اذا كان الصيد ثمينا !

                            هذا في المآتم ، أما في غيرها ، فان أي تجمع لا يهتف بحياة رب البيت ، هو تجمع مشكوك فيه ، وغير مرغوب فيه أصلا ، ولا يعطى إذنا من الحاكم الإداري الا بعد أن يأذن من يأذن ، لإقامة مثل هذا التجمع .

                            ماذا يريد الحاكم ومن حوله من وراء كل ذلك ؟ أظن أن الكل يعرف أن هذا السلوك هو أشبه بسلوك الأمريكان ، تحت عنوان الهجوم الاستباقي ، حيث يستشعر الحاكم خطورة أي تجمع ، في حالة تركه يأخذ مدياته القصوى ، أي أنه سيكون له صوت مسموع ، ويكشف أشياء لا يحب الحاكم أن تكشف ، وهي كلها تصب في لا مصلحة الفساد والمفسدين .

                            لكن ، هل يستفيد الحاكم فيما لو ترك تلك المنظمات ان تنمو نموا طبيعيا ؟

                            من المؤكد أن فائدته ، أكبر بكثير من وأدها في بداية نموها ، فهي تضمن للحاكم عدة مزايا لا تتحقق في حالة غيابها :

                            1 ـ لن يكون الحاكم مضطرا ، لغض النظر عن المفسدين ، الذين يقبضون ثمن قمعهم لتلك المنظمات ، وحماية الحاكم من شرور قد يكون مبالغ فيها . وهذا يقلل من مبررات هجوم المعارضة على نظام الحكم .

                            2 ـ ان التنظيمات النقابية والمدنية الأخرى ، تدفع بتحسين مستوى الفكر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي و الخيري و التعاوني ، مما ينتج عنه :
                            أ ـ تنمية المهن من خلال تقارب المهنيين ، فيتحسن أدائهم الاقتصادي .
                            ب ـ تجمع المهنيين عمالا وفنيين ، تحت عنوان معلوم ( مقر و جماعة ) مما يسهل المواطن في طلب خدماتهم دون عناء .. ويسهل من يريد تطوير مسألة أن يتجه لعنوان محدد .
                            ج ـ تغذية الفضاء الذهني للمشرعين ، عند وضع نصوص القوانين ، مما يسهل عملية إحاطة القانون بتفاصيل أكثر دقة ، وهذا يخدم موضوع القضاء والعدالة .
                            د ـ إيجاد عناوين لخبراء ، يغذون الدولة بالكوادر والخبرات الاستشارية اللازمة ، و يغذون البرلمانات بأسماء تم التعرف على خبراتها في مجالات عدة .
                            هـ ـ ضخ وجوه قادرة على تمثيل بلادها في التعاملات الخارجية ، مما يعطي الحكم شكلا من الرضا و قرارة النفس ، إضافة لما يعود عليه من فوائد مادية وأمنية مختلفة .

                            3 ـ تسهيل مهمة الحكم الأمنية ، فمن يريد أن يراقب خمسين مليونا ، من الأسهل عليه مراقبتهم ، في كراديس أو مجموعات ، و تكون مصنفة حسب المهنة أو الاهتمام ، أكثر مما يهيم على وجهه في البحث بينهم من خلال فوضى وعدم انتظام ضمن مجموعات ..

                            كما أن التعرف على طلبات هؤلاء المعنيين المتخصصين ، يسهل على الدولة دراسة تلك المطالب بشكل أفضل ، ويجعل من خطاب الدولة الإعلامي والسياسي يواكب تلك الطلبات .. فيضمن عندها توضيح وجهات النظر بحرية ، من طرفي الدولة و تلك المنظمات كشريكين مهمين في تسيير أمور البلاد .

                            إضافة الى ان مؤسسات الدولة الأمنية ، سترتفع وتيرة جاهزيتها ، من خلال تخصيص أقسام بها ، لا لكي ترعب وترهب تلك الجماعات المنظمة ، بل لتكون وظيفتها كعيون تحمي أمن الدولة ، وتنقل أماني تلك المنظمات أولا بأول .

                            4ـ إتاحة المجال للجمهور ، أن يطلع على خطابات متنوعة في البلاد ، ويمنع ظهور شهداء و مظاليم مجانا ، بل يتعرف على نوعية خطابهم من خلال ترك المجال لهم أن يفصحوا عما يريدون .. وهنا ستقوى رؤية المواطن في حالة الانتخابات لمن يمنح ثقته . وبعكسه فان تكميم الأفواه ، قد يؤدي الى عمل ماكنة المرآين والدجالين وقد يظلم الناس الحقيقيين ، الذين شملهم ، الضغط الشديد في التشديد عليهم من خلال منظماتهم .

                            ان الدولة التي تملك إعلاما ومالا ووظائف و أحيانا حزب حاكم ، وتخشى هؤلاء وتنظيماتهم ، هي بالضرورة دولة مليئة بثغرات ، لا بد ان تتوسع تلك الثغرات شيئا فشيئا ، حتى تصنع هوة بينها وبين الشعب . فان كانت هي تسير وفق نهج سليم و صحيح ولا تستطيع إحداث الاستقرار والرفاه و الأمان لمواطنيها ، فعليها إعادة النظر بتشكيلاتها المتحكمة بسير الحياة لدى شعبها وعليها ان تنتبه من المفاصل الفاعلة بها ..
                            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                            تعليق

                            • عبدالغفور الخطيب
                              عضو متميز

                              • Nov 2004
                              • 2698

                              #104
                              مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                              متى تكون الأوتاد أضعف من أن تؤدي دورها ؟

                              لقد تعرفنا على المحور العام لنمط الخدمات التي تقدمها المنظمات الشعبية والمدنية لمنتسبيها و للدولة و للجمهور ، وان كان الايجاز من القصر بمكان ، بحيث أنه سيحتاج الكثير من التفصيل ، لكننا ونحن نناقش ذلك الفصل ، فاننا سنترك الحرية للقارئ ليزيد عليها من حصيلته الثقافية ، كيفما شاء ، علنا نعود اليها في مناسبة أخرى .

                              لكن أحيانا تعاق تلك المنظمات ، ليس بفعل خارجي ، حكومي أو غيره ، بل نتيجة لعوامل ذاتية ، تخص القائمين وعليها ، وتتعلق بالكيفية التي تم بها صياغة خطابها العام ، والكيفية التي تصرف بها أمورها . ولكون أن المنظمات التي نقصدها ، هي من السعة بمكان ، من حيث اختلاف أدوارها ، و أسمائها ، وأعضاءها ، و إمكانية التصاق العضو بمنظمته ، وفق قانون أم لا . كل تلك الأمور تظهر صعوبة ليست بالقليلة ، في الحديث عن كل تلك الأطياف من التنظيمات ، بصفة عامة .

                              لكننا سنحاول ، قدر الإمكان أن نشمل بحديثنا ، تلك الصفات التي تلتقي بها معظم المنظمات الشعبية والمدنية ..

                              1 ـ غياب القوانين التي تلزم الأعضاء بالالتصاق في منظماتهم ، ففي حين نجد أن بعض المنظمات المهنية ، لا تجيز لمن يمتهن نفس مهنتها أن يزاول العمل ، دون أن يكون عضوا فاعلا يسدد اشتراكاته سنويا ، ويخضع لإجراءات المنظمة ، وهذا يظهر في نقابات المحامين والمهندسين و الأطباء ، وغيرها في كثير من البلدان العربية ..

                              في حين نجد أن صنفا من المنظمات الشعبية و المدنية ، لا يحمى بقانون ولا يلزم أعضاءه الاستمرار بعضويتهم ، كالأندية الرياضية ، والمنتديات الثقافية ، وجمعيات البيئة ، والكثير من الجمعيات الخيرية ، مما يجعل تلك المنظمات لا تخرج دائرة قوتها عن رئيسها وبعض الناشطين ، مثل جمعية حماية المستهلك !
                              وهنا تصبح المنظمة كوتد وضع في أرض رخوة ، سرعان ما يهتز وينقلع مع أول هبة ريح قوية .


                              2 ـ اعتماد التقليد أساسا في إنشاء و تأسيس بعض المنظمات ، ويحدث ذلك عندما يقوم شخص أو مجموعة أشخاص بتأسيس منظمة ، غريبة في عنوانها عن ما يرنو اليه المجتمع ، بل رأت تلك المنظمة قد ازدهر نشاطها في أحد البلدان ، و أراد مؤسسها أن يطبقها في المجتمع الذي يعيش به ، كجمعية حماية السلاحف ! . ان هذا الشكل من المنظمات هو كمن يعين خبير لانقاذ الغارقين في السباحة ، بمنطقة صحراوية !

                              ان هذا النمط من المنظمات أشبه بالوتد الذي يحاول صاحبه دقه في صخرة صماء ، فهو كما هو سابقه الذي دق في أرض رخوة ، سرعان ما ينقلع .

                              3 ـ إطالة زمن القائمين على المنظمة الشعبية أو المدنية ، بحيث يبقوا على رئاسة تلك المنظمة سنين قد تطول ، بقدر أعمارهم ، فلا يغادرون تلك المواقع القيادية الا بالوفاة . مثل ذلك يجعل المنظمة الشعبية أو المدنية ، قليلة التوسع والنمو ، لا بل تتقزم شيئا فشيئا .. وهذا يحدث ببعض الأندية الرياضية .

                              4 ـ طغيان الجانب السياسي على الجانب الذي تحمل عنوانه تلك المنظمة ، كأن يكون القائمون على تلك المنظمة ، يريدون تفهيم أعضاء تلك المنظمة بأن ما يقومون به ، هو ترجمة لإرادة قوة مستترة ، سواء كانت تلك القوة هي الدولة ، أو حزب يتباهى بسعة أعضاءه ، أو القوة الاجتماعية التي يكون لها النصيب الأكبر من الأعضاء . ان هذا الوضع يجعل من الأعضاء المعارضين قليلي الحيلة ، ويدفعهم للانسحاب من عضوية تلك المنظمة . أو يجعل المؤيدين يعيشون حالة من الخدر والاتكال و عدم الانتاج الفاعل .

                              5 ـ مشاكل تتعلق بالتمويل .. حيث تعاني كثير من المنظمات الشعبية والمدنية الكثير من المتاعب المالية التي تعيق حركتها ، وعندما تعرض عليها بعض الأموال فانها ترضخ لإرادة الممول ، الذي ينظر إليها كمستودع للرأي العام ، أو سلما للتعريف بنفسه ، وفي الحالتين فان تعثرا يحل بتلك المنظمات و يخلخل مكانتها كأوتاد .

                              خلاصة : من راقب وتدا يربط به حبل الخيمة أو البيت ، فانه سيلحظ على وجه السرعة أن قوة أداءه آتية من عمق ولوجه الأرض ، و ميله للجهة البعيدة عن العمود وليس بميله نحو العمود .
                              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                              تعليق

                              • عبدالغفور الخطيب
                                عضو متميز

                                • Nov 2004
                                • 2698

                                #105
                                مشاركة: قصيدة جاهلية ! مليئة بالحكمة السياسية

                                حبال الربط :

                                لا تقل أهمية حبال الربط عن الأعمدة و الأوتاد ، فهي من اسمها تدل على وظيفتها و ضرورتها ، وقد ذكر الله عز وجل أهمية هذا الربط ، وباللفظ نفسه ، عندما قال ( واعتصموا بحبل الله ) ..

                                تربط أطراف الحبال ، من جهة بالأوتاد ، ومن جهة بالأعمدة ، وهي ما يبقي البيت في حالة شدها بشكل جيد ، منتصبا شامخا ثابتا ، و قد تم الاستعاضة عنها بالأبنية الحديثة ، بالجسور الساقطة أو أعصاب حديد البناء . وفي كلتا الحالتين فان سمك القضيب أو الحبل ، تخضع لدراسة أو مهارات متراكمة ، وكذلك الاتجاه الذي يوضع به وشكل العقدة أو طريقة الربط .

                                وفي حالتنا التي نحن بصددها ، فان وظيفة الحبل هنا أو عصب البناء ، هي لترجمة إرادة الأعمدة من خلال تواصلها مع الأوتاد . فان كانت وظيفة الأعمدة الأساسية هي النهوض بالبيت وفق مثل و قيم اجتماعية و عقائدية ، وهي بالأساس وظيفة دعائية بحتة كما أسلفنا ، فان مهمة الأوتاد هي الحفاظ على تلك المثل والقيم والعقائد قائمة ومنتصبة لتؤدي دورها . ودور الأوتاد في هذه الحالة سيكون إداري بحت و إجرائي .

                                لكن ما يعيق حركة السكان للبيت ، هو تشابك الحبال عندما يصر صاحب الإرادة الراهنة سواء كان فردا أو جماعة ، أن يتصل بكل وتد من الأوتاد ، دون ربطها بعمود مخصص ، فتكون عندها حركة السكان تتعرض للإعاقة (الشركلة) بحبال البيت الكثيرة والمتشابكة .

                                و أحيانا أخرى تتوزع ولاءات الأوتاد وتتمزق حبال ربطها ، عندما تدخل عنعنات عشائرية أو طائفية أو حتى سياسية داخل تكوين الوتد نفسه ، فان ذلك سيضعف ربط الوتد بالحبل أو الحبال التي تربطه و تهتز أركان البيت لسوء الربط المحكم .

                                نحن لا ننكر الحالة الطبيعية لتعدد انتماءات القائمين بتشكيل الأوتاد ، فكلهم قد ينتمي لفصيل سياسي أو طائفة دينية أو مدينة أو مهنة ، وهذا الكلام ينسحب على كل المواطنين ، لكن أن تتيه قدرة من يشكلون جسم الوتد على ترتيب أولوية انتماءاتهم و ولاءهم ، فهنا السر في ضعف الحالة العربية ، فمن كان ضمن تشكيل وتد عليه أن يعطي أولوية ولاءه لهذا التشكيل في أداء وظيفته .. على افتراض أن باقي التشكيلات تقوم بوظائفها على نفس النحو . تماما كما هي المرابطة على الثغور ، فلا يشغل المرابط باله في أمور أسرته و بلدته وغيرها فمهمته بالمرابطة محددة وواضحة .

                                كما أن أوامر حركته في المرابطة ، لا تأتي من زعيم عشيرته أو مدينته أو فقيه طائفته ، بل تأتي من آمر وحدته العسكرية فقط ، وهذا ما يفرق الجيوش المحترفة عن الفزعات التي تقوم لنصرة أي قضية دون تنظيم !
                                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                                تعليق

                                يعمل...