ذكرى الرسول العربي
ميشيل عفلق
الشخصية العربية بين الماضي والحاضر(1 )- في مثل هذه الحفلات يخطر لي دوماً سؤ ال: ما هي قيمة الكلام؟ لم نعرف في تاريخنا زمناً كثر فيه الكلام وطغى على كل شيء مثل هذا الزمن الذي نعيش فيه، ومع ذلك فهو أقل العهود حيوية وانتاجاً، فهل يكون الكلام اذا مساعداً على الشلل والعقم، بدلا من ان يكون دافعاً الى العمل وخصب النفس؟ هناك فرق جوهري بين الكلام المرتبط بقائله الذي يعبر عن حاصل شخصية حية وعن موقفها الكلي من الحياة، وبين الكلام المنفصل عن الشخصية الذي لايعني غير ذهن يلهو ولسان يهذر. كان العرب شديدي التأثر باللفظ، لان الالفاظ كانت عندهم حقائق نابضة مترعة بالحياة، فكان يسمعها القلب لا الاذن، و تجيب عليها الشخصية كلها لا اللسان وحده، لذلك كان للفظة قدسية وكانت بمثابة تعهد، تربط الحياة وتتصرف بها، سواء حياة الفرد أم حياة الجماعة.
فاللفظة التي كانت كالورقة النقدية تمثل قيمة معينة من الذهب، غدت اليوم مجرد قصاصة من الورق ليس وراءها ما يضمنها، فنحن نرى نفسا فقيرة الى حد العدم تستطيع ان تغرق ما حولها ببحرمن الكلام، وليس من يطالب بأن يكون وراء الكلام عمل يضمنه، فلا غرابة في أن تفقد الثقة وتلتبس الامور ويكثر الغش والتلاعب وبالنتيجة الافلاس والفضيحة.
نحن أمام حقيقة راهنة هي الانقطاع بل التناقض بين ماضينا المجيد وحاضرنا المعيب. كانت الشخصية العربية كلاً موحداً، لا فرق بين روحها وفكرها، بين عملها وقولها، أخلاقها الخاصة وأخلاقها العامة، وكانت الحياة العربية تامة ريانة مترعة يتضافر فيها الفكر والروح والعمل وكل الغرائز القوية. أما نحن فلا نعرف غير الشخصية المنقسمة المجزأة، ولا نعرف الا حياة فقيرة جزئية، اذا أهلها العقل فان الروح تجفوها، وان داخلتها العاطفة فالفكر ينبو عنها : انها فكرية جديبة، أو عملية هوجاء، فهي ابداً محرومة من بعض القوى الجوهرية، وقد آن لنا ان نزيل هذا التناقض فنعيد للشخصية العربية وحدتها، وللحياة العربية تمامها. يجب ان تتحد الصلاة مع العقل النير مع الساعد المفتول، لتؤدي كلها الى العمل العفوي الطلق الغني القوي المحكم الصائب..
كان انتسابنا لأجدادنا الابطال انتسابا رسمياً لا اكثر، واتصال تاريخنا الحديث بتاريخنا المجيد اتصالاً طفيلياً لا عضوياً. اليوم يجب أن نبعث فينا الخصال ونقوم بالاعمال التي تبرر نسبنا الرسمي وتجعله حقيقياً مشروعا. يجب ان نزيل ما استطعنا من حواجز الجمود والانحطاط حتى يعود الدم الاصيل المجيد فيتسرب الينا. يجب ان ننقي ارضنا وسماءنا حتى تستأنس ارواح الجدود الابطال فتهبط الينا وتستطيب الهيمنة فوقنا.
ظللنا زمناً طويلاً نعيش في جو ثقيل خانق لانه كاذب : طلاق بين الفكر والعمل، بين اللسان والقلب، كل لفظة نقولها تحدث جلبة الوعاء الفارغ، ووقرا في الاذن والنفس، لأنها مفرغة من معناها. كل كلمة نقرؤها تحدث ارتعاشاً في بصرنا والماً، لأنها تتراءى لنا كالشبح والظل تذكرنا بشيء انقطع عهدنا به، وهي تحزننا كمرأى طلل هجره ساكنوه. فيجب ان نعيد الى الالفاظ معناها وقوتها، مقامها وحرمتها ان نجعل لكل لفظة موقفاً في الحياة مقابلها. ان تجعل اللفظة مخبرة عن عمل قمنا به بعد ان كانت مذكرة بعمل عجزنا عنه، علينا الا نقول الا ما نقدر على تحقيقه، حتى يأتي يوم نقدر فيه ان نحقق كل ما نقوله.
الاسلام تجربة واستعداد دائم - ايها السادة : ان حركة الاسلام المتمثلة فى حياة الرسول الكريم ليست بالنسبة الى العرب حادثاً تاريخياً فحسب، تفسر بالزمان والمكان، وبالاسباب والنتائج، بل انها لعمقها وعنفها واتساعها ترتبط أرتباطاً مباشراً بحياة العرب المطلقة، اي انها صورة صادقة ورمزكامل خالد لطبيعة النفس العربية وممكناتها الغنية واتجاهها الأصيل فيصح لذلك اعتبارها ممكنة التجدد دوماً في روحها. لا في شكلها وحروفها. فالاسلام هو الهزة الحيويه التي تحرك كامن القوى في الامة العربية فتجيش بالحياة الحارة، جارفة سدود التقليد وقيود الإصطلاح. مرجعة اتصالها مرة جديدة بمعاني الكون العميقة، ويأخذها العجب والحماسة فتنشىء تعبر عن اعجابها وحماستها بالفاظ جديدة واعمال مجيدة، ولا تعود من نشوتها قادرة على التزام حدودها الذاتية، فتفيض على الأمم الأخرى فكراً وعملاً، وتبلغ هكذا الشمول. فالعرب عرفوا بواسطة هذه التجربة الأخلاقية العصيبة كيف يتمردون على واقعهم وينقسمون على انفسهم، في سبيل تجاوزها الى مرحلة يحققون بها وحدة عليا، وبلوا فيها نفوسهم ليستكشفوا ا ممكناتها ويعززوا فضائلها. وكل ما اثمر الاسلام فيما بعد من فتوح وحضارات انما كان فى حالة البذور فى السنوات العشرين الاولى من البعثة، فقبل ان يفتح العرب الأرض فتحوا انفسهم وسبروا اغوارها وخبروا دخائلها، وقبل ان يحكموا الامم حكموا ذواتهم وسيطروا على شهواتهم وملكوا ارادتهم. ولم تكن العلوم التى انشأوها والفنون التي ابدعوها والعمران الذى رفعوه، الا تحقيقا ماديا جزئيا قاصرا لحلم قوي كلي عاشوه فى تلك السنوات بكل جوارحهم والا رجعا خافتا لصدى ذلك الصوت السماوي الذى سمعوه وظلا باهتا لتلك الرؤى الساحرة التي لمحوها يوم كانت الملائكة تحارب في صفوفهم، والجنة تلمع من بين سيوفهم.


تعليق