كتاب*
الإنتصار لأهل الفلوجة والجهاد
شبكة البصرة
تقديم عبد الله شمس الحق
لأبي عبد الله صلاح الدين بن محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ
الجزء الثاني
الظلمُ والخِذلانُ للمسلمين
نهى اللهُ تعالى عبادَه المسلمين أشدَ النهي، وحذرهم، وأوعدهم من ظلم الناس مطلقا، ومن الظلمِ والخذلان لإخوانهم المسلمين خاصة. فالله تعالى أرادهم وأمرهم أن يكونوا إخوةً متحابين متناصرين. فمحبةُ الله تعالى تقتضى من العبد المحبةَ لكل ما يحبه اللهُ تعالى، والرضا عن كل ما يرضاه.
والله يحب المؤمنين، ويرضى ويتولى المسلمين، فوجب على العبد المسلم أن يحب ما أحبه الله ويتولى من تولاه. وقد جاءت النصوص الصريحة من الكتاب والسنة الصحيحة، محرضة وآمرة بذلك، وناهية ومحذرة من ضده.
ظلمُ المسلمِ للمسلم، منه ما يلتحق بصغائر الذنوب، ومنه ما يلتحق بكبائر الذنوب، ومنه ما يُخرجُ من المِلة، ويوقع في الكفر والنفاق. وقد شدد الشارع الحكيم في حقوق الناس عموما، وحقوق المسلمين خصوصا، فحقوقُ العباد - كما قال أهلُ العلم - مبنيةٌ على المشاحَّة، وحقوقُ الله تعالى مبنيةٌ على المسامحة.
ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهَ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَـذَا، وَقَذَفَ هَـذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَـذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَـذَا، وَضَرَبَ هَـذَا. فَيُعْطَى هَـذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَـذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ. فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ. أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَن كانت لهُ مَظلمةٌ لأخيهِ مِن عِرضِه أو شيءٍ فليَتحلَّلْهُ منهُ اليومَ قبلَ أن لا يكونَ دينارٌ ولا دِرهمٌ، إن كانَ لهُ عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منهُ بقدْرِ مَظلمتِه، وإن لم تكنْ لهُ حَسناتٌ أُخِذَ من سيِّئات صاحبِه فحُمِلَ عليه).
فكان ظلمُ العبدِ لنفسِه بظلمِه للعباد، أشدَ من ظلمه لنفسه، في تقصيره بحق الله تعالى - إلا الشرك بالله والتضييعَ للأركان - من جهة ما يترتب على هذا الظلم من الحساب والعقاب، لا من جهة قبح هذا الظلم وعظمته في نفسه. وأيُ ظلمٍ للمسلم أعظم ُ، من أن يُعينَ عليه مَن يفتنُه في دينه، ويستحلُ دمَه وماله وأرضه وعرضه.
اللهُ جلَّ جلالُه يقول في كتابه العزيز: {إَن الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}. قرأها ابنُ عمر رضي الله عنهما فقال: فكيف إذا أُوذيَّ بالمعروف ، فذلك يُضاعفُ له العذاب. يريد كيف إذا أُذيَّ لفعله المعروف، وهل الجهاد إلا من أعظم المعروف، قال قتادةُ رحمه الله في قوله تعالى: {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانا وإثْما مُبيِنا} إياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضب له.
وقال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ لظَّالِمُونَ}. قال ابن جرير في تفسيره: لا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ، فجعلَ اللامزَ أخاه لامزاً نفسه، لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضُهم لبعض من تحسين أمره، وطلب صلاحه، ومحبته الخير.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، وأعظمُ منهم من أراد وأحب أن يظهر الكفار على المسلمين، فيفتنوهم عن دينهم ويغلبوهم على ديارهم وأموالهم.
وقال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. قال ابن كثير: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} الآية. وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} الآية، والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يزال المؤمن مُعنِقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلَّح). وفي حديث آخر (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)، وفي الحديث الآخر (من أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله).
ومن الأحاديث الصحيحات التي تعظِّمُ حقَ المسلم على أخيه المسلم، وتنهى عن ظلمه وخذلانه، ما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: (لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِـعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا، عِبَادَ اللّهِ إِخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ. لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى ههُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ. دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ).
وفيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا).
وما في الصحيحين: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (سِبابُ المُسْلمِ فُسوقٌ وَقِتالُه ُكفْر). وفيهما عن نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : (إذَا جَمَعَ اللّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَـذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ).
وفي صحيح البخاري: حدّثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزهري قال: حدثني عوفُ بن مالك بن الطفيل هو ابن الحارث وهو ابن أخي عائشةَ زوج النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمِّها أن عائشةَ حُدثت أن عبدَ اللّه بن الزبيرِ قال في بيعٍ أو عَطاءٍ أعطَتْهُ عائشة: واللّهِ لتنتهينَّ عائشةُ أو لأحجُرَنَّ عليها، فقالت: أهو قال هذا ؟ قالوا: نعم، قالت: هو للّه عليَّ نَذْرٌ أن لا أُكلمَ ابنَ الزبيرِ أبداً. فاستَشفعَ ابنُ الزبير إليها حين طالتِ الهجرة، فقالت: لا واللّهِ لا أُشفِّعُ فيه أبداً ولا أتحنَّثُ إلى نَذري. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلمَ المِسْوَرَ بن مَخرمةَ وعبدِ الرحمن بنَ الأسودِ بن عبدِ يَغوثَ - وهما من بني زُهرةَ - وقال لهما: أنشدُكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحلُّ لها أَن تَنذرَ قَطيعتي. فأقبلَ به المِسورُ وعبدُ الرحمن مُشتملَين بأردِيَتهما حتى استأذنا على عائشةَ فقالا: السلامُ عليك ورحمة اللّه وبركاته، أندخُلُ ؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلنا ؟ قالت: نعم ادخُلوا كلُّكم - ولا تعلمُ أنَّ معهما ابنَ الزبير - فلما دَخلوا دخلَ ابن الزبير الحجابَ فاعتنقَ عائشةَ وطَفِقَ يُناشِدُها ويبكي، وطَفقَ المسوَرُ وعبدُ الرحمنُ يُناشدانها إلا ما كلمته وقبِلْت منه، ويقولان: إن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عما قد علمتِ من الهجرة، فإنه لا يَحل لمسلم أن يَهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفِقت تذكِّرُهما وتبكي وتقول: إني نذرتُ، والنَّذرُ شديد. فلم يَزالا بها حتى كلمت ابنَ الزبير. وأعتقَتْ في نَذرِها ذلك أربعينَ رقبةً. وكانت تذكرُ نَذرَها بعدَ ذلك فتبكي حتى تَبُلَّ دموعُها خِمارَها.
وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: (لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ. يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذَا وَيُعْرِضُ هذَا. وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ).
وروى أحمدُ وأبو داود عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَمنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ). وعن أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةَ فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ).
وفي الصحيحين: عَنْ عَبْدِ اللّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ (إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ. حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ. فإنَّ ذلك يَحْزِنَهُ).
وفي صحيح البخاري: عن عبد الله بن عمرَ رضيَ الله عنهما (أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أيما رجلٍ قال لأخيه يا كافر فقد باءَ بها أحدُهما). وعند مسلم عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِيْنَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ (أَيُّمَا امْرىٍء قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا. إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ. وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ).
وفي الصحيحين: عن أَبي هُرَيْرَةَ َقَالَ: َقَالَ رَسُولُ اللّهِ (لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ. فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ. فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)، وفي رواية عند مسلم عَنِ ابْنِ سِيرِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ. حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ).
وفي مسند الإمام أحمد، حدثنا عبد الله، ثنا أبي ، ثنا حسن بن موسى قال: ثنا زهير، ثنا عمارة بن غزّية، عن يحيى بن راشد قال: خرجنا حجاجاً عشرة من أهل الشام حتى أتيتنا مكة، فذكر الحديث قال: فأتيناه فخرج إلينا - يعني ابن عمر - فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ بِالدينَارِ وَالدرْهَمِ، وَلكِنْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيئَاتِ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ سَقَاهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ، وَلَيْسَ بِخَارِجٍ).
وإن الطامةَ العظيمةَ، والهلاكَ المبين، أن يُظاهرَ ويعينَ المسلمُ الكافرَ على إخوانه المسلمين قولاً أو فعلا. وجمهورُ أهلِ العلم يحكُمون بكفرِ المظاهرِ، والمعينِ، للكفار على المسلمين، دون أن يشترطوا محبةَ قلبهِ للكفار، ولدينهم. وحكى الإجماعَ ابنُ حزم وابنُ باز وغيرُهم من العلماء.
قال ابن حزم - رحمه الله - في المحلى: ’ وصح أنَّ قول الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}. إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حقٌ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين‘. وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - في مجموع الفتاوى: ’ وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم.‘
ووافق الإمامُ محمد بن عبد الوهاب الجمهورَ، فعدَّ مظاهرةَ الكفار، ومعاونتهم على المسلمين، من نواقض الإسلام. والتي لا يُعذر فيها خائفٌ ولا مستهزئٌ، إلا المُكره المطمئن قلبُه بالإيمان.
وأهل السنة والجماعة متفقون أن الإيمانَ قولٌ وعمل ونية. وكذلك الكفر يكون بالقول أو بالفعل أو بالاعتقاد. ويكون سببه التكذيبُ، أو الجحود، أو الكِبرُ، أو الإعراض، أو حُبُ الدنيا وتقديمُها على الآخرة. وليس كلُ حبٍ للدنيا كفرا، ولكنْ الحبُ الذي يصل بصاحبه لقولِ أو فعلِ الكفر. كمن سبَّ الدينَ، أو انتقص الرسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا اعتقادا ولكن لأجل مال يُعطاه.
قال تعالى: {مَن كَفَرَ بِللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِلإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ منَ للَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
قال شيخ الاسلام: ’ ونحن والناس كلهم يرون خلقاً من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان، إما معاداة أهلهم وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق، ودينهم باطل.
وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله لظنه أن ذلك يجلب له منفعة ويدفع عنه مضرة. قال تعالى: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـدِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهُـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَـلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـسِرِينَ}.
والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يُغْلَبَ أهلُ الإسلام، فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم, لا لاعتقادهم أن محمداً كاذب، واليهود والنصارى صادقون، وأشهر القول في ذلك أن عبادة بن الصامت قال : يا رسول الله إن لي موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود. فقال عبد الله بن أبي: لكني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود فنزلت هذه الآية:
وقال الإمام ابن القيم: ’ وقال: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَـرِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَـنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأَْمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}.
وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم - ولهذا ذكر في سورة المائدة أئمة المرتدين عقب النهي عن موالاة الكفار قوله: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَـرَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ}.
وقطع الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين، وأخبر أنه من تولاهم فإنه منهم في حكمه المبين، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: {ياَ أيهاَ الذينَ آمنوا لا تتخذُوا اليَهُودَ وَالنصارى أوْلياءَ، بَعْضهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْض، وَمَنْ يَتَولهمْ منْكمْ فإنهُ منْهمْ، إن الله لا يَهْدي الْقَوْمَ الظالِميَنَ}.
وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلىِ فساد العقل والدين فقال: { فَتَرى اْلذينَ في قُلوبهمْ مَرَض يُسارِعُونَ فيهِمْ يَقولون نَخْشى أنْ تصيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسى الله أنْ يَأتِيَ بِالْفتحِ أوْ أمْر مِنْ عِنْدِهِ فيصبِحوا عَلى ما أسَرُّوا في أَنْفسِهِمْ نادمين}.
ثمِ أخبر عن حبوط أعمال متوليهم، ليكون المؤمن لذلك من الحذرين، فقال تعالى: {ويَقُولُ الذينَ آمنوا: أهَؤلاَء الذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْماَنِهِمْ إنهُمْ لَمَعَكُمْ، حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ فَأصْبَحُوا خاسِرِين}.
ونهى المؤمنين عن اتخاذ أعدائهم أولياء، وقد كفروا بالحق الذي جاءهم من ربهم، وأنهم لا يمتنعون من سوء ينالونهم به بأيديهم وألسنتهم إذا قدروا عليه، فقال تعالى: {ياَ أيهاَ الذينَ آمنوا لا تتخذُوا عَدُوَي وَعَدوكُمْ أوْلياءَ، تُلْقُونَ إلَيهمْ بالْمَوَدة وَقَدْ كَفَرُوا بما جاءَكمْ منَ الْحَق} إلَى قوله: {إنْ تَثْقَفُوهمْ يَكُونوا لَكُم أعداءَ، ويبسَطُوا إليكمْ أيديَهُمْ وَألْسِنَتهمْ بِالسّوَءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}.
وجعل سبحانه لعباده المسلمين أسوة حسنة في إمام الحنفاء ومن معه من المؤمنين، إذ تبرئوا ممن ليس علىِ دينهم امتثالاً لأمر اللّه، وإيثاراً لمرضاته وما عنده، فقال تعالى: {قَدْ كانتْ لَكُمْ أسْوَةٌ حسَنَةْ في إبرَاهيمِ والذين مَعَهُ إذ قالوا لقَوْمهمْ: إنا بُرَآءُ منكُمْ وَمما تعبدون من دونْ الله ، كَفَرْنا بكُم وبدَا بينَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَة وَالبغضاءُ أبَداً حتى تُؤمِنوا بِالله وحْدَه}.
وتبرأ سبحانه ممن اتخذ الكفارَ أولياء من دون المؤمنين، وحذرَهُ نفسه أشد التحذير، فقال: {لا يتخذ الْمُؤْمنُونَ الْكافرين أوْلياءَ منْ دون الْمُؤْمنُينَ، وَمنْ يَفْعَلْ ذلكَ فَلَيْسَ من اللّه في شيءٍ إلا أنْ تتقُوا مِنْهُم تُقاَةً، وَيحَذِرُكُمُ اللهَ نَفْسَهُ، وَإلى اللّه الْمَصِير}.‘
فالحاصل، أن مَنْ أعانَ الكفارَ طمعاً أو خوفا، فهو منهم، حكمُه حكمُهم، في الدنيا والآخرة، على القول الراجح الذي عليه الجمهور.
لكنْ الجزمُ بالإجماع يتعذر القول به لأن بعضاً من أهل العلم اشترط لتكفير المظاهر أن يجتمع مع مظاهرته ومعاونته محبته للكفار ولدينهم.
وقد أنكر الإمام أحمد الإجماع الذي هو عدم العلم بالمخالف. وقال شيخ الإسلام : ومعرفة الإجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا، فمن ذا الذي يحيط بأقوال المجتهدين.‘
وكذلك يمنعُ القطعَ والجزمَ بكفرِ المُظاهرِ، الاختلافُ في حد الإكراه، وما يُبيحه الإكراه. فالله تعالى قد عذر المُكرهَ بالإتفاق قال تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تُقاة}. قال ابن جرير: ’ لما تقدم الخطاب في قوله (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، كأنهم أخذوا بعمومه حتى أنكروا على من كان له عذر في ذلك فنزلت هذه الآية رخصة في ذلك، وهو كالآيات الصريحة في الزجر عن الكفر بعد الإيمان، ثم رخص فيه لمن أكره على ذلك.‘
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيدُ بحثٍ لهذه المسألة عند بحث شبهة الإكراه.
وخلاصةُ القول، أن ظاهرَ النصوص الكثيرة، والذي رجحه الجمهورُ، أن المظاهرةَ، والمعاونةَ، الصريحةَ للكفار على المسلمين، دُونَ إكراهٍ، كفرٌ، ونِفاقٌ، وردةٌ، عن الدين . أما كونُ هذا الفعل كبيرة وذنبا عظيما قبيحا، فأمرٌ مجمعٌ عليه. لو لم تدل عليه النصوص الكثيرة لدلَّ عليه العقل والفطر السليمة.
والواجبُ الحذر، وعدمُ المسارعة في تكفيرِ معينٍ أو جماعةٍ، لابست ووقعت في هذا الجُرم. وذلك لوجود شبهة الإكراه وإن كانت ضعيفة، ولعدم تحقق الإجماع الثابت بيقين.
في الصحيحين: عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا، أَصْلَحَكَ اللّهُ، بِحَدِيثٍ يَنْفَعُ اللّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللّهِ فَبَايَعْنَاهُ. فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا. وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قَالَ: (إلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ).
زاد الإمام أحمد: (وأَنْ نَقولَ بالحقِّ حيثُ ما كُنَّا لا نَخَافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ). وكذلك فعل - رحمه الله تعالى - فقال بالحق: أن القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق. وتحمل لأجل الحق الضربَ، والسجنَ، والأذى، حمايةً للدين من التبديل والتحريف. ونهى الناس عن الخروج على الإمام القائل بخلق القرآن - الذي دعا لهذا الكفر وفتن الناس حتى يقولوه - لوجود الشبهة، وللمفاسد، والاختلاف، والاقتتال بين المسلمين، الذي يقع بسبب الخروج عليه.
قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا، ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه. فناظرهم وقال: عليكم الإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريحَ برٌّ، ويُستراحَ من فاجر.
إستوثقوا في الجزء الثالث
البراءة من الكفار .. وبغضُهم لكفرِهم
الإنتصار لأهل الفلوجة والجهاد
شبكة البصرة
تقديم عبد الله شمس الحق
لأبي عبد الله صلاح الدين بن محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ
الجزء الثاني
الظلمُ والخِذلانُ للمسلمين
نهى اللهُ تعالى عبادَه المسلمين أشدَ النهي، وحذرهم، وأوعدهم من ظلم الناس مطلقا، ومن الظلمِ والخذلان لإخوانهم المسلمين خاصة. فالله تعالى أرادهم وأمرهم أن يكونوا إخوةً متحابين متناصرين. فمحبةُ الله تعالى تقتضى من العبد المحبةَ لكل ما يحبه اللهُ تعالى، والرضا عن كل ما يرضاه.
والله يحب المؤمنين، ويرضى ويتولى المسلمين، فوجب على العبد المسلم أن يحب ما أحبه الله ويتولى من تولاه. وقد جاءت النصوص الصريحة من الكتاب والسنة الصحيحة، محرضة وآمرة بذلك، وناهية ومحذرة من ضده.
ظلمُ المسلمِ للمسلم، منه ما يلتحق بصغائر الذنوب، ومنه ما يلتحق بكبائر الذنوب، ومنه ما يُخرجُ من المِلة، ويوقع في الكفر والنفاق. وقد شدد الشارع الحكيم في حقوق الناس عموما، وحقوق المسلمين خصوصا، فحقوقُ العباد - كما قال أهلُ العلم - مبنيةٌ على المشاحَّة، وحقوقُ الله تعالى مبنيةٌ على المسامحة.
ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهَ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَـذَا، وَقَذَفَ هَـذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَـذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَـذَا، وَضَرَبَ هَـذَا. فَيُعْطَى هَـذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَـذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ. فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ. أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَن كانت لهُ مَظلمةٌ لأخيهِ مِن عِرضِه أو شيءٍ فليَتحلَّلْهُ منهُ اليومَ قبلَ أن لا يكونَ دينارٌ ولا دِرهمٌ، إن كانَ لهُ عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منهُ بقدْرِ مَظلمتِه، وإن لم تكنْ لهُ حَسناتٌ أُخِذَ من سيِّئات صاحبِه فحُمِلَ عليه).
فكان ظلمُ العبدِ لنفسِه بظلمِه للعباد، أشدَ من ظلمه لنفسه، في تقصيره بحق الله تعالى - إلا الشرك بالله والتضييعَ للأركان - من جهة ما يترتب على هذا الظلم من الحساب والعقاب، لا من جهة قبح هذا الظلم وعظمته في نفسه. وأيُ ظلمٍ للمسلم أعظم ُ، من أن يُعينَ عليه مَن يفتنُه في دينه، ويستحلُ دمَه وماله وأرضه وعرضه.
اللهُ جلَّ جلالُه يقول في كتابه العزيز: {إَن الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}. قرأها ابنُ عمر رضي الله عنهما فقال: فكيف إذا أُوذيَّ بالمعروف ، فذلك يُضاعفُ له العذاب. يريد كيف إذا أُذيَّ لفعله المعروف، وهل الجهاد إلا من أعظم المعروف، قال قتادةُ رحمه الله في قوله تعالى: {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانا وإثْما مُبيِنا} إياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضب له.
وقال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ لظَّالِمُونَ}. قال ابن جرير في تفسيره: لا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ، فجعلَ اللامزَ أخاه لامزاً نفسه، لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضُهم لبعض من تحسين أمره، وطلب صلاحه، ومحبته الخير.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، وأعظمُ منهم من أراد وأحب أن يظهر الكفار على المسلمين، فيفتنوهم عن دينهم ويغلبوهم على ديارهم وأموالهم.
وقال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. قال ابن كثير: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} الآية. وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} الآية، والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يزال المؤمن مُعنِقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلَّح). وفي حديث آخر (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)، وفي الحديث الآخر (من أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله).
ومن الأحاديث الصحيحات التي تعظِّمُ حقَ المسلم على أخيه المسلم، وتنهى عن ظلمه وخذلانه، ما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: (لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِـعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا، عِبَادَ اللّهِ إِخْوَاناً. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ. لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى ههُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ. دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ).
وفيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا).
وما في الصحيحين: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (سِبابُ المُسْلمِ فُسوقٌ وَقِتالُه ُكفْر). وفيهما عن نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : (إذَا جَمَعَ اللّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَـذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ).
وفي صحيح البخاري: حدّثنا أبو اليمانِ أخبرَنا شُعيبٌ عنِ الزهري قال: حدثني عوفُ بن مالك بن الطفيل هو ابن الحارث وهو ابن أخي عائشةَ زوج النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمِّها أن عائشةَ حُدثت أن عبدَ اللّه بن الزبيرِ قال في بيعٍ أو عَطاءٍ أعطَتْهُ عائشة: واللّهِ لتنتهينَّ عائشةُ أو لأحجُرَنَّ عليها، فقالت: أهو قال هذا ؟ قالوا: نعم، قالت: هو للّه عليَّ نَذْرٌ أن لا أُكلمَ ابنَ الزبيرِ أبداً. فاستَشفعَ ابنُ الزبير إليها حين طالتِ الهجرة، فقالت: لا واللّهِ لا أُشفِّعُ فيه أبداً ولا أتحنَّثُ إلى نَذري. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلمَ المِسْوَرَ بن مَخرمةَ وعبدِ الرحمن بنَ الأسودِ بن عبدِ يَغوثَ - وهما من بني زُهرةَ - وقال لهما: أنشدُكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحلُّ لها أَن تَنذرَ قَطيعتي. فأقبلَ به المِسورُ وعبدُ الرحمن مُشتملَين بأردِيَتهما حتى استأذنا على عائشةَ فقالا: السلامُ عليك ورحمة اللّه وبركاته، أندخُلُ ؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلنا ؟ قالت: نعم ادخُلوا كلُّكم - ولا تعلمُ أنَّ معهما ابنَ الزبير - فلما دَخلوا دخلَ ابن الزبير الحجابَ فاعتنقَ عائشةَ وطَفِقَ يُناشِدُها ويبكي، وطَفقَ المسوَرُ وعبدُ الرحمنُ يُناشدانها إلا ما كلمته وقبِلْت منه، ويقولان: إن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عما قد علمتِ من الهجرة، فإنه لا يَحل لمسلم أن يَهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفِقت تذكِّرُهما وتبكي وتقول: إني نذرتُ، والنَّذرُ شديد. فلم يَزالا بها حتى كلمت ابنَ الزبير. وأعتقَتْ في نَذرِها ذلك أربعينَ رقبةً. وكانت تذكرُ نَذرَها بعدَ ذلك فتبكي حتى تَبُلَّ دموعُها خِمارَها.
وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: (لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ. يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذَا وَيُعْرِضُ هذَا. وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ).
وروى أحمدُ وأبو داود عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَمنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ). وعن أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةَ فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ).
وفي الصحيحين: عَنْ عَبْدِ اللّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ (إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ. حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ. فإنَّ ذلك يَحْزِنَهُ).
وفي صحيح البخاري: عن عبد الله بن عمرَ رضيَ الله عنهما (أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أيما رجلٍ قال لأخيه يا كافر فقد باءَ بها أحدُهما). وعند مسلم عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِيْنَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ (أَيُّمَا امْرىٍء قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا. إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ. وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ).
وفي الصحيحين: عن أَبي هُرَيْرَةَ َقَالَ: َقَالَ رَسُولُ اللّهِ (لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ. فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ. فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)، وفي رواية عند مسلم عَنِ ابْنِ سِيرِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ. حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ).
وفي مسند الإمام أحمد، حدثنا عبد الله، ثنا أبي ، ثنا حسن بن موسى قال: ثنا زهير، ثنا عمارة بن غزّية، عن يحيى بن راشد قال: خرجنا حجاجاً عشرة من أهل الشام حتى أتيتنا مكة، فذكر الحديث قال: فأتيناه فخرج إلينا - يعني ابن عمر - فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ بِالدينَارِ وَالدرْهَمِ، وَلكِنْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيئَاتِ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ سَقَاهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ، وَلَيْسَ بِخَارِجٍ).
وإن الطامةَ العظيمةَ، والهلاكَ المبين، أن يُظاهرَ ويعينَ المسلمُ الكافرَ على إخوانه المسلمين قولاً أو فعلا. وجمهورُ أهلِ العلم يحكُمون بكفرِ المظاهرِ، والمعينِ، للكفار على المسلمين، دون أن يشترطوا محبةَ قلبهِ للكفار، ولدينهم. وحكى الإجماعَ ابنُ حزم وابنُ باز وغيرُهم من العلماء.
قال ابن حزم - رحمه الله - في المحلى: ’ وصح أنَّ قول الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}. إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حقٌ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين‘. وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - في مجموع الفتاوى: ’ وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم.‘
ووافق الإمامُ محمد بن عبد الوهاب الجمهورَ، فعدَّ مظاهرةَ الكفار، ومعاونتهم على المسلمين، من نواقض الإسلام. والتي لا يُعذر فيها خائفٌ ولا مستهزئٌ، إلا المُكره المطمئن قلبُه بالإيمان.
وأهل السنة والجماعة متفقون أن الإيمانَ قولٌ وعمل ونية. وكذلك الكفر يكون بالقول أو بالفعل أو بالاعتقاد. ويكون سببه التكذيبُ، أو الجحود، أو الكِبرُ، أو الإعراض، أو حُبُ الدنيا وتقديمُها على الآخرة. وليس كلُ حبٍ للدنيا كفرا، ولكنْ الحبُ الذي يصل بصاحبه لقولِ أو فعلِ الكفر. كمن سبَّ الدينَ، أو انتقص الرسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا اعتقادا ولكن لأجل مال يُعطاه.
قال تعالى: {مَن كَفَرَ بِللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِلإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ منَ للَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
قال شيخ الاسلام: ’ ونحن والناس كلهم يرون خلقاً من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان، إما معاداة أهلهم وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق، ودينهم باطل.
وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله لظنه أن ذلك يجلب له منفعة ويدفع عنه مضرة. قال تعالى: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـدِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهُـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَـلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَـسِرِينَ}.
والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يُغْلَبَ أهلُ الإسلام، فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم, لا لاعتقادهم أن محمداً كاذب، واليهود والنصارى صادقون، وأشهر القول في ذلك أن عبادة بن الصامت قال : يا رسول الله إن لي موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود. فقال عبد الله بن أبي: لكني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود فنزلت هذه الآية:
وقال الإمام ابن القيم: ’ وقال: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَـرِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَـنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأَْمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}.
وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم - ولهذا ذكر في سورة المائدة أئمة المرتدين عقب النهي عن موالاة الكفار قوله: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَـرَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ}.
وقطع الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين، وأخبر أنه من تولاهم فإنه منهم في حكمه المبين، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: {ياَ أيهاَ الذينَ آمنوا لا تتخذُوا اليَهُودَ وَالنصارى أوْلياءَ، بَعْضهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْض، وَمَنْ يَتَولهمْ منْكمْ فإنهُ منْهمْ، إن الله لا يَهْدي الْقَوْمَ الظالِميَنَ}.
وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلىِ فساد العقل والدين فقال: { فَتَرى اْلذينَ في قُلوبهمْ مَرَض يُسارِعُونَ فيهِمْ يَقولون نَخْشى أنْ تصيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسى الله أنْ يَأتِيَ بِالْفتحِ أوْ أمْر مِنْ عِنْدِهِ فيصبِحوا عَلى ما أسَرُّوا في أَنْفسِهِمْ نادمين}.
ثمِ أخبر عن حبوط أعمال متوليهم، ليكون المؤمن لذلك من الحذرين، فقال تعالى: {ويَقُولُ الذينَ آمنوا: أهَؤلاَء الذِينَ أقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْماَنِهِمْ إنهُمْ لَمَعَكُمْ، حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ فَأصْبَحُوا خاسِرِين}.
ونهى المؤمنين عن اتخاذ أعدائهم أولياء، وقد كفروا بالحق الذي جاءهم من ربهم، وأنهم لا يمتنعون من سوء ينالونهم به بأيديهم وألسنتهم إذا قدروا عليه، فقال تعالى: {ياَ أيهاَ الذينَ آمنوا لا تتخذُوا عَدُوَي وَعَدوكُمْ أوْلياءَ، تُلْقُونَ إلَيهمْ بالْمَوَدة وَقَدْ كَفَرُوا بما جاءَكمْ منَ الْحَق} إلَى قوله: {إنْ تَثْقَفُوهمْ يَكُونوا لَكُم أعداءَ، ويبسَطُوا إليكمْ أيديَهُمْ وَألْسِنَتهمْ بِالسّوَءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}.
وجعل سبحانه لعباده المسلمين أسوة حسنة في إمام الحنفاء ومن معه من المؤمنين، إذ تبرئوا ممن ليس علىِ دينهم امتثالاً لأمر اللّه، وإيثاراً لمرضاته وما عنده، فقال تعالى: {قَدْ كانتْ لَكُمْ أسْوَةٌ حسَنَةْ في إبرَاهيمِ والذين مَعَهُ إذ قالوا لقَوْمهمْ: إنا بُرَآءُ منكُمْ وَمما تعبدون من دونْ الله ، كَفَرْنا بكُم وبدَا بينَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَة وَالبغضاءُ أبَداً حتى تُؤمِنوا بِالله وحْدَه}.
وتبرأ سبحانه ممن اتخذ الكفارَ أولياء من دون المؤمنين، وحذرَهُ نفسه أشد التحذير، فقال: {لا يتخذ الْمُؤْمنُونَ الْكافرين أوْلياءَ منْ دون الْمُؤْمنُينَ، وَمنْ يَفْعَلْ ذلكَ فَلَيْسَ من اللّه في شيءٍ إلا أنْ تتقُوا مِنْهُم تُقاَةً، وَيحَذِرُكُمُ اللهَ نَفْسَهُ، وَإلى اللّه الْمَصِير}.‘
فالحاصل، أن مَنْ أعانَ الكفارَ طمعاً أو خوفا، فهو منهم، حكمُه حكمُهم، في الدنيا والآخرة، على القول الراجح الذي عليه الجمهور.
لكنْ الجزمُ بالإجماع يتعذر القول به لأن بعضاً من أهل العلم اشترط لتكفير المظاهر أن يجتمع مع مظاهرته ومعاونته محبته للكفار ولدينهم.
وقد أنكر الإمام أحمد الإجماع الذي هو عدم العلم بالمخالف. وقال شيخ الإسلام : ومعرفة الإجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا، فمن ذا الذي يحيط بأقوال المجتهدين.‘
وكذلك يمنعُ القطعَ والجزمَ بكفرِ المُظاهرِ، الاختلافُ في حد الإكراه، وما يُبيحه الإكراه. فالله تعالى قد عذر المُكرهَ بالإتفاق قال تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تُقاة}. قال ابن جرير: ’ لما تقدم الخطاب في قوله (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، كأنهم أخذوا بعمومه حتى أنكروا على من كان له عذر في ذلك فنزلت هذه الآية رخصة في ذلك، وهو كالآيات الصريحة في الزجر عن الكفر بعد الإيمان، ثم رخص فيه لمن أكره على ذلك.‘
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيدُ بحثٍ لهذه المسألة عند بحث شبهة الإكراه.
وخلاصةُ القول، أن ظاهرَ النصوص الكثيرة، والذي رجحه الجمهورُ، أن المظاهرةَ، والمعاونةَ، الصريحةَ للكفار على المسلمين، دُونَ إكراهٍ، كفرٌ، ونِفاقٌ، وردةٌ، عن الدين . أما كونُ هذا الفعل كبيرة وذنبا عظيما قبيحا، فأمرٌ مجمعٌ عليه. لو لم تدل عليه النصوص الكثيرة لدلَّ عليه العقل والفطر السليمة.
والواجبُ الحذر، وعدمُ المسارعة في تكفيرِ معينٍ أو جماعةٍ، لابست ووقعت في هذا الجُرم. وذلك لوجود شبهة الإكراه وإن كانت ضعيفة، ولعدم تحقق الإجماع الثابت بيقين.
في الصحيحين: عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا، أَصْلَحَكَ اللّهُ، بِحَدِيثٍ يَنْفَعُ اللّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللّهِ فَبَايَعْنَاهُ. فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا. وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قَالَ: (إلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ).
زاد الإمام أحمد: (وأَنْ نَقولَ بالحقِّ حيثُ ما كُنَّا لا نَخَافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ). وكذلك فعل - رحمه الله تعالى - فقال بالحق: أن القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق. وتحمل لأجل الحق الضربَ، والسجنَ، والأذى، حمايةً للدين من التبديل والتحريف. ونهى الناس عن الخروج على الإمام القائل بخلق القرآن - الذي دعا لهذا الكفر وفتن الناس حتى يقولوه - لوجود الشبهة، وللمفاسد، والاختلاف، والاقتتال بين المسلمين، الذي يقع بسبب الخروج عليه.
قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا، ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه. فناظرهم وقال: عليكم الإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريحَ برٌّ، ويُستراحَ من فاجر.
إستوثقوا في الجزء الثالث
البراءة من الكفار .. وبغضُهم لكفرِهم

تعليق