بريق سمعة الغرب آخذ في الزوال

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #1

    بريق سمعة الغرب آخذ في الزوال

    في نهاية القرن التاسع عشر ، عندما كانت موجة المتعلمين الذي أنهوا دراساتهم في فرنسا ، والذين ابتدع أسلوب إيفادهم محمد علي باشا ، حيث كان يعتقد ، أن المنطقة العربية التي غرقت في إهمال طويل في تدهور مؤسساتها التعليمية التي كانت زاهرة أيام حكم العباسيين في المشرق العربي و دولة الأمويين وحتى عصر الطوائف في الأندلس . وتدهورت منذ عهد المماليك والعثمانيين .

    فظن محمد علي وكان ظنه ذا وجاهة ، بأن استجلاب العلم من الغرب هو أحد شروط تطور الأمة التي كان يسعى ان يجعل لها شأن . وكانت حصة فرنسا هي الأعظم من بين الدول التي يقصدها طالبو العلم ، حيث كانت الحملة الفرنسية على مصر والتي ، اتشحت بمبادئ تماهي في ظاهرها ما يتفق مع مكنونات تراث الأمة ، بالإضافة لما أحدثته كتابات فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو وغيرهم ، مما أحدث ضجيجا بهر المثقفين في كل العالم .

    وبعد عودة أفواج الخريجين من فرنسا كانت نتائج رجوعهم وما تزال مؤثرة على الفضاء الذهني الذي أفرز أشكالا من الثقافات المنحوتة حديثا ، والتي أثرت على طبيعة أشكال الحكم وأشكال معارضة الحكم ، من حيث :
    1ـ كان الخريجون محط أنظار الإدارات المحتلة ، ليعاونوهم على إدارة مستعمراتهم العربية ، فالتصقوا بتلك الإدارات ، وكونوا من حولهم هالات اجتماعية تستفيد من تسهيلات المحتل ، من خلال انتقاء نخب مستقبلية مضمونة تعمل على إدامة الاحتلال .

    2ـ كان هؤلاء الخريجون يزهوا بتفوق معرفي على أبناء بلادهم ، وما على هؤلاء الأهالي إلا الاعتراف لهم بذلك ، فكانوا يشكلون قيادات فكرية واجتماعية ، ويكون دورها أعظم عندما يكون هؤلاء الخريجون هم أصلا من أبناء الوجهاء وملاكين الأطيان .

    3ـ لقد استمرأت تلك النخب ، حسن موقعها الاجتماعي ، فأصبحت تصيغ خطابا يفلسف هذا الاستمراء ، دون إفصاح واضح ، فكانت تلجأ لخطاب أيديولوجي سماته :
    أ ـ الاعتراف البين بفضل المحتل . الذي اكتشف أصلا أن تلك الخصائص لتلك النخب تبقى تحلب له الغنائم دون نضوب والى مدى غير منظور .
    ب ـ تسفيه بعض الأفكار التي تعيشها الأمة العربية ، والتغني بما شاهده الخريج من حريات ونظام وعدل مطلق و مجالات رحبة للإبداع ، وكلها عناوين لم تكن دقيقة ، لا بل لم تكن حتى صادقة ، ولكن كان هذا السرد ، يراد منه استحثاث المواطنين للركون وتسليم أمرهم لرؤى هؤلاء النخب التي هي في الحقيقة تبحث عن مصالحها في الأول ، والتي بالتالي ترتبط مع مصلحة المحتل .
    ج ـ ظهر مجموعة من الأدباء والكتاب والشعراء ، الذين تأثروا بفحوى ما سبق ، والتي أصبحت كتاباتهم فيما بعد مناهج دراسية تدرس في مدارس الوطن العربي .
    4ـ ان تلك النخب توالدت حتى أصبحت كالعرق أو الجنس ، أو المصنع الذي يولد جيلا بعد جيل من موظفين كبار يحرسوا تلك القيم التي لفت وتلف النخب الحاكمة في معظم البلدان العربية .

    بالمقابل ، وعلى هامش معارك التحرر العربي من الاحتلال الغربي ، والذي كان على إثر خروج الأتراك من المنطقة العربية ، الذي ترك أثرا يصعب بالضبط تصنيف المشاعر تجاهه فقد كانت الذاكرة المليئة بالآلام ، لا تأسف كثيرا على خروجهم ، و مشاعر استشعرت خطر الغرب واستعادت لؤم الصليبيين . فانقسمت النخب المفاوضة والمنافحة أحيانا للمستعمرين الجدد ، حول تلك المشاعر .. وبالحالتين كان نصيب النخب التي رضعت من أثداء الجامعات الغربية ، وعاشت أمجاد شبابها فيها ، كان النصيب الأكبر .

    ومع التطورات التي حدثت على هامش وعد بلفور ، و إقامة الكيان الصهيوني ، انفرزت الخنادق أكثر ، فبرزت تيارات استفادت من تصفية ما أخذ من الغرب وربطته بتراثها الذي تسلل بقوة من خلال أجيال من المعلمين الأبطال الذين صنعوا مزاجا وطنيا هائلا ، استطاع ان يجعل من المولدين من الأجيال أو الأفواج الأولى في الصفوف الخلفية بإدارة الحراك الوطني .

    وهنا خفت أثر بريق الغرب ، وانتعش الحس الوطني ، وتصاعدت روح التخلص من أثر الغرب ، فكانت ثورات وانقلابات و تكوين حركات وأحزاب وطنية ، استثمرت انشغال الغرب بلملمة جراحه بعد الحربين العالميتين ، وكونت مؤسسات وطنية مهمة إلا ان تلك المؤسسات شابها :
    1 ـ نقص الاحتراف السياسي الذي كان يكشف عن مضمون فكرها بسرعة مذهلة ، و يستعدي أطيافا واسعة من الأعداء ، قبل التمكن من تحضير مقومات الاستعداد لدرء أخطار هؤلاء الأعداء.

    2ـ التساهل باستقدام كوادر ظاهرها الحرص على الدفاع عن تلك المؤسسات الوطنية ، في حين أنها تكون من العناصر الانتهازية التي تسعى لاستثمار هذا الوضع لصالحها ، سواء كانت من بقايا المؤسسات القديمة التي ثارت عليها الحركات الوطنية .. أو من المتذاكين الذين يسعوا لصناعة أمجاد فردية ، أو فئوية ، فما تلبث تلك الفئات أن تمد جسورا مع الأجنبي وتصنع ثغرات، يدخل من خلالها الأجنبي ويتعرف على نقاط ضعف المؤسسات الوطنية ، وقد يكون النقص في الخبرات السياسية قبل استلام الحكم وقلة الكوادر المؤمنة والمؤهلة هو وراء التساهل في تصعيد أناس غير مؤهلين لكنهم مؤمنون بفكرة الثورة والتغيير ، أو أناس مؤهلين لكنهم انتهازيون .

    3 ـ حدوث مظاهر اللاعدل في بعض التعامل مع المواطنين ، نتيجة للسببين أعلاه يصنع مزاجا يفتح أذان شرائح واسعة من المجتمع للاستماع لكل ما هو مبشر بعدالة الغرب .

    4ـ ان كل تلك المظاهر تجعل الدولة الوطنية غير قادرة على إكمال أي إنجاز وطني بشكل واضح على أي صعيد سواء كان الاقتصادي أو العسكري أو الثقافي ، أو تطوير أساليب تناقل السلطة بين أفراد المجتمع ، مما يجعل من كل عام إضافي تبقى فيه بالحكم ، فيتناولها الخصوم والمريدين بالغمز في ذلك . فكل البلدان العربية صرفت المليارات للتسليح دون أن يسجل لحسابها أي انتصار ناجز سوى نتائج محدودة في حرب الكرامة وتشرين 73 والحرب العراقية الإيرانية ، ومع ذلك يتم تناول الدول العربية مجتمعة عندما يراد الغمز في جانب مسألة القومية والمناداة بالوحدة !

    5ـ لم تنتبه كل الدول العربية عدا لبنان في أوقات محدودة ، لمسألة رعاية المعارضة حيث أن رعاية المعارضة له بعض الميزات عن عدم رعايتها :
    أ ـ فالمعارضة تكشف مظاهر الفساد في الدولة ، في حين تتستر مؤسسات الدولة عن الفساد الذي يسود فيها من باب المقايضة ، وهذا يضخم حجم المسكوت عنه .
    ب ـ المعارضة تستفز كوادر الدولة الوطنية لتطوير إمكانياتها ، وشيوع الطهرية والنقاء في صفوفها .
    ج ـ المعارضة تسمح لتطوير برامج العمل السياسي لدى كل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني مما يخلق مناخا لتفجير الإبداعات في المجتمع .
    د ـ دفع المعارضة لقول ما عندها دون ملاحقات ، يجعلها أمام الشعب كمحكم بينها وبين من يتهمها بصفات تشوه صفحتها ، وتجعلها تندفع الى الأجنبي .

    مما سبق علا شأن المبشرين بالتعاون مع الأجنبي ، وعلى معها شأن الأجنبي نفسه ، فترى مثقفي التيارات الليبرالية التي تبشر بالتعامل مع الأجنبي تجلس أمام الصحافة والندوات التلفزيونية ، تسرد فهارس من مخالفات النظم العربية ، في حين ان سجلها أمام المشاهد أو القارئ العادي ، يجعلها شخصيات مخلصة منتظرة .

    وبعد أن رأى المواطنون العرب ، ما جرى في العراق من حقد تاريخي عميق ، وبعد أن تمت الانتقائية بالتعامل مع نظام دون آخر يفوقه بالشدة تجاه شعبه آلاف المرات ، ولكن شدة هذا النظام تبرر على أنها في خدمة قضية واضحة تصب في مصلحة الشعب والأمة ، في حين ان شدة النظام الآخر هي لخدمة مخططات تصب في مصلحة الأجنبي .

    وقف المواطن حائرا في البداية ثم ما لبث أن هتف بأعلى صوته ، لو كنت قاضيا للاستئناف تجاه أمثال علاوي والجعفري والجلبي والحكيم لضاعفت الحكم الذي استأنفوا من أجله ، ولو كنت قاضيا للتمييز لأدنت القضاة الذين أبقوا هؤلاء أحياء !

    فقد تجمعت أطراف الصور ، ما يجري في فلسطين وما يجري في السودان وما سيجري تباعا للأقطار العربية .. كله يؤكد ضراوة الصراع بين شعوب حاقدة غازية ، تتحين الفرص لوهن الأمة لتنقض عليها ممزقة سترها ، وناهبة خيرها ، ومذيقة لها العن أشكال الامتهان .

    نعم لقد زال بريق خطاب الغرب و أخذ بالتلاشي ، فعلى كل الخيرين ان يصيغوا خطابهم الذي يستوعب كل أطياف الخير في الأمة ، فالأمة عطشى وتنتظر من يرويها .
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]
يعمل...