مناسبة حسب التقويم الهجري

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #46
    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

    استقلال إريتريا.. أعوام مديدة من التضحيات

    (ذكرى استقلالها: 1 من ذي الحجة 1413هـ)




    استطاعت إريتريا أن تنفصل عن إثيوبيا وتستقل سياسيًا بعد ثلاثين عاما من الكفاح السياسي والعسكري، حظيت خلاله بدعم عربي وإسلامي كبير، على أمل أن يصبح ذلك البلد -الذي تمتد سواحله على البحر الأحمر حوالي ألف كيلومتر– جزءًا من الأمة العربية وعضوا بجامعتها العربية، اتساقا مع مقتضيات الأمن القومي العربي الهادفة إلى المحافظة على هذا البحر كبحيرة عربية إسلامية.

    إلا أن هذا الأمل لم يتحقق رغم أن نسبة المسلمين في إريتريا تقارب 78%؛ فقد أخذ الرئيس "أسياس أفورقي" بلاده بتوجهات بعيدة عن العروبة والإسلام لاعتبارات تتعلق بتوجهاته الماركسية التي تعززت بفرضه اللغة التيجرينية لغة رسمية للبلاد بدلا من اللغة العربية، وتجاهله لقوانين الأحوال الشخصية للمسلمين، وعلاقاته الوثيقة مع إسرائيل.

    إريتريا.. المعنى والتاريخ

    تقع إريتريا عل الشاطئ الغربي للبحر الأحمر في نقطة حاكمة عند مدخله الجنوبي وعلى مقربة من مضيق باب المندب ذي الأهمية الإستراتيجية البالغة؛ فهي تشبه مثلثا محصورا بين إثيوبيا والسودان وجيبوتي، وتبلغ مساحتها حوالي (120) ألف كم2 تتنوع فيها التضاريس والمناخ، وتمتلك شاطئًا يمتد ألف كيلومتر على البحر الأحمر، يمتد من "رأس قصار" على الحدود السودانية شمالا إلى باب المندب في "رأس أرجيتا" في جيبوتي جنوبًا، ويقع في هذا الساحل أهم موانئ البحر الأحمر وهما: "عصب" و"مصوع".

    وتتبع إريتريا (126) جزيرة، أهمها أرخبيل (مجموعة جزر) دُهلك وبه نحو (25) جزيرة، أهمها من الناحية الإستراتيجية جزيرتا "فاطمة" و"حالب". ويزيد عدد السكان عن أربعة ملايين نسمة. 78% منهم مسلمون، والباقي ينتمون إلى تسع مجموعات دينية وعرقية ولغوية أخرى.

    وترجع تسمية إريتريا إلى الرومان الذين أطلقوا تسمية "سينوس أريتريوم" على البحر الأحمر وشواطئه التي سيطروا عليها عندما خضعت "عدوليس" على الشاطئ الإريتري لسلطانهم، وعندما احتل الإيطاليون هذه الشواطئ في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي أطلقوا اسم "إريتريا" عليها إحياء للتسمية الرومانية، وذلك بمرسوم أصدره الملك الإيطالي "همبرت الأول" في (جمادي الأولى 1307هـ= يناير 1890م).

    إريتريا.. والإسلام


    ترجع معرفة منطقة إريتريا بالإسلام إلى البدايات الأولى لظهور الإسلام؛ حيث كانت هذه المنطقة تتبع في تلك الفترة النجاشي ملك الحبشة. فعندما اشتد إيذاء الكفار للمسلمين في مكة أمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال لهم: "فإن لها ملكًا لا يُظلَمُ عنده أحد، وهي أرض صدق"؛ فهاجر المسلمون إلى الحبشة وهبطت سفنهم على ساحل مصوع، وتحديدًا في المكان الذي يطلق عليه "رأس مدر"، وبنوا فيه مسجدًا – ما تزال بقاياه موجودة إلى الآن– ومنذ ذلك التاريخ انتشرت الدعوة الإسلامية في إريتريا والحبشة، حيث مكث الصحابة المهاجرون بها ستة عشر عامًا متتابعة يقيمون فيها شعائر الإسلام.

    وفي عهد الدولة الأموية والعباسية هاجرت بعض القبائل العربية إلى إريتريا، وأقامت بها مراكز للدعوة والتجارة فتحولت غالبية القبائل الوثنية إلى الإسلام، ونشأت بعض الممالك العربية والإسلامية في جزر دهلك، بالإضافة إلى نشأة سبع ممالك داخلية عرفت باسم "بلاد الطراز الإسلامي".

    وعندما سيطر البرتغاليون على بعض سواحل البحر الأحمر ومن بينها شواطئ إريتريا في بداية القرن السادس عشر الميلادي، تدخل العثمانيون لمواجهة الخطر البرتغالي وحماية الأماكن المقدسة في مكة والمدينة من مهاجمة السفن الصليبية، وتمكنوا من الاستيلاء على "سواكن" و"مصوع" وجعلوا البحر الأحمر بحيرة عثمانية مغلقة. وخضعت سواحل إريتريا للحكم المصري بناء على فرمان أصدره السلطان العثماني سنة (1281هـ = 1865م)؛ فتحسنت أحوالها بعدما أصبح الساحل الإفريقي للبحر الأحمر في حوزة مصر.

    الاستعمار الإيطالي

    بدأت الأطماع الإيطالية في إريتريا مع ضعف الحكم المصري في عهد إسماعيل نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ودخل الإيطاليون إلى تلك المنطقة عبر بوابة الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي يتحكم فيها المنصّرون ورجالات الكنائس؛ فاستطاع المنصر "سابيتو" أن يشتري قطعة أرض في ميناء عصب سنة (1286هـ= 1869م)، ثم أصدر مجلس النواب الإيطالي في (1299هـ= 1882م) قانونا بتحويل عصب إلى مستعمرة إيطالية، وكانت سياسته فيها تقوم على العنصرية، ومحاربة اللغة العربية. واعترف الإمبراطور الحبشي "منليك الثاني" بحق إيطاليا في إريتريا حتى يستطيع مقاومة النفوذ الفرنسي والبريطاني.

    واستمر الاحتلال الإيطالي (60) عاما حتى تمكنت بريطانيا وحلفاؤها من هزيمة إيطاليا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية، وأقامت بريطانيا بها إدارة عسكرية.

    هيلاسلاسي.. أطماع وأحقاد


    عاد الإمبراطور الحبشي هيلاسلاسي إلى الحكم في بلاده بمساعدة الإنجليز بعدما طرده الإيطاليون، ورأى أن يستغل الظروف الدولية لجمع أسلاب إيطاليا في إفريقيا؛ فيضم الصومال وإريتريا إلى مملكته التوسعية. وساعدته على ذلك بريطانيا والولايات المتحدة، حيث اتصل ببعض رجال الكنيسة لاستمالتهم إليه، وقامت المخابرات البريطانية بإثارة العدوان والنعرات الدينية والقبلية.

    ونجحت إثيوبيا في خلق حزب موال لها في إريتريا سنة (1366هـ= 1946م) عُرف باسم حزب الاتحاد مع إثيوبيا كانت قاعدته من المسيحيين. ناهض المسلمون هذا الحزب وأسسوا حزب الرابطة الإسلامية الإريترية وحددوا أهدافه بالاستقلال التام. وشهدت تلك الفترة صراعات سياسية حادة، نشأت خلالها عدة أحزاب لها ارتباطات خارجية، تبنى بعضها سياسة الاغتيالات مثل حزب الاتحاد مع إثيوبيا الذي أنشأ ميليشيا إرهابية عرفت باسم "الشفتا" اغتالت عددا من القيادات الوطنية. كما عمل هيلاسلاسي على إثارة الخلافات بين الأحزاب الإريترية فكثرت الانشقاقات بها.

    الأمم المتحدة صراعات الأروقة والمصالح

    عُرضت القضية الإريترية على الأمم المتحدة التي أرسلت لجنة لاستطلاع آراء الأهالي حول تقرير المصير فخرجت اللجنة بآراء مختلفة، منها ضم إريتريا إلى إثيوبيا، وهو اتجاه دعمته الولايات المتحدة، وأمام هذا الضغط الأمريكي وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في (صفر 1370هـ= ديسمبر 1950م) على أن تكون إريتريا تحت سيادة التاج الإثيوبي في اتحاد فيدرالي مع تمتعها بالحكم الذاتي، وقررت الأمم المتحدة تعيين مندوب لها يكفل تنفيذ قرارها لأول مرة في تاريخ المنظمة الدولية، وبذلك حصلت إثيوبيا على منفذ لها على البحر الأحمر.

    الاستعمار الإثيوبي

    وتم تشكيل جمعية تشريعية منتخبة في إريتريا أقرت الدستور الجديد للبلاد، وعلما خاصا بها، وسلطات قضائية وتشريعية خاصة بها، واعتمدت اللغتين العربية والتجيرينية لغتين رسميتين لإريتريا، وفي (ذي القعدة 1371 هـ= أغسطس 1952م) صادق الإمبراطور هيلاسلاسي على الدستور الإريتري الجديد، ثم صادق على القانون الفيدرالي، وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق الاستعمار الإثيوبي لإريتريا، شاركت في تعبيده القوى الاستعمارية الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا التي انسحبت من إريتريا في (25 من ذي الحجة 1371هـ= 15 من سبتمبر 1952) بعدما سلمت كل الممتلكات الإريترية من موانئ ومطارات ووسائل مواصلات إلى الجيش الإثيوبي، ولم تترك للحكومة الإريترية ما يمكن أن تؤسس عليه دولتها الوليدة.

    وتشكلت أول حكومة إريترية برئاسة "تدلا بايرو" السكرتير العام لحزب الاتحاد مع إثيوبيا، ولم يستطع هيلاسلاسي أن ينتظر طويلا ليرى تصرف الإريتريين في إطار الفيدرالية، فتعجل في تطبيق مخططه الاستعماري، وأصدر في نفس العام قرارًا يقضي بتطبيق القوانين والنظم الإثيوبية على إريتريا، كما نفذ خطة أخرى لتغيير التركيبة السكانية في إريتريا؛ فسلم الأراضي الخصبة في منطقة "وادي زولا" الإسلامية إلى نصارى الحبشة، وبنى لهم كنيسة وتكرر ذلك في المناطق الأخرى، ثم وقّع معاهدة مع الولايات المتحدة في (شعبان 1372هـ= مايو 1953م) مُنحت بموجبها واشنطن الحق في إقامة قواعد ومنشآت عسكرية على أراضي إريتريا.

    واتخذت إثيوبيا مجموعة من الإجراءات التعسفية ضد المسلمين الإريتريين، ولجأت إلى سلاح الدين لخلق الفرقة في إريتريا، فألفت حزبًا سياسيًا من رجال الدين المسيحي تحت رئاسة القس ديمطروس الذي فرضته نائبا لرئيس البرلمان؛ فأثار ذلك غضب البرلمان الإريتري، ووجه إنذارا لإثيوبيا بوجوب إعطاء الضمانات لسيادة الدستور الإريتري، وإلا طالب البرلمان بتدخل الأمم المتحدة.

    استبد الغضب بهيلاسلاسي فعزل حكومة تدلا بايرو، وعين مكانه إسفهاولد ميكائيل الذي استخدم أساليب إرهابية ضد الوطنيين، ومنع جميع الأحزاب من العمل، وصاغ نظاما اقتصاديا قائمًا على الإقطاع. وفي عام (1375هـ= 1956م) تم تعديل الدستور بناء على اقتراح حكومي، وألغيت اللغتان الرسميتان العربية والتجيرينية، وحلت مكانهما اللغة الأمهرية، وألغي العلم الإريتري، ونص التعديل الجديد أن يعين رئيس الوزراء الإريتري من قِبل الإمبراطور مباشرة، فقوبلت هذه الإجراءات بغضب شديد، وتبين للإريتريين أن الأمم المتحدة لا تريد أن تتدخل في حل المشكلة الإريترية الذي كان قرار الفيدرالية السبب المباشر في قيامها.

    حركة التحرير الإريترية


    لم يستسلم الإريتريون لحركة القمع الإثيوبية، وتمكن العمال المهاجرون (1378هـ=1958م) من تأسيس حركة تحرير إريتريا، التي كانت تنظيما سريا يتكون من خلايا تتكون من سبعة أفراد، وكان أبرز قادتها محمد سعيد نادو، وكان شعارها العنف الثوري هو الطريق الوحيد للاستقلال. وبدأت الحركة بتنظيم الخارج من المهاجرين ثم انتقلت إلى الداخل. ونشأت – أيضا – جبهة التحرير الإريترية، وحدث صراع وتنافس قوي بين التنظيمين.

    ونشأت جبهة التحرير في عام (1380هـ = 1960م)، وقادها الشهيد حامد إدريس عواتي الذي أعلن الثورة المسلحة للحصول على الاستقلال التام في (ربيع أول 1382هـ= سبتمبر 1961م)، واتسع نطاق الثورة وغطت معظم مساحات إريتريا، وأصبحت حربا قومية في كافة الأقاليم؛ فأصدر الإمبراطور هيلاسلاسي قرارًا في (15 من جمادي الأولى 1382 هـ= 14 من نوفمبر 1962م) ألغى بموجبه الاتحاد الفيدرالي، وأعلن ضم إريتريا إلى إثيوبيا نهائيا، وجعلها الولاية الرابعة عشرة لإثيوبيا.

    فشلت إثيوبيا في القضاء على الثورة الإريترية المسلحة، فاتجهت إلى الشعب ومارست معه العنف حتى يبتعد عن مساندة الثوار، فازداد الشعب التصاقا بالثورة التي أصبحت تتمتع بالتأييد الشعبي المطلق، وساعدها على الاستمرار ضعف الوجود العسكري الإثيوبي في إريتريا، وطبيعة التضاريس التي تساعد على حرب العصابات وتعوق تقدم الجيوش النظامية، وانضم إلى الثورة كثير من رجال الجيش والشرطة من الإريتريين.

    انشقاقات وانشقاقات


    كانت المشكلة التي تواجه الثورة الإريترية تكمن في تناحر قياداتها، والتوجهات اليسارية التي تسللت إلى الثورة بعد سنوات قليلة من تأسيس جبهة التحرير، فكان اليساريون والماركسيون وراء كل انشقاق وكل شرخ يحدث في صف الوطنيين؛ فالجبهة الشعبية لتحرير إريتريا تشكلت عام (1389هـ= 1969م) بعد انشقاقها على الجبهة الأم، وكان من زعمائها أسياس أفورقي وكانت توجهاته ماركسية.

    وتوسعت هذه الجبهة الشعبية لتصبح أهم منظمة تحريرية في البلاد، ثم انشق أفورقي عن القيادة العامة، وشارك في تأسيس "قوات التحرير الشعبية"، وحدثت حرب أهلية بين هؤلاء الثوار انتهت عام (1394هـ= 1974م) وبعد عام عقد مؤتمر الخرطوم بين هذه الفصائل المتناحرة، لكن هذه الاتفاقية لم تصمد طويلا، بل كانت سببا في انشقاقات أخرى، وأعلن أفورقي وأنصاره من المقاتلين رفضه للوحدة الفوقية التي تمت في اتفاق الخرطوم.

    وفي (صفر 1397هـ= يناير 1977م) انشق أفورقي عن قوات التحرير الشعبية، وأعلن تشكيل "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا"، وعكس هذا الانشقاق الجديد انقساما ثقافيا؛ فأفورقي ذو توجهات يسارية مع كونه من أبناء الطائفة النصرانية، واستطاعت هذه الجبهة تصفية الانشقاقات الأخرى، وانفردت بالساحة في إريتريا.

    انقلاب إثيوبيا.. مراهنات خاسرة

    وفي عام (1394 هـ= 1974م) تغير نظام الحكم في إثيوبيا بعد المجاعة، وتولى عسكريون ماركسيون بزعامة "مانجستو هيلاماريام" مقاليد السلطة، وراهنت الجبهة الشعبية على تحقيق تفاهم ما مع النظام الجديد نظرا للتقارب الفكري بينهما، وتمت لقاءات بين الجانبين تحت رعاية الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، لكنها لم تتوصل إلى شيء واستمرت مقاومة الاستعمار الإثيوبي.

    وسجلت تقارير حقوق الإنسان في تلك الفترة من نظام مانجستو أنه يمارس حرب إبادة ضد مسلمي إريتريا، ويعمل على تغيير هويتهم نحو الشيوعية باتباعه سياسة الأرض المحروقة وتسميم الآبار ومصادرة المواشي والقضاء على أية إمكانات للبقاء على الأرض؛ فقام الإريتريون بتوحيد جهودهم وصفوفهم عام (1399هـ= 1979م)، وخاضوا حرب تحرير مريرة لتحقيق الاستقلال حققت خلالها انتصارات كبيرة وأرهقت نُظُم مانجستو.

    التحرير بعد 30 عامًا

    وتحالفت الجبهة الشعبية بزعامة أفروقي مع المعارضين الإثيوبيين بزعامة ميلس زيناوي تحت رعاية الإدارة الأمريكية في مؤتمر عقد بلندن نسق له وليام كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، وذلك لإسقاط نظام مانجستو، وانتهى المؤتمر باتفاق رعته واشنطن يقضي باعتراف إثيوبيا بحق تقرير المصير للشعب الإريتري على أن يختار بين الوحدة والانفصال، مقابل أن يلتزم أفورقي بدعم زيناوي في سعيه للتغلب على مناوئيه السياسيين وتولي السلطة، وأن تسمح إريتريا عندئذ باستخدام إثيوبيا ميناء عصب وكذا مصوع للأغراض التجارية.

    ونجح الطرفان في إسقاط مانجستو، وتولى زيناوي حكم إثيوبيا، وأعلن استقلال إريتريا في (1 من ذي القعدة 1411هـ= 25 من مايو 1991م)، وتشكلت حكومة مؤقتة أجرت استفتاء عاما على الاستقلال تحت إشراف الجامعة العربية والأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية، وجاءت نتيجته 99% للاستقلال؛ فأصبحت إريتريا دولة مستقلة ذات سيادة في (1 من ذي الحجة 1413هـ= 23 من مايو 1993م)، ثم انتخب أسياس أفورقي رئيسا للبلاد.

    منقول
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

    تعليق

    • عبدالغفور الخطيب
      عضو متميز

      • Nov 2004
      • 2698

      #47
      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

      البيروني.. عالم حتى النفَس الأخير

      (في ذكرى مولده: 2 من ذي الحجة 362هـ)




      كان البيروني عالمًا فذا، متعدد الجوانب، غزير الإنتاج، عظيم الموهبة عميق الفكر، فهو مؤرخ محقق وجغرافي مدقق، وفلكي نابه، ورياضي أصيل، وفيزيائي راسخ، ومترجم متمكن، بلغ من إعجاب الأوروبيين به أن قال عنه المستشرق سخاو: "إن البيروني أكبر عقلية في التاريخ"، ويصفه آخر بقوله: "من المستحيل أن يكتمل أي بحث في التاريخ أو الجغرافيا دون الإشادة بأعمال هذا العالم المبدع".

      وبلغ من تقدير الهيئات العلمية لجهود البيروني أن أصدرت أكاديمية العلوم السوفيتية في سنة (1370هـ= 1950م) مجلدًا تذكاريًا عنه بمناسبة مرور ألف سنة على مولده، وكذلك فعلت الهند. وأنشأت جمهورية أوزبكستان جامعة باسم البيروني في طشقند؛ تقديرًا لمآثره العلمية، وأقيم له في المتحف الجيولوجي بجامعة موسكو تمثال يخلد ذكراه، باعتباره أحد عمالقة علماء الجيولوجيا في العالم على مر العصور، وأطلق اسمه على بعض معالم القمر.

      استقبال الحياة

      استقبلت إحدى قرى مدينة "كاث" عاصمة خوارزم مولودًا ميمونًا هو أبو الريحان محمد بن أحمد الخوارزمي المعروف بالبيروني في (2 من ذي الحجة 362هـ= 4 من سبتمبر 973م)، والبيرون كلمة فارسية الأصل تعني "ظاهر" أو خارج. ويفسر السمعاني في كتابه "الأنساب" سبب تسمية أبي الريحان بهذه النسبة بقوله: "ومن المحتمل أن تكون عائلة أبي الريحان من المشتغلين بالتجارة خارج المدينة، حيث بعض التجار كانوا يعيشون خارج أسوار المدينة للتخلص من مكوس دخول البضائع إلى داخل مدينة كاث".

      ولا تُعرف تفاصيل كثيرة عن حياة البيروني في طفولته، وإن كان لا يختلف في نشأته عن كثير من أطفال المسلمين، حيث يُدفعون إلى من يعلمهم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ودراسة شيء من الفقه والحديث وهو ما تستقيم به حياتهم. ويبدو أنه مال منذ وقت مبكر إلى دراسة الرياضيات والفلك والجغرافيا، وشغف بتعلم اللغات، فكان يتقن الفارسية والعربية، والسريانية، واليونانية، وتلقى العلم على يد أبي نصر منصور بن علي بن عراق، أحد أمراء أسرة بني عراق الحاكمة لخوارزم، وكان عالمًا مشهورًا في الرياضيات والفلك.

      في طلب العلم

      أجبرت الاضطرابات والقلاقل التي نشبت في خوارزم البيروني على مغادرتها إلى "الري" سنة (384هـ= 994م)، وفي أثناء إقامته بها التقى بالعالم الفلكي "الخوجندي" المتوفى سنة (390هـ= 1000م) وأجرى معه بعض الأرصاد والبحوث، ثم عاد إلى بلاده وواصل عمله في إجراء الأرصاد، ثم لم يلبث أن شد الرحال إلى "جُرجان" سنة (388هـ= 998م) والتحق ببلاط السلطان قابوس بن وشمكير، الملقب بشمس المعالي، وكان محبًّا للعلم، يحفل بلاطه بجهابذة العلم وأساطين المعرفة، وتزخر مكتبته بنفائس الكتب، وهناك التقى مع "ابن سينا" وناظَرَه، واتصل بالطبيب الفلكي المشهور أبي سهل عيسي بن يحيى المسيحي، وتتلمذ على يديه، وشاركه في بحوثه.

      وفي أثناء إقامته بكنف السلطان قابوس بن وشمكير أنجز أول مؤلفاته الكبرى "الآثار الباقية من القرون الخالية"، وهو كتاب في التاريخ العام يتناول التواريخ والتقويم التي كانت تستخدمها العرب قبل الإسلام واليهود والروم والهنود، ويبين تواريخ الملوك من عهد آدم حتى وقته، وفيه جداول تفصيلية للأشهر الفارسية والعبرية والرومية والهندية، ويبين كيفية استخراج التواريخ بعضها من بعض.

      وظل البيروني في جرجان محل تقدير وإجلال حتى أطاحت ثورة غاشمة ببلاط السلطان قابوس سنة (400 هـ= 1009م) فرجع إلى وطنه بعد غياب، واستقر في مدينة "جرجانية" التي أصبحت عاصمة للدولة الخوارزمية، والتحق بمجلس العلوم الذي أقامه أمير خوارزم مأمون بن مأمون. وكان يزامله في هذا المجمع العلمي الرئيس ابن سينا، والمؤرخ والفيلسوف ابن مسكويه.

      عرف أمير خوارزم قدر البيروني فأحله منزلة عالية، واتخذه مستشارًا له، وأسكنه معه في قصره، وظل في معيته سبع سنوات، واصَلَ في أثنائها بحوثه في الفلك حتى استولى السلطان محمود الغزنوني على خوارزم وضمها إلى مُلكه، فانتقل إلى بلاطه، ورحل معه إلى بلاده سنة (407هـ= 1016م).

      في بلاط الغزنويين

      عاش البيروني في "غزنة" (كابول الآن) مشتغلا بالفلك وغيره من العلوم، ورافق السلطان محمود الغزنوي في فتوحاته الظافرة في بلاد الهند، وقد هيأ له ذلك أن يحيط بعلوم الهند، حيث عكف على دراسة لغتها، واختلط مع علمائها، ووقف على ما عندهم من العلم والمعرفة، واطلع على كتبهم في العلوم والرياضيات، ودرس جغرافية الهند من سهول ووديان وجبال وغيرها، إضافة إلى عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها المختلفة، ودوّن ذلك كله في كتابه الكبير "تحقيق لما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".

      وبعد تولي السلطان مسعود بن محمود الغزنوي الحكم خلفًا لأبيه سنة (421هـ= 1030م)، قرب إليه البيروني، وألحقه بمعيته، وأحاطه بما يستحق من مكانة وتقدير، حتى إنه عندما كتب موسوعته النفيسة في علم الفلك أطلق عليها "القانون المسعودي في الحياة والنجوم" وأهداها إلى السلطان مسعود الذي أحسن مكافأته، فبعث إليه بحمل فيلٍ من القطع الفضية، غير أن البيروني اعتذر عن قبول الهدية؛ لأنه يعمل دون انتظار أجر أو مكافأة، وظل البيروني بعد رجوعه من الهند مقيمًا في غزنة منقطعًا إلى البحث والدرس حتى توفاه الله.

      القانون المسعودي


      ويعد كتاب القانون المسعودي أهم مؤلفات البيروني في علم الفلك والجغرافيا والهندسة، وهو يحتوي على إحدى عشرة مقالة، كل منها مقسم إلى أبواب. وفي المقالة الرابعة من الكتاب جمع النتائج التي توصَّل إليها علماء الفلك في الهند واليونان والمعاصرون له، ولم يطمئن هو إلى تلك النتائج لاختلافها فيما بينها؛ ولذلك قرر أن يقوم بأرصاده الخاصة بنفسه، ولم يكتف بمرة واحدة بل أربع مرات على فترات متباعدة، بدأها وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين، حيث قرر أن يصنع آلته الخاصة ليرصد بها أعماله الفلكية، وليضع حدا لحيرته من تضارب نتائج علماء الفلك، وقام بتعيين الجهات الأصلية وتحديد الأوقات، ومعرفة فصول السنة، ورصد حركة أوج الشمس، وهو أبعد المواقع السنوية بين الشمس والأرض، وقام بقياس طول السنة على وجه دقيق، ودرس كسوف الشمس وخسوف القمر والفرق بينهما، وفسر أسباب ظهور الفجر قبل شروق الشمس باستنامة الغلاف الجوي، وبالمثل شفق ما بعد الغروب وأوقاتهما، وشرح الأسباب التي تمنع رؤية الهلال حتى مع وجوده في الأفق، وأوضح بالطريق الهندسي الحدود النسبية بين القمر والشمس، والتي عليها تعتمد ظروف رؤية الهلال ما لم تتدخل العوامل الجوية، وأوضح الفرق بين النجوم (الكواكب الثابتة) والكواكب السيارة، وابتكر البيروني الإسطرلاب الأسطواني الذي لم يقتصر على رصد الكواكب والنجوم فقط، بل استُخدم أيضًا في تحديد أبعاد الأجسام البعيدة عن سطح الأرض وارتفاعها. كما اخترع جهازًا خاصًا يبين أوقات الصلاة بكل دقة وإتقان.

      إسهاماته الحضارية الأخرى

      وتجاوزت بحوث البيروني مجال الفلك إلى مجالات أخرى تشمل الفيزياء والجيولوجيا والتعدين والصيدلة والرياضيات والتاريخ والحضارة.

      وتشمل جهوده في الفيزياء بعض الأبحاث في الضوء، وهو يشارك الحسن بن الهيثم في القوال: بأن شعاع النور يأتي من الجسم المرئي إلى العين لا العكس، كما كان معتقدًا من قبل. وورد في بعض مؤلفاته شروح وتطبيقات لبعض الظواهر التي تتعلق بضغط السوائل وتوازنها. وشرح صعود مياه الفوارات والعيون إلى أعلى، وتجمع مياه الآبار بالرشح من الجوانب، حيث يكون مأخذها من المياه القريبة إليها.

      وفي مجال التعدين ابتكر البيروني جهازا مخروطيًا لقياس الوزن النوعي للفلزات والأحجار الكريمة، وهو يعد أقدم مقياس لكثافة المعادن، وقد نجح في التوصل إلى الوزن النوعي لثمانية عشر مركبًا.

      وفي مجال علم الأرض وضع نظرية لاستخدام امتداد محيط الأرض، وقد أوردها في آخر كتابه "الإسطرلاب". واستعمل معادلة معروفة عند العلماء بقاعدة البيروني لحساب نصف قطر الأرض، وتضمنت بحوثه ومؤلفاته في هذا الميدان نظريات وآراء حول قدم الأرض وعمرها وما اعتراها من ثورات وبراكين وزلازل وعوامل تعرية. وله نظريات حول تكوين القشرة الأرضية، وما طرأ على اليابسة والماء من تطورات خلال الأزمنة الجيولوجية. وله بحوث في حقيقة الحفريات، وكان يرى أنها لكائنات حية عاشت في العصور القديمة. وما توصل إليه في هذا الصدد أقره علماء الجيولوجيا في عصرنا الحالي.

      ويقر "سميث" في كتابه "تاريخ الرياضيات" بأن البيروني كان ألمع علماء عصره في الرياضيات، وهو من الذين بحثوا في تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، وكان ملمًا بحساب المثلثات، وكتبه فيها تدل على أنه عرف قانون تناسب الجيوب، وقد عمل جداول رياضية للجيب والظل.

      وفي علم الصيدلة ألف كتابه "الصيدنة في الطب"، وهو يُعد ذخيرةً علمية ومرجعًا وافيًا في مجال الصيدلة، وهو ينقسم إلى قسمين:

      أولهما: هو ديباجة في فن الصيدلة والعلاج مع تعريفات وإيضاحات تاريخية مفيدة. وتمثل المقدمة إضافة عظيمة للصيدلة، وتناول في هذا القسم المسئوليات والخطوات التي يجب على الصيدلي أن يلتزم بها.

      ثانيهما: للمادة الطبية، فأورد كثيرًا من العقاقير مرتبة حسب حروف المعجم، مع ذكر أسمائها المعروفة بها في اللغات المختلفة، وطبائعها ومواطنها وتخزينها وتأثيراتها وقواها العلاجية وجرعاتها.

      وتفوق البيروني في مجال الجغرافيا الفلكية، وله فيها بحوث قيمة وهو يعد من مؤسسي ذلك العلم، ونبغ أيضًا في الجغرافيا الرياضية، وبخاصة تحديد خطوط الطول والعرض ومسافات البلدان، وله فيها عشرة مؤلفات، وجاءت أبحاثه في الجغرافيا الطبيعية على نسق رفيع ومستوى عال من الفهم. وله في فن رسم الخرائط مبتكرات كثيرة، فقام بعمل خريطة مستديرة للعالم في كتابه "التفهيم لأوائل صناعة التنجيم" لبيان موضع البحار، وله أبحاث كثيرة في كيفية نقل صورة الأرض الكروية إلى الورق المسطح، ومن كتبه في هذا الميدان: "تسطيح الصور وتبطيح الكور"، "تحديد المعمورة وتصحيحها في الصورة".

      وكان البيروني لا يستبعد نظريًّا احتمال أن يكون النصف الغربي من الكرة الأرضية معمورًا قبل اكتشاف الأمريكتين، وعند وصفه لتضاريس الأرض ومسالك البحار والمحيطات تكلم للمرة الأولى على أنه ليس ما يمنع من اتصال المحيط الهندي بالمحيط الأطلنطي جنوبي القارة الأفريقية على عكس ما كان شائعًا في ذلك الوقت.

      كتبه ومؤلفاته

      ولم يكُفَّ هذا العالم لحظة عن البحث والدرس، وأثمرت هذه الحياة العلمية الجادة عما يزيد عن مائة وعشرين مؤلفًا، نقل بعضها إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية، وأخذ عنها الغربيون، واستفادوا منها، ومن هذه المؤلفات غير ما ذكرنا:

      - الرسائل المتفرقة في الهيئة، وهي تحتوي على إحدى عشرة رسالة في علوم مختلفة، وقد طبعتها دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة (1367هـ= 1948م).

      - الجماهر في معرفة الجواهر، وهو من أهم مؤلفات البيروني في علوم المعادن، وطبع في حيدر آباد الدكن بالهند (1355هـ=1936م).

      - استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها، وطبع أيضًا بالهند.

      - جوامع الموجود لخواطر الهنود في حساب التنجيم.

      -تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، وطبع محققًا بعناية المستشرق الروسي بولجاكوف، ونشره معهد المخطوطات العربية سنة 1962م.

      -في تهذيب الأقوال في تصحيح العرض والأطوال.

      وإلى جانب التأليف نقل البيروني اثنين وعشرين كتابًا من تراث الهند العلمي إلى اللغة العربية، وترجم بعض المؤلفات الرياضية من التراث اليوناني مثل كتاب أصول إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

      أيامه الأخيرة

      وظل البيروني حتى آخر حياته شغوفًا بالعلم مقبلا عليه، متفانيًا في طلبه. ويروي المؤرخ الكبير ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء ما يغني عن الكلام في مدى تعلق البيروني بمسائل العلم حتى الرمق الأخير، فيقول على لسان القاضي علي بن عيسي، قال: "دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه قد حَشْرَج نفسُه، وضاق به صدره، فقال لي وهو في تلك الحال: كيف قلت لي يومًا حساب المجدَّات الفاسدة (من مسائل المواريث) فقلت له إشفاقًا عليه: أفي هذه الحالة! قال لي: يا هذا أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرًا من أن أخلّيها وأنا جاهل لها؛ فأعدت ذلك عليه، وحفظه… وخرجت من عنده وأنا في الطريق سمعت الصراخ…"، وكان ذلك في غزنة في (3 من رجب 440هـ= 12 من ديسمبر 1048م).

      منقول
      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

      تعليق

      • عبدالغفور الخطيب
        عضو متميز

        • Nov 2004
        • 2698

        #48
        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

        أبو جعفر المنصور.. الحاكم الجاد

        (في ذكرى وفاته: 6 من ذي الحجة 158هـ)




        يعد أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية التي ظلت خمسة قرون زينة الدنيا، ومركز الحضارة، وموئل الثقافة، وعاصمة العالم. نهض إلى الخلافة بعد أن أصقلته التجارب وأنضجته المحن، وخَبِر الناس وعاشرهم ووقف على دواخلهم وخلائقهم، وما إن أمسك بزمام الأمور حتى نجح في التغلب على مواجهة صعاب وعقبات توهن عزائم الرجال وتضعف ثبات الأبطال، وتبعث اليأس والقنوط في النفوس. وكانت مصلحة الدولة شغله الشاغل، فأحكمت خطوه وأحسنت تدبيره، وفجرت في نفسه طاقات هائلة من التحدي، فأقام دولته باليقظة الدائمة والمثابرة الدائبة والسياسة الحكيمة.

        مولده ونشأته

        في قرية "الحميمة" التي تقع جنوب الشام ولد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس سنة (95هـ = 714م)، ونشأ بين كبار رجال بني هاشم الذين كانوا يسكنون الحميمة، فشب فصيحا عالما بالسير والأخبار، ملما بالشعر والنثر. وكان أبوه محمد بن علي هو الذي نظّم الدعوة العباسية، وخرج بها إلى حيز الوجود، واستعان في تحركه بالسرية والكتمان، والدقة في اختيار الرجال والأنصار والأماكن التي يتحرك فيها الدعاة، حيث اختار الحميمة والكوفة وخراسان.

        وحين نجحت الدعوة العباسية وأطاحت بالدولة الأموية؛ تولى أبو العباس السفّاح الخلافة سنة (132هـ = 749) واستعان بأخيه جعفر في محاربة أعدائه والقضاء على خصومه وتصريف شئون الدولة، وكان عند حسن ظنه قدرة وكفاءة فيما تولى، حتى إذا مرض أوصى له بالخلافة من بعده، فوليها في (ذي الحجة 136هـ = يونيو 754م) وهو في الحادية والأربعين من عمره.

        الفترة الأولى من خلافته

        لم تكن الدولة العباسية حين تولى أمرها الخليفة أبو جعفر المنصور ثابتة الأركان مستقرة الأوضاع، بل كانت حديثة عهد، يتربص بها أعداؤها، ويتطلع رجالها إلى المناصب الكبرى، وينتظرون نصيبهم من الغنائم والمكاسب، ويتنازع القائمون عليها من البيت العباسي على منصب الخلافة. وكان على الخليفة الجديد أن يتصدى لهذه المشكلات التي تكاد تفتك بوحدة الدولة، وتلقي بها في مهب الريح.

        وكان أول ما واجهه أبو جعفر المنصور ثورة عارمة حمل لواءها عمه عبد الله بن علي الذي رأى أنه أحق بالخلافة من ابن أخيه؛ فرفض مبايعته، وأعلن التمرد والعصيان، وزعم أن "أبو العباس السفاح" أوصى بالأمر له من بعده، واستظهر بالجيش الذي كان يقوده في بلاد الشام.

        لجأ الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إلى المدينة واتباع الطرق السلمية في علاج الموقف، فبعث إلى عمه رسائل عدة تدعوه إلى الطاعة وترك العصيان، لكنه أعرض عن دعوته وركب رأسه وأعماه الغرور، فلم يجد المنصور بدًا من الاستعانة بالسيف، وأرسل له قائده "أبو مسلم الخراساني" على رأس جيش كبير، فتمكن بعد عدة معارك من هزيمة عم الخليفة المتمرد هزيمة ساحقة في (جمادى الآخرة 137هـ = نوفمبر 754م)، فاضطر إلى الفرار والاختباء عند أخيه سليمان بن علي والي البصرة، ولما علم الخليفة أبو جعفر المنصور بخبره احتال له حتى قبض عليه، وألقى به في السجن حتى توفي.

        وما كاد يلتقط الخليفة العباسي أنفاسه حتى أعد العدة للتخلص من أبي مسلم الخراساني، صاحب اليد الطولى في نجاح قيام الدولة العباسية، وكان الخليفة يخشاه ويخشى ما تحت يده من عدد وعتاد في خراسان، ولم يكن الرجلان على وفاق منذ قيام الدولة. وكان أبو مسلم الخراساني يتيه بما صنعه للدولة. وتحين أبو جعفر المنصور الفرصة للتخلص من غريمه، ولجأ إلى الحيلة والدهاء حتى نجح في حمل أبي مسلم على القدوم إليه بعيدًا عن أنصاره وأعوانه في (شعبان 137هـ = فبراير 755م)، وبعد جلسة حساب عاصفة لقي القائد الكبير مصرعه بين يدي الخليفة.

        وبعد مقتل أبي مسلم الخراساني اشتعلت ضد الخليفة العباسي عدة ثورات فارسية للثأر لمقتله، غير أن الخليفة اليقظ نجح في قمع هذه الفتن والقضاء عليها.

        ثورة محمد النفس الزكية

        غير أن أخطر ما واجه المنصور هو ثورة العلويين بقيادة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية، وأخيه إبراهيم، وكانا يعدان العدة للخروج على أبي جعفر المنصور، وينتظران الفرصة للانقضاض عليه، واختفيا عن أنظار الخليفة يبثان رجالهما وينشران الدعوة إليهما.

        وكان محمد النفس الزكية يرى نفسه أحق بالخلافة من أبي جعفر المنصور، فامتنع عن بيعته، كما امتنع من قبل عن بيعة أبي العباس السفاح، فلما ولي أبو جعفر المنصور رأى في بقاء محمد وأخيه خطرًا يهدد دولته، وأيقن أنهما لن يكفا عن الدعوة إلى أحقية البيت العلوي بالخلافة، وأقلق اختفاؤهما الخليفة اليقظ؛ فبذل ما في وسعه لمعرفة مكانهما فلم ينجح في الوصول إليهما، وعجز ولاة المدينة عن تتبع أخبارهما، فاستعان بوالٍ جديد للمدينة غليظ القلب للوصول إلى مكان محمد النفس الزكية، فلجأ إلى القبض على عبد الله بن الحسن والد الزعيمين المختفيين وهدده وتوعده، وقبض أيضا على نفر من آل البيت، وبعث بهم مكبلين بالأغلال إلى الكوفة فشدد عليهم الخليفة وغالى في التنكيل بهم، فاضطر محمد النفس الزكية إلى الظهور بعد أن مكث دهرا يدعو لنفسه سرا، واعترف الناس بإمامته في مكة والمدينة، وتلقّب بأمير المؤمنين، وكان الناس يميلون إليه لخلقه وزهده وحلمه وبعده عن الظلم وسفك الدماء حتى أطلقوا عليه النفس الزكية. وحين نجحت حيلة المنصور في إجبار محمد النفس الزكية على الظهور بعد القبض على آل بيته، بعث إليه بجيش كبير يقوده عمه عيسى بن موسى فتمكن من هزيمة محمد النفس الزكية وقتله بالمدينة المنورة في (14 من رمضان 145هـ = 6 من ديسمبر 762م).

        ثم تمكن من هزيمة الجيش العلوي الثاني الذي كان يقوده إبراهيم أخو محمد النفس الزكية، الذي تغلب على البصرة والأهواز وفارس، ونجح في القضاء عليه بعد صعوبة بالغة في (25 من ذي القعدة 145هـ = 14 من يناير 763م) في معركة حاسمة وقعت في "باخمرى" بين الكوفة وواسط، وبذلك زال خطر هائل كان يهدد سلامة الدولة الناشئة.

        وقد أثبتت هذه الأحداث المتلاحقة والثورات العارمة، ما يمتلكه الخليفة أبو جعفر المنصور من براعة سياسية وخبرة حربية، وقدرة على حشد الرجال، وثبات في المحن، ودهاء وحيلة في الإيقاع بالخصوم، وبذلك تمكن من التغلب على المشكلات التي واجهته منذ أن تولى الحكم.

        المنصور وبناء بغداد

        رغب الخليفة أبو جعفر المنصور في بناء عاصمة جديدة لدولته بعيدة عن المدن التي يكثر فيها الخروج على الخلافة كالكوفة والبصرة، وتتمتع باعتدال المناخ وحسن الموقع، فاختار "بغداد" على شاطئ دجلة، ووضع بيده أول حجر في بنائها سنة (145هـ = 762م) واستخدم عددا من كبار المهندسين للإشراف على بنائها، وجلب إليها أعدادا هائلة من البنائين والصناع، فعملوا بجد وهمة حتى فرغوا منها في عام (149هـ = 766م) وانتقل إليها الخليفة وحاشيته ومعه دواوين الدولة، وأصبحت منذ ذلك الحين عاصمة الدولة العباسية، وأطلق عليها مدينة السلام؛ تيمنا بدار السلام وهو اسم من أسماء الجنة، أو نسبة إلى نهر دجلة الذي يسمى نهر السلام. ولم يكتف المنصور بتأسيس المدينة على الضفة الغربية لدجلة، بل عمل على توسيعها سنة (151هـ = 768م) بإقامة مدينة أخرى على الجانب الشرقي سماها الرصافة، جعلها مقرا لابنه وولي عهده "المهدي" وشيد لها سورا وخندقا ومسجدا وقصرا، ثم لم تلبث أن عمرت الرصافة واتسعت وزاد إقبال الناس على سكناها.

        بيت الحكمة

        ومن الأعمال الجليلة التي تُذكر للمنصور عنايته بنشر العلوم المختلفة، ورعايته للعلماء من المسلمين وغيرهم، وقيامه بإنشاء "بيت الحكمة" في قصر الخلافة ببغداد، وإشرافه عليه بنفسه، ليكون مركزا للترجمة إلى اللغة العربية. وقد أرسل أبو جعفر إلى إمبراطور الروم يطلب منه بعض كتب اليونان فبعث إليه بكتب في الطب والهندسة والحساب والفلك، فقام نفر من المترجمين بنقلها إلى العربية.

        وقد بلغ نشاط بيت الحكمة ذروته في عهد الخليفة المأمون الذي أولاه عناية فائقة، ووهبه كثيرا من ماله ووقته، وكان يشرف على بيت الحكمة قيّم يدير شئونه، ويُختار من بين العلماء المتمكنين من اللغات. وضم بيت الحكمة إلى جانب المترجمين النسّاخين والخازنين الذين يتولون تخزين الكتب، والمجلدين وغيرهم من العاملين. وظل بيت الحكمة قائما حتى داهم المغول بغداد سنة (656هـ = 1258م).

        شخصية المنصور

        كان الخليفة أبو جعفر المنصور رجل عمل وجد، لم يتخذ من منصبه وسيلة للعيشة المرفهة والانغماس في اللهو والاستمتاع بمباهج السلطة والنفوذ، يستغرق وقته النظر في شئون الدولة، ويستأثر بمعظم وقته أعباء الحكم.

        وكان يعرف قيمة المال وحرمته، فكان حريصا على إنفاقه فيما ينفع الناس؛ ولذلك عني بالقليل منه كما عني بالكثير، ولم يتوان عن محاسبة عماله على المبلغ الزهيد، ولا يتردد في أن يرسل إليهم التوجيهات والتوصيات التي من شأنها أن تزيد في دخول الدولة، وكان يمقت أي لون من ألوان تضييع المال دون فائدة، حتى اتهمه المؤرخون بالبخل والحرص، ولم يكن كذلك فالمال العام له حرمته ويجب إنفاقه في مصارفه المستحقة؛ ولذلك لم يكن يغض الطرف عن عماله إذا شك في أماناتهم من الناحية المالية بوجه خاص لأنه كان يرى أن المحافظة على أموال الدولة الواجب الأول للحاكم.

        وشغل أبو جعفر وقته بمتابعة عماله على المدن والولايات، وكان يدقق في اختيارهم ويسند إليهم المهام، وينتدب للخراج والشرطة والقضاء من يراه أهلا للقيام بها، وكان ولاة البريد في الآفاق يكتبون إلى المنصور بما يحدث في الولايات من أحداث، حتى أسعار الغلال كانوا يطلعونه عليها وكذلك أحكام القضاء. وقد مكنه هذا الأسلوب من أن يكون على بينة مما يحدث في ولايات دولته، وأن يحاسب ولاته إذا بدر منهم أي تقصير.

        ولم يكن المنصور قوي الرغبة في توسيع رقعة دولته ومد حدوده؛ لأنه كان يؤثر توطيد أركان الدولة والمحافظة عليها وحمايتها من العدوان والقلاقل والثورات الداخلية، لكنه اضطر إلى الدخول في منازعات وحروب مع الدولة البيزنطية حين بدأت بالعدوان وأغارت على بلاده، وقد توالت حملاته على البيزنطيين بعد أن استقرت أحوال دولته سنة (149هـ = 766م) حتى طلب إمبراطور الروم الصلح فأجابه المنصور إليه، لأنه لم يكن يقصد بغزو الدولة البيزنطية الغزو والتوسع بقدر إشعارهم بقوته حتى يكفوا عن التعرض لدولته.

        وعلى الرغم من الشدة الظاهرة في معاملة المنصور، وميله إلى التخلص من خصومه بأي وسيلة، فقد كان يقبل على لقاء العلماء الزاهدين ويرحب بهم ويفتح صدره لتقبل نقدهم ولو كان شديدا. وتمتلئ كتب التاريخ والأدب بلقاءاته مع سفيان الثوري وعمرو بن عبيد وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم. ويؤخذ عليه شططه في معاملة الإمامين الكبيرين: أبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس؛ لاعتقاده أنهما يتفقان مع خصومه من آل البيت العلوي.

        دامت خلافة أبي جعفر المنصور اثنين وعشرين عاما، نجح خلالها في تثبيت الدولة العباسية ووضع أساسها الراسخ الذي تمكن من الصمود خمسة قرون حتى سقطت أمام هجمات المغول. وبعد حياة مليئة بجلائل الأعمال توفي الخليفة العباسي في (6 من ذي الحجة 158هـ = 7 من أكتوبر 755م) وهو محرم بالحج والعمرة، ودُفن في مقبرة المعلاة (بئر ميمون) في أعلى مكة المكرمة.

        منقول
        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

        تعليق

        • عبدالغفور الخطيب
          عضو متميز

          • Nov 2004
          • 2698

          #49
          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

          معركة فخ.. ميلاد الأدارسة

          (في ذكرى نشوبها: 8 من ذي الحجة 169هـ)



          لم تنقطع ثورات آل البيت منذ أن استشهد الحسين بن علي في معركة كربلاء، في العاشر من المحرم سنة 61هـ، وكانت نتيجة هذه المعركة مأساة أدمَتْ قلوب المسلمين حزنًا على الحسين، ريحانة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وبعد أكثر من نصف قرن من مقتل الحسين أعلن حفيده زيد بن علي بن الحسين الثورة على الخليفة الأموي سنة 121هـ، وتكررت المأساة نفسها؛ فلم يكن معه من القوة والرجال ما يضمن له النجاح والظفر، لكنه انخدع ببيعة أهل الكوفة، حتى إذا جدّ الجدَّ وظهرت معادن الرجال انفضوا عنه وتركوه يلقى مصيره المحتوم أمام يوسف بن عمر الثقفي والي الكوفة الذي نجح في القضاء على تلك الثورة، وقتل مفجرها زيد بن علي.

          ولم تنقطع ثورات العلويين بعد تولي أبناء عمومتهم العباسيين الخلافة، وإعلانهم أنهم أحق بها منهم، وقابل العباسيون ثورات أبناء العمومة بكل شدة وقسوة، ونجح أبو جعفر المنصور في القضاء على ثورة "محمد النفس الزكية"، الذي كان معروفًا بالتقوى والفضل وفي مقدمة سادات بني هاشم خلقًا وعلمًا وورعًا، وانتهت ثورته باستشهاده سنة (145هـ = 762م)، ولم تكن ثورة أخيه إبراهيم أفضل حالاً من ثورته، فلقي مصرعه في السنة نفسها، واطمأن أبو جعفر المنصور على سلطانه، واستتب له الأمر.

          معركة فخ بالقرب من مكة

          وبعد فشل هاتين الثورتين قامت حركات لبعض العلويين في اليمن وخراسان، لكنها لم تلقَ نجاحًا، وأصابها مثل ما أصاب ما قبلها من ثورات، وعاش من بقي من آل البيت العلوي في هدوء، وربما استخفوا حتى يتمكنوا من إعداد العدة للخروج وهم مكتملو القوة والعدد، وظلت الأمور على هذا النحو من التربص والانتظار حتى حدث نزاع صغير بين والي المدينة المنورة وبعض رجال من آل البيت أساء التعامل معهم، وأهانهم وأغلظ القول لهم، فحرك ذلك مكامن الثورة في نفوسهم، وأشعل الحمية في قلوبهم، فثار العلويون في المدينة بقيادة الحسين بن علي بن الحسن، وانتقلت الثورة إلى مكة بعد أن أعلن الحسين البيعة لنفسه، وأقبل الناس عليه يبايعونه.

          ولما انتهى خبر هذه الثورة إلى الخليفة العباسي موسى الهادي، أرسل جيشًا على وجه السرعة للقضاء على الثورة، قبل أن يمتد لهيبها إلى مناطق أخرى؛ فيعجز عن إيقافها، فتحرك الجيش العباسي إلى مكة، والتقى بالثائرين في (8 من ذي الحجة 169هـ = 11 من يونيو 786م) في معركة عند مكان يسمى "فخ" يبعد عن مكة بثلاثة أميال، وانتهت المعركة بهزيمة جيش الحسين، ومقتله هو وجماعة من أصحابه.

          نجاة إدريس بن عبد الله


          وكان ممن نجا من قادة الثائرين في هذه المعركة "إدريس بن عبد الله بن الحسن"، واتجه إلى مصر ومعه خادمه راشد، وكان شجاعًا عاقلاً وفيًا لسيده، وظل أمرهما مجهولاً حتى بلغا مصر مستخفيْن في موكب الحجيج، ولم يكن اختفاؤهما أمرًا سهلاً؛ فعيون الخلافة العباسية تتبعهما وتقتفي أثرهما، ولم تكن لتهدأ وتطمئن قبل أن تعثر على إدريس بن عبد الله حيًا أو ميتًا، لكنهما نجحا في التحرك والتخفي؛ لا لمهارتهما في ذلك، ولكن لحب الناس آل البيت، وتقديم يد العون والمساعدة لهما.

          ومن مصر خرج إدريس وخادمه "راشد" إلى بلاد المغرب، ويقال: إن هذا الخادم كان بربريَّ الأصل، وساعدهما على الخروج من مصر عامل البريد بها؛ فقد كان متشيعًا لآل البيت، فلما علم بوجودهما في مصر قدم إليهما في الموضع الذي يستخفيان به، وحملهما على البريد المتجه إلى المغرب. وتذهب روايات تاريخية إلى أن الذي أعان إدريس على الفرار من مصر هو "علي بن سليمان الهاشمي" والي مصر، وأيًا ما كان الأمر فإن إدريس لقي دعمًا ومساعدة لتمكينه من الخروج من مصر، سواءً كان ذلك بعون من والي مصر أو من عامل البريد.

          رحلة شاقة

          وبعد أن وصل إدريس بن عبد الله إلى برقة تخفى في زي خشن، يظهر فيه بمظهر غلام يخدم سيده "راشد"، ثم سلكا طريقًا بعيدًا عن طريق إفريقية إمعانًا في التخفِّي، وخوفًا من أن يلتقي بهما أحد من عيون الدولة العباسية التي اشتدت في طلبهما، حتى وصلا إلى تلمسان سنة (170هـ = 786م)، وأقاما بها عدة أيام طلبًا للراحة، ثم استأنفا سيرهما نحو الغرب، فعبرا "وادي ملوية"، ودخلا بلاد السوس الأدنى، حيث أقاما بعض الوقت في "طنجة" التي كانت يومئذ أعظم مدن المغرب الأقصى، ثم واصلا سيرهما إلى مدينة "وليلى"، وهي بالقرب من مدينة مكناس المغربية، واستقرا بها بعد رحلة شاقة استغرقت حوالي عامين.

          في وليلى

          وبعد أن استقر إدريس في وليلى (قصر فرعون حاليًا) اتصل بإسحاق بن محمد بن عبد الحميد زعيم قبيلة "أوربة" البربرية، صاحبة النفوذ والسيطرة في "وليلى"، فلما اطمأن إليه إدريس عرفه بنسبه، وأعلمه بسبب فراره من موطنه؛ نجاة بنفسه من بطش العباسيين، وقد رحب إسحاق بضيفه الكبير، وأنزله معه داره، وتولى خدمته والقيام بشأنه شهورًا عديدة، حتى إذا حل شهر رمضان من السنة نفسها جمع إسحاق بن محمد إخوته وزعماء قبيلة أوربة، وعرفهم بنسب إدريس وبفضله وقرابته من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكرمه وأخلاقه وعلمه؛ فرحبوا جميعًا به، وأعربوا عن تقديرهم له، وبايعوه بالخلافة في (14 من رمضان 172هـ = 15 من فبراير 788م)، وبعد ذلك خلع "إسحاق بن عبد الحميد" طاعة بني العباس حيث كان من ولاتهم، وتنازل لإدريس عن الحكم.

          وتبع ذلك دعوة لإدريس بين القبائل المحيطة، فدخلت في دعوته قبائل: زناتة، وزواغة، وزوارة، ولماية، وسراته، وغياشة، ومكناسة، وغمارة، وباعيته على السمع والطاعة، واعترفت بسلطانه، وقصده الناس من كل مكان.

          استقرت الأمور لإدريس بن عبد الله، ورسخت أقدامه بانضمام كل هذه القبائل إلى دعوته، ودانت له معظم قبائل البربر، وبدأ يطمح في مدّ نفوذه وسلطانه إلى القبائل التي تعترف بحكمه، ونشر الإسلام بين القبائل التي لا تزال على المجوسية أو اليهودية أو المسيحية، فأعد جيشًا كبيرًا زحف به نحو مدينة "شالة" قبالة مدينة الرباط، ففتحها، ثم تحول في كل بلاد "تامسنا" فأخضعها، وأتبع ذلك بإخضاع إقليم "تاولا"، وفتح حصونه وقلاعه، وأدخل كثير من أهل هذه البلاد الإسلام، ثم عاد إلى "وليلى" للراحة والاستجمام في (آخر ذي الحجة 172هـ = مايو 789م)، ثم عاود حملته الظافرة عازمًا على دعوة من بقي من قبائل البربر إلى الإسلام، ونجح في إخضاع قبائل: قندلاوة ومديونة وبهلولة وغيرها من القبائل البربرية التي كانت متحصنة بالجبال والحصون المنيعة، ثم رجع إلى وليلى في (15 من جمادى الآخرة 173هـ = 10 من أكتوبر 789م).

          فتح تلمسان.. وبناء مسجدها

          أقام إدريس بن عبد الله شهرًا في وليلى، ثم عاود الفتح، واتجه ناحية الشرق هذه المرة، عازمًا على توسيع ملكه في المغرب الأوسط على حساب الدولة العباسية، فخرج في منتصف رجب 173هـ = نوفمبر 789م متجهًا نحو تلمسان، وفي أثناء زحفه استولى على مدينة "سبتة"، ولم يكد يصل إلى "تلمسان" حتى خرج إليه صاحبها "محمد بن خرز"، وأعلن خضوعه له دون قتال، وبايع إدريس بن عبد الله، وتبعته قبائل: مغراوة وبني يفرده.

          ولما دخل الإمام إدريس تلمسان أقام بها مسجدًا للمدينة جامعًا، وصنع منبرًا جميلاً كان يحمل نقشًا يحدد تاريخ إنشائه، ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما أمر به إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وذلك في شهر صفر 174هـ، وهذا يعني أن إدريس أقام في تلمسان حتى هذا التاريخ، ثم كرَّ راجعًا إلى عاصمة ملكه.

          نهاية الإمام إدريس


          ولم تكد تصل هذه الفتوحات إلى عاصمة الخلافة العباسية حتى فزع الخليفة هارون الرشيد، وشعر بالقلق والذعر من النجاح الذي يحققه إدريس بن عبد الله، الذي نجح فيما فشل فيه غيره من أبناء البيت العلوي؛ فلأول مرة ينجحون في إقامة دولة لهم بعد إخفاقات عديدة ومآسٍ دامية، ثم اشتد خوف الخليفة العباسي حين جاءته الأخبار بعزم إدريس بن عبد الله على غزو أفريقية (تونس)، ففكر في إرسال جيش لمحاربة هذا العلوي المظفر، وبينما الرشيد على هذه الحال من القلق والاضطراب تدخلت الأقدار، وأراحته مما كان يفكر فيه، فتوفي إدريس بن عبد الله في (سنة 177هـ = 793م) على أرجح الروايات، بعد أن نجح في تحدي الصعوبات، وأقام دولة عُرفت باسمه "دولة الأدارسة" بعيدًا عن وطنه بين قبائل متطاحنة تعتز بعنصريتها، وتتخذ من قوتها وسيلة لفرض سيطرتها على من حولها، وهذه تُحسب له، وتجعله واحدًا من كبار رجال التاريخ. ويضاف إليه أن المغرب مدين له في نشر الإسلام في أماكن لم يكن قد وصل إليها من قبل.


          منقول
          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

          تعليق

          • عبدالغفور الخطيب
            عضو متميز

            • Nov 2004
            • 2698

            #50
            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

            معركة تولوز.. أمل لم يتحقق

            (في ذكرى نشوبها: 9 من ذي الحجة 103هـ)




            توفي سليمان بن عبد الملك في (العاشر من صفر سنة 99هـ = 22 من سبتمبر 717م) وخلفه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فبدأت بلاد الأندلس في خلافته عهدا جديدا؛ حيث جعلها تابعة له مباشرة، شأنها في ذلك شأن بعض الولايات الإسلامية الأخرى، وكانت الأندلس من قبل تابعة لولاية إفريقية، واختار لها واحدا من الرجال الصالحين الأكْفاء القادرين على النهوض بمسئولياتهم في إيمان ونزاهة. وكان الخليفة العادل حريصا على ذلك أيما حرص؛ فكانت أمور المسلمين شغله الشاغل.

            وكان ذلك الوالي الكفء الذي اختاره الخليفة لولاية الأندلس هو "السمح بن مالك الخولاني"، تخيّره الخليفة لأمانته وكفاءته وإخلاصه. وتذكر الروايات التاريخية أن من عادة خلفاء بني أمية أنهم كانوا لا يدخلون خزائن بيت المال شيئا مما يرسله ولاتهم من أموال الخراج إلا إذا شهد 10 من عُدُول الجند في الولاية بأن هذا المال هو المستصفى الحلال لبيت المال، بعد دفع أعطيات الجند والإنفاق على مصالح الولاية وشئونها؛ فلما أقبلت أموال ولاية إفريقية في أحد أعوام خلافة سليمان، كان يصحبها 10 من العدول الذين اختارهم الوالي، وكان فيهم إسماعيل بن عبيد الله، والسمح بن مالك، فلما طلب الخليفة شهادتهم حلف 8 بصحة هذا المال، ورفض الرجلان أن يحلفا على ذلك. وكان عمر بن عبد العزيز حاضرا هذه الجلسة، فأعجب بنزاهة الرجلين وشجاعتهما، فلما ولي الخلافة استعان بهما في إدارة ولايات دولته.

            ولاية السمح بن مالك

            ولم يقدم الخليفة عمر بن عبد العزيز على النظر في شئون المغرب والأندلس إلا بعد مضي أكثر من عام من خلافته؛ فقد شغلته أمور الدولة الأخرى عن متابعة ما يجري في الأندلس، وكان يفكّر في إرجاع المسلمين من الأندلس وإخلائهم منها؛ فكان يخشى تغلّب العدو عليهم لانقطاعهم من وراء البحر عن المسلمين.

            غير أن هذه الفكرة تبددت لديه، وعزم على إصلاح أمور الأندلس حديثة العهد بالإسلام، فاختار لولايتها السمح بن مالك، وأمره أن يحمل الناس على طريق الحق، ولا بعدل بهم عن منهج الرفق، وطلب منه أن يكتب له بصفة الأندلس، وأنهارها وبحرها، فلما استقر السمح هناك كتب إليه يعرفه بقوة الإسلام وكثرة مدائنهم، وشرف معاقلهم؛ فلما استوثق الخليفة عمر من أهمية الأندلس، وثبات أقدام المسلمين فيها أولاها من عانيته ما هي جديرة به. ولم يكد السمح بن مالك يتولى أمر الأندلس حتى ظهر أثر كفايته وصلاحه في البلاد، فانتظمت أمورها، ونعم الناس بالأمن والسلام، وتحسنت موارد الدولة، واجتمع له من المال مبلغ كبير منه، استغله في إصلاح مرافق الولاية.

            وحدث أن قنطرة "قرطبة" الرومانية التي كانت مقامة على نهر الوادي الكبير للاتصال بنواحي جنوبي الأندلس قد تهدمت، واستعان الناس بالسفن للعبور، وكان في ذلك مشقة عليهم، وأصبح المسلمون في حاجة إلى بناء قنطرة متينة يستطيعون العبور عليها من الجنوب إلى قرطبة عاصمتهم الجديدة، ووجد السمح بن مالك أن خير ما ينفق فيه هذا المال هو بناء تلك القنطرة، فكتب إلى الخليفة عمر في دمشق يستأذنه في بناء القنطرة فأذن له، فقام السمح ببنائها على أتم وأعظم ما يكون البناء. وكان لهذه القنطرة أهميتها في تاريخ الأندلس السياسي والفكري، فربطت بين قرطبة بجنوبي الأندلس وشمالي أفريقيا، وكانت من الجمال والبهاء بحيث أصبحت متنزه أهل قرطبة ومدار خيال شعراء الأندلس.

            الاتجاه إلى الفتح

            وبعد أن اطمأن السمح بن مالك إلى أحوال أمور الأندلس، ووثق الخليفة عمر باستقرار المسلمين بها، بدأ السمح يفكر في معاودة الفتح، ورد المتربصين بولايته من أمراء ما وراء جبال ألبرت، فأعد العدة لذلك، وجهز جيوشه لهذه المهمة.

            واخترقت جيوش السمح جبال ألبرت من الشرق، وسيطر على عدد من القواعد هناك، واستولى على "سبتمانيا" في جنوبي فرنسا، وأقام بها حكومة إسلامية، ووزع الأراضي بين الفاتحين والسكان، وفرض الجزية على النصارى، وترك لهم حرية الاحتكام إلى شرائعهم، ثم زحف نحو الغرب ليغزو "أكوتين".

            وكانت مملكة الفرنج حينما عبر المسلمون إلى غاليا –فرنسا- تفتك بها الخلافات والحروب بين أمرائها، غير أن الأمير "أدو" دوق أكوتين كان أقوى أمراء الفرنج في غاليا وأشدهم بأسا، نجح في غمرة الاضطراب الذي ساد المملكة أن يستقل بأكوتين، ويبسط نفوذه وسلطانه على جميع أنحائها في الجنوب من اللوار إلى البرنية.

            فلما زحف السمح بن مالك إلى الغرب ليغزو أكوتين قاومه البشكنس -سكان هذه المناطق- أشد مقاومة، لكنه نجح في تمزيق صفوفهم، وقصد إلى تولوشة تولوز. وفي أثناء سيره جاءت الأخبار بأن الدوق "أدو" أمير أكوتين جمع جيشا كبيرا لرد المسلمين، وإخراجهم من فرنسا، فآثر السمح بن مالك ملاقاة عدوه على كثرة عددهم عن مهاجمة تولوشة، والتقى الفريقان بالقرب منها، ونشبت بينهما معركة هائلة في 9 من ذي الحجة 102هـ = 9 من يونيو 721م، سالت فيها الدماء غزيرة، وكثر القتل بين الفريقين، وأبدى المسلمون رغم قلتهم شجاعة خارقة وبسالة وصبرًا، وتأرجح النصر بين الفريقين دون أن يحسم لصالح أحد من الفريقين، حتى سقط "السمح" شهيدًا من على جواده، فاختلت صفوف المسلمين، ووقع الاضطراب في الجيش كله، وعجز قادة الجيش أن يعيدوا النظام إلى الصفوف، وارتد المسلمون إلى "سبتمانيا" بعد أن فقدوا زهرة جندهم، وسقط عدد من كبار قادتهم.

            العودة إلى الأندلس

            وعلى إثر استشهاد السمح بن مالك اختار الجيش أحد زعمائه "عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي"، فبذل جهدًا خارقًا ومهارة فائقة في جمع شتات الجيش، والتقهقر به إلى الأندلس، وأقام نفسه واليًا على الأندلس عدة أشهر قليلة حتى يأتي الوالي الجديد، وفي هذه المدة القليلة نجح عبد الرحمن الغافقي في ضبط أمور الولاية، والقضاء على الفتن التي ظهرت في الولايات الجبلية الشمالية.

            ثم تولى عنبسة بن سحيم الكلبي أمر الأندلس في (صفر 103هـ = أغسطس 722م)، وكان من طراز السمح بن مالك كفاءة وقدرة وورعًا وصلاحًا، له شغف بالجهاد وحرص على نشر الإسلام وتوسيع دولته، وما إن استقرت الأمور في الأندلس بعد اضطراب واختلال حتى عاود الفتح، وخرج على رأس جيشه من قرطبة، وسار نحو سبتمانيا التي فقد المسلمون كثيرًا من قواعدها، وتابع زحفه شمالاً في وادي الرون، ولم تقف هذه الجملة الظافرة إلا قرب بلدة "سانس" على بعد ثلاثين كيلومترًا جنوبي باريس، وخشي "أدو" دوق أكوتين أن يهاجمه المسلمون مرة أخرى، فسعى إلى مفاوضتهم ومهادنتهم، وبذلك بسط المسلمون نفوذهم في شرق جنوبي فرنسا.

            ولما لم يكن في نية عنبسة الاستقرار في تلك المناطق، فقد عاد إلى بلاده بعد أن أعاد نفوذ المسلمين في مملكة غالة، قاطعًا نحو ألف ميل شمالي قرطبة، وفي طريق العودة داهمته جموع من الفرنجة، فالتحم معها في معركة أصيب أثناءها بجراح بالغة توفي على إثرها في (شعبان 107هـ = ديسمبر 725م)، بعد أن انفرد بين الفاتحين المسلمين بفخر الوصول برايات الإسلام إلى قلب أوروبا الغربية، ولم يدرك هذا الشأو بعد ذلك فاتح مسلم آخر.

            وقد تكررت محاولات المسلمين لفتح مملكة غالة والاستقرار بها ثم التوسع في قلب أوروبا لنشر الإسلام بها، لكنها لم تلقَ نجاحًا، وكانت آخر تلك المحاولات ما قام به القائد العظيم عبد الرحمن الغافقي، لكن استشهاده في معركة بلاط الشهداء (رمضان 114هـ = أكتوبر 732م) قضى على أحلام المسلمين في الفتح والتوسع.


            منقول
            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

            تعليق

            • عبدالغفور الخطيب
              عضو متميز

              • Nov 2004
              • 2698

              #51
              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

              جمعية العلماء الجزائريين.. تحرير وتنوير

              (في ذكرى تأسيسها: 16 من ذي الحجة 1350هـ)



              احتفلت فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر سنة (1349هـ= 1930م)، ودعيت الدنيا كلها لحضور هذا الاحتفال، وكانت احتفالات صاخبة أنفق الفرنسيون عليها ما يربو على 80 مليونا من الفرنكات، وعمدوا في هذه المناسبة إلى استعراض جيوشهم على النحو الذي دخلت فيه جيوش الكونت "دي بورمونت" مدينة الجزائر من حيث اللباس والزينة، والعدة والعتاد، والموسيقى والأناشيد.

              وكانت هذه الاحتفالات التي استمرت 6 أشهر تمثل روح الاستعلاء للمحتل الفرنسي، وتعبر عن خلق العجب والخيلاء بما فعل؛ فهو لا يقيم وزنًا لأهل البلد المغتَصب، ولا يعتد بما بقي في أنفسهم من العزة والكرامة، وكأنما أقام هذه الاحتفالات ليصلي صلاة الجنازة على الإسلام والعربية في الجزائر، بعد أن اطمأن إلى نجاح سياسته عبر قرن من الزمان في طمس هوية الجزائر وهدم عقيدتها وإماتة روح الجهاد فيها، ولم يكن يدري هذا المحتل الغاصب أنه أوقد بما فعل في النفوس مكامن العزة والكرامة، وأثار في القلوب الكرامة والحمية، وشحذ همة جمع من علماء الإسلام وغيرتهم على دينهم ووطنهم، فتنادوا إلى إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر وتوقظ النائمين والغافلين، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم، هو: "الإسلام ديننا.. والعربية لغتنا.. والجزائر وطننا".

              بواكير الإصلاح

              عشية الحرب العالمية الأولى غادر الجزائر جماعة من العلماء الشبان إلى تونس والمغرب والحجاز ومصر والشام؛ بغية الحصول على الثقافة العربية والإسلامية حيث معاهد العلم الكبرى، بعد أن جفت منابع العلم الأصيلة في الجزائر بفعل المحتل الفرنسي الغاصب، وقد شملت موجة المهاجرين الشبان: عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، والطيب العقبي، وقد تأثرت هذه المجموعة بالأفكار الإصلاحية التي قادها محمد عبده ومحمد رشيد رضا، وبعد عودتهم إلى الجزائر عملوا على نشر الوعي وإيقاظ النائمين، عبر الصحافة والمدارس وعقد الندوات وإلقاء المحاضرات، وكانت تراودهم فكرة إنشاء منظمة تجمع صفوفهم وتوحد جهودهم، وتكون منبرًا لأفكارهم الإصلاحية، وجاءت احتفالات فرنسا المستفزة في الجزائر لتحيل آمالهم إلى واقع ملموس.

              إنشاء الجمعية

              ونتيجة جهود عبد الحميد بن باديس تكونت الجمعية وظهرت للوجود في (16 من ذي الحجة 1350هـ= 5 من مايو 1931م) وتشكّل مجلس إدارتها من 13 عضوًا من علماء الجزائر، واختير من بينهم ابن باديس لرئاسة الجمعية والبشير الإبراهيمي نائبًا له.

              ولخص رئيس الجمعية مبادئها في العروبة والإسلام والعلم والفضيلة، وقال: إن هذه المبادئ هي أركان جمعية العلماء التي تحفظ على الجزائريين جنسيتهم وقوميتهم.

              وحددت الجمعية الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها وتشمل: "تطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإيقاد شعلة الحماسة في القلوب بعد أن بذل الاحتلال جهده في إطفائها حتى تنهار مقاومة الجزائريين، وإحياء الثقافة العربية ونشرها بعد أن عمل المستعمر على وأدها، والعمل من أجل حصول الجزائر على استقلالها وضمها إلى الأسرة العربية، والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية، ومقاومة سياسة الاحتلال الرامية إلى القضاء عليها".

              وسائل نضال الجمعية

              اعتمدت الجمعية في نشر أهدافها ومبادئها على وسائل متعددة، شملت المسجد والمدرسة والنادي والصحافة، فالمسجد كان للوعظ والإرشاد بطريقة جديدة تعين على فهم الدين ودوره في الحياة، والمدرسة كانت لتربية النشء الجديد وتخريج أجيال جديدة متسلحة بالثقافة العربية الإسلامية، والنادي كان للتوعية والتوجيه الوطني بالخطب والمحاضرات والمسرحيات والأناشيد والصحافة لنشر المبادئ والأهداف والدعوة إلى اليقظة والدفاع عن الجمعية ضد خصومها. بالإضافة إلى وسائل أخرى كانت تُستخدم حسب المناسبة، مثل الاحتجاج والمقابلات وإرسال الوفود، والرحلات، والمشاركة في التجمعات العامة.

              وقامت الجمعية بمشروعاتها الإصلاحية معتمدة على اشتراكات أعضائها، بالإضافة إلى اكتتاب الأمة الجزائرية في المشروعات التي تخطط وتدعو لها، مثل مشروع معهد عبد الحميد بن باديس، حيث اكتتبت الأمة لشراء دار للمعهد في قسنطينة، وبهذه الطريقة تمكنت الجمعية من تدبير مواردها المالية التي تلزم لتنفيذ أفكارها الخاصة التي تهدف إلى المحافظة على صبغة الجزائر العربية الإسلامية. وتقاسم رؤساء الجمعية وزعماؤها العمل، فتكفل ابن باديس بقسنطينة، فكان يقوم هو ومعاونوه بنشر العلم وإرشاد المسلمين إلى مبادئ دينهم الصحيحة ومحاربة البدع والخرافات والآفات الاجتماعية عن طريق الوعظ والإرشاد التي كانت تقوم بها المراكز الدينية التابعة للجمعية. وكان ابن باديس يقوم أيضًا بالإشراف على تكوين الجمعيات المحلية التي تقوم بإنشاء المدارس، وجمع الأموال اللازمة للإنفاق عليها وإمدادها بالكتب والوعاظ.

              وتولى البشير الإبراهيمي الإشراف على نشاط الجمعية في غرب الجزائر متخذًا من تلمسان مركزًا لعمله وجهوده. وتولى الطيب العقبي المهمة نفسها في الجزائر، وكان هناك تنسيق بين القادة الثلاثة وأعضاء الجمعية وفروعها وأنصارها في مختلف أنحاء الجزائر.

              جهود الجمعية في التعليم

              تمكنت الجمعية في السنوات التسع الأولى التي أعقبت نشأتها من تأسيس عدد من المدارس والمساجد والنوادي في أهم المدن والقرى الجزائرية التي وصلت إليها دعوتها. وامتد نشاط الجمعية إلى فرنسا حيث تقيم هناك جالية جزائرية كبيرة، تحتاج إلى عناية الجمعية واتخاذ الوسائل التي تعينها على فهم دينها وعدم الانسلاخ من عروبتها وإسلامها، وكان يقوم على هذا النشاط في فرنسا عالم نابه هو "الفضيل الورتلاني" من الشخصيات البارزة في جمعية العلماء، وكان يجيد الفرنسية واللهجات القبلية، وتمثلت جهود الفضيل ومن معه من العلماء في إلقاء المحاضرات التوجيهية ودروس الوعظ والإرشاد، وتعليم أبناء العمال الجزائريين مبادئ اللغة العربية والدين الإسلامي وتاريخ الإسلام والجزائر.

              وقد تنبهت فرنسا إلى خطر ما تقوم به جمعية العلماء على سياستها في الجزائر، وخشيت من انتشار الوعي الإسلام، فعطلت المدارس، وزجت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر في عام (1352هـ = 1933م) تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرّم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد. ولكي يضمن تنفيذ هذه الأوامر عيَّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى الذي يشرف على الشئون الإسلامية بالجزائر.

              وفي فترة الحرب العالمية الثانية ضعف نشاط الجمعية بسبب خضوع البلاد للأحكام العرفية ووفاة مؤسسها ورئيسها عبد الحميد بن باديس، ونُفي خلفه في رئاسة الجمعية "البشير الإبراهيمي" إلى "آفلو" بصحراء وهران، فكان يقود نشاط الجمعية في المنفى من خلال الرسائل التي يتبادلها مع رفاقه من زعماء الجمعية.

              وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عاد النشاط وافرًا للجمعية فقامت بجهود واسعة في نشر رسالتها التعليمية من خلال مدارسها ومساجدها، تدعمها تبرعات الشعب الجزائري ووقوفه خلفها، حتى بلغ عدد المدارس التي أقامتها الجمعية في سنة (1368هـ = 1948م) نحو 140 مدرسة غطت معظم مدن الجزائر وقراها.

              ثم تطلعت الجمعية إلى إنشاء مدارس ثانوية بعد أن كانت ترسل أبناءها لدراسة المرحلة الثانوية في تونس، فأنشأت معهد ابن باديس الثانوي سنة (1367هـ = 1947م)، وجعلت منه نواة لإنشاء 3 معاهد أخرى متى تهيأت الظروف في قسنطينة الجزائر، وتلمسان، وقد نجح هذا المعهد في جذب الطلاب، حتى بلغ عددهم في سنة (1375هـ = 1955م) 913 طالبًا، وبلغ عدد المعلمين 275 معلمًا، راعت الجمعية في اختيارهم الكفاءة وحسن الخلق، ثم تشددت في انتقائها لهم واشترطت حصول المعلمين الجدد على المؤهلات العلمية مثل شهادة التحصيل من جامع الزيتونة، وخصصت لهم 4 درجات على أساسها تصرف مرتباتهم.

              ولم تتوقف جهود الجمعية على المرحلتين الابتدائية والثانوية بل قامت بإرسال بعثات تعليمية إلى المعاهد والجامعات العربية، فأرسلت 18 طالبًا، وطالبة واحدة إلى مصر والعراق وسوريا وغيرها، حتى بلغ عدد بعثاتها في سنة (1375هـ = 1955م) إلى (109) طلاب، ثم تزايد هذا العدد إلى بضع مئات بعد نجاح الثورة الجزائرية.

              آثار جهود الجمعية

              وقد أدت جهود الجمعية التعليمية إلى تكوين أجيال جزائرية تؤمن بعروبتها وإسلاميتها وتحافظ على هويتها وانتمائها إلى عالمها العربي والإسلامي، بعد أن قام المستعمر الفرنسي منذ أن وضع يده على الجزائر بالقضاء على منابع الثقافة الإسلامية وإغلاق المدارس التي كانت تضم آلاف الطلاب، ووضع قيود على فتح المدارس الجديدة وقصرها على حفظ القرآن فقط، مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن وبخاصة الآيات التي تدعو إلى الجهاد ومقاومة الظلم والعدوان، وعدم دراسة تاريخ الجزائر والأدب العربي.

              وإلى جانب نجاح الجمعية في تعبئة الشعب الجزائري دينيًا وقوميًا كان لها الفضل في وضع فكرة الوطن الجزائري، وهو ما أقلق حكومة الاحتلال الفرنسي، وجعلها تقوم بوضع علماء الجمعية تحت المراقبة.

              وكان لجهود الجمعية أثرها في صبغ جبهة التحرير الجزائرية بالصبغة الإسلامية؛ نتيجة لاستعانتها بكثير من علماء الجمعية في جلب التأييد للثورة الجزائرية على الصعيدين العربي والإسلامي، حتى نجحت في الحصول على الاستقلال.


              منقول
              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

              تعليق

              • عبدالغفور الخطيب
                عضو متميز

                • Nov 2004
                • 2698

                #52
                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                سوهارتو.. لا تستهينوا بالشعوب!

                (في ذكرى توليته: 21 ذي الحجة 1387هـ)



                تعتبر إندونيسيا عاملاً هامًا في الاستقرار في منطقة جنوب شرق آسيا نظرًا لموقعها الإستراتيجي ومساحتها الشاسعة التي تزيد على عشرة ملايين كيلو متر مربع، وعدد سكانها الكبير الذي يتجاوز 210 ملايين نسمة غالبيتهم من المسلمين، وامتدادها على 17 ألف جزيرة منها 6 آلاف جزيرة مأهولة بالسكان، يُضاف إلى ذلك تاريخها الذي شهد فترات طويلة من الصراع ضد الاستعمار الهولندي الذي استمر قرنًا ونصفا، ثم صراع الشيوعيين والجيش أثناء حكم الرئيس أحمد سوكارنو الذي انتهى بتنازل سوكارنو عن الحكم وصعود وزير الدفاع سوهارتو ليتولى رئاسة البلاد، لتبدأ مرحلة جديدة في الحكم استمرت اثنين وثلاثين عامًا حتى عصفت به الأزمة الاقتصادية وأجبرته الإضرابات على تقديم استقالته واتهامه بتكوين ثروة ضخمة قدرت بثمانين مليار دولار، وتزايد المطالبات بضرورة تقديمه إلى المحاكمة العسكرية.

                إندونيسيا

                إندونيسيا كلمة مركبة من كلمتين: الأولى "إندو" بمعنى "الهند" والأخرى "نيسيا" بمعنى "جزر" ومعناها: جزر الهند، وهي من البلاد الغنية إذ تزيد مساحتها عن مساحة أوروبا، ويعتنق (94%) من سكانها الإسلام، واللغة الرسمية هي: باهاسا الإندونيسية التي كانت تكتب بالحرف العربي، والذي استبدلت هولندا به الحرف اللاتيني سنة (1346هـ = 1927م) ويوجد بها 583 لهجة محلية، وتمتلك ثروة معدنية كبيرة، فتنتج خمس الإنتاج العالمي من القصدير، ومثله من البوكسيت بالإضافة إلى المعادن المختلفة، كما أنها غنية بالبترول والغاز الطبيعي.

                ووصل الإسلام إليها مبكرًا عن طريق التجار المسلمين والعرب الذين استقروا في سواحلها وأقاموا المراكز التجارية، ثم قامت بعض الممالك الإسلامية هناك في بداية القرن السابع الهجري مثل مملكة "برلاك" في سومطرة و"آتشه" التي كانت أولى الممالك القديمة التي انتشر فيها الإسلام.

                وفي الوقت الذي بدأ المسلمون يثبتون أقدامهم في إندونيسيا، كان الاستعمار الأوروبي يزحف إليها أثناء حركة الكشوف الجغرافية؛ فاحتل البرتغاليون "مالقا" سنة (917هـ = 1511م) واتخذوها قاعدة لشن هجماتهم على باقي الجزر الإندونيسية، فقامت الثورات ضد البرتغاليين واستعان الإندونيسيون في جهادهم ضد البرتغال وإسبانيا بهولندا، فوصل الأسطول الهولندي إلى "سومطرة" و"جاوة" سنة (1005هـ = 1596م) وقاتلوا البرتغاليين، وما إن خرجت البرتغال، حتى بدأت هولندا بتشديد قبضتها على الجزر، وأسست شركة الهند الشرقية الهولندية سنة (1011هـ = 1602م) التي قامت باحتكار موارد الدولة، وإجبار السكان على زراعة محاصيل معينة، ثم تحول الامتياز من الشركة إلى الحكومة الهولندية سنة (1214هـ = 1799م) فوقعت إندونيسيا في قبضة الاحتلال الهولندي الذي استمر قرنًا ونصفا، فرضت فيه اللغة الهولندية، وبدأت المعارك بين الهولنديين والممالك الإسلامية، وتعددت ثورات المسلمين ضد هذا الاستعمار.

                وظلت تعرف باسم جزر الهند الشرقية، واستمرت هولندا في سياستها الاستعمارية ونهب الثروات، وكان شعار الهولنديين لمواجهة ثورات المسلمين "التدمير وقوة الانتقام هي مكونات القصة المتكررة في حروبنا"، واتجه السكان إلى تنظيم صفوفهم وتشكيل الأحزاب والجمعيات المختلفة، وعملت هولندا من جانبها على تشكيل أحزاب موالية لها، فاتحدت الأحزاب الإسلامية في تنظيم عرف باسم "المجلس الإسلامي الأعلى".

                الاحتلال الياباني

                وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وقعت إندونيسيا تحت سيطرة الاستعمار الياباني، وعمل اليابانيون على التقرب من الشعب الإندونيسي، فأحلوا اللغة الملايوية محل الهولندية، وغيَّروا اسم العاصمة من "بتافيا" إلى جاكرتا، ولكن سرعان ما تغيرت هذه السياسة واتبعت اليابان الأسلوب الاستعماري فحلت جميع الأحزاب السياسية، واستغلت موارد البلاد لصالحها، وبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية أعلن قيام حكومة إندونيسية برئاسة أحمد سوكارنو في [ رمضان 1364هـ= أغسطس 1945م ].



                وبعد انتهاء الحرب حاول الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا الاستيلاء على إندونيسيا وتسليمها لهولندا، ونزل جيش الحلفاء "جاكرتا" في [ ذي القعدة 1364هـ= أكتوبر 1945م] وعاد الجيش الهولندي مرة أخرى تحت مظلة وحماية البريطانيين وبدعوى حفظ الأمن والنظام، فعقد الإندونيسيون اجتماعًا في مدينة جاكرتا ضم أغلب الأحزاب، وتم الاتفاق على الانضواء تحت تنظيم إسلامي واحد سمي "مجلس شورى مسلمي إندونيسيا" وعرف باسم "حزب ماشومي" وسرعان ما اعتقلت هولندا الزعماء الإندونيسيين ومنهم "سوكارنو"، وبدأ ما يعرف بحرب العصابات، قام بها السكان ضد هولندا حتى اضطرت إلى الاعتراف بالحكومة الإندونيسية.

                وحدث انشقاق في حزب ماشومي، وأوكل "سوكارنو" رئيس الجمهورية رئاسة الحكومة إلى عامر شرف الدين، وهو شيوعي فثار الشعب، فأقيلت الحكومة، فثار الشيوعيون وأحدثوا العديد من القلاقل والاضطرابات، وقاموا بثورة ضد الحكومة، وأعلنوا قيام حكومة جديدة في [ذي القعدة 1367هـ= سبتمبر 1948م] وأعلنوا قيام "جمهورية إندونيسيا الشيوعية" وأصبح في البلاد حكومتان، فتعاون الجيش مع الشعب حتى تمكنوا من القضاء على الشيوعيين، وأجريت انتخابات في [1375هـ= 1995م] فاز فيها الحزب الوطني "الذي قام بتشكيل وزارة تميل للشيوعيين، فوقف حزب ماشومي معارضًا لها، في الوقت الذي كان فيه سوكارنو يميل إلى التعاون مع الدول الشيوعية، وهو ما أثار أزمة داخل مؤسسات الحكم.

                وحاول سوكارنو الحفاظ على توازن بين المجموعات المتنافسة سياسيًا خاصة الجيش والحزب الشيوعي مع تحيز واضح للحزب الشيوعي وتوجهاته، واتباع سياسة تعسفية في حكم البلاد، وهو ما أثار غضب الجيش والشعب. وعلى الصعيد الخارجي اتجه إلى توجيه انتقادات حادة للغرب، وأطلق صيحته المشهورة عام [1383هـ=1963م] التي وجهها إلى الولايات المتحدة والغرب قائلا: "اذهبوا للجحيم مع مساعداتكم".

                سوهارتو

                أفسح سوكارنو المجال للحزب الشيوعي ليعيد تنظيم نفسه مرة أخرى، فقام بثورة في [جمادى الآخرة 1385هـ= سبتمبر سنة 1965م] فتدخل الجيش للقضاء عليها وأراد سوكارنو إعادة الجيش إلى ثكناته مرة أخرى، وإعادة ضبط المعادلة والتوازن بين الجيش والسلطة السياسية في البلاد، غير أنه لم يستطع ذلك، وكانت تلك بداية تدخل الجيش في الشئون السياسية وصعود نجم سوهارتو وزير الدفاع الذي استطاع أن يتولى الحكم في [ 21 ذي الحجة 1387هـ= 22 مارس 1968م] بعد إجبار سوكارنو على التنازل عن السلطة.

                وسوهارتو وُلد في مدينة يوجياكارتا بجاوة عام [ 1340 هـ= 1921م] والتحق بجيش جزر الهند الهولندية وأصبح جنديًا محترفًا، وخلال فترة الاحتلال الياباني انضم إلى جيش الدفاع الوطني، ثم التحق بالقوات المسلحة الإندونيسية بعد الاستقلال، وقاد وحدة من القوات المسلحة الإندونيسية في الهجوم على الهولنديين في يوجياكارتا، وبعد جلاء الهولنديين رقي إلى رتبة لواء، ثم أصبح قائدًا للجيش الاحتياطي الإستراتيجي، وعندما قام الشيوعيون بمحاولتهم الانقلابية واغتالوا عددًا من قيادات الجيش حدث عنف مضاد للشيوعيين، ووقعت مذابح رهيبة راح ضحيتها نصف مليون شخص، واستدعى سوهارتو باعتباره قائد الجيش الإستراتيجي لسحق التمرد الشيوعي، فنجح في ذلك وأعاد الأمن والنظام إلى جاكرتا، وتولى منصب القائد المؤقت للجيش، ثم حصل على تفويض رسمي من سوكارنو لاستعادة الأمن والنظام، فكان من أوائل الإجراءات التي اتخذها حظر نشاط الحزب الشيوعي، واعتقال الشيوعيين.

                وفي عام [1386هـ= 1966م] قام بالتفاوض مع ماليزيا وأنهى صراع إندونيسيا معها، وتخلى عن علاقته الوثيقة بالصين والسوفيت واتجه نحو العرب للحصول على المساعدات، ثم تولى الحكم عام [1387هـ= 1968م] لمدة خمس سنوات وأعيد انتخابه بعد ذلك ست مرات، وبلغ مجموع سنوات رئاسته 32 سنة.

                وقام سوهارتو باحتلال تيمور الشرقية عام [1395هـ= 1975م] لتحقيق هدف سياسي يجتمع عليه أفراد الشعب الإندونيسي لتأييده، وسعى لتشكيل مناخ سياسي واقتصادي ذي سند عسكري يقطع كل صلة بينه وبين الماضي الممثل في "أحمد سوكارنو"، كما عمل على تطوير برنامج اقتصادي كبير شهدت خلاله إندونيسيا تقدمًا اقتصاديًا.

                الأزمة الاقتصادية وانتهاء السوهارتية

                شهدت منطقة جنوب آسيا نموًا اقتصاديًا كبيرًا، وظهرت مجموعة النمور الآسيوية التي استطاعت أن تحقق ازدهارًا اقتصاديًّا كبيرًا، وكانت إندونيسيا إحدى هذه النمور، وحققت نجاحًا كبيرًا جعلها تقترب من قائمة الدول الصناعية الكبرى، إلا أن هذه الدول الآسيوية شهدت أزمة اقتصادية حادة بدأت عام [1417هـ= 1996م] عندما تعرض الاقتصاد التايلاندي لهزة عنيفة وصدمات خارجية وداخلية كشفت عن ضعف هيكله المالي، وانتقلت الأزمة منه إلى بقية الدول الأسيوية ومنها إندونيسيا التي انخفضت عملتها "الروبية" بنسبة كبيرة زادت عن 30% فأدى ذلك إلى إصابة الاقتصاد الإندونيسي بمشاكل وأزمات كبيرة انتقلت إلى احتقانات في الشارع وغضب جماهيري، واختلطت مطالب الحريات بشدة الأزمة الاقتصادية.

                وأرجع بعض السياسيين الإندونيسيين أسباب هذه الأزمة التي هزت البلاد إلى أسلوب التنمية الذي اتسم بالسرعة أكثر من اللازم لم يتح معه الوقت الكافي لوضع ضوابط تتحكم في النشاط الاقتصادي، وأرجع آخرون أسباب هذه الأزمة إلى إسراف القطاع الخاص بالاقتراض والتوسع في مشروعات بطيئة الدوران اقتصاديًا وكذلك المضاربات العقارية، كما أن معدلات النمو المرتفعة أدت إلى ارتفاع المديونية الخارجية، وتدفق معها الاستثمار الأجنبي الذي أخفى معه العيوب الهيكلية في الاقتصاد ومنها انعدام الشفافية وانتشار الفساد، وانخفاض الصادرات، وعجز الميزان التجاري.

                وقد وجهت المؤسسات المالية عدة انتقادات إلى سوهارتو، وكانت إحدى نقاط الخلاف مع صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بضرورة الفصل بين المهام السياسية والأعمال الاقتصادية، كما أن سوهارتو كان يشارك أو يمتلك أكثر من ثمانين شركة عملاقة، ووجهت إليه اتهامات بالفساد، وقدرت ثروته بحوالي ثمانين مليار دولار.

                يضاف إلى هذه الأزمة الاقتصادية الانتقادات التي وجهت إلى نظام حكم سوهارتو الذي اتسم بضعف النظام الحزبي، وسيطرة حزب الحكومة "جولكار" على الحكم، بينما الأحزاب الأخرى هامشية أو غير مسموح لها بممارسة نشاطها في ظل القوانين التعسفية، كل هذه الأمور عمقت الغضب الشعبي، ولم يفلح التعديل الوزاري الذي أجراه سوهارتو واختياره "يوسف حبيبي" نائبًا له في تخفيف حدة الغضب الشعبي أو وقف تدهور الروبية الإندوسية، وزادت موجة التدمير والإضراب الشعبي مع ارتفاع الأسعار بنسبة 20% وما تولد معها من أزمة في المواد الغذائية، وارتفاع حجم البطالة إلى 15.4 مليون عاطل (17% من حجم القوة العاملة) ومهاجمة الجماهير الغاضبة للممتلكات والواحدات الاقتصادية التي يمتلكها الصينيون (يشكلون 5% من حجم السكان) فأدى ذلك إلى مغادرة بعض هؤلاء لإندونيسيا، واقتربت البلاد من حافة الانهيار السياسي والإفلاس الاقتصادي، فقدم الأمريكيون نصيحتهم إلى سوهارتو بأن يتنازل عن الحكم، فاستجاب لهذا المطلب، وقدم استقالته في (المحرم 1419هـ= 21 مايو 1998) بعدما تعهد قائد الجيش الإندونيسي الجنرال دبرانتو بالالتزام بحمايته، وبذلك انتهت المرحلة السوهارتية المتمثلة في شخص سوهارتو، وإن امتدت في خليفته يوسف حبيبي الذي عمل على تخفيف القيود عن الأحزاب السياسية والصحافة، وارتفع شعار التغيير السياسي الحقيقي، وارتفع عدد الأحزاب التي خاضت الانتخابات النيابية بعد سوهارتو إلى 48 حزبًا، وشهدت الانتخابات إقبالا جماهيريًا كبيرًا باستثناء إقليمي تيمور الشرقية وآتشيه المطالبين بالاستقلال عن إندونيسيا.

                الولايات المتحدة وإندونيسيا

                كان سوهارتو يتجاهل الاحتجاجات والمظاهرات الطلابية ويستبعد إجراء أي تغيير سياسي قبل عام (1424هـ= 2003م) حتى احتل الطلاب البرلمان وطالبوا سوهارتو بالاستقالة، عندها طلبت منه وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك "مادلين أولبرايت" التنحي حفاظًا على تراثه القيادي، فاستجاب للضغط الشعبي والمطلب الأمريكي وقدم استقالته وبعدها بفترة زارت أولبريت إندونيسيا وتحدثت بصراحة عن قضية الوحدة في الدولة الإندونيسية وموقف واشنطن منها، وذكرت أن بلادها حريصة على تماسك الدولة واستمرار وحدتها لعدة أسباب منها أن الولايات المتحدة تريد أن تظل إندونيسيا قوة متماسكة لكي توازن الدور الصيني في آسيا، وذكرت أن موقع إندونيسيا إستراتيجي وحيوي للأمن القومي الأمريكي؛ لأنها تحكم وتحرس جانبي بوابة العبور إلى آسيا، وهو دور يهدده أي انفراط في عقد الدولة، وذكرت ـ أيضًا ـ أن من مصلحة واشنطن التمسك بوحدة إندونيسيا؛ لأن الولايات المتحدة ضخت استثمارات مالية ضخمة إليها تقدر بـ 300 مليار دولار، وهي غير مستعدة لإهدارها، وطالبت من النظام الجديد الامتثال لشرطين أساسيين لضمان دعم واشنطن: الأول يتمثل في حل مشكلة إقليم تيمور الشرقية والاعتراف بحق الشعب في تقرير مصيره، أما الثاني فيتمثل في منح أقاليم الدولة (26 إقليمًا) حكمًا ذاتيًّا وتخصيصها بحصة أكبر من عائدات ثرواتها.

                وفعلا حصلت تيمور الشرقية على استقلالها بعد الاستفتاء على تقرير المصير، وتم إصدار قانون الحكم الذاتي الذي أعطى أقاليم الدولة صلاحيات واسعة، كما أعطاها حصة تتراوح بين 15% و 30% من مواردها الذاتية الخاصة بالنفط والغاز، و80% من عائدات الأسماك والغابات والمعادن، ولمَّا تم لواشنطن ما أرادت وفت بالتزاماتها ودعمت النظام الجديد برئاسة عبد الرحمن واحد.


                منقول
                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                تعليق

                • عبدالغفور الخطيب
                  عضو متميز

                  • Nov 2004
                  • 2698

                  #53
                  مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                  قطب الدين وصفحة من الحروب الصليبية

                  (في ذكرى وفاته: 22 من ذي الحجة 565هـ)



                  شعر ملوك "أوروبا" من النصارى بالقلق تجاه تزايد قوة "دولة السلاجقة" في المشرق الإسلامي، واتساع نفوذ السلاجقة وتهديدهم للإمبراطورية البيزنطية وأوروبا، خاصة بعد تلك الهزيمة الساحقة التي لحقت بالإمبراطور البيزنطي "رومانس الرابع" على يد السلطان السلجوقي "ألب أرسلان" في معركة "ملاذكرد" الشهيرة سنة [463هـ = 1071م].

                  وتحرك عدد من ملوك "أوروبا" لتأليب المسيحيين في أوروبا للقيام بحرب صليبية ضد المسلمين في الشرق، وتخليص الأماكن المقدسة من قبضة المسلمين، وطرد السلاجقة من "آسيا الصغرى".

                  وسرعان ما تحركت جيوش "أوروبا" تحت شعار الصليب لتجتاح المشرق الإسلامي، وتقدموا نحو "بيت المقدس" فحاصروه حتى تمكنوا من الاستيلاء عليه سنة [492هـ = 1099م]، بعد أن ارتكبوا من المذابح والفظائع ما تقشعر له الأبدان؛ فقد أبادوا ما يربو على سبعين ألف مسلم، منهم كثير من العُبَّاد والزاهدين وأئمة المسلمين وعلمائهم.

                  ولم يستطع "السلاجقة" الذين مزَّق دولتهم الصراع والشقاق بعد وفاة "ملكشاه" التصدي لذلك الخطر الداهم، فوقفوا عاجزين أمام طوفان الصليبيين.

                  وظل المسلمون يقاسون ويلات الصليبيين وعدوانهم زمنا طويلا حتى قيض الله لهم بطلا من أبطال الجهاد، وفارسا من خيرة فرسان المسلمين، هو السلطان "عماد الدين زنكي"، الذي استطاع أن يبسط نفوذه على الجزيرة والشام، ويستولي على "حلب" و"حماة"، وتمكن من استرداد مدينة "الرها" من براثن الصليبيين سنة [539هـ = 1144م]، وبذل جهودا كبيرة لبناء دولة قوية، وتوحيد صفوف المسلمين وتقوية جبهتهم أمام الصليبيين.

                  جهاد أسرة "عماد الدين"

                  ونذر "عماد الدين" نفسه وأبناءه الثلاثة: "نور الدين محمود" و"سيف الدين غازي" "وقطب الدين مودود" لجهاد الصليبيين، وتحرير بلاد المسلمين من عدوانهم واحتلالهم.

                  وكان "نور الدين" أكثرهم تصديا للصليبيين، ولم يألُ أخوه "سيف الدين" و"قطب الدين" جهدا في مساندته، والوقوف إلى جانبه في جهاده لصد الصليبيين وعدوانهم، والسعي إلى تحرير بلاد المسلمين منهم.

                  ومرض "سيف الدين غازي" بمرض حادّ، واشتدت عليه وطأة المرض، فأرسل إلى "بغداد" يستدعي "أوحد الزمان" أشهر أطباء عصره، فحضر إليه ليعالجه من مرضه، ولكن ساءت حالته، وما لبث أن توفي متأثرا بعلته في [جمادي الآخرة 544هـ = أكتوبر 1149م] عن عمر بلغ أربعا وأربعين سنة.

                  فلما توفي "سيف الدين" كان أخوه قطب الدين مقيما عنده في الموصل، فاجتمع عدد من رجال الدولة منهم: الوزير "جمال الدين محمد بن علي الأصفهاني" والأمير زين الدين علي كوجلة صاحب "إربل" والمقدم على الجيوش، واتفقوا على تولية "قطب الدين" خلفا لأخيه، خاصة أنه لم يترك سوى ابن واحد صغير السن لا يصلح للقيام بأعباء الملك، والاضطلاع بمهمة تصريف شئون الدولة في تلك المرحلة الحرجة، التي شهدت العديد من الحملات الصليبية على الشرق.

                  فأحضروا "قطب الدين"، وحلفوا له بالولاء، وأركبوه إلى دار السلطنة، وسلموه مقاليد البلاد، وأصبح يحكم جميع ما كان بيد "سيف الدين" من البلاد.

                  صراع الأخوين

                  وسار "قطب الدين" إلى "سنجار" بعدما كاتبه جماعة من الأمراء للحضور لتسلمها، فلما علم أخوه "نور الدين" بذلك تقدم وأخذ "سنجار".

                  وكاد الشر يطير بين الأخوين لولا وساطة الوزير "جمال الدين محمد"، وكان رجلا عاقلا صالحا، فسعى بالتوفيق والإصلاح بين الأخوين حتى تراضيا، واستقر الأمر على أن تكون الموصل وسنجار لقطب الدين، وحمص والرحبة لنور الدين عوضا عن سنجار.

                  ورضي الأخوان بذلك حتى يقضيا على أية أسباب للشقاق والنزاع بينهما، خاصة في ظل تربص الصليبيين بالمسلمين وعدوانهم عليهم. وسلم "نور الدين" سنجار إلى أخيه قطب الدين وتسلم حمص وعاد إلى بلاد الشام، واتفقت كلمتهما واتحدت آراؤهما.

                  جهاد قطب الدين ضد الصليبين

                  وشارك قطب الدين مع أخيه نور الدين في كثير من حروبه ضد الصليبيين؛ ففي عام [559هـ = 1164م] بدأ نور الدين يستعد للثأر لهزيمة قواته في معركة "البقيعة" بالقرب من حصن الأكراد، وعمل على إعادة تنظيم قواته، وإعادة تسليحهم، وبث الثقة في نفوسهم حتى استطاع أن يمحو آثار تلك الهزيمة، وأخذ في الاستعداد للجهاد والأخذ بثأره.

                  وفي تلك الأثناء علم نور الدين بتحرك الصليبيين بقيادة "عموري الأول" ملك بيت المقدس إلى مصر لإخراج "أسد الدين شيركوه" منها واحتلالها، وأراد نور الدين أن يجبر الصليبيين على العودة إلى بلادهم، ففكر أن يغزو بلادهم ليرجعوا عن التقدم نحو "مصر".

                  وقبل أن يقدم على تلك الخطوة أرسل إلى أخيه قطب الدين مودود وعدد من حكام الأقاليم المجاورة، يستنجدهم، ويدعوهم إلى الجهاد؛ فكان "قطب الدين" أسرعهم إجابة؛ فجمع عسكره، وسار من فوره للانضمام إلى أخيه والجهاد معه ضد الصليبيين.

                  وفي عام [562هـ = 1167م] شارك مع أخيه في عملية عسكرية واسعة، تعد واحدة من أروع عمليات الردع للصليبيين، وإعادة الثقة إلى نفوس المسلمين؛ فقد جمع "نور الدين" جنوده، وحشد قواته للإغارة على الصليبيين بهدف استنزاف قوتهم، وتكبيدهم أكبر قدر من الخسائر، وزعزعة الأمن والاستقرار في صفوفهم، وسار إليه قطب الدين من الموصل في حشد كبير من قواته، فاجتمعت قواتهما في حمص، حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، ثم تقدمت القوات إلى بلاد الصليبيين، فاقتحموا حصن الأكراد، ثم قصدوا "عرقة" فحاصروها حتى استولوا عليها، وتقدمت قوات المسلمين في البلاد يطيحون بكل من يقابلهم من الصليبيين ففتحوا "العزيمة" و"صافينا"، ثم هاجموا حصن "هنين"، وهدموا أسواره، وعادوا بعد ذلك إلى "حمص" بعدما نالوا من العدو، وكبدوا الصليبيين خسائر فادحة أعادت الثقة إلى المسلمين.

                  توحد الأمة في مواجهة الصليبيين

                  وقد اتسم قطب الدين مودود بقدر كبير من الوعي والتسامح؛ فبالرغم من الطابع الديني الذي غلب على الحملات الصليبية التي رفعت شعار الصليب، وأعلنت أنها جاءت لمساندة نصارى الشرق، وتحرير الأماكن المقدسة من أيدي المسلمين، وغير ذلك من الشعارت الزائفة التي كانت تخفي وراءها النوايا الاستعمارية الحقيقية لملوك أوربا، وأطماعهم في بلدان الشرق.

                  بالرغم من كل تلك الشبهات والأباطيل التي أحاطت بتلك الحروب الصليبية فإن "قطب الدين" وغيره من حكام الشرق لم تتغير معاملته تجاه النصارى من أبناء الشرق، ولم ينخدع عن النوايا الحقيقية لتلك الحملات التي استهدفت نهب خيرات الشرق، وبث الفرقة والشقاق بين أبناء الأمة، فقد حظي النصارى في عهده بقدر كبير من الأمن والحرية، ووصلوا إلى أعلى المناصب القيادية في الدولة، حتى إنه اختار واحدا منهم ليكون على قمة مؤسسة الحكم في بلاطه والقيم بأمور دولته والمقدم فيها، وهو "فخر الدين عبد المسيح".

                  فخر الدين وزير قطب الدين

                  وكان فخر الدين عند تلك الثقة التي وضعها فيه "قطب الدين مودود"؛ فسار سيرة سديدة، وأظهر سياسة وحنكة، وكان محبا للعمارة مهتما بالعمران؛ فأصلح العديد من القلاع التي كانت خرابا، وأعاد بناء ما انهار منها، وكان له تأثير كبير في مجريات الأمور، حتى تلك القرارات الخطيرة التي تتصل بالعرش لم تكن تتم بمنأى عنه، وبلغ من تأثيره على "قطب الدين" أنه استطاع أن يصرفه عن الوصاية بالملك من بعده –وهو في مرضه الأخير– لابنه الأكبر "عماد الدين"، وجعله يعدل عنه إلى ابنه الآخر "سيف الدين".

                  صفات قطب الدين وأخلاقه

                  وكان قطب الدين يجمع العديد من الصفات الحسنة والأخلاق النبيلة، وقد وصفه ابن الأثير؛ فقال: "كان قطب الدين من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أموال رعيته، محسنا إليهم، كثير الإنعام عليهم، محبوبا إلى كبيرهم وصغيرهم، عطوفا على شريفهم ووضيعهم كريم الأخلاق، حسن الصحبة لهم. وكان سريع الانفعال للخير، بطيئا عن الشر، جَمّ المناقب، قليل المعايب".

                  وقد توفي "قطب الدين" في [22 من ذي الحجة 565هـ = 7 من سبتمبر 1170م] عن عمر بلغ نحو أربعين سنة، بعد حكم دام نحو إحدى وعشرين سنة.

                  منقول
                  [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                  تعليق

                  • عبدالغفور الخطيب
                    عضو متميز

                    • Nov 2004
                    • 2698

                    #54
                    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                    المبرّد.. أسير اللغة العربية

                    (في ذكرى وفاته: 28 ذي الحجة 286هـ)




                    عاش "المبرِّد" في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، وعاصر كثيرًا من الخلفاء العباسيين الذين اهتموا بالعلم والعلماء، وساهموا في إرساء دعائم الحضارة الإسلامية ورقيِّها وصناعة نهضة حضارية عظيمة في مختلفة العلوم والفنون.

                    وكان "المبرِّد" واحدًا من هؤلاء العلماء الذين تشعبت معارفهم، وتنوعت ثقافاتهم لتشمل العديد من العلوم والفنون، وإن غلبت عليه العلوم البلاغية والنقدية والنحوية، فإن ذلك ربما كان يرجع إلى غيرته الشديدة على قوميته العربية ولغتها وآدابها في عصر انفتحت فيه الحضارة العربية على كل العلوم والثقافات، وظهرت فيه ألوان من العلوم والفنون لم تألفها العرب من قبل.

                    نشأته وشيوخه

                    ولد المبرد بالبصرة نحو سنة [210هـ = 825م]، واسمه محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، وينتهي نسبه بـ"ثمالة"، وهو عوف بن أسلم من الأزد.

                    وقد لُقب بالمبرد قيل: لحسن وجهه، وقيل: لدقته وحسن جوابه، ونسبه بعضهم إلى البردة تهكمًا، وذلك غيرة وحسدًا.

                    نشأ المبرد في البصرة، وتلقى العلم فيها على عدد كبير من أعلام عصره في اللغة والأدب والنحو منهم: "أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي"، وكان فقيهًا عالمًا بالنحو واللغة، و"أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني" الذي وصفه "المبرد" بأنه كان أعلم الناس بالنحو بعد "سيبويه"، كما تردد على "الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر"، وسمع منه وروى عنه حتى عُد من شيوخه، وأخذ عن "أبي حاتم السجستاني"، وكان من كبار علماء عصره في اللغة والشعر والنحو، كما تلقى عن "التوزي" -أبو محمد عبد الله بن محمد-، وكان من أعلم الناس بالشعر.

                    ولم تقتصر روافد ثقافة "المبرد" ومصادر علمه على ما يتلقاه عن شيوخه فحسب، وإنما كان نهم القراءة؛ فكان يقرأ كل ما يمكن أن يصل إليه من كتب السابقين.

                    تلاميذه

                    وقد تلقى عنه عدد كبير من الأدباء والأعلام، منهم: "الزَّجَّاج" و"الصولي" و"نفطويه النحوي" و"أبو على الطوماري" و"ابن السراج" و"الأخفش الأصغر" و"أبو على إسماعيل الصفار" و"أبو الطيب الوشاء" و"وابن المعتز العباسي" و"أبو الحسين بن الجزار" و"ابن درستويه" و"وأبو جعفر النحاس".

                    وهم جميعًا من كبار علماء العربية وأعلامها المشهورين، وقد تركوا العديد من المؤلفات القيمة والتصانيف الشهيرة في مختلف العلوم والفنون.

                    وكان "الزَّجَّاج" أكثرهم التصاقًا به وأغزرهم رواية عنه؛ فهو أول تلميذ للمبرد في "بغداد"، وقد ظل وفيًا له طوال حياته.

                    وقابل "المبرد" ذلك الوفاء بمزيد من الحب والتقدير، فكان لا يقرئ أحدًا كتاب "سيبويه" إلا إذا قرأه على "الزجاج"، ولما تقدمت به السن طلب منه الخليفة "المعتضد" تصنيف بعض الكتب، فاعتذر لكبر سنه ومرضه، وسأل الخليفة أن يقوم بذلك تلميذه "الزجاج" بدلا منه.

                    مكانته العلمية

                    بعد وفاة "المازني" صار المبرد زعيم النحويين بلا منازع وإمام عصره في الأدب واللغة من بعد شيخه، فأقبل عليه الدارسون من كل حدب وصوب، وصار بيته كعبة لطلاب العلم ورواد المعرفة من كل مكان، ومنتدى للوجهاء والعظماء والأعيان.

                    واختصه كثير من سراة القوم وأعيانهم لتأديب أبنائهم؛ لما عُرف عنه من العلم والفضل والأدب، وما اشتهر به من المروءة والوفاء.

                    وبالرغم من أنه عاصر تسعة من الخلفاء العباسيين هم: "المأمون" [ 198 ـ 218 هـ = 813- 833م]، و"المعتصم" [218 ـ 227هـ= 833ـ842م]، "والواثق" [227 - 232هـ = 842ـ 843م] و"المتوكل" [232 - 247 هـ = 847 - 861م]، و"المنتصر" [247 ـ 248هـ = 861 ـ 862م]، و"المستعين" [248 ـ 252 هـ= 862 ـ 866 هـ]، و"المهتدي" [252 ـ 256هـ= 866 ـ 870م] و"المعتمد" [256 ـ 279هـ= 870 ـ 892م]، و"المعتضد" [279ـ 290هـ= 892 ـ 905م].

                    فإنه لم يتصل إلا بواحد فقط منهم، هو الخليفة "المتوكل"، وقد جاء خبر قدومه عليه في قصة لطيفة، وذلك أن "المتوكل" قرأ يومًا في حضرة "الفتح بن خاقان" قوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام: 109)

                    بفتح همزة (أن)، فقال له الفتح: إنها يا سيدي بالكسر، وصمم كل منهما على أنه على صواب، فتبايعا على عشرة آلاف درهم يدفعها من لا يكون الحق في جانبه.

                    وتحاكما إلى "يزيد بن محمد المهلبي"، وكان صديقًا للمبرد، ولكنه خاف أن يسخط أيا منهما، فأشار بتحكيم "المبرد، فلما استدعاه "الفتح" وسأله عنها قال: "إنها بالكسر، وهو الجيد المختار، وذكر تفسير ذلك والأدلة عليه".

                    فلما دخلوا على "المتوكل" سأله عنها، فقال: يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرءونها بالفتح، فضحك "المتوكل" وضرب رجله اليسرى، وقال: "أحضر المال يا فتح".

                    فلما خرجوا من عنده عاتبه "الفتح" فقال المبرد: "إنما قلت: أكثر الناس يقرءونها بالفتح، وأكثرهم على الخطأ، وإنما تخلصت من اللائمة، وهو أمير المؤمنين"!

                    وتوثقت صلته بالفتح الذي أعجب بعلمه وذكائه وغزارة علمه وحسن حديثه؛ فكان كل منهما يحرص على وُدِّ صحابه، ويقدر له مكانته.

                    المبرد بين أنصاره وحساده

                    وقد عرف "المبرد" بطلاقة لسانه، وسلامة عبادته، وكان عذب الحديث حسن الفكاهة؛ ولذلك فقد حرص الولاة والأمراء على مجالسته ومسامرته.

                    وكان على علمه ومكانته حلو الفكاهة لطيف المداعبة، معروفًا بالأدب والظرف؛ فكان أصدقاؤه يحبون ذلك منه، ويجيبون دعاباته بلطائف دعاباتهم.

                    روي أن أحد الأدباء، وكان يُدعى "برد الخيار" لقي المبرد على الجسر في يوم بارد، فقال: "أنت المبرد وأنا برد الخيار، واليوم بارد، اعبر بنا سريعًا لئلا يصيب الناس الفالج" (ريح يصيب الإنسان فيرخِّي بعض البدن).

                    وكان المبرد إلى جانب ما عُرف به من كثرة محفوظه وقوة حافظته يتمتع ببديهة حاضرة وذهن وقّاد، وأكسبته غزارة علمه قدرة فائقة على الرد على كل سؤال، وكان ذلك مثار عجب أنصاره وحسد أعدائه، حتى إنهم اتهموه بالوضع في اللغة لكثرة حفظه وسرعة إجابته.

                    أقوال العلماء فيه

                    وقد وثقه العلماء وأصحاب الجرح والتعديل؛ فقال عنه "الخطيب البغدادي":

                    "كان عالمًا فاضلا موثوقًا في الرواية". وقال "ابن كثير": "كان ثقة ثَبَتًا فيما ينقله". وقال "القفطي": "كان أبو العباس محمد بن يزيد من العلم وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العشرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط، وصحة العزيمة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق؛ على ما ليس عليه أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه". وقال: "ياقوت": "كان إمام العربية، وشيخ أهل النحو ببغداد، وإليه انتهى علماؤها بعد الجرمي والمازني". وقال: "الزبيدي": "كان بارعًا في الأدب وكثرة الحفظ والفصاحة وجودة الخط".


                    المنافسة بين "ثعلب" و"المبرد"

                    حينما قدم "المبرد" إلى "بغداد" كان "أبو العباس أحمد بن يحيى" المعروف بثعلب على رأس علمائها ومشايخها، فخشي مزاحمة "المبرد" له، وانتزاع الرياسة منه؛ فأغرى به بعض تلاميذه يعنتونه بالأسئلة حتى يعجزوه؛ فينصرف عنه الناس، وكان "الزجاج" على رأس من أغراهم "ثعلب" به؛ لأنه كان أبرعهم حجة وأكثرهم علمًا وذكاء.

                    ولكن "المبرد" استطاع بعلمه وبلاغته وقوة حجته أن يأخذ بعقل "الزجاج" ويستحوذ على إعجابه؛ فترك "ثعلب" ولزم "المبرد" يأخذ عنه ويتتلمذ عليه.

                    وبالرغم من اشتعال المنافسة بين الرجلين واشتداد التنافر بينهما، وعنف "ثعلب" في الهجوم على "المبرد" وكثرة تعريضه به، وتعرضه له، فإن "المبرد" كان بعيدًا عن العنف به، ويأبى مواجهته بالسوء؛ فلم يُعرف عنه أنه أغرى به أحدًا من تلاميذه، أو أوعز إلى أحد أن يعنته بسؤال. بل إنه حينما سئل عن "ثعلب" قال: "ثعلب أعلم الكوفيين بالنحو"!


                    آثار "المبرد" ومؤلفاته


                    التعازي والمراثي

                    بالرغم من مكانة المبرد الأدبية والعلمية، وغزارة علمه واتساع معارفه، فإنه لم يصلنا من آثاره ومؤلفاته إلا عدد قليل منها:

                    1- الكامل: وهو من الكتب الرائدة في فن الأدب، وقد طُبع مرات عديدة، وشرحه "سيد بن علي المرصفي" في ثمانية أجزاء كبيرة بعنوان "رغبة الأمل في شرح الكامل".

                    2- الفاضل: وهو كتاب مختصر يقوم على أسلوب الاختيارات، ويعتمد على الطرائف وحسن الاختيار.

                    3- المقتضب: ويقع في ثلاثة أجزاء ضخمة، ويتناول كل موضوعات النحو والصرف بأسلوب واضح مدعَّم بالشواهد والأمثلة.

                    4- شرح لامية العرب.

                    5- ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد.

                    6- المذكر والمؤنث.

                    كما يُنسب إليه عدد آخر من المؤلفات التي لا تزال مخطوطة، مثل:

                    1- التعازي والمرائي.

                    2- الروضة.


                    الكامل فى اللغة والأدب

                    بالإضافة إلى بعض الكتب الأخرى التي وردت إشارات عنها في عدد من المراجع والمصادر العربية القديمة، ولكنها لم تصل إلينا، مثل:

                    1- الاختيار: وقد ذكره "المبرد" في "الكامل".

                    2- الاشتقاق: وذكره "ابن خلكان" في "وفيات الأعيان".

                    3- الشافي: وقد ورد ذكره في "شرح الكافية".

                    4- الفتن والمحن: ذكره "الصولي" في "أخبار أبي تمام".

                    5- الاعتناب": ذكره "البغدادي" في "خزانة الأدب".

                    6- شرح ما أغفله سيبويه: ذكره "ابن ولاد" في "الانتصار".

                    وتوفي "المبرد" في [28 من ذي الحجة 286هـ = 5 من يناير 900م].



                    منقول
                    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                    تعليق

                    • المهند
                      مشرف منتدى

                      • Jul 2004
                      • 3760

                      #55
                      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري


                      [CENTER]

                      ***
                      المقاومة العراقية

                      تعليق

                      • عبدالغفور الخطيب
                        عضو متميز

                        • Nov 2004
                        • 2698

                        #56
                        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                        الطريق إلى سقوط غرناطة

                        (في ذكرى عقد معاهدة قشتالة: 7 من المحرم 835 هـ)



                        انفرط عقد الأندلس، ودب الضعف في أوصالها، بعد هزيمة المسلمين في معركة العقاب الشهيرة، التي جرت أحداثها في (15 من صفر 609 هـ= 16 من يوليو 1212م) بين دولة الموحدين والجيوش الإسبانية والأوروبية المتخالفة، وسارت الأمور في طريقها السيئ، فاجتاح الغزو النصراني بلا هوادة إسبانيا المسلمة، وتساقطت قواعد الأندلس وحواضرها التالدة شرقًا وغربًا في يد النصارى، فسقطت "قرطبة" سنة (633 هـ = 1236م) و"بلنسية" سنة (636هـ= 1238هـ) و"إشبيلية" سنة (644 هـ = 1248م). وفي الوقت نفسه اجتاحت غرب الأندلس موجة عاتية من الغزو النصراني، فسقطت "بطليوس" سنة (627هـ = 1230م) "وشلب" سنة (640 هـ= 1242م) وغيرهما.

                        ولم يكد ينتصف القرن السابع الهجري حتى كانت ولايات الأندلس الشرقية والوسطى كلها قد سقطت في يد إسبانيا النصرانية، ولم يبق من دولة الإسلام في الأندلس سوى بضع ولايات صغيرة في الطرف الجنوبي من الأندلس.

                        غرناطة والصمود

                        وشاءت الأقدار أن تقوم في هذه الرقعة الصغيرة مملكة غرناطة، التي نجحت في أن تذود عن دولة الإسلام أكثر من قرنين من الزمان، وأن تواجه ببسالة -على الرغم من صغر المساحة وضعف الإمكانيات- إسبانيا النصرانية بكل ما تملكه من قوة وعتاد، وأن تقيم بين ربوعها حضارة عظيمة، حفلت بأرقى نظم الحياة المادية والأدبية، ولا تزال آثارها الباقية شاهدة على ما بلغته غرناطة من تحضر ورقي.

                        وكان قيام هذه المملكة في سنة (629هـ = 1232م) على يد "محمد بن يوسف بن نصر أو ابن الأحمر" الذي التف الناس حوله لشجاعته ومجاهدته العدو، ونجح في أن يوطد سلطانه في هذه المنطقة، ويوسع من نطاق دولته الوليدة، حتى نمت سريعًا وأصبحت دولته تضم ثلاث ولايات كبيرة، هي: ولاية غرناطة في الوسط، وفيها العاصمة "غرناطة" وولاية "المرية" في الشرق، وولاية مالقة في الجنوب والغرب، ووصلت حدودها إلى شاطئ البحر المتوسط وجبل طارق.

                        تتابع الأمراء من أسرة بني النصر على حكم غرناطة، وهي تحاول أن تصمد في وجه إسبانيا النصرانية، وتحافظ على ما بقي من تراث المسلمين في الأندلس، مرة بالجهاد والاستعانة بإخوانهم من أهل المغرب، ومرة بعقد المعاهدة السلمية مع قشتالة.

                        وظل الأمر على هذا النحو حتى تولى أبو عبد الله محمد الملقب بالأيسر حكم غرناطة، في مطلع القرن التاسع الهجري، وكان أميرًا قاسيا سيئ الخلال، متعاليًا على أهل دولته، واتسم عهده بسوء الأحوال، واشتد سخط الناس، واشتعال الفتن والثورات، ولم تفلح محاولات وزيره يوسف بن سراج من تهدئة الأوضاع في الإمارة المضطربة، وكانت تلك الفتن والقلاقل التي تموج بها غرناطة، تجد عونًا من بلاط قشتالة المسيحية التي كانت قبلة زعماء الثائرين.

                        وفي خضم تلك الفتن المتلاطمة زحف القشتاليون إلى غرناطة وعاثوا فيها فسادًا في سنة (831هـ=1428م) ولم يفلح "الأيسر" في رد العدوان عن أرضه، مما كان له أثره في انفجار بركان الثورة في غرناطة، ولم تهدأ الأحوال إلا بعد أن نجح الثوار في عزل "الأيسر" الذي نجا بنفسه وأهله وبعض رجاله إلى "تونس" وتمت تولية ابن أخيه الأمير "محمد بن محمد بن يوسف الثالث" الملقب بالزغير.

                        حاول الأمير الجديد أن يعيد الأمن في البلاد، ويخمد الفتن والدسائس التي كانت سببًا في زعزعة الاستقرار، ولكن محاولاته ضاعت سدى، فقد اتفق الوزير يوسف بن سراج مع "خوان الثاني" ملك قشتالة على العمل لرد السلطان الأيسر السابق إلى العرش، فنجحت المحاولة ورجع السلطان السابق إلى عرشه سنة (833هـ= 1430م).

                        بدأ السلطان الأيسر عهده الجديد بتنظيم أمور الإمارة، فأعاد يوسف بن سراج إلى الوزارة، وطلب من ملك قشتالة تجديد الهدنة، فاشترط لتجديدها أن يؤدي السلطان الأيسر ما أنفقه البلاط القشتالي في سبيل استعادة عرشه، وأن يؤدي فوق ذلك جزية سنوية؛ اعترافًا منه بدخوله تحت طاعة قشتالة، وأن يفرج عن الأسرى الذين في حوزته.

                        خيانات البيت الواحد

                        ولم يكن أمام السلطان الأيسر إزاء هذه الشروط المجحفة إلا الرفض، وتهديد قشتالة بإعلان الحرب، فاستعدت قشتالة للحرب، وأرسلت سفراءها ومعهم هدايا ثمينة إلى أبي فارس الحفصي سلطان "تونس" وعبد الحق المريني سلطان "فاس" يطلبون منهما عدم التدخل في شئون غرناطة، فاستجابت الدولتان.

                        اشتعلت الفتن مرة أخرى في غرناطة، وحلت القلاقل أرجاء الإمارة التي انقسمت على نفسها، وألقت قشتالة بجيشها على مقربة من غرناطة، تترقب الفرصة للانقضاض على المملكة التي أوشكت على السقوط، ودُبّرت مؤامرة لخلع الأيسر قام بها خصومه، فالتفوا حول واحد من بيت الملك، يدعى "أبو الحجاج يوسف بن المول" فمال إلى ملك قشتالة طالبًا العون على انتزاع العرش لنفسه، في مقابل تعهده بأن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة وتمت طاعته.

                        وفي (7 من المحرم سنة 835 هـ= 16 من سبتمبر 1431م) وقّعت معاهدة بين "يوسف بن المول" و"خوان الثاني" ملك قشتالة، لتحقيق هذا الهدف، متضمنة بنودا مهينة للطرف المسلم، نصت على إقرار من "يوسف" بأنه من أتباع ملك قشتالة وخُدّامه، وتعهد منه بدفع جزية سنوية قدرها عشرون ألف دينار ذهبي، وإطلاق سراح الأسرى المسيحيين، وأن يقدم يوسف ألفا وخمسمائة فارس إلى ملك قشتالة لمحاربة أعدائه سواء أكانوا من النصارى أو المسلمين.

                        وفي مقابل هذه التنازلات يتعهد الطرف القشتالي بأن يكون الصلح مستمرًا طوال حكم يوسف ومن يخلفه من أبنائه، وأن يعينه على محاربة أعدائه من المسلمين والنصارى، وطبقا لهذه المعاهدة وتنفيذًا لبنودها تحركت القوات القشتالية لمعاونة يوسف في حربة مع السلطان الأيسر، ونشبت بينهما معكرة شديدة، انتهت بهزيمة الأيسر، ودخول يوسف غرناطة ظافرًا بمؤازرة النصارى القشتاليين، وجلس على عرش السلطنة في (جمادى الأولى 835 هـ = يناير 1432م) وكان أول ما فعله يوسف أن جدّد المعاهدة مع ملك قشتالة باعتباره سلطان غرناطة.

                        وبهذه المعاهدة قطعت قشتالة خطوة كبيرة في سبيل تحقيق أمنيتها، وإزالة الوجود الإسلامي من إسبانيا، وهذا ما حدث بعد سنوات قليلة.‏

                        منقول
                        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                        تعليق

                        • عبدالغفور الخطيب
                          عضو متميز

                          • Nov 2004
                          • 2698

                          #57
                          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                          الدولة العثمانية.. ميلاد خلافة

                          (في ذكرى ميلادها بالقاهرة: 8 من المحرم 923 هـ)



                          اتجه العثمانيون في الدور الأول من دولتهم إلى الميدان الأوروبي، فنجح السلطان محمد الفاتح في عام (857 هـ = 1453م) في فتح "القسطنطينية" عاصمة الدولة البيزنطية، واتخذها عاصمة لدولته، كما شرع في فتح "روما" مقر البابوية، ونزلت قواته في "أوترانت" في مملكة نابولي عام (884هـ= 1480م) استعدادًا لهذا الفتح، غير أن المنية عاجلته فتوقف هذا المشروع، كما شملت فتوحاتهم وسط أوربا.

                          وكانت أنباء هذه الفتوحات تُقابَل بارتياح من قبل سلاطين المماليك في القاهرة، وغيرهم من القوى الإسلامية، واتسمت العلاقة بين الدولتين في كثير من فتراتها بالود والصداقة حتى إن السلطان العثماني بايزيد الأول أرسل في سنة (797 هـ= 1394م) هدايا وتحفًا إلى الخليفة العباسي في مصر "المتوكل على الله" طالبًا منه تفويضًا شرعيًا بالسلطنة، فبعث له الخليفة بذلك، وكانت الهدايا ووسائل التهنئة تتردد بين الدولتين كلما حقق أي منهما نصرًا أو فتحًا على أعدائه، وليس أدل على ذلك من احتفال القاهرة في عهد السلطان "إينال" بنجاح محمد الفاتح في الاستيلاء على القسطنطينية.

                          اتجاه للشرق

                          غير أن العثمانيين تركوا جهادهم في الميدان الأوروبي، واتجهوا بأبصارهم ناحية المشرق الإسلامي ليضموه إلى دولتهم، مدفوعين بعاملين مهمين: أولهما تنامي الدولة الصفوية في إيران والعراق وتهديدها للعثمانيين، فضلاً عن نشاط الدعاة الشيعيين الذين أرسلهم الشاه إسماعيل الصفوي لنشر المذهب الشيعي في "الأناضول"؛ مما جذب بعض المؤيدين، وأسفر عن بعض القلاقل، فاضطرت الدولة إلى التدخل، وساءت العلاقة بين الدولتين المتجاورتين، واحتكما إلى السيف، فالتقيا في معركة "جالديران" في (2 من رجب 920هـ= من أغسطس 1514م) ونجح السلطان "سليم الأول" في تحقيق النصر، وفتح مدينة بتريز عاصمة الدولة الصفوية.

                          أما العامل الآخر فهو تنامي الخطر البرتغالي في الخليج العربي بعد أن احتل البرتغاليون عدن وعمان سنة (921هـ= 1516م) بالإضافة إلى تعاون المماليك في عهد السلطان "الغوري" وتحالفهم مع الدولة الصفوية في صراعها مع العثمانيين.

                          مرج دابق والريدانية


                          ولما انتشرت الأنباء في القاهرة في أوائل عام (922هـ= 1516م) بأن السلطان سليم الأول يعد العدة لمداهمة الدولة الصفوية أدرك "الغوري" سلطان مصر أن بلاده هي المقصودة بهذه الاستعدادات العسكرية، فاستعد لمحاربة العثمانيين، وحشد قواته لمواجهة هذا الخطر الداهم، وخرج بعساكره إلى "حلب" وبعدما حاول "خاير بك" أن يثنيه عن الخروج إلى الشام، ويقنعه بأن العثمانيين لا يريدون حرب المماليك وإنما يريدون الدولة الصفوية، وكان "خاير بك" قد انضم إلى "سليم الأول" سرًا ضد الغوري، وبدأ يعمل معه على تقويض دولة المماليك.

                          وعند "مرج دابق" بالقرب من حلب أخذ الغوري ينظم جيشه، ويصدر تعليماته استعدادًا للمعركة المرتقبة، ولم تلبث أن لاحت مقدمة الجيش العثماني، والتقى الجيشان يوم الأحد (25 من رجب 922 هـ = 24 من أغسطس 1516م)، وفي تلك المعركة أبدى المماليك شجاعة نادرة، وقاموا بهجوم خاطف زلزل أقدام العثمانيين، غير أن هذا الثبات لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما دب الخلاف بين فرق المماليك المحاربة، وانحاز بعضها إلى الجيش العثماني، كما سرت إشاعة بين المماليك أن الغوري سقط قتيلاً، ففترت عزيمتهم، وخارت قواهم، وحاول الغوري أن يستحث جنوده، وأمراءه على الثبات والصمود، لكن دون جدوى فحلت الهزيمة بالمماليك وساعدت المدافع العثمانية على تفوق الجيش العثماني، فقُتل الغوري في ساحة المعركة، وتفرق جيشه، ورحل من بقى منهم إلى مصر.

                          ولما وصلت أنباء هذه الهزيمة إلى القاهرة، وتحقق موت السلطان الغوري قام نائبه في مصر الأمير "طومان باي" بالأمر، واستعد لمقاتلة العثمانيين، ورغب في لقائهم بالشام قبل وصولهم إلى مصر، غير أنه لم يتمكن من ذلك، إذ استولى العثمانيون على غزة، وفي أثناء ذلك أرسل السلطان سليم الأول رسالة إلى "طومان باي" يعرض فيها الصلح وحقن الدماء، ويقره على حكم مصر شريطة أن يقر بتبعيته للسلطان العثماني، غير أن مساعي الصلح لم تكلل بالنجاح.

                          خرج السلطان طومان باي لمقاتلة العثمانيين، ودفع خطرهم، وأقام بالريدانية قرب صحراء العباسية بالقاهرة، إذ لم يجد استجابة من المماليك للخروج أبعد من ذلك، وبدأ في تحصين الريدانية، وحفر خندقًا على طول الخطوط الأمامية، لكن العثمانيين الذين اخترقوا الحدود المصرية وتوغلوا في أراضيها وتحاشوا الاصطدام بالمماليك عند الريدانية بعد علمهم بأنباء تحصينات المماليك، وواصلوا زحفهم صوب القاهرة، فلحق بهم طومان باي، والتحم الفريقان في معركة حامية في (29 من ذي الحجة 922 هـ= 23 يناير 1517م) وكانت الخسائر فادحة من الجانبين، وقُتل "سنان باشا" الصدر الأعظم، لكن العثمانيين حملوا حملة صادقة عصفت بالمماليك وزلزلت الأرض من تحتهم، وألحقت بهم هزيمة مدوية، واضطر طومان باي إلى الفرار وتنظيم قواته لمواجهات جديدة.

                          وبعد ذلك بثمانية أيام أي في يوم (8 من المحرم 923هـ= 31 يناير 1517م) دخل العثمانيون القاهرة، على الرغم من المقاومة التي أبداها المماليك، الذين قاتلوهم من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع، وأبدوا ضروبًا من الشجاعة والإقدام. وقد جرت محاولات للصلح بين طومان باي وسليم الأول ولكنها فشلت، ثم لم يلبث أن وقع في أيدي العثمانيين بخيانة بعض من كان معه، ثم أُعدم بأمر من السلطان سليم الأول يوم (الإثنين 21 من ربيع الأول 923 هـ = 23 إبريل 1517م) وانتهت بذلك دولة المماليك والخلافة العباسية في مصر، وأصبحت مصر ولاية عثمانية

                          منقول
                          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                          تعليق

                          • عبدالغفور الخطيب
                            عضو متميز

                            • Nov 2004
                            • 2698

                            #58
                            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                            الخلافة العباسية.. في القاهرة

                            (في ذكرى محاولة إحياء الخلافة العباسية بالقاهرة: 9 من المحرم 661هـ)



                            رُوّع المسلمون بسقوط بغداد حاضرة الخلافة العباسية في (30 من المحرم 656 هـ = 6 من فبراير 1258م) في أيدي المغول الوثنيين بقيادة هولاكو، بعد أن قتلوا الخليفة المستعصم بالله العباسي هو وأهله، واستباحوا المدينة التليدة، فقتلوا السواد الأعظم من أهلها الذين قُدروا بنحو مليون قتيل، وأضرموا النيران في المدينة، وهدموا المساجد والقصور، وخربوا المكتبات وأتلفوا ما بها من كتب إما بإحراقها أو رميها في "دجلة"، وأصبحت المدينة بعد أن كانت درة الدنيا، وزهرة عواصم العالم، أثرًا بعد عين.

                            وشعر المسلمون بعد مقتل الخليفة المستعصم، وسقوط الخلافة العباسية التي ظلت تحكم معظم أنحاء العالم الإسلامي خمسة قرون بأن العالم على وشك الانتهاء، وأن الساعة آتية قريبا، وذلك لهول المصيبة التي وقعت بهم، وإحساسهم بأنهم أصبحوا بدون خليفة، وهو أمر لم يعتادوه منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يؤولون كل ظاهرة على أنها تعبير عن سخط الله وغضبه، واتخذوها دليلاً على ما سيحل بالعالم، من سوء لخلوه من خليفة.

                            ويعد المؤرخ الكبير ابن الأثير سقوط الخلافة كارثة لم يحل مثلها بالعالم من قبل، ويقول: فلو قال قائل منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن: لم يبتلَّ العالم بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقابلها ولا ما يدانيها.

                            وتداعت الأحداث سريعًا، وتعذر إحياء الخلافة العباسية مرة أخرى في بغداد التي أصبحت قاعدة للمغول الوثنيين، ثم اجتاحت جحافلهم الشام، فسقطت حلب بعد مقاومة عنيفة، واستسلمت دمشق، فدخلها المغول دون مقاومة، ولم يوقف زحفهم المدمر سوى انتصار المسلمين في معركة عين جالوت في (26 رمضان سنة 658هـ = 3 سبتمبر 1260م).

                            وتعد هذه المعركة من أهم المعارك في تاريخ العالم الإسلامي، بل في تاريخ العالم، إذ أوقفت زحف المغول، وأنزلت بهم هزيمة مدوية أحالت دون تقدمهم إلى مصر وكانوا على مقربة منها، ومنعت زحفهم إلى ما وراءها من بلاد العالم الإسلامي، وأنقذت معالم الحضارة الإسلامية في تلك البلاد من الدمار وأصبحت شاهدة على ما بلغته من مجد وتفوق.

                            وكان من نتائج هذا النصر المجيد أن أصبح أمر إعادة الخلافة العباسية ممكنًا، فما إن علم السلطان قطز بطل معركة عين جالوت، حين قدم دمشق بوجود أمير عباسي يدعى "أبا العباس أحمد" حتى استدعاه، وأمر بإرساله إلى مصر، تمهيدًا لإعادته إلى بغداد، وإحياء الخلافة العباسية.

                            ولما تولى بيبرس الحكم بعد مقتل قطز أرسل في طلب الأمير أبي العباس أحمد، الذي كان قد بايعه قطز في دمشق، لكنه لم يحضر، وسبقه إلى القاهرة أمير آخر من أبناء البيت العباسي اسمه "أبو القاسم أحمد" واستعد السلطان الظاهر بيبرس لاستقباله فخرج للقائه ومعه كبار رجال الدولة والأعيان والعلماء، ولما وقع نظر السلطان على هذا الأمير العباسي ترجل عن فرسه إجلالا له، وعانقه، وركب معه يتبعهما الجيش حتى وصلا إلى القلعة، وهناك بالغ السلطان في إكرامه والتأدب معه، فلم يجلس على مرتبة ولا فوق كرسي بحضرة هذا الأمير العباسي.

                            وفي يوم الإثنين (13 رجب 659 هـ = 19 من يونيو 1260 م) عقد السلطان مجلسا بالديوان الكبير بالقلعة حضره القضاة والعلماء والأمراء، وشيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، وكبار رجال الدولة، وفي هذا المجلس شهد العرب الذين قدموا مع الأمير العباسي بصحة نسبه، وأقر هذه الشهادة قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز وحكم بصحة نسبه وبايعه بالخلافة، ثم قام بعد ذلك الظاهر بيبرس وبايعه على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وأخذ الأموال بحقها، وصرفها في مستحقتها، ثم قام الحاضرون بمبايعة الخليفة الذي تلقب باسم الخليفة المستنصر بالله.

                            ولما تمت البيعة قلد الخليفة المستنصر السلطان بيبرس البلاد الإسلامية وما ينضاف إليها، وما سيفتحه الله على يديه من بلاد الكفار، وكتب السلطان إلى النواب والحكام في سائر الولايات التابعة لمصر بأخذ البيعة للخليفة المستنصر، والدعاء له في خطبة الجمعة على المنابر والدعاء للسلطان من بعده، وأن تنقش السكة باسمهما.

                            شرع السلطان بيبرس في تجهيز الخليفة، وإمداده بكل ما يحتاجه من جند وسلاح ومال، في سبيل إعادة الخلافة العباسية، وإقامتها في بغداد، وخرج السلطان مع الخليفة إلى دمشق، فبلغها في (ذي القعدة 659 هـ = 1261م)، وكان في عزمه أن يمد الخليفة بعشرة آلاف جندي وفارس حتى يتمكن من استعادة بغداد من أيدي المغول، لكن السلطان بيبرس تراجع عن وعده، وأحجم عن المضي في هذا المشروع بعد أن وسوس له أحد أمرائه وخوّفه من مغبة نجاح الخليفة في استرداد بغداد لينازع بعد ذلك السلطان الحكم، فاكتفى بإمداده بقوات قليلة لم تكن كافية لتحقيق النصر على المغول، فانهزم الخليفة، وقُتل هو ومعظم من كان معه، في المعركة التي وقعت بالقرب من الأنبار في (المحرم 660 هـ = ديسمبر 1261م).

                            تهيأت الأحداث لإحياء الخلافة العباسية مرة أخرى، فأرسل بيبرس في استدعاء الأمير "أبي العباس أحمد" الذي سبق أن بايعه قطز، وكان قد نجا ونحو خمسين فارسًا من الهزيمة التي لحققت بالخليفة السابق، فوصل إلى القاهرة في (ربيع الآخر 660 هـ = مارس 1262م) واحتفل بيبرس بقدومه، وأنزله البرج الكبير بقلعة الجبل، وعقد له في (8 من المحرم 661 هـ = 21 نوفمبر 1262م) مجلسًا عامًا بالديوان الكبير بالقلعة، حيث قرئ نسبه على الحاضرين، بعدما ثبت ذلك عند قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، ولقب بالحاكم بأمر الله، وبايعه السلطان على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، فلما تمت البيعة أقبل الخليفة على السلطان، وقُلّد أمور البلاد والعباد، ثم قام الحاضرون بمبايعة الخليفة الجديد، وخُطب له على المنابر في مصر والشام وبهذا الإجراء الذي تم في هذا اليوم أُحييت الخلافة العباسية للمرة الثانية بالقاهرة، غير أن الظاهر بيبرس، لم يفكر في إعداد هذا الخليفة الثاني لاسترجاع بغداد وإحياء الخلافة بها، وإنما استبقاه في القاهرة ليكون على مقربة منه وتحت عينه، وجعل سلطته محدودة، لا تتعدى ذكر اسمه في الخطبة في مصر والأمصار التابعة لها، واستمرت الخلافة العباسية بمصر إلى أن فتحها العثمانيون على يد السلطان "سليم الأول".

                            وجدير بالذكر أن الخلافة العباسية لم تكسب في إحيائها كثيرًا، بعد أن صار الخلفاء العباسيون في مصر يفوضون السلاطين المماليك في إدارة شئون البلاد العامة دون تدخل منهم، واقتصر دورهم على حضور حفلات السلطنة وولاية العهد، وتهنئة السلاطين بالشهور والأعياد.

                            ومنذ أن أقيمت الخلافة العباسية في القاهرة تمتع السلاطين المماليك بمكانة ممتازة بين ملوك العالم الإسلامي؛ باعتبارهم حماة الخلافة والمتمتعين ببيعتها، كما حظيت القاهرة بشهرة دينية علمية واسعة بعد أن صارت حاضرة الخلافة العباسية الجديدة.‏


                            منقول
                            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                            تعليق

                            • عبدالغفور الخطيب
                              عضو متميز

                              • Nov 2004
                              • 2698

                              #59
                              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                              علي دينار.. باني السلطنة والآبار

                              (في ذكرى مقتله: 11 من المحرم 1335 هـ)




                              حَكَمَ الْفُور -الذين يعودون في أصلهم إلى سليمان صولونج القادم من تونس والمنحدر من أصل عباسي، والذي تزوج من ملكة فور- سلطنة دارفور الإسلامية عدة قرون قبل أن تخضع تلك السلطنة لحكم المهديين في القرن الثالث عشر الهجري(التاسع عشر الميلادي).

                              ومع سيطرة المهديين على دارفور انتقل حكامها الأقدمون إلى جنوب غرب جبل مُرّة، حيث ولد لهم طفل أعاد لهم حكم دارفور، وكانت له في ذلك قصة.. إنه السلطان "علي دينار" آخر سلطان لدارفور الإسلامية، وباني "آبار علي" بالسعودية...

                              المولد وبداية الظهور

                              ولد علي دينار في قرية "شوية" بدارفور، ولا يوجد تاريخ محدد لولادته، لكن يمكن تقدير تاريخ مولده ما بين عام (1272هـ= 1856م) وعام (1287هـ=1870م). أما أبوه فهو "زكريا بن محمد فضل" ولا يوجد شيء عن طفولته أو نشأته أو شبابه، إلا أن أول ظهور له كان في (جمادى الآخرة 1306هـ= فبراير 1889م) عندما ساند عمه السلطان "أبو الخيرات" في تمرد "أبو جميزة"، ثم هرب مع عمه بعد هزيمة التمرد.

                              كان "الفور" الذين ينتمي إليهم "علي دينار" يقيمون جنوب غرب جبل مُرّة بعد سيطرة المهديين على دارفور، وعندما توفي السلطان "أبو الخيرات" في ظروف غامضة عام (1307 هـ=1890م) كانت المهدية تسيطر على دارفور وكردفان، فطلب أمير هاتين المنطقتين من "علي دينار" المثول بين يديه في مقر رئاسته في "الأُبَيْض"، والخضوع لأمير المهدية في "الفاشر" –عاصمة دارفور- "عبد القادر دليل"، إلا أن "علي دينار" كان قلقا من هذا اللقاء وآثر أن يُبدي الخضوع للمهدية دون أن يلتقي بأمرائها، غير أن هناك أخبارا تؤكد أنه التقى بخليفة المهدي "عبد الله التعايشي" في عام (1309 هـ=1892م) وبايعه.

                              وهناك ارتباك ملحوظ في سيرته خلال هذه السنوات الست التي تلت تلك المقابلة، ومن الصعب حمل أي شيء فيها على اليقين التام. ويُقال لم يشترك في معركة "كرري" الفاصلة بين المهدية والإنجليز في (صفر 1310 هـ = سبتمبر 1898) والتي انتهت بهزيمة المهدية، حيث خرج من "أم درمان" خلسة مع 300 من أتباعه قاصدا دارفور.

                              السيطرة على الحكم في دارفور

                              قصد "علي دينار" الفاشر عاصمة دارفور التي سيطر عليها في ذلك الوقت شخص يُسمى "أبو كودة" معلنا نفسه سلطانا عليها بعد انهيار المهدية، وكتب إلى "أبو كودة" شاكرا صنيعه في تخليص دارفور من المهدية، ثم طلب منه التخلي له عن العرش، فانصاع "أبو كودة" لهذا المطلب بعد تمنع، ودخل "دينار" الفاشر فاتحا لها بدون قتال.

                              كانت دارفور مطمعا لكثير من المتنافسين على الحكم، فعقب سقوط المهدية ظهر مطالبون بالحكم مثل "إبراهيم علي" –عمه السلطان أبو الخيرات- ونظرا لعلاقاته مع الإنجليز في حكومة السودان، فقد طلب أن يدعموه في مواجهة "علي دينار"، فقام السردار الإنجليزي "كتشنر" بدراسة الموقف في دارفور، والمقارنة بين "علي دينار" و"إبراهيم علي" أيهما يصلح للحكم، ورأى أنه من الحكمة عدم السماح بحدوث صراع في دارفور حفاظا على أمنها واستقرارها، وحتى لا تتورط حكومة السودان الخاضعة للإنجليز في صراع يحمل الخزينة تكاليف كبيرة نظرا لبعد دارفور وصعوبة مواصلاتها وندرة الطرق المعبدة للوصول إليها.

                              ولذا كتب "كتشنر" إلى "علي دينار" يحذره من القيام بأي عمل يكون من شأنه حدوث ثورة أو اضطراب في دارفور، ويخبره بأن الإنجليز يعلمون أنه لم يقاتلهم في "أم درمان" وأنه ترك الميدان قبل المعركة بيوم، وأنه من أحفاد السلاطين الذين حكموا دارفور. كما كتب إلى "إبراهيم" يحذره من الاشتباك مع "علي دينار".

                              هذا الحياد النسبي من الإنجليز في الصراع بين الرجلين كان فرصة ذهبية لعلي دينار لتدعيم سلطته في دارفور، وخوض معركة ضد "إبراهيم علي" والانتصار عليه في (14 من رمضان 1316 هـ= 26 من يناير 1899م) في منطقة "أم شنقة" داخل الحدود الشرقية لدارفور، وبعد هذا الانتصار سعى "علي دينار" إلى استمالة الإنجليز والتأكيد لهم أنه مخلص لحكومتهم في السودان وأنه يتمنى أن يعتبره حاكم السودان أحد موظفيه.

                              دينار والإنجليز
                              كان مستقبل العلاقة مع "علي دينار" من الأمور التي تشغل الإدارة الإنجليزية في السودان، وتتم مناقشتها على مستويات عليا، وبنى الإنجليز موقفهم على أن "علي دينار" استطاع أن يوطد نفسه سلطانا على دارفور، وستتكلف الحكومة الكثير إذا أرادت تغييره، كذلك فإنه يصر على إعلان الإخلاص والرغبة في طاعة حكومة السودان، وأن من الأفضل لتلك الحكومة أن تدير دارفور من خلال "دينار" وليس من خلال حاكم مصري أو إنجليزي، وتم توصيف "دينار" على أنه "صديق في الوقت الحاضر"، وبذلك أعاد الإنجليز العمل بالسياسة التي اتبعها الحاكم الإنجليزي "غوردون باشا" عندما ذهب إلى السودان سنة (1301 هـ=1884م) والتي كانت ترتكز على تدعيم حكم السلاطين المحليين كوسيلة فعالة لحكم السودان، ولذا اعترف الإنجليز بـ"دينار" كأمر واقع من الضروري التعامل معه.


                              وقد حدث تطور مهم سنة (1317 هـ=1900م) عندما تم تعيين البارون النمساوي "سلاطين باشا" –صاحب كتاب "السيف والنار في السودان"- مفتشا عاما للسودان، وكان من مسئولياته إقليم دارفور، وقد شددت الإدارة الإنجليزية في القاهرة برئاسة المعتمد البريطاني اللورد "كرومر" على "سلاطين" أن يحرص على إفهام "علي دينار" أن دارفور تقع ضمن منطقة النفوذ البريطاني-المصري، وأن الإدارة هي التي سمحت له بممارسة سلطات داخلية واسعة في دارفور، وكان الهدف من هذه السياسة تأكيد تبعية دارفور لحكومة السودان.

                              وأثناء رحلة "سلاطين" في السودان أكد لشيوخ القبائل أنه تم الاعتراف بعلي دينار ممثلا للحكومة في دارفور، وأن على الجميع أن يتعامل معه وفق هذا التوصيف، ورغم ذلك فقد تهرب "علي دينار" من مقابلة "سلاطين" أكثر من مرة عام (1318 هـ=1901م).

                              تدعيم سلطان الداخل

                              كان وضع دارفور فريدا داخل السودان؛ فهي من الناحية الفعلية لم تكن كباقي أقسام السودان رغم اعتراف بعض المعاهدات الدولية بكون الإقليم قسما من السودان، مثل معاهدة 12 مايو 1894م مع الكونغو، أو تصريح 21 مارس 1899م مع الفرنسيين، وكذلك رغم اعتراف "علي دينار" بكون دارفور قسما من السودان وقيامه بدفع جزية سنوية لحكومة السودان حتى عام 1915م، ورغم التبعية التي أبداها "علي دينار" لحكومة السودان فقد رفض دائما دخول أي موظف حكومي إلى دارفور.

                              وقد كانت السنوات الأولى لحكم على دينار مستقرة نسبيا وهي السنوات التي امتدت من (1319 هـ =1902م) حتى (1327 هـ=1909م)، ورغم أن علاقته بحكومة السودان لم تكن مستقرة نسبيا وكان عدم الثقة هو الأساس في التعامل، فإن هذه العلاقات كانت غير عدائية، وتتسم بالود الحذر، فكان "دينار" كلما حاول الاستزادة من مظاهر استقلاله الداخلي من خلال تعزيز مركزه داخل السودان أو إقامة علاقات خارجية بصفته الشخصية كسلطان لدارفور وقفت له حكومة السودان الخاضعة للإنجليز بالمرصاد.

                              مشكلات دينار

                              -العلاقة مع السنوسية: كانت الحركة السنوسية ذات التوجه الديني والإصلاحي قد اجتاحت صحاري شمال إفريقيا حتى حدود دارفور، وكانت ذات زخم وقبول واسع في تلك المناطق، وتزامن صعود هذه الحركة مع بداية حكم "علي دينار" ولذا رأى ضرورة عدم الدخول معها في مواجهة، مع عدم السماح لها بالامتداد داخل دارفور.

                              ولتحقيق هذه المعادلة الصعبة، لم يتجاوب "دينار" مع طلب الزعيم "محمد المهدي السنوسي" عندما طلب عام (1317 هـ=1900م) من السلطان "علي دينار" السماح له ولأتباعه بالعبور من الأراضي الدارفورية للذهاب إلى الحج، فتعلل بأن بلاده فقيرة جدا ولا تستطيع استضافة السنوسي ووفده الكبير، كما اعتذر عن عدم إقامة زاوية سنوسية في عاصمته "الفاشر"، ورغم ذلك رأى أن السنوسية ليست منافسة لدولته ويمكنه من خلال توثيق علاقاته بها الحصول على السلاح وبعض البنادق الحديثة.

                              -العلاقة مع سلطنة "واداي": وتقع هذه السلطنة الإسلامية في منطقة تشاد حاليا، وكانت من الممالك الإسلامية الشهيرة، وقد تعرضت في تلك الفترة لاضطرابات كثيرة أضعفتها وجعلتها مطمعا للاستعمار الفرنسي، حيث استطاع الفرنسيون الانتصار على سلطانها "رابح الزبير" في (22 من ذي الحجة 1317 هـ= 22 من إبريل 1900م) في منطقة "كوسري" على بعد خمسة أميال جنوب بحيرة تشاد، لكن سيطرتهم التامة على "واداي" لم تكتمل إلا عام (1326 هـ=1908م) عندما بسطوا سيطرتهم على المنطقة القريبة من الحدود مع دارفور، وهو ما أقلق "علي دينار" خاصة أن المنطقة الحدودية بين الجانبين كانت مسرحا للمناوشات.

                              وقد طلب "علي دينار" من حكومة السودان أن تسانده ضد الفرنسيين، وعندما تقاعست حكومة السودان عن مساندته كتب أول احتجاج إلى تلك الحكومة في (1327 هـ= 1909م) بشأن الانتهاكات الفرنسية الحدودية، ووجدت حكومة السودان نفسها في مأزق فتخطيط الحدود بين دارفور وواداي سيكون مستحيلا بدون جلاء الفرنسيين عن المنطقة الحدودية المتنازع عليها، والاعتراف بالادعاءات الفرنسية في تلك المناطق معناه نقض الهدنة مع "علي دينار"، بينما كان هناك اتجاه لعرض القضية على التحكيم، لكن حكومة السودان كانت ملتزمة ببقاء وضع "علي دينار" على ما هو عليه ورفضت رفضا قاطعا أن يقيم أية علاقات خارجية.

                              -العلاقة مع الجيوب المهدية: عندما سقطت الدولة المهدية في السودان بقي لها عدد من الجيوب في دارفور، وكان أبرز تلك الجيوب "عربي دفع الله" في المناطق الجنوبية من دارفور، و"الفكي سنين حسين" في الغرب، وقد شنت قوات "علي دينار" عدة هجمات على "دفع الله" ودفعته الخسائر التي مني بها إلى أن ينضم إلى "علي دينار" سنة (1320 هـ =1903م) وكان ذلك نهاية الجيب الأول.

                              أما "الفكي سنين" في منطقة "كباكية" فقد استغرق وقتا وتضحيات من "علي دينار" لتصفيته نظرا لقوته وتأثيره الديني، حيث وجه إليه "دينار" جيشا مكونا من أربعة آلاف مقاتل سنة (1317 هـ=1900م) بقيادة خادمه "كيران" لكن المهدية هزمت ذلك الجيش، فأرسل جيشا آخر في العام التالي من ستة آلاف مقاتل لكن المهدية هزمته، فأرسل جيشا ثالثا سنة (1319 هـ=1902م)من اثني عشر ألف مقاتل بقيادة "محمود ديدنجاوي" وهُزم أيضا.

                              لم ييئس "علي دينار" من تصفية ذلك الجيب واتبع سياسة الإجهاد الحربي المتواصل لـ"الفكي سنين" حيث قام بغارات متواصلة على منطقة "كباكية" عدة سنوات دون أن يخوض قتالا كبيرا، وفي سنة (1325 هـ= 1907م) وجه جيشا كبيرا وضرب حصارا على "الفكي" لمدة 17 شهرا وانتهى الأمر في (1327 هـ= 1909م) بدخول جيش دارفور "كباكية" وقتل "الفكي".

                              -العلاقات مع القبائل: شهدت الفترة الأولى من حكم "علي دينار" علاقات متوترة مع القبائل خاصة "المساليت" و"الرزيقات" و"الزيادية" و"المعالية" و"بني هلبة" وامتدت هذه الصراعات إلى نهاية حكمه، وكانت المشكلة الرئيسية هي انعدام الثقة بين الجانبين، فقد كان "علي دينار" يرغب في فرض سطوته عليهم، أما هم فكانوا خائفين منه ومن نمو قوته، وكان لهذه العلاقات المتوترة بينه وبين القبائل انعكاساتها في توتر العلاقة بينه وبين حكومة السودان، وفي استخدام الإنجليز للورقة القبلية ضد "علي دينار" أثناء الحرب ضده واحتلال دارفور بعد ذلك.

                              الانفتاح على الخارج


                              كان "علي دينار" حريصا على الانفتاح نحو الخارج وخلق نوع من التواصل بين دارفور والعالم الخارجي رغم حرص حكومة السودان على الوقوف له بالمرصاد في أي خطوة يقوم بها في هذا الاتجاه، فقد رفضت حكومة السودان التجاوب مع رغبة "علي دينار" في نشر كتاب عن حياته بعنوان "العمران" في القاهرة سنة (1330 هـ= 1912م) حيث رفض الحاكم العام للسودان هذا الأمر رفضا قطعيا، ولم يوافق إلا على طباعة ست نسخ فقط من الكتاب للاستخدام الشخصي للسلطان.

                              وقد تابع الإنجليز محاولات "علي دينار" الانفتاح على بعض الصحف المصرية، وراقبوا اتصالاته بجريدة "العمران" التي كانت تصدر في القاهرة ويُديرها "عبد المسيح الأنطاكي"، والتي كان يدعمها "دينار" بالمال، ورغم ذلك ؛ فقد كانت بعض الصحف المصرية النزيهة تنظر باحترام إلى "علي دينار" مثل صحيفة "اللواء" التي كان يُصدرها الزعيم المصري "مصطفى كامل" وتعتبره بادرة طيبة على طريق التحرر من السيطرة الاستعمارية، ونشرت مقالا مهما عنه في (2 من ربيع الآخر 1318 هـ=29 يوليو 1900م) عنوانه "علي دينار مسالم لا مستسلم"، ثم نشرت مقالا آخر بعد عامين بعنوان "محاولة التدخل الإنجليزي في شئون دارفور وفشلهم في ذلك".

                              وكان لعلي دينار دوره في العلاقات الإسلامية، فقام بحفر عدد من الآبار على مشارف المدينة المنورة عرفت بـ"آبار علي" نسبة إليه، وأصبحت ميقاتا لبعض الحجيج، كما كان له أوقاف بالحجاز.

                              أما موقفه من دولة الخلافة العثمانية، فكانت علاقته بها أثناء الحرب العالمية سببا رئيسيا في تحرك الإنجليز ضده للقضاء عليه وتقويض سلطنته؛ فعندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى ودخلتها تركيا ضد إنجلترا، تغيرت الأوضاع ؛ فقد كانت مصر تابعة من الناحية الاسمية لدولة الخلافة، في حين أنها خاضعة من الناحية الفعلية لسيطرة الاحتلال الإنجليزي، وكان خديوي مصر "عباس حلمي" مساندا للخلافة ضد الإنجليز، ولذا قام الإنجليز بعزله وتعيين عمه "حسين كامل" سلطانا على مصر، وفي (18 من ربيع الأول 1333 هـ=3 من فبراير 1915م) أرسل وزير الحرب التركي "أنور باشا" خطابا إلى "علي دينار" يطلب منه مساندة تركيا في حربها ضد الحلفاء، وقد زاد من خطورة تلك الرسالة تحرك الأتراك مع السنوسية في ليبيا لتحريكهم ضد الوجود الفرنسي في بلاد المغرب ومنطقة تشاد، وضد الإنجليز في مصر والسودان.

                              الصدام والنهاية

                              ويبدو أن "علي دينار" بنى موقفه على أن ألمانيا وتركيا هما المنتصران في الحرب ضد الحلفاء، وأن عليه تقديم العون لتركيا حتى يجني ثمار هذه المساعدة بعد انتهاء الحرب، وإن كان ذلك لا يمنع انطلاق "علي دينار" من عاطفة وحمية دينية لمساندة دولة الخلافة ضد أعدائها من الفرنسيين والبريطانيين الذين أطلق عليهم صفة "الكفار".

                              أما البريطانيون فرأوا أن "علي دينار" قام بانقلاب في السياسة الدارفورية الخارجية نظرا لأنه كان يعاني من فقدان شعبيته فأراد أن يعوض ذلك باللجوء إلى الدين، وأيا ما كان الدافع وراء تمرد "علي دينار" على الإنجليز فقد وقعت الوحشة ثم القتال بين الجانبين، ورأى الإنجليز في البداية ضرورة تأليب القبائل عليه لإضعاف سلطته تمهيدا لحربه، فتم تسليح قبائل "الرزيقات" وتحفيزهم ضده، وتم استغلال شائعة أن السلطان "علي دينار" يجهز تعزيزات من الفور في منطقة جبل الحلة كذريعة لحربه؛ خاصة بعد تحسن الموقف العسكري للإنجليز في مصر ونجاحهم في القضاء على خطر السنوسية على الحدود الغربية لمصر.

                              وقد بدأت الحرب بين الجانبين في ( ربيع الآخر 1334 هـ= مارس 1916م)، ووقعت عدة معارك داخل أراضي دارفور كان أهمها معركة "برنجيه" الواقعة قرب العاصمة الفاشر، وتمكن الإنجليز من تبديد جيش دارفور البالغ 3600 مقاتل بعد أربعين دقيقة من القتال، وقتل في المعركة حوالي ألف رجل من جيش دارفور، وعندما علم "علي دينار" بالهزيمة استعد للقتال مرة أخرى للدفاع عن الفاشر، لكن الجيش الذي كان تحت يديه لم يكن مدربا ولم يكن يمتلك أي أسلحة حديثة، كما أن الإنجليز استخدموا الطائرات لأول مرة في إفريقيا، وكانت هذه المرة ضد جيش "علي دينار"، وتم لهم السيطرة على الفاشر في (22 من رجب 1334 هـ = 24 من مايو 1916م) ففر السلطان بأهله وحرسه نحو جبل مُرّة، وهناك تم اغتيال "علي دينار" أثناء صلاته الصبح على يد أحد أتباعه في (11 من المحرم 1335 هـ=6 من نوفمبر 1916م) بعدما رفض الإنجليز قبول أي تفاوض معه للاستسلام.

                              لقد عبر علي دينار عن تطور ملحوظ في الوعي السياسي للقادة المحليين في السودان وأفريقيا، وعن درجة كبيرة من الوعي الديني والإداري، حيث استطاع إقامة سلطنته في غرب السودان، وكون لها شبكة من العلاقات الخارجية كشفت عن وعي سياسي ناضج، وسعى لبناء سلطنته وفق نظام داخلي جيد مقارنة بالإمكانات التي كانت متاحة له في ذلك الوقت؛ حيث كوّن مجلسا للشورى، وعين مفتيا لسلطنته، ومجلسا للوزراء، وبدأ في تكوين جيش حديث، وأوكل تدريبه إلى ضابط مصري، ووضع نظاما للضرائب يستند إلى الشريعة الإسلامية.

                              منقول
                              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                              تعليق

                              • عبدالغفور الخطيب
                                عضو متميز

                                • Nov 2004
                                • 2698

                                #60
                                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                                الخليل قلاوون وقطز.. سيناريو مشترك

                                (في ذكرى وفاة خليل بن قلاوون: 12 من المحرم 693هـ)



                                شاءت الأقدار أن تكون دولة المماليك التي خرجت من رحم الأخطار العاتية التي أحدقت بالعالم الإسلامي هي التي تحمل على كاهلها تصفية الوجود الصليبي، ووقف الزحف المغولي المدمر الذي سحق في طريقه كل شيء، وزرع الفزع والهلع في نفوس الناس، وكاد يهلك ويدمر معالم الحضارة الإسلامية، ولو لم يكن لهذه الدولة من المفاخر سوى هذا لكفاها فخرًا، فما بالك وقد أحيت الخلافة العباسية في القاهرة، وازدهرت في ربوعها الفنون والعلوم والعمارة.

                                المماليك والحروب الصليبية

                                وكان أول نجاح أحرزه المماليك في وجه الصليبيين هو انتصارهم في معركة المنصورة المعروفة، وإيقاعهم بالملك الفرنسي "لويس التاسع"، زعيم الحملة الصليبية السابعة أسيرا، ولم يفرج عنه إلا بعد أن تعهد بألا يقصد شواطئ الإسلام مرة أخرى.

                                وواصل "الظاهر بيبرس" الجهاد ضد الصليبيين، ووضع برنامجًا طموحًا للقضاء عليهم وطردهم من الشام، وبدأت هجماته وحملاته في وقت مبكر من توليه السلطنة؛ فهاجم إمارة إنطاكية سنة (660هـ= 1262م) وكاد يفتحها، ثم بدأ حربه الشاملة ضد الصليبيين منذ عام (663هـ= 1265م) ودخل في عمليات حربية ضد إمارات الساحل الصليبي، وتوج أعماله العظيمة بفتح مدينة إنطاكية سنة (666هـ= 1268م)، بعد أن ظلت رهينة الأسر الصليبي على مدى أكثر من مائة وخمسين عامًا، وكان ذلك أكبر انتصار حققه المسلمون على الصليبيين منذ أيام حطين واسترداد بيت المقدس.

                                وواصل المماليك جهادهم ضد الصليبيين في عهد السلطان "المنصور قلاوون"، الذي تولى السلطنة في سنة (678هـ= 1279م)، فاستولى على "حصن المرقب" سنة (684هـ= 1285م)، واسترد "اللاذقية" سنة (686هـ= 1287م)، وفتح "طرابلس" بعد حصار دام شهرين في (688هـ= 1289م) ثم تلتها "بيروت" و"جبلة"، ولم يبق للصليبيين في الشام سوى "عكا" و"صيدا" و"عثليت" وبعض المدن الصغيرة، وتجهز لفتح "عكا"، غير أن المنية كانت أسبق من إنجاز حلمه؛ فتوفي في (ذي القعدة 689هـ= نوفمبر 1290م).

                                الأشرف خليل

                                وبعد وفاته خلفه على السلطنة ابنه "الأشرف خليل"، وشاء الله تعالى أن يطوي آخر صفحة للحروب الصليبية على يديه، وأن ينهي الفصل الأخير من القصة الدامية للحروب الصليبية في بلاد الشام.

                                لم يكن "الأشرف خليل" محبوبًا من أمراء المماليك، حتى إن أباه لم يكتب له ولاية العهد؛ بسبب شدته وصرامته واستهانته بأمراء المماليك، لكنه كما يقول "ابن إياس" في "بدائع الزهور": "كان بطلاً لا يكل من الحروب ليلاً ونهارًا، ولا يعرف في أبناء الملوك من كان يناظره في العزم والشجاعة والإقدام".

                                استهل "الأشرف" حكمه بالتخلص من بعض رجال الدولة البارزين، الذين كانت لهم السطوة والنفوذ في عهد أبيه، وبإحلال الأمن في جميع ربوع البلاد، وبدأ في الاستعداد لمواصلة الجهاد ضد الصليبيين، وإتمام ما كان أبوه قد بدأه، وهو فتح عكا، وإنهاء الوجود الصليبي.

                                الاستعداد للمعركة

                                خرج الأشرف خليل من القاهرة في (صفر 690هـ= 1291م) قاصدًا "عكا"، وأرسل في الوقت نفسه إلى كل ولاته بالشام بإمداده بالجنود والعتاد، ونودي في الجامع الأموي بدمشق بالاستعداد لغزو "عكا" وتطهير الشام نهائيًا من الصليبيين، واشترك الأهالي مع الجند في جر المجانيق.

                                وخرج الأمير "حسام الدين لاجين" نائب الشام بجيشه من "دمشق"، وخرج الملك المظفر بجيشه من "حماة"، وخرج الأمير "سيف الدين بلبان" بجيشه من "طرابلس"، وخرج الأمير "بيبرس الدوادار" بجيشه من "الكرك"، وتجمعت كل هذه الجيوش الجرارة عند أسوار عكا، وقدر عددها بنحو ستين ألف فارس، ومائة وستين ألفًا من المشاة؛ مجهزين بالأسلحة وعدد كبير من آلات الحصار، وبدأت في فرض حصارها على "عكا" في (ربيع الآخر 690هـ= 5 من إبريل 1291م)، ومهاجمة أسوارها وضربها بالمجانيق؛ وهو ما مكنهم من إحداث ثقوب في سور المدينة.

                                اشتد الحصار الذي دام ثلاثة وأربعين يومًا، وعجز الصليبيون عن الاستمرار في المقاومة، ودب اليأس في قلوبهم؛ فخارت قواهم، وشق المسلمون طريقهم إلى القلعة، وأجبروا حاميتها على التراجع؛ فدخلوا المدينة التي استسلمت، وشاعت الفوضى في المدينة، بعد أن زلزلت صيحات جنود المماليك جنبات المدينة، وهز الرعب والفزع قلوب الجنود والسكان؛ فاندفعوا إلى الميناء في غير نظام يطلبون النجاة بقواربهم إلى السفن الراسية قبالة الشاطئ؛ فغرق بعضهم بسبب التدافع وثقل حمولة القوارب.

                                انهارت المدينة ووقع عدد كبير من سكانها أسرى في قبضة المماليك، وسقطت في يد الأشرف خليل في (17 من جمادى الأولى 690هـ= 18 مايو 1291م)، ثم واصل سعيه لإسقاط بقية المعاقل الصليبية في الشام؛ فاسترد مدينة "صور" دون مقاومة، و"صيدا" ودمرت قواته قلعتها، وفتح "حيفا" دون مقاومة، و"طرسوس" في (5 من شعبان 690هـ= 3 من أغسطس 1291م)، و"عثليث" في (16 من شعبان 690هـ).

                                ظلت الجيوش المملوكية تجوب الساحل الشامي بعد جلاء الصليبيين من أقصاه إلى أقصاه بضعة أشهر تدمر كل ما تعتبره صالحًا لنزول الصليبيين إلى البر مرة أخرى، وبهذا وضع "الأشرف خليل" بشجاعته وإقدامه خاتمة الحروب الصليبية.

                                عاد السلطان إلى القاهرة يحمل أكاليل النصر، وسار موكبه في الشوارع يسوق أمامه عددًا كبيرًا من الأسرى، وخلفهم جنوده البواسل يحملون أعلام الأعداء منكسة، ورؤوس قتلاهم على أسنة الرماح.

                                قلاوون وقطز!

                                ولم تطل مدة حكم الأشرف خليل أكثر من ثلاث سنوات وشهرين وأربعة أيام؛ فقد كان الود مفقودًا بينه وبين كبار المماليك، وحل التربص وانتظار الفرصة التي تمكن أحدهما من التخلص من الآخر محل التعاون في إدارة شئون الدولة، وكانت يد الأمراء المماليك أسرع في التخلص من السلطان، ولم يشفع عندهم جهاد الرجل في محاربة الصليبيين؛ فكانت روح الانتقام والتشفي أقوى بأسًا من روح التسامح والمسالمة؛ فدبروا له مؤامرة وهو في رحلة صيد خارج القاهرة – كما فعل بقطز بعد انتصاره على التتار في عين جالوت- وتمكنوا من قتله في (12 من المحرم 693هـ= ديسمبر 1293م) وبقيت جثته ملقاة في الصحراء أيامًا إلى أن نُقلت إلى القاهرة؛ حيث دفنت بالمدرسة التي أنشأها لنفسه بالقرب من ضريح السيدة نفيسة.‏‏

                                منقول
                                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                                تعليق

                                يعمل...