مناسبة حسب التقويم الهجري

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #151
    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

    في ذكرى مبايعة الأمير عبد القادر الجزائري أميرا للجهاد 29 جمادى الآخرة 1248 هـ

    اعلموا أن غايتي القصوى اتحاد الملة المحمدية، والقيام بالشعائر الأحمدية، وعلى الله الاتكال في ذلك كله".


    هذه كلمات المجاهد حين يحكم، والمستضعف حين يتمكن، خرجت قوية صادقة من قلبه الأبيّ حين أُقيمت دولته، وأُعليت رايته، إنه عبد القادر الجزائري…المجاهد الذي ما وجد أهل الجزائر سواه لينصّبوه إمامًا للمجاهدين وهو ابن الخامسة والعشرين، وأرادوه "سلطانًا" فأبى أن يكون إلا "أمير الجهاد".

    فهو محط أنظارنا، والجدير باعتبارنا، وهو شخصية تمتلئ حياتها بعبرة لأولى الأبصار وتذكرة لأهل الاعتبار.


    من هو الأمير عبد القادر؟


    هو عبد القادر ابن الأمير محيي الدين الحسيني، يتصل نسبه بالإمام الحسين بن علي ولد في 23 من رجب عام 1222هـ / مايو 1807م، وذلك بقرية "القيطنة" بوادي الحمام من منطقة "وهران" بالمغرب الأوسط أو الجزائر، ثم انتقل والده إلى مدينة وهران، ولم يكن الوالد هملاً بين الناس، بل كان ممن لا يسكتون على الظلم، فكان من الطبيعي أن يصطدم مع الحاكم العثماني لمدينة "وهران"، وأدى هذا إلى تحديد إقامة الوالد في بيته، فاختار أن يخرج من الجزائر كلها في رحلة طويلة، وكان الإذن له بالخروج لفريضة الحج عام 1241هـ/ 1825م، فخرج الوالد واصطحب ابنه عبد القادر معه، فكانت رحلة عبد القادر إلى تونس ثم مصر ثم الحجاز ثم البلاد الشامية ثم بغداد، ثم العودة إلى الحجاز، ثم العودة إلى الجزائر مارًا بمصر وبرقة وطرابلس ثم تونس، وأخيرًا إلى الجزائر من جديد عام 1828م، فكانت رحلة تعلم ومشاهدة ومعايشة للوطن العربي في هذه الفترة من تاريخه، وما لبث الوالد وابنه أن استقرا في قريتهم "قيطنة"، ولم يمض وقت طويل حتى تعرضت الجزائر لحملة عسكرية فرنسية شرسة، وتمكنت فرنسا من احتلال العاصمة فعلاً في 5 يوليو 1830م، واستسلم الحاكم العثماني سريعًا، ولكن الشعب الجزائري كان له رأي آخر.


    فرّق الشقاق بين الزعماء كلمة الشعب، وبحث أهالي وعلماء "وهران" عن زعيم يأخذ اللواء ويبايعون على الجهاد تحت قيادته، واستقر الرأي على "محيي الدين الحسيني" وعرضوا عليه الأمر، ولكن الرجل اعتذر عن الإمارة وقبل قيادة الجهاد، فأرسلوا إلى صاحب المغرب الأقصى ليكونوا تحت إمارته، فقبل السلطان "عبد الرحمن بن هشام" سلطان المغرب، وأرسل ابن عمه "علي بن سليمان" ليكون أميرًا على وهران، وقبل أن تستقر الأمور تدخلت فرنسا مهددة السلطان بالحرب، فانسحب السلطان واستدعى ابن عمه ليعود الوضع إلى نقطة الصفر من جديد، ولما كان محيي الدين قد رضي بمسئولية القيادة العسكرية، فقد التفت حوله الجموع من جديد، وخاصة أنه حقق عدة انتصارات على العدو، وقد كان عبد القادر على رأس الجيش في كثير من هذه الانتصارات، فاقترح الوالد أن يتقدم "عبد القادر" لهذا المنصب، فقبل الحاضرون، وقبل الشاب تحمل هذه المسئولية، وتمت البيعة، ولقبه والده بـ "ناصر الدين" واقترحوا عليه أن يكون "سلطان" ولكنه اختار لقب "الأمير"، وبذلك خرج إلى الوجود الأمير عبد القادر ناصر الدين بن محيي الدين الحسيني، وكان ذلك في 13 رجب 1248هـ/ نوفمبر 1832م.
    وحتى تكتمل صورة الأمير عبد القادر، فقد تلقى الشاب مجموعة من العلوم فقد درس الفلسفة (رسائل إخوان الصفا - أرسطو طاليس - فيثاغورس) ودرس الفقه والحديث فدرس صحيح البخاري ومسلم، وقام بتدريسهما، كما تلقى الألفية في النحو، والسنوسية، والعقائد النسفية في التوحيد، وايساغوجي في المنطق، والإتقان في علوم القرآن، وبهذا اكتمل للأمير العلم الشرعي، والعلم العقلي، والرحلة والمشاهدة، والخبرة العسكرية في ميدان القتال، وعلى ذلك فإن الأمير الشاب تكاملت لديه مؤهلات تجعله كفؤًا لهذه المكانة، وقد وجه خطابه الأول إلى كافة العروش قائلاً: "… وقد قبلت بيعتهم (أي أهالي وهران وما حولها) وطاعتهم، كما أني قبلت هذا المنصب مع عدم ميلي إليه، مؤملاً أن يكون واسطة لجمع كلمة المسلمين، ورفع النزاع والخصام بينهم، وتأمين السبل، ومنع الأعمال المنافية للشريعة المطهرة، وحماية البلاد من العدو، وإجراء الحق والعدل نحو القوى والضعيف، واعلموا أن غايتي القصوى اتحاد الملة المحمدية، والقيام بالشعائر الأحمدية، وعلى الله الاتكال في ذلك كله".


    دولة الأمير عبد القادر


    وقد بادر الأمير عبد القادر بإعداد جيشه، ونزول الميدان ليحقق انتصارات متلاحقة على الفرنسيين، وسعى في ذات الوقت إلى التأليف بين القبائل وفض النزاعات بينها، وقد كانت بطولته في المعارك مثار الإعجاب من العدو والصديق فقد رآه الجميع في موقعة "خنق النطاح" التي أصيبت ملابسه كلها بالرصاص وقُتِل فرسه ومع ذلك استمر في القتال حتى حاز النصر على عدوه، وأمام هذه البطولة اضطرت فرنسا إلى عقد اتفاقية هدنة معه وهي اتفاقية "دي ميشيل" في عام 1834، وبهذه الاتفاقية اعترفت فرنسا بدولة الأمير عبد القادر، وبذلك بدأ الأمير يتجه إلى أحوال البلاد ينظم شؤونها ويعمرها ويطورها، وقد نجح الأمير في تأمين بلاده إلى الدرجة التي عبر عنها مؤرخ فرنسي بقوله: "يستطيع الطفل أن يطوف ملكه منفردًا، على رأسه تاج من ذهب، دون أن يصيبه أذى!!".

    وقبل أن يمر عام على الاتفاقية نقض القائد الفرنسي الهدنة، وناصره في هذه المرة بعض القبائل في مواجهة الأمير عبد القادر، ونادى الأمير قي قومه بالجهاد ونظم الجميع صفوف القتال، وكانت المعارك الأولى رسالة قوية لفرنسا وخاصة موقعة "المقطع" حيث نزلت بالقوات الفرنسية هزائم قضت على قوتها الضاربة تحت قيادة "تريزيل" الحاكم الفرنسي.

    ولكن فرنسا أرادت الانتقام فأرسلت قوات جديدة وقيادة جديدة، واستطاعت القوات الفرنسية دخول عاصمة الأمير وهي مدينة "المعسكر" وأحرقتها، ولولا مطر غزير أرسله الله في هذا اليوم ما بقى فيها حجر على حجر، ولكن الأمير استطاع تحقيق مجموعة من الانتصارات دفعت فرنسا لتغيير القيادة من جديد ليأتي القائد الفرنسي الماكر الجنرال "بيجو"؛ ولكن الأمير نجح في إحراز نصر على القائد الجديد في منطقة "وادي تفنة" أجبرت القائد الفرنسي على عقد معاهدة هدنة جديدة عُرفت باسم "معاهد تافنة" في عام 1837م.

    وعاد الأمير لإصلاح حال بلاده وترميم ما أحدثته المعارك بالحصون والقلاع وتنظيم شؤون البلاد، وفي نفس الوقت كان القائد الفرنسي "بيجو" يستعد بجيوش جديدة، ويكرر الفرنسيون نقض المعاهدة في عام 1839م، وبدأ القائد الفرنسي يلجأ إلى الوحشية في هجومه على المدنيين العزل فقتل النساء والأطفال والشيوخ، وحرق القرى والمدن التي تساند الأمير، واستطاع القائد الفرنسي أن يحقق عدة انتصارات على الأمير عبد القادر، ويضطر الأمير إلى اللجوء إلى بلاد المغرب الأقصى، ويهدد الفرنسيون السلطان المغربي، ولم يستجب السلطان لتهديدهم في أول الأمر ، وساند الأمير في حركته من أجل استرداد وطنه، ولكن الفرنسيين يضربون طنجة وموغادور بالقنابل من البحر، وتحت وطأة الهجوم الفرنسي يضطر السلطان إلى طرد الأمير عبد القادر، بل ويتعهد للفرنسيين بالقبض عليه.

    يبدأ الأمير سياسة جديد في حركته، إذ يسارع لتجميع مؤيديه من القبائل، ويصير ديدنه الحركة السريعة بين القبائل فإنه يصبح في مكان ويمسي في مكان آخر حتى لقب باسم "أبا ليلة وأبا نهار"، واستطاع أن يحقق بعض الانتصارات، ولكن فرنسا دعمت قواتها بسرعة، فلجأ مرة ثانية إلى بلاد المغرب، وكانت المفاجأة أن سلطان المغرب وجه قواته لمحاربة الأمير، والحق أن هذا الأمر لم يكن مفاجأة كاملة فقد تعهد السلطان لفرنسا بذلك، ومن ناحية أخرى ورد في بعض الكتابات أن بعض القبائل المغربية راودت الأمير عبد القادر أن تسانده لإزالة السلطان القائم ومبايعته سلطانًا بالمغرب، وعلى الرغم من انتصار الأمير عبد القادر على الجيش المغربي، إلا أن المشكلة الرئيسية أمام الأمير هي الحصول على سلاح لجيشه، ومن ثم أرسل لكل من بريطانيا وأمريكا يطلب المساندة والمدد بالسلاح في مقابل إعطائهم مساحة من سواحل الجزائر: كقواعد عسكرية أو لاستثمارها، وبمثل ذلك تقدم للعرش الإسباني ولكنه لم يتلقَ أي إجابة، وأمام هذا الوضع اضطر في النهاية إلى التفاوض مع القائد الفرنسي "الجنرال لامور يسيار" على الاستسلام على أن يسمح له بالهجرة إلى الإسكندرية أو عكا ومن أراد من اتباعه، وتلقى وعدًا زائفًا بذلك فاستسلم في 23 ديسمبر 1847م، ورحل على ظهر إحدى البوارج الفرنسية، وإذا بالأمير يجد نفسه بعد ثلاثة أيام في ميناء طولون ثم إلى إحدى السجون الحربية الفرنسية، وهكذا انتهت دولة الأمير عبد القادر، وقد خاض الأمير خلال هذه الفترة من حياته حوالي 40 معركة مع الفرنسيين والقبائل المتمردة والسلطان المغربي.

    الأمير الأسير


    ظل الأمير عبد القادر في سجون فرنسا يعاني من الإهانة والتضييق حتى عام 1852م ثم استدعاه نابليون الثالث بعد توليه الحكم، وأكرم نزله، وأقام له المآدب الفاخرة ليقابل وزراء ووجهاء فرنسا، ويتناول الأمير كافة الشئون السياسية والعسكرية والعلمية، مما أثار إعجاب الجميع بذكائه وخبرته، ودُعي الأمير لكي يتخذ من فرنسا وطنًا ثانيًا له، ولكنه رفض، ورحل إلى الشرق، حيث استنانبول والسلطان عبد المجيد، والتقى فيها بسفراء الدول الأجنبية، ثم استقر به المقام في دمشق منذ عام 1856م وفيها أخذ مكانة بين الوجهاء والعلماء، وقام بالتدريس في المسجد الأموي كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية، وفي المدرسة الحقيقية.

    وفي عام 1276/1860 تتحرك شرارة الفتنة بين المسلمين والنصارى في منطقة الشام، ويكون للأمير دور فعال في حماية أكثر من 15 ألف من النصارى، إذ استضافهم في منازله.

    وفاته

    وافاه الأجل بدمشق في منتصف ليلة 19 رجب 1300هـ/ 24 من مايو 1883 عن عمر يناهز 76 عامًا، وقد دفن بجوار الشيخ ابن عربي بالصالحية.

    منقول
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

    تعليق

    • عبدالغفور الخطيب
      عضو متميز

      • Nov 2004
      • 2698

      #152
      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

      المشد.. قصة اغتيال عالم مصري

      30 من جمادى الآخرة 1400 ـ ذكرى اغتيال العالم النووي يحيى المشد


      في يوم الجمعة 13 يونيه عام 1980 وفى حجرة رقم 941 بفندق الميريديان بباريس عُثر على الدكتور يحيى المشد جثة هامدة مهشمة الرأس ودماؤه تغطي سجادة الحجرة.. وقد أغلق التحقيق الذي قامت به الشرطة الفرنسية على أن الفاعل مجهول!! هذا ما أدت إليه التحقيقات الرسمية التي لم تستطع أن تعلن الحقيقة التي يعرفها كل العالم العربي وهي أن الموساد وراء اغتيال المشد..

      والحكاية تبدأ بعد حرب يونيه 1967 عندما توقف البرنامج النووي المصري تماما، ووجد كثير من العلماء والخبراء المصريين في هذا المجال أنفسهم مجمدين عن العمل الجاد، أو مواصلة الأبحاث في مجالهم، وبعد حرب 1973 وبسبب الظروف الاقتصادية لسنوات الاستعداد للحرب أعطيت الأولوية لإعادة بناء المصانع، ومشروعات البنية الأساسية، وتخفيف المعاناة عن جماهير الشعب المصري التي تحملت سنوات مرحلة الصمود وإعادة بناء القوات المسلحة من أجل الحرب، وبالتالي لم يحظ البرنامج النووي المصري في ذلك الوقت بالاهتمام الجاد والكافي الذي يعيد بعث الحياة من جديد في مشروعاته المجمدة.

      البداية في العراق

      في ذلك الوقت وبالتحديد في مطلع 1975 كان صدام حسين نائب الرئيس العراقي وقتها يملك طموحات كبيرة لامتلاك كافة أسباب القوة؛ فوقّع في 18 نوفمبر عام 1975 اتفاقاً مع فرنسا للتعاون النووي.. من هنا جاء عقد العمل للدكتور يحيى المشد العالم المصري والذي يعد من القلائل البارزين في مجال المشروعات النووية وقتها، ووافق المشد على العرض العراقي لتوافر الإمكانيات والأجهزة العلمية والإنفاق السخي على مشروعات البرنامج النووي العراقي.

      النشأة والتكوين

      والدكتور يحيى أمين المشد من مواليد عام 1932، قضى حياته في الإسكندرية، وتخرج في كلية الهندسة قسم كهرباء، جامعة الإسكندرية عام 1952، بُعث إلى الاتحاد السوفيتي؛ لدراسة هندسة المفاعلات النووية عام 1956، ثم أسند إليه القيام ببعض الأبحاث في قسم المفاعلات النووية بهيئة الطاقة النووية في مصر، وسافر إلى النرويج عامي 63 و1964 لعمل بعض الدراسات، ثم انضم بعد ذلك للعمل كأستاذ مساعد ثم كأستاذ بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية.

      وأشرف الدكتور المشد في فترة تدريسه بالكلية على أكثر من 30 رسالة دكتوراه، ونُشر باسمه خمسون بحثاً علميًّا، تركزت معظمها على تصميم المفاعلات النووية ومجال التحكم في المعاملات النووية، وكعادة الاغتيالات دائما ما تحاط بالتعتيم الإعلامي والسرية والشكوك المتعددة حول طريقة الاغتيال.

      ملابسات الاغتيال

      أول ما نسبوه للمشد أن الموساد استطاع اغتياله عن طريق مومس فرنسية، إلا أنه ثبت عدم صحة هذا الكلام؛ حيث إن "ماري كلود ماجال" أو "ماري إكسبريس" كشهرتها –الشاهدة الوحيدة- وهي امرأة ليل فرنسية كانت تريد أن تقضي معه سهرة ممتعة، أكدت في شهادتها أنه رفض تمامًا مجرد التحدث معها، وأنها ظلت تقف أمام غرفته لعله يغيّر رأيه؛ حتى سمعت ضجة بالحجرة.. ثم اغتيلت أيضاً هذه الشاهدة الوحيدة.

      كما تدافع عنه وبشدة زوجته "زنوبة علي الخشاني" حيث قالت: "يحيى كان رجلا محترما بكل معنى الكلمة، وأخلاقه لا يختلف عليها اثنان، ويحيى قبل أن يكون زوجي فهو ابن عمتي، تربينا سويًّا منذ الصغر؛ ولذلك أنا أعلم جيدًا أخلاقه، ولم يكن له في هذه "السكك" حتى إنه لم يكن يسهر خارج المنزل، إنما كان من عمله لمنزله والعكس…".

      وقيل أيضاً: إن هناك شخصاً ما استطاع الدخول إلى حجرته بالفندق وانتظره حتى يأتي، ثم قتله عن طريق ضربه على رأسه، وإذا كان بعض الصحفيين اليهود قد دافعوا عن الموساد قائلين: إن جهاز الموساد لا يستخدم مثل هذه الأساليب في القتل؛ فالرد دائماً يأتي: ولماذا لا يكون هذا الأسلوب اتُّبع لكي تبتعد الشبهات عن الموساد؟!

      ودليل ذلك أن المفاعل العراقي تم تفجيره بعد شهرين من مقتل المشد، والغريب أيضا والمثير للشكوك أن الفرنسيين صمّموا على أن يأتي المشد بنفسه ليتسلم شحنة اليورانيوم، رغم أن هذا عمل يقوم به أي مهندس عادي كما ذكر لهم في العراق بناء على رواية زوجته، إلا أنهم في العراق وثقوا فيه بعدما استطاع كشف أن شحنة اليورانيوم التي أرسلت من فرنسا غير مطابقة للمواصفات، وبالتالي أكدوا له أن سفره له أهمية كبرى.

      السياسة والصداقة

      الغريب أنه بعد رجوع أسرة المشد من العراق؛ قاموا بعمل جنازة للراحل، ولم يحضر الجنازة أي من المسئولين أو زملاؤه بكلية الهندسة إلا قلة معدودة.. حيث إن العلاقات المصرية العراقية وقتها لم تكن على ما يرام بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وأصبحت أسرة المشد الآتية من العراق لا تعرف ماذا تفعل بعد رحيل المشد، لولا المعاش الذي كانت تصرفه دولة العراق والذي صرف بناء على أوامر من صدام حسين مدى الحياة (رغم أنه توقف بعد حرب الخليج).. ومعاش ضئيل من الشئون الاجتماعية التي لم تراع وضع الأسرة أو وضع العالم الكبير.

      كما أن الإعلام المصري لم يسلط الضوء بما يكفي على قصة اغتيال المشد رغم أهميتها، ولعل توقيت هذه القصة وسط أحداث سياسية شاحنة جعلها أقل أهمية مقارنة بهذه الأحداث!!

      وبقي ملف المشد مقفولاً، وبقيت نتيجة التحريات أن الفاعل مجهول.. وأصبح المشد واحداً من سلسلة من علماء العرب المتميزين الذين تم تصفيتهم على يد الموساد.. وما زال المسلسل مستمراً..!!


      منقول
      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

      تعليق

      • عبدالغفور الخطيب
        عضو متميز

        • Nov 2004
        • 2698

        #153
        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

        جالديران.. الطريق إلى المشرق الإسلامي

        (في ذكرى نشوبها: 2 رجب 920هـ)



        كانت معركة "جالديران" من المعارك الفاصلة في تاريخ الدولة العثمانية؛ فقد استطاع السلطان العثماني التاسع "سليم الأول" بانتصاره على "الصفويين" في سهول "جالديران" أن يحقق لدولته الأمان من عدو طالما شكل خطرًا داهمًا على وحدتها واستقرارها.

        كان السلطان "بايزيد الثاني" والد السلطان "سليم الأول" ميالا إلى البساطة في حياته، محبًا للتأمل والسلام؛ ولذلك فقد أطلق عليه بعض المؤرخين العثمانيين لقب "الصوفي"، وقد تمرد عليه أبناؤه الثلاثة في أواخر حكمه، واستطاع "سليم الأول" بمساعدة الإنكشارية أن يخلع أباه وينفرد بالحكم، ثم بدأ حملة واسعة للتخلص من المعارضين والعمل على استقرار الحكم، وإحكام قبضته على مقاليد الأمور في الدولة.

        وقد اتسم السلطان "سليم" بكثير من الصفات التي أهَّلته للقيادة والزعامة؛ فهو –بالإضافة إلى ما يتمتع به من الحيوية الذهنية والجسدية- كان شديد الصرامة، يأخذ نفسه بالقسوة في كثير من الأمور، خاصة فيما يتعلق بأمور الدولة والحكم.

        وبرغم ما كان عليه من القسوة والعنف فإنه كان محبًا للعلم، يميل إلى صحبة العلماء والأدباء، وله اهتمام خاص بالتاريخ والشعر الفارسي.

        التحول الصفوي

        اهتم السلطان "سليم الأول" منذ الوهلة الأولى بتأمين الحدود الشرقية للدولة ضد أخطار الغزو الخارجي الذي يتهددها من قِبل الصفويين -حكام فارس- الذين بدأ نفوذهم يزداد، ويتفاقم خطرهم، وتعدد تحرشهم بالدولة العثمانية.

        وقد بدأت الحركة الصفوية كحركة صوفية منذ أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، ولكنها انتقلت من التأمل الصوفي إلى العقيدة الشيعية المناضلة منذ أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، حتى استطاع الشاه "إسماعيل" -ابن آخر الزعماء الصفويين- أن يستولي على الحكم، ويكوِّن دولته بمساندة قبائل التركمان التي توافدت بالآلاف للانضمام إليه.

        وحظي "إسماعيل الصفوي" بكثير من الاحترام والتقدير اللذين يصلان إلى حد التقديس، وكانت له كلمة نافذة على أتباعه، ومن ثَمَّ فقد قرر أن يمد نفوذه إلى الأراضي العثمانية المتاخمة لدولته في شرقي الأناضول.

        وبدأ "إسماعيل" خطته بإرسال مئات من الدعاة الصفويين إلى الأناضول، فعملوا على نشر الدعوة الشيعية في أوساط الرعاة التركمان، وحققوا في ذلك نجاحًا كبيرًا.

        تصاعد الخطر

        وبالرغم من شعور السلطان "سليم" بتوغل المذهب الشيعي واستشعاره الخطر السياسي الذي تحتله تلك الدعوة باعتبارها تمثل تحديًا أساسيًا للمبادئ السُّنِّية التي تقوم عليها الخلافة العثمانية، فإن السلطان لم يبادر بالتصدي لهم إلا بعد أن اطمأنَّ إلى تأمين الجبهة الداخلية لدولته، وقضى تمامًا على كل مصادر القلاقل والفتن التي تهددها.

        وبدأ "سليم" يستعد لمواجهة الخطر الخارجي الذي يمثله النفوذ الشيعي؛ فاهتم بزيادة عدد قواته من الانكشارية حتى بلغ عددهم نحو خمسة وثلاثين ألفًا، وزاد في رواتبهم، وعُني بتدريبهم وتسليحهم بالأسلحة النارية المتطورة.

        وأراد السلطان "سليم الأول" أن يختبر قواته من الانكشارية، فخاض بها عدة معارك ناجحة ضد "الصفويين" في "الأناضول" و"جورجيا".

        سليم يقرع طبول الحرب

        وبعد أن اطمأنَّ السلطان "سليم" إلى استعداد قواته للمعركة الفاصلة بدأ يسعى لإيجاد ذريعة للحرب ضد الصفويين، ووجد السلطان بغيته في التغلغل الشيعي الذي انتشر في أطراف الدولة العثمانية، فأمر بحصر أعداد الشيعة المنتشرين في الولايات المتاخمة لبلاد العجم بصورة سرية، ثم أمر بقتلهم جميعًا في مذبحة رهيبة بلغ عدد ضحاياها نحو أربعين ألفًا.

        وفي أعقاب تلك المذبحة أعلن السلطان "سليم" الحرب على الصفويين، وتحرك على رأس جيش تبلغ قوته مائة وأربعين ألف مقاتل من مدينة "أدرنه" في [ 22 من المحرم 920هـ= 19 من مارس 1514م] فسار بجيشه حتى وصل "قونية" في [7 من ربيع الآخر 920= 1 من يونيو 1514م] فاستراح لمدة ثلاثة أيام، ثم واصل سيره حتى وصل "آرزنجان" في [أول جمادى الآخرة 920 هـ= 24 من يوليو 1514م]، ثم واصل المسير نحو "أرضوم"، فبلغها في [13 من جمادى الآخرة 920 هـ= 5 من أغسطس 1514].

        وسار الجيش العثماني قاصدًا "تبريز" عاصمة الفرس، فلم تقابله في تقدمه واجتياحه بلاد فارس مقاومة تذكر؛ فقد كانت الجيوش الفارسية تتقهقر أمامه، وكانوا يحرقون المحاصيل، ويدمرون الدور التي كانوا يخلفونها من ورائهم بعد انسحابهم، حتى لا يجد جيش العثمانيين من المؤن ما يساعده على التوغل في بلاد فارس وتحقيق المزيد من الانتصارات، وكان الفرس يتقهقرون بشكل منظم حتى يمكنهم الانقضاض على الجيوش العثمانية بعد أن يصيبهم التعب والإنهاك.

        واستمر تقدم السلطان "سليم" بقواته داخل الأراضي الفارسية، وكان الشاه "إسماعيل الصفوي" يتجنب لقاء قوات العثمانيين لتفوقها وقوتها، وقد رأى الانسحاب إلى أراضي شمال إيران الجبلية؛ حيث تمكنه طبيعتها الوعرة من الفرار من ملاحقة جيوش العثمانيين.

        المواجهة الحاسمة في جالديران

        وفي خِضم تلك الأحداث العصيبة فوجئ السلطان "سليم" ببوادر التمرد من جانب بعض الجنود والقادة الذين طالبوا بإنهاء القتال والعودة إلى "القسطنطينية"، فأمر السلطان بقتلهم، وكان لذلك تأثير كبير في إنهاء موجة التردد والسخط التي بدأت بوادرها بين الجنود، فتبددت مع الإطاحة برؤوس أولئك المتمردين.

        وتقدم الجيش العثماني بصعوبة شديدة إلى "جالديران" في شرقي "تبريز"، وكان الجيش الصفوي قد وصلها منذ مدة حتى بلغها في [أول ليلة من رجب 920هـ=22 من أغسطس 1514م]، وقرر المجلس العسكري العثماني (ديوان حرب) الذي اجتمع في تلك الليلة القيام بالهجوم فجر يوم [2 من رجب 920هـ= 23 من أغسطس 1514].

        كان الفريقان متعادليْن تقريبا في عدد الأفراد، إلا أن الجيش العثماني كان تسليحه أكثر تطورًا، وتجهيزاته أكمل، واستعداده للحرب أشد.

        وبدأ الهجوم، وحمل الجنود الانكشارية على الصفويين حملة شديدة، وبالرغم من أن معظم الجنود العثمانيين كانوا عرضة للإرهاق والتعب بعد المسافة الطويلة التي قطعوها وعدم النوم بسبب التوتر والتجهيز لمباغتة العدو فجرًا فإنهم حققوا انتصارًا حاسمًا على الصفويين، وقتلوا منهم الآلاف، كما أَسَروا عددًا كبيرًا من قادتهم.

        العثمانيون في تبريز

        وتمكن الشاه "إسماعيل الصفوي" من النجاة بصعوبة شديدة بعد إصابته بجرح، ووقع في الأَسْر عدد كبير من قواده، كما أُسرت إحدى زوجاته، ولم يقبل السلطان "سليم" أن يردها إليه، وزوّجها لأحد كتّابه انتقامًا من الشاه.

        ودخل العثمانيون "تبريز" في [14 من رجب 920 هـ= 4 من سبتمبر 1514م] فاستولوا على خزائن الشاه، وأمر السلطان "سليم" بإرسالها إلى عاصمة الدولة العثمانية، وفي خِضم انشغاله بأمور الحرب والقتال لم يغفل الجوانب الحضارية والعلمية والتقنية؛ حيث أمر بجمع العمال المهرة والحاذفين من أرباب الحرف والصناعات، وإرسالهم إلى "القسطنطينية"؛ لينقلوا إليها ما بلغوه من الخبرة والمهارة.

        وكان السلطان "سليم" يشعر بما نال جنوده من التعب والإعياء بعد المجهود الشاق والخارق الذي بذلوه، فمكث في المدينة ثمانية أيام حتى استردّ جنوده أنفاسهم، ونالوا قسطًا من الراحة استعدادًا لمطاردة فلول الصفويين.

        وترك السلطان المدينة، وتحرك بجيوشه مقتفيًا أثر الشاه "إسماعيل" حتى وصل إلى شاطئ نهر "أراس"، ولكن برودة الجو وقلة المؤن جعلتاه يقرر العودة إلى مدينة "أماسيا" بآسيا الصغرى للاستراحة طوال الشتاء، والاستعداد للحرب مع قدوم الربيع بعد أن حقق الهدف الذي خرج من أجله، وقضى على الخطر الذي كان يهدد دولته في المشرق، إلا أنه كان على قناعة بأن عليه أن يواصل الحرب ضد الصفويين، وقد تهيأ له ذلك بعد أن استطاع القضاء على دولة المماليك في الشام أقوى حلفاء الصفويين.

        منقول
        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

        تعليق

        • عبدالغفور الخطيب
          عضو متميز

          • Nov 2004
          • 2698

          #154
          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

          سقوط الأنبار.. الطريق إلى "دومة الجندل"

          (في ذكرى فتحها: 4 من رجب 12هـ)


          بعد أن أتم خالد بن الوليد فتح الحيرة انصرف إلى إخضاع أجزاء أخرى من العراق، فبدأ بالأقاليم القريبة منه، وأرسل الكتب إلى رؤساء تلك الأقاليم يخيرهم بين ثلاثة أمور: إما الإسلام، أو الجزية، أو القتال، فاختاروا دفع الجزية، وكتب لهم خالد بن الوليد العهود والمواثيق بذلك.

          وكانت إمبراطورية فارس تتهاوى نحو مصيرها المحتوم بعد أن أخذت الأمور فيها تسير من سيئ إلى أسوأ، بعد دب الشقاق والنزاع بين أمراء البيت الفارسي حول أحقية كل منهم بوراثة العرش.

          واستطاع خالد بن الوليد مع بدايات عام (12هـ = 633م) أن يحقق السيطرة على المنطقة الواقعة بين النهرين، ويخضعها لنفوذه ثم عمل على تنظيمها إداريا وعسكريا حتى تظل خاضعة له.

          واتجه خالد ببصره نحو الشمال، حيث كانت هناك مدينتان لا تزالان خاضعتين للنفوذ الفارسي، تحت إمارة بعض أمراء الفرس، وكان لكل منهما حامية قوية من الفرس والعرب الموالين لهم تحميها وتدافع عنها.

          وقرر خالد أن يفتح هاتين المدينتين: الأنبار، وعين التمر، ورأى أن يبدأ بالأنبار تلك المدينة القديمة، منيعة التحصين والتي كانت مركزا تجاريا مهما تأتي إليه قوافل التجارة من بلاد الشام وأرض فارس، وبها مخازن شهيرة للحبوب والغلال.

          ومع منتصف ربيع الآخر (12هـ = 633م) سار خالد في نحو تسعة آلاف مقاتل من الحيرة تاركا بها نصف جيشه، وانطلق ليجتاز الضفة الغربية لنهر الفرات حتى وصل إلى مكان بالقرب من الأنبار، وأرسل عناصر من قواته لاستطلاع المكان واستكشاف الطريق، ثم واصل تحركه نحو الأنبار.

          كانت مدينة الأنبار محصنة تحصينا قويا ومحاطة بخندق عميق مليء بالماء، يقع في مرمى الرماة من الجنود الفرس المتحصنين بأسوار حصينة عالية، بحيث يحبطون أي محاولة لاجتيازه.

          وعندما رأى الفرس المسلمين يقتربون من المدينة قاموا بتدمير الجسور التي فوق الخندق، حتى لا يعبر عليها المسلمون إلى المدينة.

          ووصل خالد بالقرب من أسوار المدينة حيث ضرب حصارا عليها، وبدأ يدرس تحصيناتها الدفاعية ليتعرف على نواحي القوة والضعف فيها، وكان آلاف من الجنود الفرس يرقبونه من فوق السور في ترقب وقلق.

          وجمع خالد ألف رام من أمهر رماته ليسرّ إليهم بخطته العجيبة، وانطلق الرماة يتقدمون بحرص إلى طرف الخندق وهم يحملون أقواسهم وقد استعدوا للرمي دون أن يضعوا فيها السهام، بينما كان الجنود الفرس يراقبونهم من فوق السور في دهشة وتعجب، وهم في حيرة من أمر هؤلاء الرماة الذين خرجوا إليهم بأقواس فارغة.

          وفجأة رفع خالد يده بالإشارة التي اتفقوا عليها، وفي الحال سارع الرماة بوضع السهام في الأقواس، وأخذوا يرشقون حامية الحصن، يسددون سهامهم نحو عيونهم فلا يكاد يخطئ سهم منها طريقه.

          وفي لحظات قليلة فُقئت أعين ألف جندي من جنود الحامية الفرس، حتى سميت تلك الواقعة "ذات العيون".

          جسر من الإبل

          وعندما علم الحاكم الفارسي "شيرزاد" بما حل بالحامية عرض على خالد أن تستسلم الحامية، ولكنه وضع بعض الشروط لهذا الاستسلام فرفض خالد أن يضع الفرس أية شروط للاستسلام، فقرر شيرزاد الاستمرار في المقاومة وحرب المسلمين.

          وعزم خالد على مهاجمة الحصن، وكان لا بد من تسلق أسواره العالية، ولكن ذلك كله لم يكن يمثل مشكلة حقيقية لخالد بقدر ما كان عبور الخندق يمثل تحديا حقيقيا بالغ الصعوبة، فقد كان الخندق عميقا وعريضا، ولم يكن لدى المسلمين أية قوارب يعبرون عليها، كما لم يكن الجنود -وهم أبناء البادية وسكان الصحراء- يجيدون السباحة.

          ولكن خالد لم يستسلم لليأس أو الإحباط، وسرعان ما خطرت له فكرة مدهشة، وراح خالد يدور حول الخندق حتى اختار أضيق نقطة فيه، بالقرب من البوابة الرئيسية للحصن، فحشد جنوده من الرماة في هذا الجانب ليمنعوا الحامية من الرمي، ويرغموهم على الاختباء داخل الحصن، ثم أمر بجمع الإبل الضعيفة وكبيرة السن، فنُحِرت وألقيت في الخندق حتى صنعت جسرا في ذلك الجانب، فاستطاع عدد كبير من فرسان المسلمين العبور عليه إلى ما وراء الخندق.

          اقتحام الحصن وسقوط الأنبار

          وما إن شرع جنود المسلمين في تسلق السور واقتحام الحصن حتى خرجت إليهم مجموعة من الفرس من بوابة الحصن، فهاجمت المسلمين في محاولة لطردهم ودفعهم إلى التراجع إلى الجانب الآخر من الخندق، ولكن المسلين نجحوا في التصدي لهم وإجبارهم على الفرار مرة أخرى إلى داخل الحصن، وإحكام إغلاق أبوابه من الداخل قبل أن يجتازها خلفهم المسلمون إلى الحصن.

          وقبل أن يتمكن الجنود المسلمون الذين عبروا الخندق من تسلق أسوار الحصن، ظهر رسول شيرزاد عند بوابة الحصن الرئيسية يحمل عرضا آخر من حاكم الفرس، ليخبر المسلمين باستعداده لتسليم الحصن للمسلمين إذا ما سمحوا له أن يغادر الحصن بأمان هو ومن معه من الجنود الفرس، فوافق خالد على طلب شيرزاد على أن يترك الفرس جميع ممتلكاتهم، وقبل شيرزاد بشروط خالد، وفي اليوم التالي خرج جنود الفرس وأسرهم من الحصن تاركين فيه أموالهم وممتلكاتهم ومتاعهم غنيمة للمسلمين.

          وكان لسقوط الأنبار أكبر الأثر في استسلام جميع القبائل التي كانت تسكن منطقة الأنبار، والتي تحالفت مع الفرس ضد المسلمين.

          ودخل خالد وجنود الأنبار في (4 من رجب 12هـ = 14 من سبتمبر 633م) بعد أن خرج منها جنود الفرس، وقائدهم المهزوم، وما لبث خالد أن استخلف عليها "الزبرقان بن بدر" وانطلق بجيشه مرة أخرى ليجتاز الفرات ثانية، متجها صوب الجنوب قاصدا عين التمر.

          ولم تكن عين التمر بأقل تحصينا من الأنبار، وكانت تلك المدينة تخضع لأحد قادة الفرس المحنكين "مهران بن بهرام"، وتحظى بحامية فارسية كبيرة، بالإضافة إلى حلفائهم العرب من قبيلة النمر شديدة المراس، وبعض قبائل العرب الأخرى من النصارى، الذين شكلوا جبهة تحالف قوية ضد المسلمين تحت قيادة "عقة بن أبي عقة".

          ولكن خالدا استطاع أسر عقة وعدد كبير من أعوانه بعد معركة سريعة حاسمة، وهرب مهران وجنوده من الفرس وتركوا الحصن ليتحصن به بعض العرب الموالين لهم، فلما بلغ خالد الحصن حاصره حتى اضطرهم إلى الاستسلام، واستطاع أن يفتح الحصن ويدخل المدينة دون أدنى مقاومة.. وبقضاء خالد على الخطر الفارسي في الأنبار وعين التمر أصبح الطريق أمام المسلمين مهيئا لمزيد من الانتصارات والفتوحات، كان من أهمها وأخطرها فتح "دومة الجندل".

          منقول
          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

          تعليق

          • عبدالغفور الخطيب
            عضو متميز

            • Nov 2004
            • 2698

            #155
            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

            معركة اليرموك.. وانحسار دولة الروم

            (بمناسبة ذكراها: 5 من رجب 15هـ)




            تمكنت الجيوش الإسلامية بعد معركة أجنادين التي وقعت أحداثها في (27 من جمادى الأولى سنة 13 هـ= 30 من أغسطس 643م) من أن تتابع مسيرتها الظافرة، وأن تخرج من نصر إلى نصر حتى بسطت يدها على أجزاء عظيمة من بلاد الشام ضمت "بصرى" و"بعلبك" و"حمص" و"دمشق" و"البلقاء" و"الأردن" وأجزاء من "فلسطين".

            ولم يكن أمام "هرقل" إمبراطور الروم سوى الاحتشاد لمعركة فاصلة بعد أن تداعت أجزاء غالية من دولته أمام فتوحات المسلمين، فبدأ يجهز لمعركة تعيد له هيبته وتسترد له ما اقتُطِع من دولته، وتجمعت أعداد هائلة من جنوده ومن يقدر على حمل السلاح من الروم، فأخذت تتقدم من إنطاكية- حيث يقيم- إلى جنوبي الشام.

            الجيوش الإسلامية في الشام

            كانت القوات الإسلامية بعد فتح حمص سنة (14 هـ = 635م) تتوزع في أماكن مختلفة، فأبو عبيدة بن الجراح في حمص، وخالد بن الوليد بقواته في دمشق، وشرحبيل بن حسنة مقيم في الأردن، وعمرو بن العاص في فلسطين.

            فلما وصلت أنباء استعدادات الروم إلى أبي عبيدة بن الجراح جمع القادة يشاورهم ويستطلع رأيهم، وانتهى الحوار بينهم على انسحاب القوات الإسلامية من المدن التي فتحتها إلى موقع قريب من بلاد الحجاز، وأن تتجمع الجيوش كلها في جيش واحد، وأن يبعث أبو عبيدة بن الجراح إلى المدينة يطلب المدد من الخليفة "عمر بن الخطاب".

            وقبل أن يتحرك "أبو عبيدة بن الجراح" بجيوش المسلمين، دعا "حبيب بن مسلمة"- عامله على الخراج- وقال له: "اردد على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئا، وقل لهم: نحن على ما كنا عليه فيما بيننا وبينكم من الصلح، لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما رددنا عليكم أموالكم أنَّا كرهنا أن نأخذ أموالكم ولا نمنع بلادكم...".

            فلمَّا أصبح الصباح أمر أبو عبيدة قواته بالرحيل من حمص إلى دمشق، وقام حبيب بن مسلمة برد الجزية إلى أهالي حمص، وبلغهم ما قاله أبو عبيدة؛ فما كان منهم إلا أن قالوا: "ردكم الله إلينا، ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم، ولكن والله لو كانوا هم ما ردوا علينا، بل غصبونا وأخذوا ما قدروا عليه من أموالنا؛ لَوِلايتكم وعَوْدُكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم".

            التحرك إلى اليرموك



            بعد أن أخلى المسلمون مدينة حمص، جاءت قوات الروم، فدخلت حمص، ثم تحركت جنوبا خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم تتجه إلى دمشق حيث يقيم المسلمون؛ وإنما اتجهت إلى الجنوب.

            رأى المسلمون الذين كانوا يراقبون تحركات الروم أن في مسارهم هذا حركة التفاف تستهدف حصار المسلمين وقطع خط الرجعة عليهم؛ فاجتمع أبو عبيدة بقادته يتباحثون الأمر، فاتفقوا على الخروج من دمشق إلى الجابية، وهناك ينضم إليهم جيش عمرو بن العاص الرابض بفلسطين، وفي الوقت نفسه ينتظرون مدد الخليفة عمر بن الخطاب.

            تقدمت مجموعات من جيش الروم إلى نهر الأردن باتجاه المسلمين في الجابية، وخشي المسلمون أن يحاصروا بقوات الروم المقيمة في الأردن وفلسطين والأخرى القادمة من إنطاكية؛ فيقطعوا خطوط إمداداتهم، ويحولوا ببينهم وبين منطقة شمال الأردن والبلقاء التي تربطهم بالحجاز؛ ولهذا قررت الجيوش الإسلامية الانسحاب من الجابية إلى اليرموك.

            الاستعداد للمعركة

            تولَّى خالد بن الوليد القيادة العامة للجيش بتنازل كريم من أبي عبيدة بن الجراح، الذي كان له السلطة العامة على جيوش المسلمين بالشام، وكان خالد من أعظم الناس بلاء وأعظمهم بركة وأيمنهم نقيبة.

            بدأ خالد في تنظيم قواته، وكانت تبلغ 46 ألف مقاتل، وقسَّم الجيش إلى كراديس، أي كتائب، وتضم ما بين 600 إلى 1000 رجل، والكردوس ينقسم إلى أجزاء عشرية؛ فهناك العرّيف الذي يقود عشرة من الرجال، وآمر الأعشار الذي يقود عرفاء (100 رجل)، وقائد الكردوس الذي يقود عشرة من أمراء الأعشار (1000) رجل.

            ويُجمِع المؤرخون على أن خالد بن الوليد هو أول من استحدث تنظيم الجيوش على هذا النحو، وعُدَّ عمله فتحا في العسكرية الإسلامية؛ فقد اختار رجال الكردوس الواحد من قبيلة واحدة أو ممن يعودون بأصولهم إلى قبيلة واحدة، وجعل على كل كردوس قائدا منهم ممن عُرفوا بالشجاعة والإقدام، ثم جمع الكراديس بعضها إلى بعض وجعل منها قلبا وميمنة وميسرة، وكان على رأس كراديس القلب أبو عبيدة بن الجراح، ومعه المهاجرون والأنصار، وعلى كراديس الميمنة عمرو بن العاص ويساعده شرحبيل بن حسنة، وعلى كراديس الميسرة يزيد بن أبي سفيان.

            وبلغت هذه الكراديس 36 كردوسًا من المشاة، بالإضافة إلى عشرة كراديس من الخيالة، يقف أربعة منها خلف القلب واثنان في الطليعة، ووزعت الأربعة الباقية على جانبي الميمنة والميسرة.

            أما جيش الروم فكان يضم نحو مائتي ألف مقاتل، يقودهم "ماهان"، وقد قسّم جيشه إلى مقدمة تضم جموع العرب المتنصّرة من لخم وجذام وغسان، وعلى رأسها "جبلة بن الأيهم"، وميمنة على رأسها "قورين"، وميسرة على رأسها "ابن قناطر"، وفي القلب "الديرجان"، وخرج ماهان إلى المسلمين في يوم ذي ضباب، وصَفَّ جنوده عشرين صفا، ويقول الرواة في وصف هذا الجيش الرهيب: "ثم زحف إلى المسلمين مثل الليل والسيل".

            رهبان بالليل.. فرسان بالنهار

            دعا أحد قادة الروم رجلاً من نصارى العرب، فقال له: ادخل في معسكر هذا القوم، فانظر ما هديهم، وما حالهم، وما أعمالهم، وما يصنعون، ثم ائتني فأخبرني بما رأيت. وخرج الرجل من معسكر الروم حتى دخل معسكر المسلمين فلم يستنكروه؛ لأنه كان رجلا من العرب، لسانه عربي ووجهه عربي، فمكث في معسكرهم ليلة حتى أصبح فأقام عامة يومه، ثم رجع إلى قائده الرومي، وقال له: جئتك من عند قوم يقومون الليل كله، يصلون ويصومون النهار، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، رهبان بالليل فرسان بالنهار، لو يسرق مَلِكُهم لقطعوا يده، ولو زنا لرجموه؛ لإيثارهم الحق، واتباعهم إياه على الهوى.

            فلما انتهى الرجل العربي من كلامه قال القائد الرومي: لئن كان هؤلاء القوم كما تزعم، وكما ذكرت لبطنُ الأرض خير من ظهرها لمن يريد قتالهم.

            وفي فجر يوم الإثنين (5 من رجب 15 هـ = 12 من أغسطس 636م) أصبح المسلمون طيبةً نفوسهم بقتال الروم، منشرحة صدورهم للقائهم، واثقة قلوبهم من نصر الله، وخرجوا بالنظام الذي وضعه القائد العام يحملون رايتهم.

            وسار أبو عبيدة في المسلمين يحثُّ الناس على الصبر والثبات، يقول لهم: يا عباد الله انصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب؛ فلا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدءوهم بقتال، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله حتى آمركم.

            وخرج معاذ بن جبل يقول للناس: يا قراء القرآن ومستحفظي الكتاب وأنصار الهدى وأولياء الحق، إن رحمة الله- والله- لا تُنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدّقين بما وعدهم الله (عز وجل)، أنتم- إن شاء الله- منصورون، فأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ من دونه.

            اللقاء الحاسم ونتائجه

            زحفت صفوف الروم الجرارة من مكانها إلى المسلمين، لهم دويٌّ كدوي الرعد، ودخل منهم ثلاثون ألفًا كل عشرة في سلسلة حتى لا يفروا، قد رفعوا صلبانهم، وأقبل معهم الأساقفة والرهبان والبطارقة.

            وحين رأى خالد إقبالهم على هذا النحو كالسيل، وضع خطته أن يثبت المسلمون أمام هذه الهجمة الجارفة؛ حتى تنكسر وتتصدع صفوف الروم، ثم يبدأ هو بالهجوم المضاد.

            وكان خالد بن الوليد رابط الجأش ثابت الجنان وهو يرى هذه الجموع المتلاحقة كالسيل العرم، لم ترهبه كثرتهم، وقد سمع جنديا مسلما قد انخلع قلبه لمَّا رأى منظر الروم، يقول: ما أكثر الروم وأقل المسلمين- فانزعج من قولته وقال له: ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، أبالروم تخوّفني؟!

            تلاحم الفريقان وشد الروم على ميمنة المسلمين حتى انكشفت، وفعلوا كذلك بالميسرة، وثبت القلب لم يتكشف جنده، وكان أبو عبيدة وراء ظهرهم؛ ردءا لهم، يشد من أزرهم، وأبلى المسلمون بلاء حسنا، وثبت بعضهم كالجبال الراسخات، وضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة وتلبية النداء، وقاتلت النساء أحسن قتال.

            تحمل المسلمون هذا الهجوم الكاسح بكل ثبات؛ إذا اهتز صف عاد والتأم ورجع الى القتال، حتى إذا جاءت اللحظة التي كان ينتظرها القائد النابغة خالد بن الوليد صاح في القوم: يا أهل الإسلام، لم يبق عند القوم من الجلد والقتال والقوة إلا ما قد رأيتم، فالشدة، الشدة فوالذي نفسي بيده ليعطينكم الله الظفر عليهم الساعة.

            وزحف خالد بفرسانه الذين لم يقاتلوا، وكان يدخرهم لتلك الساعة الحاسمة، فانقضوا على الروم الذين أنهكهم التعب واختلت صفوفهم، وكانت فرسان الروم قد نفذت إلى معسكر المسلمين في الخلف، فلمَّا قام خالد بهجومه المضاد من القلب حالَ بين مشاة الروم وفرسانهم، الذين فوجئوا بهذه الهجمة المضادة؛ فلم يشتركوا في القتال، وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء، تاركين ميدان القتال. ولمَّا رأى المسلمون خيل الروم تهرب أفسحوا لها الطريق ودعوها تغادر ساحة القتال.

            انهار الروم تماما، وتملَّكهم الهلع فتزاحموا وركب بعضهم بعضا وهم يتقهقرون أمام المسلمين الذين يتبعونهم؛ حتى انتهوا إلى مكان مشرف على هاوية تحتهم، فأخذوا يتساقطون فيها ولا يبصرون ما تحت أرجلهم، وكان الليل قد أقبل والضباب يملأ الجو، فكان آخرهم لا يعلم ما يلقى أولهم، وبلغ الساقطون في هذه الهاوية عشرات الألوف، وتذكر بعض الروايات أنهم كانوا ثمانين ألفا، وسميت تلك الهاوية "الواقوصة"؛ لأن الروم وقصوا فيها، وقتل المسلمون من الروم في المعركة بعدما أدبروا نحو خمسين ألفا، خلاف من سقطوا في الهاوية.

            ولما أصبح اليوم التالي، نظر المسلمون فلم يجدوا في الوادي أحدا من الروم، فظنوا أن الروم قد أعدوا كمينا، فبعثوا خيلا لمعرفة الأمر، فإذا الرعاة يخبرونهم أنهم قد سقطوا في الهاوية أثناء تراجعهم، ومن بقي منهم غادر المكان ورحل.

            كانت معركة اليرموك من أعظم المعارك الإسلامية، وأبعدها أثرا في حركة الفتح الإسلامي، فقد لقي جيش الروم- أقوى جيوش العالم يومئذ- هزيمة قاسية، وفقد زهرة جنده، وقد أدرك هرقل حجم الكارثة التي حلت به وبدولته، فغادر المنطقة نهائيا وقلبه ينفطر حزنا، وهو يقول: "السلام عليك يا سوريا، سلاما لا لقاء بعده، ونعم البلد أنت للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك رومي بعد الآن إلا خائفا".

            وقد ترتب على هذا النصر العظيم أن استقر المسلمون في بلاد الشام، واستكملوا فتح مدنه جميعا، ثم واصلوا مسيرة الفتح؛ فضموا مصر والشمال الإفريقي.


            منقول
            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

            تعليق

            • عبدالغفور الخطيب
              عضو متميز

              • Nov 2004
              • 2698

              #156
              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

              الحريري.. ومقاماته البديعة

              (في ذكرى وفاته: 6 من رجب 516هـ)


              لم يبلغ كتاب من كتب الأدب في العربية ما بلغته مقامات الحريري من بُعد الصيت واستطارة الشهرة، ولم يكد الحريري ينتهي من إنشائها حتى أقبل الوراقون في بغداد على كتابتها، وتسابق العلماء على قراءتها عليه، وذكروا أنه وقَّع بخطه في عدة شهور من سنة (514هـ=1110م) على سبعمائة نسخة، وبلغ من شهرتها في حياة الحريري أن أقبل من الأندلس فريق من علمائها لقراءة المقامات عليه، ثم عادوا إلى بلادهم حيث تلقاها عنهم العلماء والأدباء، وتناولوها رواية وحفظًا ومدارسة وشرحًا.

              وصاحب هذا الأثر الخالد هو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، ولد بالمشان، وهي من ضواحي مدينة البصرة سنة (446هـ=1054م)، ولما شبَّ عن الطوق رحل إلى البصرة، وسكن في محلة بني حرام، وهي قبيلة عربية كانت تسكن البصرة، وتأدب بها، واتصل بأبي الحسن بن فضال المجاشعي، فقرأ عليه العربية، ودرس الفقه على أبي إسحاق الشيرازي، كما سمع الحديث من عدد غير قليل من الحفاظ والمحدثين.

              وكان الحريري مفرطًا في الذكاء، آية في الحفظ وسرعة البديهة، غاية في الفطنة والفهم، فما كاد يفرغ من تلقيه العلم حتى جذب الأنظار إليه، وعُين في ديوان الخلافة في منصب "صاحب الخبر"، وهي وظيفة تشبه هيئة الاستعلامات في عصرنا، ولا يُعرف على وجه اليقين متى تقلدها، لكنه ظل بها إلى أن تُوفي.

              وكان الحريري من ذوي الغنى واليسار إلى جانب علمه الواسع، وتمكنه من فنون العربية، وكان له بقريته "المشان" ضيعة كبيرة مليئة بالنخل، وكان له بالبصرة منزل يقصده العلماء والأدباء وطالبو العلم، يقرءون عليه ويفيدون من علمه.

              مقامات الحريري

              المقامات فن من فنون الكتابة العربية ابتكره بديع الزمان الهمذاني، وهو نوع من القصص القصيرة تحفل بالحركة التمثيلية، ويدور الحوار فيها بين شخصين، ويلتزم مؤلفها بالصنعة الأدبية التي تعتمد على السجع والبديع.

              ويحكي الحريري عن سبب إنشائه المقامات، فيقول: "إن أبا زيد السروجي كان من أهل البصرة، وكان شيخًا شحاذًا أديبًا بليغًا فصيحًا، ورد البصرة، فوقف في مسجد بني حرام، فسلّم، ثم سأل، وكان المسجد غاصًا بالفضلاء، فأعجبتهم فصاحته وحسن كلامه، وذكر أسر الروم ولده، فاجتمع عندي عشية جماعة، فحكيت ما شاهدت من ذلك السائل، وما سمعت من ظرفه، فحكى كل واحد عنه نحو ما حكيت، فأنشأت المقامة الحرامية، ثم بنيت عليها سائر المقامات التي تبلغ خمسين مقامة". وقد بدأ في كتابتها في سنة (495هـ=1101م) وانتهى منها في سنة (504هـ=1110م).

              البطل والراوي

              وقد نسب الحريري رواية هذه المقامات إلى الحارث بن همام، فهو الذي يروي أخبارها، ويقول ابن خلكان: إنه قصد بهذا الاسم نفْسَهُ، ونظر في ذلك إلى قوله (صلى الله عليه وسلم): "كلكم حارث وكلكم همام" فالحارث: الكاسب، والهمام كثير الاهتمام بأموره، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام.

              أما بطل هذه المقامات فهو أبو زيد السروجي، وهو متسول يعتمد على حسن الكلام وسحر البيان في جذب اهتمام الناس، واستلاب عواطفهم، واستمالة عقولهم ليمنحوه صدقاتهم. وتختلف الروايات في حقيقة أبي زيد السروجي، فمن قائل إنه اسم خيالي وضعه الحريري صاحب المقامات، واستوحاه من صورة الشحاذ الذي لقيه في مسجد بني حرام بالبصرة، في حين يذهب البعض أنه شخصية حقيقية، والأقرب إلى الصواب أن أبا زيد السروجي شخصية نسجها خيال الحريري، ليحوك من حولها حيل أديب متسول، مثلما اتخذ بديع الزمان الهمذاني من أبي الفتح الإسكندري بطلاً لمقاماته.

              وتبدأ المقامات بلقاء بين الحارث بن همام وأبي زيد السروجي في صنعاء، وهما في ريعان الشباب وربيع العمر، حيث لقي الحارث أبا زيد خطيبًا واعظًا في جمع من الناس، ثم تبعه فعرفه مخادعًا كذابًا، وعلى هذا اللقاء بنى الحريري المقامة الأولى، وأطلق عليها "المقامة الصنعانية"، ثم أخذ الحارث يجوب البلاد ويواصل الأسفار ليلقى أبا زيد في أماكن مختلفة، في ساحات القضاء، ومجالس الولاة، وأندية الأدباء، ثم يلتقيان في مسجد البصرة، وقد تقدم بهما العمر، وهدَّ جسدهما طول الزمن، فإذا أبو زيد يقف في حشد من الناس يعلن توبته، ويندم على ما قدّم من ذنوب وآثام، ثم يعزم على العودة إلى بلده "سروج" وينصرف إلى العبادة والصلاة، أما الحارث بن همام فيتوقف عن السفر والترحال، ويجنح إلى الراحة، ويكون هذا هو آخر لقاء بينهما، وبه تنتهي المقامة الخمسون آخر المقامات.

              بين القص والصنعة البيانية

              تجمع المقامات التي أنشأها الحريري بين متعة القص والحكي وتحقيق الغاية البيانية البلاغية، ويذكر في مقدمة عمله مقصده بقوله: "أنشأت خمسين مقامة تحتوي على جد القول وهزله، ورقيق اللفظ وجزله، وغرر البيان ودرره، وملح الأدب ونوادره، إلى ما وشحتها به من الآيات، ومحاسن الكنايات ووضعته فيها من الأمثال العربية واللطائف الأدبية، والأحاجي النحوية والفتاوى اللغوية، والرسائل المبتكرة، والمواعظ المبكية، والأضاحيك الملهية".

              غير أن الصنعة البيانية قد غلبت على القص والحكاية، وزاد من افتتان الناس بها البراعة الفائقة والقدرة الفذة التي كتب بها الحريري هذا العمل، وكأن المعجم العربي قد نُثِر كله بين يديه يختار منه ما يشاء في صنعة عجيبة وإحكام دقيق.

              ولم يكتف الحريري بالسجع والمحسنات البديعية في مقاماته، وإنما أضاف إليها أمورًا أخرى غاية في التعقيد، لكنه تجاوز هذا التعقيد في براعة فائقة، فأورد في المقامة السادسة التي بعنوان "المراغية" رسالة بديعة تتوالى كلماتها مرة منقوطة ومرة غير منقوطة، منها قوله: "العطاء ينجي، والمطال يشجي، والدعاء يقي، والمدح ينقي، والحر يجزي..."، ويسمى المقامة السادسة والعشرين باسم الرقطاء، لأنها تحتوي على رسالة، تتوالى حروف كلماتها بالتبادل بين النقط وعدمه، مثل قوله: "ونائل يديه فاض، وشح قلبه غاض، وخلف سخائه يحتلب..."، وفي المقامة الثامنة يخطب أبو زيد السروجي خطبة كل كلماتها غير منقوطة، بدأها بقوله: "الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، المدعو لحسم اللأواء، مالك الأمم، ومصور الرمم، وأهل السماح والكرم ومهلك عاد وإرم...".

              عناية العلماء بمقامات الحريري

              وقد حظيت مقامات الحريري منذ أن ألفها الحريري باهتمام العلماء فأقبلوا عليها يشرحونها، لما زخرت به من الألفاظ والأمثال والأحاجي والألغاز، والمسائل النحوية والبلاغية، وقد أحصى "حاجي خليفة" صاحب كتاب "كشف الظنون" أكثر من خمسة وثلاثين شارحًا، منهم: محمد بن علي بن عبد الله الحلي، ومحمد بن محمد المكي الصقلي المعروف بابن ظفر، وأبو المظفر محمد بن أسعد المعروف بابن حكيم، وعبد الله بن الحسين العكبري، وأحمد بن عبد المؤمن من موسى الشريشي.

              وقد انتبه المستشرقون منذ وقت مبكر إلى أهمية المقامات فأولوها عنايتهم وترجموها إلى لغاتهم، فقام المستشرق الهولندي "جوليوس" في سنة (1067هـ=1656م) بترجمة المقامة الأولى إلى اللغة اللاتينية، ثم نقل المستشرق الهولندي نفسه ست مقامات بين سنتي (1144هـ=1731م) و(1153هـ=1740م) إلى اللاتينية.

              وفي فرنسا قام المستشرق "كوسان دي برسفال" بنشر المتن العربي الكامل سنة (1337هـ=1918م)، كما قام الأستاذ "دي ساسي" بجمع مخطوطات المقامات وشروحها، وعمل منها شرحًا عربيًا، وطبع المتن والشرح في باريس سنة (1238هـ=1822م).

              كما ترجمت المقامات إلى الألمانية، وقام بالترجمة المستشرق "ركرت"، وتمتعت هذه الترجمة بشهرة واسعة في عالم الاستشراق، وتُرجمت إلى الإنجليزية سنة (1284هـ=1867م).

              وكانت مقامات الحريري من أوائل ما طُبع من المكتبة العربية، وتوالت طبعاتها في باريس ولندن وليدن ولكنو ودلهي بالهند، والقاهرة وبيروت.

              رسائل ومؤلفات


              كان للحريري رسائل أدبية إلى جانب مقاماته، لم تحتفظ بها يد الزمن، فضاعت مع ما ضاع من تراثنا الضخم، ولكن احتفظت بعض الكتب القديمة ببعض رسائله، وقد سجّل "ياقوت الحموي" في معجم الأدباء رسالتين اشتهرتا في عصر الحريري والعصور التي تلته، إحداهما عرفت بالسينية؛ لأن كلماتها جميعًا لا تخلو من السين، والأخرى اشتهرت بالشينية، لالتزام كلماتها بإيراد حرف الشين. وقد استهل الرسالة السينية التي كتبها على لسان بعض أصدقائه يعاتب صديقًا له –بقوله: "باسم القدوس أستفتح، وبإسعاده أستنجح، سجية سيدنا سيف السلطان،… السيد النفيس، سيد الرؤساء، حُرست نفسه، واستنارت شمسه، وبسق غرسه واتسق أنسه، استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومواساة السحيق والنسيب...".

              وللحريري غير المقامات والرسائل ما يأتي:

              * درة الغواص في أوهام الخواص، بيّن فيه أغلاط الكتاب فيما يستعملونه من الألفاظ بغير معناها في غير موضعها، وقد طُبع في مصر سنة (1272هـ=1855م).

              * وملحة الأعراب في صناعة الإعراب، وهي أرجوزة شعرية وقد طُبعت في باريس وبيروت والقاهرة.

              وفاته

              ظل الحريري في البصرة موضع تقدير أهل العلم، وجاء وضعه للمقامات فارتفعت منزلته وازدادت مكانته حتى لقي ربه في (6 من رجب 516هـ=11 من سبتمبر 1112م).

              منقول
              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

              تعليق

              • عبدالغفور الخطيب
                عضو متميز

                • Nov 2004
                • 2698

                #157
                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                الحافظ ابن عساكر.. و"تاريخ دمشق"

                (في ذكرى وفاته: 11 من رجب 571هـ)


                في بيت كريم الأصل معروف بالفضل، متصل بالعلم ولد علي بن الحسن بن هبة الله، في (غرة المحرم من سنة 449 هـ = 13 من سبتمبر 1105م)، وكان أبوه تقيا ورعًا، محبًا للعلم ومجالسة العلماء ومصاحبتهم، وكانت أمه من بيت علم وفضل، فأبوها "أبو الفضل يحيى بن علي" كان قاضيا، وكذلك كان أخوها "أبو المعالي محمد بن يحيى" قاضيًا.

                وقد رزق الوالدان الكريمان قبل ابنهما علي بولد كان له شأن هو أبو الحسين الصائن هبة الله بن الحسن، كان من حفاظ الحديث، رحل في طلبه إلى بغداد، وعُني بعلوم القرآن واللغة والنحو، وجلس للتدريس والإفتاء.

                تنشئته وتعليمه

                في مثل هذا الجو المعبّق بنسمات العلم نشأ ابن عساكر ودرج، وكانت أسرته الصغيرة هي أول من تولى تعليمه وتهذيبه، وأحاطته بعنايتها، فسمع الحديث من أبيه وأخيه وهو في السادسة، ثم تتلمذ على عدد ضخم من شيوخ دمشق وعلمائها، وكانت آنذاك من حواضر العلم الكبرى في العالم الإسلامي، وتلقى على أيديهم عددا كبيرا من أمهات الكتب في الحديث والتاريخ.

                قرأ على أبي الفرج غيث بن علي الصوري تاريخ صور، وجزءا من كتاب تلخيص المتشابه للخطيب البغدادي، وقرأ على عبد الكريم بن حمزة السليم كتاب الإكمال لابن ماكولا، ومشتبه النسبة لعبد الغني بن سعدي، وقرأ على شيخه أبي القاسم النبيه كتاب المجالس وجواهر العلم لأحمد بن مروان الدينوري، وتلخيص المتشابه للخطيب البغدادي، وقرأ على أبي محمد بن الأكفاني كتاب المغازي لموسى بن عقبة، وكتاب المغازي لمحمد بن عائذ الدمشقي، وأخبار الخلفاء لابن أبي الدنيا، وغيرها.

                ولم ينشغل ابن عساكر في فترة حياته الباكرة إلا بطلب العلم فانصرفت همته إليه، وانشغلت نفسه به، ولم يصرفه عنه صارف، ولم يترك عالما ذا شأن في دمشق إلا اتصل به وقرأ عليه، ولم تسنح له فرصة من وقت إلا شغلها بالقراءة والدرس، حيث كان في سباق مع الزمن حتى يحصل ما تصبو إليه نفسه من العلوم والفنون.

                الرحلة في طلب الحديث

                بدأ ابن عساكر رحلاته سنة (520 هـ = 1126م) إلى بغداد، ثم اتجه منها إلى الحجاز لأداء فريضة الحج وزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولم تطل إقامته في المدينتين المقدستين حيث كر راجعًا إلى بغداد؛ لمتابعة دروسه في المدرسة النظامية ببغداد.

                وفي فترة إقامته التي استغرقت خمس سنوات قابل في أثنائها عددًا كبيرًا من أئمة العلم، وقرأ عليهم عشرات الكتب العظيمة ذات المجلدات الضخمة، فاتصل بأبي غالب بن البنا، وقرأ عليه كتاب نسب قريش للزبير بن بكار، وكتاب التاريخ لابن أبي خيثمة، وبعضا من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، وقرأ على أبي القاسم بن الحصين مسند أحمد والغيلانيات، ودرس على أبي بكر محمد بن عبد الباقي الطبقات الكبرى لابن سعد، والمغازي للواقدي، ولزم أبا القاسم بن السمرقندي وسمع منه كتبًا كثيرة، منها: سيرة ابن إسحاق، وكتاب الفتوح لسيف بن عمر، وتاريخ الخلفاء لابن ماجه، ومعجم الصحابة لأبي القاسم البغوي، والمعرفة والتاريخ للنسوي، والكامل في الضعفاء لابن عدي.

                عاد الحافظ ابن عساكر إلى دمشق سنة (525 هـ = 1130م)، واستقر بها فترة عاود بعدها رحلته مرة أخرى سنة (529 هـ = 1134م) إلى إيران وخراسان وأصبهان وهمذان وأبيورد وبيهق والري ونيسابور وسرخس وطوس ومرو، سمع في أثنائها عددًا كبيرًا من الكتب على كبار الحفاظ والمحدثين في بلاد المشرق، مثل: سعيد بن أبي الرحاء، وزاهر بن طاهر الشحامي، ثم عاد إلى دمشق سنة (533 هـ = 1138) وقد طبقت شهرته الآفاق، وقصده طلاب العلم من كل مكان، وانصرف إلى التأليف والتصنيف.

                تاريخ دمشق

                شغل أبو عساكر نفسه بالعلم مذاكرة وتحصيلا، وجعله هدفا لا يصرفه عنه شيء، ولم يجعله وسيلة لتولي منصب أو طمعًا في مال أو جاه، أعطاه نفسه ولم يبخل عليه بجهد، فكافأه الله سعة في التأليف، وصيتًا لا يزال صداه يتردد حتى الآن، ومكانة في العلم تبوأها في المقدمة بين رجالات العلم في تاريخ الإسلام.

                وخلال التدريس وضع ابن عساكر مؤلفات كثيرة، لكن مؤلفًا منها قد ملك عليه فؤاده، وانصرفت إليه همته الماضية منذ أن اتجه إلى طلب العلم، فبدأ يضع مخططًا لكتابه الكبير "تاريخ دمشق"، يضاهي به عمل الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" الذي صار نموذجًا للتأليف في تاريخ المدن، يحتذيه المؤلفون في المنهج والتنظيم.

                استغرق التفكير والتأليف في تاريخ دمشق وقتا طويلا من حياة مؤلفه، وصاحبه منذ فترة مبكرة من حياته، فكرة في الذهن، ثم مخططًا على الورق، وشروعًا في التنفيذ، فهو لم يؤلفه في صباه وشبابه ولم ينجزه في كهولته، وإنما شغل حياته كلها، ولم يفرغ منه إلا بعد أن وهن جسده وكلّ بصره.

                وكان العمل ضخمًا يحتاج إنجازه إلى أعمار كثيرة، وكاد المؤلف ينصرف عن إنجازه وإتمامه، لولا أن خبر هذا الكتاب تناهى إلى أسماع "نور الدين محمود" حاكم دمشق وحلب؛ فبعث إلى الحافظ ابن عساكر يشحذ همته ويقوي من عزيمته، فعاد إلى الكتاب وأتمه سنة (559 هـ = 1163م)، ثم قام ولده القاسم بتنقيحه وترتيبه في صورته النهائية تحت بصر أبيه وعنايته، حتى إذا فرغ منه سنة (565 هـ = 1169م) قرأه على أبيه قراءة أخيرة، فكان يضيف شيئا، أو يستدرك أمرًا فاته، أو يصوب خلطًا، أو يحذف ما يراه غير مناسب أو يقدم موضعًا أو يؤخر مسألة، حتى أصبح على الصورة التي نراها الآن بين أيدينا.

                موضوع الكتاب ومنهجه

                جاء الكتاب في النهاية في ثمانين مجلدة، تبلغ حوالي ستة عشر ألف صفحة مخطوطة، خصص المؤلف القسم الأول من كتابه لذكر فضائل دمشق، ودراسة خططها ومساجدها وحماماتها وأبنيتها وكنائسها، وكان هذا كالمقدمة لكتابه الكبير، ثم أخذ في الترجمة لكل من نبغ من أبنائها أو سكن فيها، أو دخلها واجتازها من غير أبنائها من الخلفاء والعلماء والقضاة والقراء والنحاة والشعراء.

                وقد تتسع حلقة دمشق في منهج ابن عساكر لتشمل الشام أحيانًا فيترجم لمن كان في صيدا أو حلب أو بعلبك أو الرقة أو الرملة، وكما اتسعت لديه دائرة نطاق المكان اتسعت دائرة الزمان، فامتدت من زمن أقدم الأنبياء والمرسلين إلى عصر المصنف.

                ومنهجه في الكتاب هو منهج المحدثين، فقد اعتمد في الرواية على السند مهما طال أو تعدد، فلا يذكر خبرًا إلا ويسبقه إسناده، وقد يكرر الخبر الواحد ما دامت هناك فائدة من زيادة أو توضيح. واتبع في التراجم التنظيم الألفبائي المعروف، مراعيًا في ذلك أسماء الآباء بعد أسماء المترجمين، لكنه بدأ التراجم بمن اسمه "أحمد"؛ تيمنًا باسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبعد أن فرغ من التراجم المرتبة أسماؤها ترتيب المعجم، أورد من عُرف من الرجال بكنيته فقط، مراعيًا في ذلك الترتيب الألفبائي أيضا، ثم أعقب ذلك بالمجاهيل ممن عُرفت لهم رواية ولم يعرف لهم اسم، ثم ختم الكتاب بتراجم النساء، ملتزمًا المنهج نفسه في الترتيب والتنظيم، وقد خصهن بمجلد مستقل، اتسع لمائة وست وتسعين ترجمة من شهيرات النساء في العلم والأدب والغناء.

                موارد ابن عساكر

                اعتمد ابن عساكر في جمع مادة كتابه الضخمة على ثلاثة أنواع من المصادر: السماع من شيوخه وهم يعدون بالمئات روى عنهم وقرأ عليهم، ثم المكاتبة والمراسلة معهم، ثم الاعتماد على مؤلفات السابقين، ويحتاج إحصاء هذه الموارد التي نهل منها ابن عساكر إلى جهد جهيد، نظرًا لضخامة الكتاب، وحسبك أن تعلم أن المجلدة الأولى من الكتاب، أخذت مواردها عن مائة وستة وخمسين شيخًا بالسماع، وعن ستة عشر شيخًا بالمكاتبة، وأربعة عشر كتابًا من بينها كتب البلاذري والواقدي والبخاري والجشهياري.

                ولعل من أهم ما صنعه ابن عساكر أنه حفظ لنا بكتابه المؤلفات والمصادر المتفرقة التي كتبها الدماشقة وغيرهم حول تاريخ دمشق في القرون السابقة ثم أتى عليها الضياع، كما رسم صورة لبلاد الشام وحركة السياسة بها، وازدهار الحضارة العربية، والنشاط الثقافي الذي كانت تموج به دمشق منذ أن فتحها المسلمون.

                وقد لقي الكتاب عناية واهتمامًا بدءا من جهود القاسم ابن المؤلف، الذي ذيله وانتخب منه، ثم قام عدد من العلماء باختصار الكتاب، مثل ابن منظور المتوفى سنة (711 هـ = 1311هـ) الذي صنع مختصرًا لتاريخ دمشق، وعلى الرغم من كونه اختصارًا فقد جاء في 29 مجلدًا حين طُبع أخيرا محققًا في دمشق، وفي العصر الحديث قام "عبد القادر بدران" المتوفى سنة (1346 هـ = 1927م) بعمل تهذيب للكتاب، لكنه لم يكمله.

                المؤلفات الأخرى لابن عساكر

                ولابن عساكر مؤلفات أخرى كثيرة غير تاريخ دمشق، ومن ذلك:

                تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى أبي الحسن الأشعري، والكتاب مطبوع.

                الأربعون البلدانية، وقد طبع بتحقيق محمد مطيع الحافظ في دمشق.

                الأربعون في مناقب أمهات المؤمنين، وقد طبع محققًا بعناية محمد مطيع الحافظ في دمشق.

                الإشراف على معرفة الأطراف، والكتاب لا يزال مخطوطًا.

                ترتيب الصحابة في مسند أحمد، والكتاب مخطوط لم يطبع بعد.

                - وله عدة مجالس مخطوطة في ذم من لا يعمل بعلمه، وفي التوبة، وذم قرناء السوء، وفي سعة رحمة الله، وفي فضل سعد بن أبي وقاص، وفضل عبد الله بن مسعود ، وقد طبع مجلسان من هذه المجالس بتحقيق محمد مطيع الحافظ. وهذه المجالس أشبه بالرسائل الصغيرة.

                أسرة ابن عساكر

                كان بيت الحافظ ابن عساكر معمورًا بالعلم، فامتد إلى كل فرد من أفراده، واستطاع الإمام الحافظ بأخلاقه الكريمة وسماحه نفسه أن تقتدي به أسرته، وتسير على منواله، فابنه القاسم كان حافظًا من حفاظ الحديث، أتم عمل أبيه ونقّحه وقرأه عليه، وزوجة الإمام وأم أبنائه "عائشة بنت علي بن الخضر" كان لها شغف بالحديث، فكان الزوج الكريم يحضر لها محدثات يسمعنها الحديث، ثم يسمع منها أبناؤها ويتلقون عنها كما يتلقون عن أبيهم، وشاء الله أن تتوفى هذه السيدة الكريمة قبل زوجها في سنة (564 هـ = 1168م) فتركت في نفسه أسى وحسرة.

                وظل الإمام محل تقدير الناس والولاة، فكان يحضر مجالسه نور الدين محمود سلطان دمشق الذي قربه وبنى له "دار السنة" وكان "صلاح الدين الأيوبي" يجله ويحضر مجالس تدريسه، ومكث الإمام ابن عساكر يؤدي رسالته حتى لبّى نداء ربه في (11 من رجب 571 هـ = 26 من يناير 1176م).

                منقول
                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                تعليق

                • عبدالغفور الخطيب
                  عضو متميز

                  • Nov 2004
                  • 2698

                  #158
                  مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                  "الزلاقة" معركة الوجود الإسلامي في الأندلس

                  (في ذكرى المعركة: 12 رجب 479 هـ)




                  سقطت الخلافة الأموية في الأندلس إثر سقوط الدولة العامرية سنة (399هـ = 1009م) وتفككت الدولة الأندلسية الكبرى إلى عشرين دويلة صغيرة يحكمها ملوك الطوائف، ومن أشهرهم: بنو عباد في أشبيلية، وبنو ذي النون في طليطلة، وبنو هود في سرقسطة، وزعمت كل طائفة من هذه الطوائف لنفسها الاستقلال والسيادة، ولم تربطها بجارتها إلا المنافسة والكيد والمنازعات والحروب المستمرة، وهو ما أدى إلى ضعف، وأعطى الفرصة للنصارى المتربصين في الشمال أن يتوسعوا على حسابهم.

                  وفي مقابل التجزئة والفرقة الأندلسية في عصر الطوائف كان النصارى يقيمون اتحادًا بين مملكتي ليون وقشتالة على يد فرديناد الأول الذي بدأ حرب الاسترداد التي تعني إرجاع الأندلس إلى النصرانية بدلاً من الإسلام.

                  وواصل هذه الحرب من بعده ابنه ألفونس السادس، حيث بلغت ذروتها مع استيلاء ألفونس على مدينة "طليطلة" سنة (478هـ = 1085م) أهم المدن الأندلسية وأكبر قواعد المسلمين هناك، وكان سقوطها نذيرًا بأسوأ العواقب لبقية الأندلس؛ ذلك أن ألفونس قال صراحة: إنه لن يهدأ له بال حتى يسترد بقية الأندلس ويُخضع قرطبة لسلطانه؛ وينقل عاصمة ملكه إلى طليطلة.

                  وكان أسوأ ما في هذه الكارثة المروعة أن ملوك الطوائف المسلمين لم يهبُّوا لنجدة طليطلة أو مساعدتها، بل على العكس وقفوا موقفًا مخزيًا حتى إن بعضهم عرض على ألفونس تقديم العون والمساعدة، ورأى البعض الآخر أنه لكي يستمر في حكم مملكته آمنًا يجب أن يوثق أواصر الصلة والمودة مع ألفونس ويحالفه ويقدم له الجزية السنوية، بل شاركت بعض قوات أمراء الطوائف في غزوة طليطلة، وقدم أحد هؤلاء الأمراء ابنته لتكون زوجة أو حظية لألفونس!!

                  ورأى ألفونس حالة الضعف والجبن التي يعاني منها أمراء الطوائف، والتي تعود في الأساس إلى ترفهم وخواء نفوسهم، وكرههم للحرب والجهد حتى إن كان ذلك هو السبيل الوحيد للكرامة والحفاظ على البقية الباقية من الدين والمروءة؛ لذا رأى ألفونس السادس ضرورة إضعاف ملوك الطوائف قبل القضاء عليهم نهائيًا؛ وكانت خطته في ذلك تقوم أولاً على تصفية أموالهم باقتضاء وفرض الجزية عليهم جميعًا، ثم تخريب أراضيهم وزروعهم ومحاصيلهم بالغارات المتتابعة، وأخيرًا اقتطاع حصونهم وأراضيهم كلما سنحت الفرصة.

                  ونجحت خطة ألفونس في ذلك كل النجاح، وبدا ضعف ملوك الطوائف أمامه واضحًا ملموسًا؛ فاستهان بهم واحتقرهم، وقال عنهم: "كيف أترك قومًا مجانين تسمَّى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم، وكل واحد منهم لا يسِل للدفاع عن نفسه سيفًا، ولا يرفع عن رعيته ضيمًا ولا حيفًا"، وعاملهم معاملة الأتباع.

                  أصبح ألفونس بعد استيلائه على طليطلة مجاورًا لمملكة إشبيلية وصاحبها المعتمد بن عباد، وعندها أدرك المعتمد فداحة خطئه في مصانعة ألفونس ومحالفته واستعدائه على أمراء الطوائف الآخرين، ولاحت له طوالع المصير المروع الذي سينحدر إليه إذا لم تتداركه يد العناية الإلهية بعون أو نجدة غير منتظرة؛ لذا كان من الطبيعي أن تتجه أنظار ابن عباد إلى دولة المرابطين القوية الفتية بقيادة أميرها الباسل "يوسف بن تاشفين" ليستنجد به وتطلب منه النصرة ضد هؤلاء النصارى الذين تجمعوا من شمالي إسبانيا، فضلاً عن المتطوعين الذين قدموا من فرنسا وألمانيا وإيطاليا.

                  النزاع بين ألفونس السادس والمعتمد

                  بدأ النزاع بين الملكين سنة (475 هـ = 1082م) عندما وجه ألفونس سفارته المعتادة إلى المعتمد يطلب فيها الجزية السنوية، وكان على رأس السفارة يهودي يُدعى "ابن شاليب"، رفض تسلم الجزية بحجة أنها من عيار ناقص، وهدد بأنه إذا لم يقدم له المال من عيار حسن فسوف تُحتل مدائن إشبيلية.

                  ولمَّا علم المعتمد بما صدر عن اليهودي أمر بصلبه، وزج بأصحابه في السجن من القشتاليين، وعندما استشار الفقهاء استحسنوا ذلك الأمر؛ مخافة أن يتراجع المعتمد عن قراره بالصمود في وجه النصارى؛ أما ألفونس فقد استشاط غضبًا، وبعث سراياه وجنوده للانتقام والسلب والنهب، وأغار هو بجيشه على حدود إشبيلية وحاصرها ثلاثة أيام ثم تركها، والمعتمد يلتزم الدفاع طيلة هذه العاصفة الهوجاء من الغضب الصليبي.

                  الاستنجاد بالمرابطين

                  حشد المعتمد رجاله، وقوَّى جيشه، وأصلح حصونه، واتخذ كل وسيلة للدفاع عن أرضه بعدما أيقن أن ألفونس يعتزم العمل على إبادتهم جميعًا، وأن المسلمين بقدراتهم ومواردهم المحدودة لن يستطيعوا له دفعًا؛ لذا قرر المعتمد أن يستنصر بالمرابطين في المغرب لمقاتلة هؤلاء النصارى، وكانت دولة المرابطين دولة جهاد وحرب، غير أن هذا الرأي واجه معارضة من بعض الأمراء الذين رأوا في المفاوضات والصلح والمهادنة والسلام وسيلة للأمن والاستقرار، ورأوا في المرابطين عدوًا جديدًا قد يسلب ملكهم، وقال الرشيد لأبيه المعتمد: "يا أبت أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا"، فرد عليه المعتمد: "أي بني، والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر، ولا تركتها للنصارى، فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام، مثلما قامت على غيري، رعي الجمال عندي- والله- خير من رعي الخنازير".

                  وناشد ملوك الطوائف وعلى رأسهم المعتمد بن عباد المرابطين وأميرهم يوسف بن تاشفين لنجدتهم، بل إن المعتمد عبر إلى المغرب والتقى بابن تاشفين الذي وعده خيرًا، وأجابه إلى ما طلب واشترط لإجابة الدعوة والعبور إلى الأندلس أن يسلم إليه المعتمد ثغر الجزيرة الخضراء ليكون قاعدة للمرابطين في الذهاب والإياب، فوافق المعتمد على ذلك.

                  العبور إلى الأندلس

                  حشد يوسف بن تاشفين جنده وعتاده، ثم بعث بقوة من فرسانه بقيادة داود بن عائشة فعبرت البحر، واحتلت ثغر الجزيرة الخضراء، وفي (ربيع الآخر 479هـ = أغسطس 1086م) بدأت جيوش المرابطين تعبر من سبتة إلى الأندلس، وما كادت السفن تتوسط ماء مضيق جبل طارق حتى اضطرب البحر وتعالت الأمواج، فنهض "ابن تاشفين" ورفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيرًا وصلاحًا للمسلمين فسهِّل علي جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه علي حتى لا أجوزه"؛ فهدأت ثائرة البحر، وسارت السفن في ريح طيبة حتى رست على الشاطئ، وهبط منها يوسف، وخرَّ لله ساجدًا.

                  قوبل بحفاوة بالغة هو وجنوده، وأمر قائده "داود بن عائشة" بالتقدم أمامه إلى بطليوس، كما أمر بأن توضع القوات الأندلسية كلها تحت قيادة المعتمد، وأن يكون لجند الأندلس محلتهم وللمرابطين محلتهم، وكان يوسف في تحركه شديد الحذر؛ لأنه لم يسبق له أن حارب جيشًا نصرانيًا، كما أنه لم يكن واثقًا من حلفائه الأندلسيين؛ لذا رأى أن تكون المعركة في ناحية بطليوس، وألا يتوغل كثيرًا في أرض الأندلس.

                  الزلاقة والنصر المبين

                  ولما بلغ ألفونس نبأ تقدم المسلمين لملاقاته، فك الحصار الذي كان يضربه حول مدينة سرقسطة، واستدعى قائده البرهانس من بلنسية، وبعث مستغيثًا بجميع النصارى في شمال إسبانيا وما وراء جبال البرانيس، فتقاطرت عليه فرسان النصارى من إيطاليا وفرنسا، واعتزم أن يلقى المسلمين في أرضهم حتى لا تخرب بلاده، وكانت قواته تفوق المسلمين عددًا وعدة، وقد استقرت هذه الجيوش النصرانية على بعد ثلاثة أميال من المعسكر الإسلامي ولا يفصل بينهم إلا نهر صغير يسمى "جريرو"، وانضم إلى قوات النصارى الرهبان والقسس يحملون أناجيلهم وصلبانهم، محفزين بذلك جنود النصارى.

                  كانت قوات المسلمين تقدر بحوالي ثمانية وأربعين ألف مقاتل، تنقسم في وحدتين كبيرتين من قوات الأندلس، وتحتل المقدمة بقيادة المعتمد، أما القوات المرابطية فتحتل المؤخرة وتنقسم إلى قسمين، يضم الأول فرسان البربر بقيادة داود بن عائشة، والقسم الثاني احتياطي، يقوده يوسف بن تاشفين.

                  ولبث الجيشان كل منهما في اتجاه الآخر ثلاثة أيام، وفشلت محاولة ألفونس خديعة المسلمين في تحديد يوم المعركة، وانتهى الأمر بنشوب المعركة مع أول ضوء من صباح يوم الجمعة (12 رجب 479هـ = 23 أكتوبر 1086م) بهجوم خاطف شنَّه فرسان النصارى على مقدمة المسلمين المؤلفة من القوات الأندلسية، فاختل توازن المسلمين وارتد فرسانهم نحو بطليوس، ولم يثبت إلا المعتمد بن عباد في مجموعة قليلة من الفرسان، وقاتلوا بشدة، وأُثخن المعتمد بالجراح وكثر القتل في جند الأندلس، وكادت تحل بهم الهزيمة، وفي الوقت نفسه هاجم ألفونس مقدمة المرابطين وردها عن مواقعها.

                  وأمام هذه المحنة التي تعرضت لها القوات المسلمة دفع يوسف بقوات البربر التي يقودها أبرع قواده وهو "سير بن أبي بكر اللمتوني"؛ فتغير سير المعركة، واسترد المسلمون ثباتهم، وأثخنوا النصارى قتلاً، وفي تلك الأثناء لجأ ابن تاشفين إلى خطة مبتكرة؛ إذ استطاع أن يشق صفوف النصارى، ويصل إلى معسكرهم، ويقضي على حاميته، ويشعل فيه النار؛ فلما رأى ألفونس هذه الفاجعة، رجع بسرعة شديدة، واصطدم الفريقان في قتال شرس، ودويّ طبول المرابطين يصم الآذان، وكثر القتل في الجانبين، خاصة في صفوف القشتاليين، ثم وجه "ابن تاشفين" ضربته الأخيرة إلى النصارى؛ إذ أمر حرسه الأسود، وقوامه أربعة آلاف مقاتل من ذوي البأس الشديد والرغبة في الجهاد بالنزول إلى أرض المعركة، فأكثروا القتل في القشتاليين واستطاع أحدهم أن يطعن ألفونس في فخذه طعنة نافذة كادت تودي بحياته.

                  وأدرك ألفونس أنه وقواته يواجهون الموت إذا استمروا في المعركة، فبادر بالهروب مع قلة من فرسانه تحت جنح الظلام، لم يتجاوزوا الأربعمائة، معظمهم جرحى، ماتوا في الطريق، ولم ينج منهم إلا مائة فارس فقط.

                  كان انتصار المسلمين في الزلاقة نصرًا عظيمًا ذاعت أنباؤه في الأندلس والمغرب، واستبشر المسلمون به خيرًا عظيمًا، غير أن المسلمين لم يحاولوا استغلال نصرهم بمطاردة فلول النصارى المتبقية والزحف إلى أراضي قشتالة، بل لم يحاولوا السير إلى طليطلة لاستردادها، وهي التي كانت السبب الرئيسي في الاستعانة بالمرابطين، ويقال إن ابن تاشفين اعتذر عن مطاردة القشتاليين لوصول أنباء إليه بوفاة أكبر أبنائه.

                  ونتج عن هذا المعركة الحاسمة توقُّف ملوك الطوائف عن دفع الجزية لألفونس السادس، وأنقذ هذا النصر غرب الأندلس من غارات المدمرة، وأفقدهم عددًا كبيرًا من قواتهم، وأنعش آمال الأندلسيين وحطم خوفهم من النصارى، ورفع الحصار عن سرقسطة التي كادت تسقط في يد ألفونس، وحالت هذه المعركة دون سقوط الأندلس كلها في يد النصارى، ومدت في عمر الإسلام بالأندلس حوالي القرنين ونصف القرن.

                  منقول
                  [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                  تعليق

                  • عبدالغفور الخطيب
                    عضو متميز

                    • Nov 2004
                    • 2698

                    #159
                    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                    المستنصرية.. أقدم جامعة إسلامية

                    (في ذكرى تولي منشئها الخلافة: 14 من رجب 623 هـ)


                    لم يبقَ من ذكرى الخليفة العباسي المستنصر بالله سوى مدرسته الخالدة المعروفة بالمستنصرية، والتي تُعد من أقدم الجامعات الإسلامية ومن أعظم الأعمال الحضارية التي قامت بها الخلافة العباسية في أخريات أيامها، وشاء لها القدر أن تظل الأثر الوحيد الذي بقيت بعض أجزائه قائمة حتى يومنا من معاهد العلم العباسية في بغداد على كثرتها واختلاف طابعها.

                    وصاحب هذا العمل الحضاري هو الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور المستنصر بالله بن محمد الظاهر تولى الخلافة يوم وفاة أبيه في (14 من رجب 623 هـ = 11 من يوليو 1226م) فنهض بها أحسن نهوض، وكان مثل أبيه عادلا يريد أن يعيد للأمة بعضا من أخلاقها التي اختفت تحت قبضة الظلم والطغيان وشهوة الحكم والاستبداد، وإذا كان أبوه قد مكث في الخلافة تسعة أشهر وأربعة عشر يوما، سلك في أثنائها سنن العدل والإحسان، وبلغ من عزمه في التطبيق وإخلاصه في المضي فيه أن جعل المؤرخ الكبير ابن الأثير يقول: فلو قيل إنه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا؛ فإنه أعاد من الأموال المغصوبة في أيام أبيه وقبله شيئا كثيرًا...

                    وإذا كان القدر لم يمهله حتى يرى الناس ثمار غرسه، فإن ابنه استكمل الطريق وسار على الضرب؛ فنودي في بغداد أن من كانت له حاجة أو مظلمة يطالع بها، تُقضى حاجته وتُكشف مظلمته.

                    وكان في الخليفة المستنصر بالله نزوع إلى الخير، ورغبة في إقامة المنشآت النافعة من القناطر والخانات والربط ودور الضيافة وغيرها، وقد طالت مدة خلافته 17 سنة إلا شهرًا؛ حيث توفي في (20 من جمادى الآخرة 640 هـ= 5 من ديسمبر 1243م).

                    إنشاء مدرسة

                    شرع الخليفة المستنصر بالله العباسي في بناء المدرسة ببغداد على شط دجلة سنة (625 هـ= 1227م)، وقام على بنائها وتشييدها أستاذ دار الخلافة محمد بن العلقمي، وبلغ ما أنفقه عليها 700 ألف دينار، وافتتحت للدراسة في (5 من رجب 631 هـ = 6 من إبريل 1233م) وكان يوما مشهودا أقيم فيه احتفال كبير بهذه المناسبة، خلع فيه الخليفة العباسي على محمد بن العلقمي وأخيه أحمد، وهما اللذان أشرفا على بنائها، أموالا كثيرة وذُبِحَ ألفا رأس من الغنم، وعملت الحلوى صفوفا، وأقيم سماط عظيم في صحن المدرسة كان عليه صفوف شتى وألوان مختلفة من الأطعمة الفاخرة، أكل منه الحاضرون وحُمل منه إلى سائر دروب بغداد.

                    المستنصرية جامعة كبرى

                    وقد عنيت هذه المدرسة العظيمة بدراسة علوم القرآن والسنة النبوية والفقه والطب والرياضيات على نحو لم يسبق من قبل، فقد خصص الخليفة المستنصر لدراسة الفقه الإسلامي بناية خاصة، تدرس فيها المذاهب الفقهية الأربعة مجتمعة لأول مرة في تاريخ المدارس الإسلامية، وجعل للطب بناية خاصة، ثم أضاف إلى مدرستي الفقه والطب دارين أخريين: دارًا للقرآن ودارًاًا للسنة، وبذلك جمع الخليفة النابه المذاهب الفقهية الأربعة وعلوم القرآن والسنة النبوية وعلم الطب والعربية والرياضيات والفرائض وجعلها في مكان واحد تتألف من أبنية متعددة أطلق عليها اسم المستنصرية، وكان قبل ذلك تبنى مدارس مستقلة لكل فرع من تلك الفروع؛ فيدرس الطب في مدارس مستقلة به بعيدًا عن مدارس الحديث، التي هي الأخرى مستقلة عن دور القرآن.

                    وقد سن الخليفة المستنصر بالله سُنة حسنة بدراسة الفقه بمذاهبه الأربعة في مدرسة واحدة، فلم يكد يمضي عشر سنوات على افتتاح المستنصرية؛ حتى أقدم الملك الصالح نجم الدين أيوب بإنشاء المدرسة الصالحية بالقاهرة سنة (641هـ= 1243م) لتدريس المذاهب الأربعة، ثم قامت زوجة الخليفة المستعصم آخر الخلفاء العباسيين المعروفة باسم "باب بشير" ببناء المدرسة البشيرية في سنة (649هـ = 1251م) بالجانب الغربي من بغداد وجعلتها وقفا على المذاهب الأربعة على قاعدة المدرسة المستنصرية، وافتتحت للدراسة في 13 من جمادى الآخرة سنة 653هـ، ثم توالى بعد ذلك إنشاء المدارس التي انتهجت هذا النهج في تدريس الفقه بمذاهبه الأربعة.

                    النظام الإداري

                    وكان يتولى إدارة المدرسة المستنصرية ناظر يختار من بين كبار موظفي الدولة يعاونه عدد من المساعدين، يأتي في مقدمتهم المشرف وهو كالمراقب المالي أو المفتش المالي والكاتب والخازن، وعدد من المستخدمين يقومون على خدمة المدرسين والطلاب، ويعد عبد الرحمن التكريتي أول من تولى منصب نظارة المدرسة المستنصرية؛ حيث عين في اليوم التاسع من رجب سنة (631 هـ = 1233م).

                    النظام الدراسي

                    اختير للتدريس بالمستنصرية كبار الشيوخ وأئمة العلم في العراق والشام ومصر وغيرها ممن حصلوا على إسناد عال، أو انتهت إليهم رئاسة العلم أو عرفوا بالبحث والدرس العميق، ويعاون هؤلاء المدرسين معيدون نابغون. أما الطلاب فكان يدقق في اختيارهم من بين الطلاب النابهين، وكان لكل مذهب من المذاهب الفقهية مدرس يعاونه أربعة معيدين، وفي القسم المخصص لكل مذهب يجلس الشيخ على مقعد مفروش بالسجاد، وقد ارتدى حلة سوداء وإلى يمينه معيدان، وعن يساره مثلهما لإعادة ما يمليه الشيخ من الدروس.

                    الوسائل المعينة على الدرس

                    وكانت المدرسة مجهزة بما يعين الطلاب على الدرس والتحصيل ويساعد الأساتذة على الشرح والتوضيح؛ فألحق بالمدرسة مكتبة عامرة أهداها الخليفة المستنصر إليها، وكانت تضم ثمانين ألف كتاب بالإضافة إلى ما حُمل عليها بعد ذلك، وكانت دار الكتب هذه يقوم عليها خزنة من العلماء الأفذاذ والمؤرخين المشهورين، وتضم عددا من الناسخين والمناولين للكتب الذين يقومون على خدمة الطلاب.

                    وضمت المدرسة مستشفى يدرس فيه الطب؛ حيث تقترن الدراسة النظرية بالتطبيق ومعالجة الحالات المرضية، وإجراء الفحوص والتجارب.

                    التفرغ للدرس والتحصيل

                    وأوقف الخليفة المستنصر علي مدرسته وقفا كبيرا؛ حتى يتفرغ القائمون عليها والملتحقون بها للدراسة والتحصيل، لا تشغلهم أعباء الحياة عن مواصلة البحث ولا يلههم التفكير في لقمة العيش عن متابعة التحصيل، فقد خصص لنظارها وشيوخها ومدرسيها ومعيديها وأطبائها وطلابها وكل العاملين بها ما يكفيهم من الطعام والشراب والنفقات، ورتّب لهم البيوت والمساكن، وكانت الأطعمة توزع يوميا مطبوخة على طلابها المثبتين في المدرسة، بالإضافة إلى ما كان يجهز لهم من الحصر والسراج والزيت والورق والحبر والأقلام، وكان يقدم لهم في الصيف الماء البارد وفي الشتاء الماء الساخن، وكان رجال الإدارة والتدريس يوزع عليهم كميات كبيرة من الخبز واللحم والخضراوات التي تكفيهم وتكفي ضيوفهم، بالإضافة إلى ما كانوا ينالونه من هبات وعطايا.

                    وكانت الأراضي والضياع التي أوقفت على المدرسة تدر دخلا يكفي للنهوض بها والقيام برسالتها، حتى قيل: إن قيمة ما وقف عليها يساوي ألف ألف دينار، وإن واردات هذه الأوقاف بلغت نيفا وسبعين ألف مثقال من الذهب في السنة، وكان القائمون على وقف المستنصرية يتقاضون في كل شهر مرتبات نقدية من الدنانير الذهبية تختلف باختلاف منازلهم وأقدارهم.

                    الدراسة المستنصرية

                    ظل التدريس قائما بالمدرسة المستنصرية أربعة قرون منذ أن افتتحت في سنة (631هـ= 1233م) حتى سنة (1048هـ= 1638م)، وإن تخلل ذلك فترات انقطاع، كانت الأولى في أثناء الاحتلال المغولي لبغداد سنة (656هـ= 1258م)، وتعطلت الدراسة فيها قليلا، ثم عاد إليها نشاطها من جديد؛ حيث استؤنفت الدراسة سنة (656 هـ= 1259م)، وظلت الدراسة قائمة بالمستنصرية بانتظام بعد سقوط بغداد نحو قرن ونصف قرن.

                    ثم تعطلت الدراسة بها وبغيرها من مدارس بغداد؛ بسبب تدمير تيمورلنك لبغداد مرتين، الأولى سنة (795هـ= 1392م)، والأخرى في سنة (803هـ= 1400م)؛ حيث قضى تيمورلنك على مدارس بغداد، ونكّل بعلمائها، وأخذ معه إلى سمرقند كثيرًا من الأدباء والمهندسين والمعماريين، كما هجر بغداد عدد كبير من العلماء إلى مصر والشام وغيرهما من البلاد الإسلامية، وفقدت المستنصرية في هذه الهجمة الشرسة مكتبتها العامرة بآلاف الكتب وأصبحت أثرا بعد عين، وظلت الدراسة متوقفة بعد غزو تيمورلنك نحو قرنين من الزمان حتى افتتحت للدراسة سنة (998هـ = 1589م)، ولكن لم تدم بها طويلا فعادت وأغلقت أبوابها سنة (1048هـ= 1638م).

                    إحياء المستنصرية

                    بعد توقف الدراسة بالمستنصرية اتخذت لأغراض أخرى؛ فاستعلمت تكية ودار للمكوس والضرائب وخانا للمسافرين ومسكنا لجنود إحدى الكتائب، وامتدت إليها يد الإهمال؛ فضاع كثير من بهائها ورونقها، واختفت أجزاء من مبانيها، وظل الأمر على هذا النحو من الإهمال والنسيان، حتى استطاعت مديرية الآثار العراقية أن تضع يدها على المبنى وتوليه عنايتها وتعيد إليه رونقه وجماله، وافتتح للزيارة باعتباره أثرًا في سنة (1380هـ= 1960م).

                    منقول
                    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                    تعليق

                    • عبدالغفور الخطيب
                      عضو متميز

                      • Nov 2004
                      • 2698

                      #160
                      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                      ابن قتيبة.. أديب الفقهاء ومحدث الأدباء

                      (في ذكرى وفاته: 15 من رجب 286هـ)



                      لما أنشئت بغداد وأصبحت حاضرة الخلافة ومقر الحكم، أقبل الناس على سكناها، وامتد إليها العمران، فغدت في سنوات قليلة واسعة الأرجاء، جميلة البناء، زاهرة بقصورها ومساجدها وحدائقها ومرافقها، وجذبت إليها أهل العلم والفضل وذوي الأدب والمعرفة، يلقون في كنفها كل تقدير وإجلال، ويجدون من خلفائها ووزرائها وأعيانها كل عون وتشجيع، فامتلأت المساجد بحلقات الفقه والحديث واللغة والأدب وعلم الكلام، وازدهرت حلقات الجدل والمناظرة، واحتشد ببغداد أئمة العلم، ونوابغ الأدب، وجهابذة الفقه، وأعلام الحديث، وكبار الشعراء، وعباقرة الموسيقى والغناء، وتحولت بغداد إلى جامعة كبرى تظل هؤلاء جميعًا. وكان ابن قتيبة واحدًا ممن ازدانت بهم حلقات العلم ببغداد.

                      المولد والنشأة

                      لا يُعرف على وجه اليقين المدينة التي وُلد بها أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، فيذهب بعض المؤرخين إلى أنه ولد بالكوفة، في حين يذهب آخرون إلى أن مولده كان ببغداد، لكن الراجح أنه ولد بالكوفة سنة (213هـ=828م)، لكنه لم يُقم بها طويلاً، وانتقل صغيرًا إلى مدينة بغداد؛ حيث نشأ بها وتثقف على علمائها، وكانت تموج بحركة علمية زاهرة، ونشاط ثقافي خصب، فتردد على حلقاتها ولزم علماءها، فأخذ الحديث عن أئمته المشهودين وفي مقدمتهم إسحاق بن راهويه، وكان أحد أئمة الإسلام ومن أصحاب الإمام الشافعي، وله مسند معروف، وإلى جانب ذلك كان من أعلم الناس بتفسير القراءة، وحسبه منزلة أن البخاري ومسلم والترمذي كانوا من تلاميذه ورووا عنه.

                      وأخذ اللغة والنحو والقراءات على أبي حاتم السجستاني، وكان إمامًا كبيرًا ضليعًا في العربية، وعن أبي الفضل الرياشي، وكان عالمًا باللغة والشعر كثير الرواية عن الأصمعي، كما تتلمذ على عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، وحرملة بن يحيى، وأبي الخطاب زياد بن يحيى الحساني، وغيرهم.

                      العمل بالقضاء والتدريس

                      وبعد أن اشتد عود ابن قتيبة، ونهل من المعرفة وأخذ بقسط وافر من علوم اللغة والشرع، اختير قاضيًا لمدينة "الدينور" من بلاد فارس، وكان بها جماعة من العلماء والفقهاء والمحدثين، فاتصل بهم، وتدارس معهم مسائل الفقه والحديث، ثم عاد إلى بغداد، واتصل بأبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير الخليفة المتوكل، وأهدى له كتابه "أدب الكاتب"، وكان يجمع بينهما وشائج من العلم والأدب.

                      استقر ابن قتيبة في بغداد، وأقام حلقة للتدريس، يقرأ كتبه على تلاميذه الذين التفوا حوله، وكانت شهرته قد طبقت الآفاق، ومن تلاميذه: ابنه القاضي أبو جعفر أحمد بن قتيبة، وأبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه، وعبيد الله بن عبد الرحمن السكري، وغيرهم.

                      ثقافة ابن قتيبة

                      كان ابن قتيبة مرآة لثقافة عصره الواسعة، فهو محدث متمكن روى عن أئمة الحديث وحُفّاظه، وله بصر بعلم الكلام والجدل والمناظرة، وكان قد اتجه إلى حلقات المتكلمين في مطلع حياته، وأخذ عنهم، وقد أفاده اطلاعه على آراء المتكلمين في جداله معهم ومقارعتهم الحجة بالحجة، وذلك في معرض دفاعه عن أهل السُّنَّة، وهو مؤرخ عالم بتاريخ العرب وأيامهم، وتاريخ المسلمين وفتوحاتهم وغزواتهم، وضليع فيما يتصل بالفقه وعلوم القرآن، وفوق ذلك أديب لغوي تشهد مؤلفاته على علو كعبه وتميزه في عصرٍ امتلأ بالنوابغ في ميادين اللغة والأدب.

                      وخلاصة القول: إن "ابن قتيبة" كان من أغزر علماء المسلمين إنتاجًا، وأكثرهم تنوعًا فلم يقتصر إنتاجه على فن واحد أو اثنين، بل ضرب بسهم وافر في أكثر ميادين الثقافة العربية والإسلامية، يمده في ذلك ذكاء فطري وموهبة عظيمة، وعزيمة قوية، وهمة عالية، وشغف بالمعرفة ملك عليه نفسه، فانصرف إليه كلية.

                      ابن قتيبة المحدث الفقيه

                      لم يكن ابن قتيبة محدثًا مثل البخاري ومسلم وأضرابهما من المحدثين العظام ممن يهتمون بالرواية والتصنيف، وإنما كان معنيًا بجانب آخر يحتاج إلى ثقافة عربية واسعة، ووقوف على مناهج المتكلمين وطرائقهم في الجدل والمناظرة، هذا الجانب هو جانب الدفاع عن الحديث، وشرح غريبه، وتأويل مُختلفه، ورد الشبهات عن أهله والذود عنهم؛ ولذا لقّبه ابن تيمية بحجة الأدب المنتصب للدفاع عن أهل الحديث، ويمثل كتابه "تأويل مختلف الحديث" هذا الاتجاه في التأليف؛ حيث وضعه ليوفق بين الأحاديث التي يُدَّعى فيها التناقض والاختلاف، وله كتب لا تزال حبيسة المكتبات تدور حول الحديث، مثل: "غريب الحديث"، و"إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث".

                      وله فيما يتصل بالدراسات القرآنية كتابه المعروف "مشكل القرآن"، تكلم فيه عن العرب وما خصَّهم الله به من العارضة (القدرة على الكلام) وقوة البيان، واتساع المجاز، ووجوه القرآن واللحن والتناقض والاختلاف، والمتشابه من القرآن، والقول في المجاز، والاستعارة، والحذف والاختصار، وتكرار الكلام والزيادة فيه، ومخالفة ظاهر اللفظ معناه، واللفظ الواحد للمعاني المختلفة.

                      وتتجلى في الكتاب ثقافة ابن قتيبة الواسعة، وإلمامه الدقيق بخفايا الأسلوب العربي وأسراره إلى جانب اطلاعه على الكتب السماوية الأخرى، وقد طبع الكتاب بتحقيق السيد أحمد صقر.

                      وله أيضًا كتاب "غريب القرآن" تناول فيه تفسير غريب الألفاظ الواردة في القرآن الكريم، وقد جمع العلامة ابن مطرف الكناني بين هذا الكتاب وكتاب "مشكل القرآن" في كتاب سماه: القرطين، وألّف في الفقه كتاب "الأشربة"، و"الميْسر والقداح".

                      تناول في الكتاب الأول مسألة تحريم الخمر، والدواعي التي حرمت من أجلها، وعرج إلى مصادرها وكيفية صنعها، والأنواع التي تُصنع منها، ثم تعرض لمسألة النبيذ الذي عُرف في عصره، وهو ماء الزبيب وماء التمر دون غليان، وسُمي نبيذًا لأنه كان يتخذ وينبذ، أي يترك، وينتهي ابن قتيبة بعد استعراض لآراء الفقهاء إلى أن التحريم منصب على المسكر من الخمر بأنواعها، وإنما يجب الاحتياط بتجنب القليل مما كثيره مسكر، أو ما يُخشى من إسكاره من منقوع التمر والزبيب ومخلوطه، وإن اختلفت أسماؤه. وقد طبع الكتاب بتحقيق محمد كرد علي سنة (1366 هـ= 1947م).

                      وتناول في الكتاب الآخر مسألة الميسر، بعد أن طُلب إليه ذلك. يقول في المقدمة:

                      "أما بعد فإنك كتبت تعلمني تعلق قلبك بالميسر وكيفيته، والقداح وحظوظها، والمياسرين (المقامرين) وأحوالهم، ومعرفة ما في الميسر من النفع الذي ذكره الله في القرآن"، ولم يقتصر في تناول مسألة تحريم الميسر على الناحية الفقهية، وإنما عرض للموضوع عرضًا لغويًا وتاريخيًا واجتماعيًا. وقد طبع الكتاب بالمطبعة السلفية بتحقيق محب الدين الخطيب سنة ((1342 هـ= 1923م)).

                      ابن قتيبة والمعارف العامة

                      وضع ابن قتيبة عددًا من كتب المعارف العامة التي تمتاز بالاختصار والتنوع، والإلمام بضروب المعرفة الإنسانية، التي تحتاج الطبقة المثقفة إلى معرفتها والتزود بها، والإلمام منها بطرف، ويأتي في مقدمة تلك الكتب: "المعارف"، ويشمل كما يقول مؤلفه على فنون كثيرة من المعارف، تبدأ من مبتدأ الخلق وقصص الأنبياء، وقبائل العرب وبطونها، وأخبار النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأولاده وأزواجه ومواليه، وتراجم الصحابة المشهورين والخلفاء، ثم تراجم العلماء من فقهاء ومحدثين ونسابين ورواة، كما تعرض للمساجد المشهورة وبنائها، وتناول أيام العرب المعروفة، وفتوح المسلمين، وغير ذلك. وقد طُبع الكتاب محققًا بعناية الدكتور ثروت عكاشة، ونشرته دار الكتب المصرية.

                      وله في هذا الاتجاه كتابه المعروف "عيون الأخبار"، وضعه لكُتَّاب الدولة أو لمن يريد أن يشتغل بالكتابة، وألمَّ فيه بضروب المعروفة التي تعينه في عمله، من التبصر بأحوال الدنيا، والإلمام بخبايا النفس، وإدراك أمور السياسة وتدبير الحكم، وقسَّمه إلى عشرة كتب: هي كتاب السلطان، والحرب، والسؤدد، والطبائع والأخلاق، والعلم، والزهد، والإخوان والحوائج، والطعام، والنساء. وقد طُبع الكتاب محققًا بدار الكتب المصرية سنة 1348هـ=1930م.

                      ابن قتيبة الأديب اللغوي

                      كان ابن قتيبة إلى جانب علمه باللغة أديبًا واسع الاطلاع، صاحب ذوق وبيان، ناقدًا نافذ البصيرة، عالمًا ببواطن الجمال في الأدب، له مقدمات في أصول النقد الأدبي، وجمع إلى جانب ذلك كثيرًا مما يتصل بثقافة الكاتب والأديب من معارف عامة، وهو في ذلك يسير على الدرب الذي انتهجه من قبل أديب العربية الكبير أبو عثمان الجاحظ، والأديب الموسوعي أبو حنيفة الدينوري؛ ولذا كان كثير من كتبه الأدبية يدور حول تربية الملكة الأدبية، وإرشاد طبقة الكتاب وتعليمهم كما ذكرنا.

                      ويمثل كتابه "أدب الكاتب" هذا الاتجاه خير تمثيل، قدّم فيه ابن قتيبة قدرًا من الثقافة اللغوية الضرورية لكتاب الدواوين في زمانه خاصة، وللكتاب والأدباء عامة، ليزودهم بالأدوات التي تعينهم في الكتابة، وتعصمهم من الوقوع في الخطأ والزلل. وهذا الكتاب يعد أول كتاب منظم في هذا الموضوع، لم يسبقه إلا أقوال أو رسائل توجيهية، مثلما فعل عبد الحميد الكاتب في رسالته إلى الكُتاب.

                      وقد نال هذا الكتاب إعجاب كثير من العلماء وتقديرهم، فعدَّه ابن خلدون من أمهات كتب الأدب العربي؛ حيث قال: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين، وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع منها".

                      وقد قام بشرح الكتاب والتعليق عليه جماعة من العلماء، منهم ابن السيد البطليوسي، فقد سمَّى شرحه "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب"، وكذلك شرحه أبو منصور الجواليقي، وسمَّى شرحه: "شرح أدب الكاتب" والشرحان مطبوعان، أما الكتاب نفسه فقد طُبع طبعات متعددة.

                      ابن قتيبة الناقد الأدبي

                      تصدَّى ابن قتيبة لفن النقد الأدبي، وأودع منهجه النقدي في كتابه المعروف "الشعر والشعراء"، ثم أردفه بكتابه "معاني الشعر"، أما الكتاب الأول فقد استهله بمقدمة في غاية الأهمية، وضع فيها أصول النقد المعروفة في عصره، وجمع قدرًا من مقاييس النقاد وأحكامهم، ثم اجتهد في بسط آرائه النقدية ومقاييسه العامة التي تلائم الشعر الجديد الذي ازدهر في عصره، بعيدًا عن المقاييس الجامدة التي درج اللغويون على تحكيمها متأثرين بمعايير أصول الشعر القديم، فتحدَّث ابن قتيبة عن ماهية الشعر وطبيعة الشاعر، وبناء القصيدة، والمطبوع من الشعراء والمتكلف، وموضوعات الشعر، وعيوبه.

                      وبعد المقدمة أفاض في ترجمة الشعراء المعروفين بدءًا من العصر الجاهلي حتى زمن المؤلف، وقد بدأ تراجمه بامرئ القيس أمير شعراء الجاهلية، ملتزمًا في إيراد تراجمه الترتيب التاريخي، فبدأ بشعراء الجاهلية القدماء الذين لم يدركوا الإسلام، ثم الذين أدركوا الإسلام كـ لبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي، ثم الشعراء الأمويين فالعباسيين، وكان يطيل في الترجمة أو يقصر حسب مكانة الشاعر وما يروى من شعره وما يستجاد. وقد طُبع الكتاب محققًا بعناية الشيخ أحمد شاكر في مصر.

                      أما الكتاب الآخر فهو "معاني الشعر"، وهو يتناول أبوابًا من المعاني المختلفة، مثل: النساء والغزل، والسباع والوحوش، والإبل والخيل، ويذكر ما جاء فيها من الشعر، ثم يشرح غريبه، والكتاب يجمع ذخيرة أدبية قيمة من الشعر العربي القديم في موضوعات تتصل بمناح مختلفة من الحياة عند العرب، وتكشف عن عاداتهم وتقاليدهم، ويفسر كثيرًا من الألفاظ الغريبة، ويعمد إلى شرح بعض الصور البيانية من استعارة وتشبيه. وقد طُبع الكتاب في الهند سنة (1368 هـ= 1949م) في ثلاثة مجلدات.

                      ولابن قتيبة مؤلفات كثيرة غير ما ذكرنا، بعضها مطبوع وبعضها الآخر لا يزال مخطوطًا، أو امتدت إليه يد الإهمال فضاع مع ما ضاع من تراثنا الضخم. ومن كتبه المطبوعة:

                      * "المسائل والأجوبة"، وقد طُبع بمصر سنة (1349 هـ= 1930م).

                      * "كتاب الأنواء في مواسم العرب"، وطُبع ببغداد سنة (1408 هـ= 1988م).

                      * "فضل العرب والتنبيه على علومها"، وطُبع بـ "أبو ظبي" سنة (1408 هـ= 1988م).

                      وفاة ابن قتيبة

                      قضى ابن قتيبة حياته كلها في خدمة الأدب والدين، والدفاع عن عقيدة الأمة، مستغلاً ثقافته الواسعة وقوة عارضته (قدرته على الكلام) في الذود عن القرآن والحديث؛ ولذا لقي ثناء المعاصرين له وتقديرهم، كما عرف قدره من جاء بعده من علماء الإسلام، فوصفه الذهبي: بأنه من أوعية العلم، وقال عنه السيوطي: "إنه كان رأسًا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس".

                      وقد لبَّى ابن قتيبة نداء ربه في (15 من رجب 276هـ=13 من نوفمبر 899م) بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال.

                      منقول
                      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                      تعليق

                      • عبدالغفور الخطيب
                        عضو متميز

                        • Nov 2004
                        • 2698

                        #161
                        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                        الحملة الصليبية الخامسة.. وغرور القوة

                        (في ذكرى جلائها عن مصر: 19 من رجب 618هـ)


                        لم يشك الصليبيون لحظة واحدة في أهمية أن تكون مصر تحت أيديهم؛ ضمانا لوجودهم بالشام، واستقرارا لنفوذهم وسلطانهم في تلك المنطقة، فسعوا للاستيلاء على مصر عقب تأسيسهم إماراتهم، فقام "جوديفري دي بوايون" أول حاكم صليبي على بيت المقدس بأول المحاولات لاستكشاف الأوضاع في مصر سنة (493هـ = 1099م)، ثم تبعه أخوه "بلدوين الأول" ملك بيت المقدس بغزو مصر سنة (509هـ = 1116م)، ووصل إلى مدينة الفرما، فوجدها خالية بعد أن هجرها أهلها من المصريين.

                        ويروي ابن الأثير أن "بلدوين الأول" وصل إلى مدينة تنيس جنوبي بحيرة المنزلة ثم كرَّ راجعا، ولم يستكمل حملته العسكرية لصغر قواته ولمرضه الذي حلَّ به.

                        واستغل الصليبيون الصراع الذي اشتعل في أواخر الدولة الفاطمية بين شاور وضرغام فتدخلوا في شؤون مصر، ووقفوا إلى جانب أحد الطرفين ضد الآخر، ولولا تدخل نور الدين محمود فلربما وقعت مصر تحت سيطرة الصليبيين، لكن نور الدين محمود حسم الصراع لصالحه بفضل قواته التي بعثها، وكان على رأسها "أسد الدين شيركوه" وابن أخيه "صلاح الدين الأيوبي"، ثم تدخلت الأقدار فانفرد صلاح الدين بحكم مصر، ثم ضم الشام بعد وفاة نور الدين محمود، وقام بحركة الجهاد الكبرى، وحقق انتصارات عظيمة على الصليبيين، وتوج جهوده باسترداد بيت المقدس.

                        أدرك الصليبيون- بعد هزائمهم- أن وجودهم مرهون بالاستيلاء على مصر، وأنهم لن ينعموا بالراحة ما دامت مصر ليست في قبضتهم وتحت سلطانهم، ولا أمل في الاستيلاء على بيت المقدس مرة أخرى ومصر طليقة اليد تقود حركة الجهاد ضدهم.

                        الحملة الصليبية الرابعة


                        أخذ البابا إنوسنت الثالث (1198- 1216م) على عاتقه مهمة الدعوة إلى حملة صليبية جديدة على مصر؛ لإصلاح أوضاع الصليبيين في الشرق بعد انتصارات صلاح الدين، وبدلا من أن تتجه الحملة إلى مصر اتجهت صوب القسطنطينية، واقتحموا المدينة في (10 من شعبان 600هـ = 13 من إبريل 1204م)، وأزاحوا الإمبراطورية البيزنطية، وأقاموا مكانها إمبراطورية لاتينية غربية، وقد أدان البابا إنوسنت الثالث انحراف الحملة عن هدفها، ولم يعد أمام الصليبيين في عكا سوى عقد هدنة مع العادل الأيوبي الذي خلف أخاه صلاح الدين في حكم الدولة الأيوبية سنة (600هـ = 1204هـ).

                        الإعداد للحملة الصليبية الخامسة


                        عاود البابا إنوسنت الثالث الدعوة إلى حملة صليبية جديدة لتدارك ما فات، وفي الوقت نفسه طلب "حنا (جون) دي بريان" ملك مملكة بيت المقدس في عكا من البابا إرسال حملة على مصر، وفي مجمع اللاتران الكنسي الذي عقد في روما سنة (612هـ = 1215م) حرص البابا على ضرورة إيفاد الحملة لتوفير الحماية الصليبية في الشام، وقبل أن تبدأ عجلة الحملة الصليبية في التحرك تُوفِّي البابا إنوسنت الثالث سنة (613هـ = 1216م)، وخلفه هونر يوس الثالث الذي باشر إعداد الحملة.

                        بدأت قوات الحملة في التوافد على عكا، واستمر ذلك أربع سنوات إلا شهرا، حتى إذا اكتملت صفوفها وعتادها اتجهت صوب مصر، وكانت خطة حنا (جون) دي بريان تستهدف دخول مصر عن طريق الإسكندرية أو دمياط، ولقيت الخطة قبولا من جمهرة الصليبيين في الشام.

                        التوجه إلى دمياط

                        خرجت الحملة الصليبية من عكا تحت قيادة حنا (جون) دي بريان في (ربيع الأول 615هـ = مايو 1218م)، واتجهت إلى دمياط، ونزلت على الضفة الغربية للنيل المواجهة لدمياط، وأقامت معسكرها على الشاطئ؛ انتظارا للهجوم ومواصلة السير عبر فرع دمياط إلى داخل البلاد.

                        كانت مدينة دمياط محصنة تحصينا قويا، تحميها سلسلة عظيمة تمتد عبر النيل وتحول دون دخول السفن المعادية من البحر إلى داخل مجرى النهر، بالإضافة إلى برج السلسلة الموجود وسط مجرى النهر عند مصبه؛ لحماية دمياط، ودفع أي عدوان يقع عليها.

                        خرج الملك الكامل أكبر أبناء السلطان العادل وخليفته للدفاع عن دمياط، ونصب معسكره جنوبي دمياط، وقد عُرف هذا المكان منذ ذلك الوقت بمنزلة العادلية؛ حتى يكون على اتصال بالمدينة، ويمنع الصليبيين من العبور إلى الضفة الأخرى.

                        قضى الصليبيون ثلاثة أشهر كاملة يهاجمون برج السلسلة حتى تمكنوا في نهاية الأمر من الاستيلاء عليه في (جمادى الآخرة 615هـ = أغسطس 1218م)، وقطع السلسلة التي تعترض مجرى النهر، وكان ذلك نذير خطر للقوات المصرية.

                        وفي أثناء هذه الأحداث تُوفِّيَ السلطان العادل، ويُقال إنه لم يحتمل سماع تلك الأخبار السيئة فمرض مرض الموت، ثم لم يلبث أن تُوفِّيَ في (جمادى الآخرة 615هـ = أغسطس 1218م).

                        الدفاع عن دمياط


                        أدرك السلطان الكامل- الذي خلف أباه- خطورة الموقف، فتحرك سريعا لإعاقة حركة عدوه حتى لا يتوغل في البلاد، فأقام جسرا ضخما بعرض النهر، لكن الصليبيين تمكنوا من قطعه، فأسرع الكامل إلى إغراق سفن كبيرة في مجرى النيل لتعوق حركة السفن الصليبية، لكن ذلك لم يَحُلْ دون تقدم الصليبيين بعد أن حفروا خليجا هناك كان النيل قديما يجري فيه، وانتهى الأمر بدخول السفن الصليبية النهر حتى موقع مقابل لمنزلة العادلية حيث معسكر السلطان الكامل.

                        ولم يكن أمام أبناء السلطان العادل سوى التعاون الكامل والعمل معا في مواجهة هذا الخطر الداهم الذي حلَّ بهم، فكان على الكامل طرد الصليبيين من مصر، وأن يقوم السلطان المعظم عيسى- الذي خلف أباه في دمشق- بحراسة جبهة الشام والضغط على الصليبيين لإجبارهم على ترك مصر، وأن يهبَّ ملوك الشام من بني أيوب لنجدة السلطان الكامل في مصر، وتقديم يد العون والمساعدة له.

                        سقوط دمياط


                        حاول السلطان الكامل القيام بهجوم مفاجئ على المعسكر الصليبي فعبر نهر النيل وانقض عليهم، لكنهم صمدوا في وجهه وأجبروه على التراجع، وفي الوقت الذي كان فيه الكامل أحوج ما يكون إلى التماسك وتوحيد الهدف إذا به يتعرض لمؤامرة فاشلة من أحد قادته لعزله وإحلال أخيه مكانه في حكم مصر.

                        ألقت هذه المؤامرة فقدان الثقة في قلبه، فغادر معسكره ليلا وجنوده في إثره، فلمَّا أشرق الصباح وجد الصليبيون معسكر المسلمين خاويا من الجند، فعبروا إلى الضفة الشرقية وهم لا يصدقون ما حدث، وغنموا ما وجدوه من سلاح ومؤونة.

                        ازداد موقف المسلمين سوءا، وكاد يحل اليأس في قلب الكامل وتضعف عزيمته لولا أن تداركه أخوه المعظم الذي وصل بقواته، فأعاد الثقة في نفس أخيه، وبدأ في تنظيم الجيش الإسلامي الذي رابط عند فارسكور، وتمكنت دمياط من الصمود تسعة أشهر، لكنها لم تقوَ على الاستمرار بعد أن شدد الصليبيون هجماتهم عليها، فسقطت دمياط في أيديهم في (27 من شعبان 616هـ = 5 من نوفمبر 1219م).

                        العرض السخي


                        وفي أثناء حصار الصليبيين لدمياط قبل سقوطها كان السلطان الكامل قد يئس من إمكانية صمود المدينة بعد علمه بوصول نجدات قوية للصليبيين من قبرص وغرب أوروبا، فأرسل إلى الصليبيين بعرض سخي يقترح فيه أن يجلوا عن مصر مقابل أن يمتلكوا مدينة بيت المقدس ووسط فلسطين والجليل، أي يعيد لهم مملكة بيت المقدس، على ما كانت عليه قبل معركة حطين التي خاضها جده صلاح الدين سنة (583هـ = 1187م).

                        كان العرض الذي تقدم به السلطان الكامل غاية في الكرم والسخاء والتخاذل المهين، فقبله الملك حنا (جون) دي بريان وأمراء مملكته في حين رفضه الكاردينال بلاجيوس الذي أرسله البابا لتزعم الحملة الصليبية كلها، وتابعه فرسان المنظمات الرهبانية العسكرية من الداوية والإسبتارية.

                        الزحف إلى القاهرة


                        كانت الظروف قد تهيأت لصالح الصليبيين عقب سقوط دمياط، لكن الأهواء والنزاع حول الزعامة عصفا بوحدة الحملة وتماسكها، فعاد الملك حنا (جون) دي بريان بقواته إلى عكا في (المحرم 617هـ = مارس 1220م)، تاركا الأمر لبلاجيوس الذي ركن إلى الراحة والهدوء في دمياط، وظل نحو عام ونصف العام دون تحرك أو عمل جاد، فلما قرر الزحف بعث إلى حنا (جون) دي بريان يسأله العودة لمساعدة الصليبيين؛ فلبَّى على الفور حتى لا يُتهم بالتخاذل والتفريط في مصر، وهو صاحب الاقتراح بغزوها، ولما اكتملت القوات الصليبية شرعت في الزحف جنوبا بمحاذاة نهر النيل في (جمادى الآخرة 618هـ = يوليو 1221م).

                        لم يضيع أبناء السلطان العادل وقتهم وبذلوا ما في وسعهم من طاقة لإنقاذ البلاد، فأقام الكامل قبالة طلخا منزلة على الضفة الشرقية أطلق عليها اسم "المنصورة"، واستعدوا للمعركة الحاسمة، وكان السلطان الكامل لا يفتأ يكرر عرضه السخي على الصليبيين في مقابل جلائهم، لكنهم في كل مرة كانوا يكررون رفضهم.

                        واصل الصليبيون زحفهم وسط مثلث من الأرض تحيط به المياه من ثلاث جهات، كما هو مبين في الخريطة: بحيرة المنزلة شرقا، وفرع دمياط غربا، وبحر أشموم طناح جنوبا؛ فلما وصل الصليبيون إلى نقطة تفرع بحر أشموم طناح البحر الصغير من فرع دمياط قطع المسلمون السدود، وكان النيل مليئا بماء الفيضان فأغرق الأرض من تحت أقدامهم، وعاق الوحل حركة سيرهم.

                        وفي الوقت نفسه أبحر عدد من السفن الأيوبية في بحر المحلة- كان يخرج وقتذاك من النيل قرب بنها الحالية ويلتقي به جنوبي فارسكور- فحالت هذه السفن بين الصليبيين والنجدات التي تصل إليهم من دمياط، وقطعت خط الرجعة على السفن الصليبية.

                        فشل الحملة والجلاء عن دمياط


                        انحصر الصليبيون وتبددت آمالهم في الزحف جنوبا نحو القاهرة، ولم يبق لهم سبيل سوى أن يشقوا لأنفسهم طريقا نحو قاعدتهم في دمياط، فحاولوا في استماتة، لكن الماء وعسكر المسلمين حالاً دون تحقيق آخر أمل لهم في النجاة من المصير المحتوم، فأدركهم اليأس، ولم يبق أمامهم سوى طلب الصلح والجلاء عن دمياط دون قيد أو شرط، وهم الذين رفضوا من أشهر قليلة عروض السلطان الكامل المتكررة.

                        كان موقف الصليبيين حرجا وبالغ السوء، ولو صبر عليهم الكامل دون أن يجيب عليهم لأخذ برقابهم جميعا ولَمَا نجا منهم أحد؛ ولذلك عارض المعظم عيسى والأشرف موسى أخوا السلطان الكامل إجابته للصليبيين إلى الصلح، ورغبا في تركهم بمأزقهم؛ حتى تنفد أقواتهم، وتنتشر بهم المجاعة، ويأكل بعضهم بعضا، لكن الكامل مال إلى الصلح، وكان معروفا بسماحته، واتفق الطرفان على هدنة مدتها ثمانية أعوام، وتم جلاء الصليبيين عن دمياط في (19 من رجب 618هـ = 8 من سبتمبر 1221م) ودخلتها القوات المصرية عصر ذلك اليوم.

                        منقول
                        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                        تعليق

                        • عبدالغفور الخطيب
                          عضو متميز

                          • Nov 2004
                          • 2698

                          #162
                          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                          السلطان الكامل.. فرّط فيما لا يملك

                          (في ذكرى وفاته: 21 من رجب 635هـ)


                          توفي صلاح الدين الأيوبي سنة (589هـ = 1193م) بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال، وبمفاخر عظيمة لا يزال صداها يتردد حتى الآن، ولا تزال مدينة القدس التي حررها تنتظر من يعيد لها حريتها، ويرد لها كرامتها، بعد أن سقطت في يد الاحتلال الإسرائيلي، وكانت دولة صلاح الدين التي أنشأها موزعة عند وفاته بين أبنائه وإخوته وأبناء عمومته؛ فاختص ابنه الأكبر الملك الأفضل نور الدين محمود بدمشق عاصمة لدولته، التي ضمت مدن ساحل البحر المتوسط، وبيت المقدس وبعلبك وصرخد وبصرى حتى الداروم بالقرب من حدود مصر، وحكم ابنه العزيز عثمان مصر، في حين أخذ الابن الثالث -وهو الملك الظاهر غازي- حلب وشمال الشام، وتولى الملك العادل أخو صلاح الدين الأردن والكرك والجزيرة وديار بكر، أما بقية أبناء صلاح الدين وإخوته وآل بيته فكانت لهم إقطاعات صغيرة.

                          وكان صلاح الدين قد أوصى لابنه الملك الأفضل بالسلطنة من بعده، وأن تكون له السلطة العليا والكلمة النافذة في الدولة الأيوبية كلها، غير أن الأفضل لم يكن مؤهلا للنهوض بهذه المهمة، فحدث نزاع بينه وبين إخوته، واحتكم كل منهم إلى سيفه وقوته، وضاعت الوحدة والتماسك بين المطامع والمصالح، ونسوا جهد أبيهم في بناء الدولة، وتحقيق مجدها، وانتهز الملك العادل هذه الفرصة -وكان ذا أناة وصبر وعقل وحكمة- وتمكن من خلعهم واحدا إثر الآخر، وأصبح يحكم الدولة الموحدة التي كان يحكمها أخوه صلاح الدين من قبل.

                          وإذا كان العادل قد نجح في توحيد الدولة الأيوبية من جديد، فإن ذلك تطلّب منه إعادة تنظيم الدولة، والاستعانة بأبنائه في إدارتها، فأناب ابنه الكامل "محمد" في حكم مصر، وجعل ابنه المعظم عيسى في دمشق، وأعطى الأشرف موسى حران، واحتفظ العادل لنفسه بالإشراف التام على جميع أنحاء دولته.

                          الملك الكامل وحملة الصليبيين الخامسة

                          كان السلطان الكامل بن العادل في مصر، حين تعرضت لحملة صليبية هائلة بقيادة "حنادة برين"، تألفت من سبعين ألف فارس وأربعمائة ألف راجل، وعُرفت في تاريخ الحروب الصليبية بالحملة الصليبية الخامسة، ورست الحملة على الضفة الغربية للنيل المواجهة لمدينة دمياط في 4 من ربيع الأول 615 هـ = 1 من يونيو 1218م.

                          ولما علم السلطان الكامل بأخبار هذه الحملة الهائلة تحرك على وجه السرعة لدفع خطرها، واتجه بجنده إلى مكان قريب، وعسكر جنوبي دمياط؛ ليكون على اتصال بها، وكانت دمياط مدينة حصينة تحيط بها الأسوار والقلاع والأبراج، ويرتفع عند مدخل فرع دمياط النيلي برج مشحون بالجند لمنع سفن الأعداء من العبور في النيل والوصول إلى دمياط، وما كادت هذه الأنباء المحزنة يسمع بها الملك العادل في الشام حتى مَرِضَ مَرَضَ الموت، ولقي ربه تاركا لأبنائه فرصة تغيير الأوضاع، وإخراج الغازي المحتل من أرض مصر.

                          تمكن الصليبيون من دخول دمياط، ولم تُجْدِ محاولات الكامل في الدفاع عن المدينة، ومنع سقوطها، وأسقط في يده، وفزع إخوته في الشام، فأجمعوا أمرهم على النصرة والتصدي للصليبيين في مصر والشام، وكان يمكن للصليبيين أن يستثمروا نجاحهم في احتلال دمياط، ومواصلة السير في قلب البلاد، ولكنهم تنازعوا فيما بينهم، وبرزت أهواؤهم، وانسحب بعضهم إلى عكا، وظلوا عاما ونصفا دون تحرك.

                          وفي تلك الفترة قام السلطان الكامل بعمل ما في وسعه لإيقاف الزحف، وإقامة خطوط الدفاع في قبالة طلخا، وجمع جيوشه وجيوش إخوته (المعظم عيسى والأشرف موسى) استعدادا للقاء الحاسم، وفي الوقت نفسه ظل السلطان الكامل يكرر عرضه السخي للصليبيين بالجلاء عن مصر مقابل إعطائهم القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية، وجميع ما فتحه صلاح الدين من مدن الساحل، وقد رفض الصليبيون هذا العرض المتخاذل قبل سقوط دمياط في أيديهم، وتكرر رفضهم لهذا العرض بعد السقوط؛ بل إنهم تمادوا في غرورهم، وطلبوا 300 ألف دينار عوضا عن تخريب سور القديس.

                          تحرك الصليبيون بحشودهم الجرّارة جنوبا حتى مدينة فارسكور في ربيع الآخر 618هـ = يوليو 1221م، وكان هذا وقت فيضان النيل السنوي، الذي يشتد في شهر أغسطس من كل عام، وعبرت قوات الجيش المصري؛ لكي تحاصر الصليبيين قرب "المنزلة"، وشاء الله أن يأتي فيضان النيل عارما، ففتحت الجسور، وأغرقت كل الطرق أمام الصليبيين، وعلى صفحة النهر كانت السفن المصرية تقطع خطوط الإمداد، وتفصل الحملة الصليبية عن قاعدتها في دمياط، وتستولي على عدد من سفن العدو، وتأْسِر بَحَّارته.

                          ولم يكن أمام الصليبيين بعد أن فاجأتهم الكارثة، وأحيط بهم من كل مكان سوى الاستسلام دون قيد أو شرط، وضاعت أحلام البابوية في أوحال الدلتا وعلى صفحة النهر الخالد، وخرجت الحملة من دمياط في 19 من رجب 618 هـ = 8 من سبتمبر 1221 تجرّ أذيال الخيبة والفشل.

                          الكامل والإمبراطور فريدريك

                          كان لتضامن أبناء العادل الثلاثة، وتكاتفهم أثر لا يُنكر في تحقيق النصر وإفشال الحملة الصليبية الخامسة، وكان المأمول أن يبقى هذا التحالف، ويزداد مع الأيام قوة وترابطا بعد المحنة الحالكة، ولكن ذلك لم يحدث؛ فانفرط العقد، ومضى كل واحد منهم في طريقه، ينظر إلى نفسه، ويعظم من شأن مصالحه ومكاسبه دون نظر إلى مصلحة أبيه، ولم تكد تمضي سنوات معدودة حتى شبّ صراع بين السلطان الكامل وأخيه المعظم عيسى صاحب دمشق، واستعان كل منهما بمن يحقق له الظفر؛ فاستعان المعظم عيسى بالسلطان جلال الدين الخوارزمي سلطان الدولة الخوارزمية، واستنجد السلطان الكامل بالإمبراطور فردريك الثاني صاحب صقلية وإمبراطور الدولة الرومانية المقدسة في غرب أوروبا.

                          الإمبراطور فردريك

                          ولد هذا الإمبراطور من أب ألماني هو هنري السادس وأم إيطالية هي الأميرة كونستانس وريثة عرش صقلية، وتربى وتعلم في صقلية التي كانت مظاهر الحضارة الإسلامية تفرض نفسها في كل مكان فيها، فنشأ محبا للحضارة الإسلامية، مبديا تقديره وإجلاله للمسلمين، وكان واسع العلم، متبحرا في الهندسة والحساب والرياضيات، مجيدا للعربية واليونانية واللاتينية والإيطالية والألمانية والفرنسية، ولما تُوِّج على عرش الإمبراطورية سنة (612هـ = 1215م) وعد بالقيام على رأس حملة صليبية إلى الشرق ثمنا للمساعدة التي لقيها من البابوية في الوصول إلى حكم الإمبراطورية، ولكنه لم ينهض للوفاء بنذره الصليبي، وظل يماطل في تنفيذه، على الرغم من زواجه من "يولاند" ابنة الملك الصليبي يوحنا دي برين الذي جعل منه ملكا على بيت المقدس ومسؤولا عن الصليبيين في المشرق.

                          المراسلات بين الكامل وفردريك

                          أرسل السلطان الكامل مبعوثه الأمير فخر الدين يوسف إلى الإمبراطور فريدريك يعرض عليه أن يقوم بنجدته ومساعدته في حربه ضد أخيه المعظم عيسى، في مقابل أن يسلمه بيت المقدس وجميع فتوحات صلاح الدين بالساحل الشامي، ويا له من ثمن غالٍ مقابل هدف رخيص!! وقد أحسن الإمبراطور استقبال مبعوث السلطان الكامل، ورد عليه بسفارة مماثلة، واستجاب لعرضه السخي الذي قطع عليه تردده سنوات طويلة كان البابا جريجوري التاسع يستحثه للنهوض بها دون جدوى، وغادر صقلية في رجب 625 هـ = يونيو 1228م قاصدا الشام، ممنيًا نفسه بالتتويج في بيت المقدس، وبفخار يحققه يظل التاريخ الأوروبي يلهج بذكره.

                          الحملة الصليبية السادسة

                          وكانت الحملة التي عُرفت في التاريخ بالحملة الصليبية من أعجب الحملات العسكرية؛ فلم يتجاوز أفرادها 600 فارس، يصحبهم أسطول هزيل، وكان الإمبراطور الألماني قد جاء إلى الشام في نزهة جميلة مع أفراد حاشيته، أو جاء ليفاوض لا ليحارب، وعندما وصل إلى عكا وجد الأمور على غير ما تمنى؛ فقد توفي الملك المعظم عيسي، واقتسم السلطان الكامل وأخوه الملك الأشرف ممتلكاته، وعادت الأمور في البيت الأيوبي إلى الهدوء والاستقرار، ولم تعد هناك حاجة إلى جهود الإمبراطور.

                          كانت تلك الأخبار مفاجأة قاسية لـ"فرديريك"، فساء موقفه، ولكنه لم يفقد الأمل في تحقيق أمانيه مع سلطان اشتهر بالسماحة إلى حد التفريط، ولجأ إلى سلاح المفاوضة والاستعطاف، فبعث سفارة تطلب من السلطان الكامل الوفاء بما تعهد به من تسليمه بيت المقدس، وكان طبيعيا أن يرفض السلطان بعدما زال السبب الذي من أجله أقدم على هذا العرض، ولكن هذا الرفض زاد الإمبراطور إصرارا على إعادة المحاولة والمبالغة في استمالة قلب السلطان، وبلغ به الأمر أن كتب للسلطان الكامل في أثناء المفاوضات: "أنا مملوكك وعتيقك، وليس لي عما تأمر به خروج، وأنت تعلم أني أكبر ملوك البحر، وقد علم البابا والملوك باهتمامي؛ فإن رجعت خائبا انكسرت حربتي بينهم، فإن رأى السلطان أن يُنعم عليّ بقبضة البلد والزيارة؛ فسيكون صدقة منه".

                          أفلحت هذه السياسة، ونجحت مع السلطان الكامل، ففرّط فيما لا يملك، واستسلم دون قتال إلا من سلاح الدمع، وعقد معاهدة عُرفت بمعاهدة "يافا" في 22 من ربيع الأول 626هـ = 18 من فبراير 1229م بمقتضاها تقرر الصلح بين الطرفين لمدة عشر سنوات على أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس وبيت لحم والناصرة وصيدا، ونصّت المعاهدة على أن تبقى مدينة القدس على ما هي عليه؛ فلا يجدد سورها، وأن يظل الحرم بها بما يضمه من المسجد الأقصى وقبة الصخرة بأيدي المسلمين، وتقام فيه الشعائر، ولا يدخله الفرنج إلا للزيارة.

                          فردريك في بيت المقدس

                          أثارت هذه المعاهدة المخزية حفيظة المسلمين وغضبهم في كل مكان، وأقيمت المآتم في المدن الكبرى، وشعر "الكامل" بأنه تورط مع الإمبراطور، فأخذ يهون من أمر تسليم بيت المقدس، ويعلن أنه لم يُعطِ الفرنج إلا الكنائس والبيوت الخربة، على حين ظل المسجد الأقصى على حاله، وبعد عقد الصلح اتجه فردريك إلى بيت المقدس، فدخلها في 19 من ربيع الآخر 626هـ = 17 من مارس 1229م، ويذكر المقريزي أن الإمبراطور حين رأى قسيسا بيده الإنجيل يهمّ بدخول المسجد الأقصى زجره، وطرده، وهدد كل من يدخل المسجد الأقصى بغير إذن، فقال: "إنما نحن مماليك هذا السلطان الملك الكامل وعبيده، وقد تصدق علينا وعليكم بهذه الكنائس على سبيل الإنعام منه؛ فلا يتعدَّ أحد منكم طوره".

                          وفي اليوم التالي دخل كنيسة القيامة؛ ليتوَّج ملكا على بيت المقدس، ولم تطُلْ إقامته في الشام، وكرّ راجعا إلى بلاده بعد أن حقق ما لم تحققه أي حملة صليبية منذ الحملة الأولى.

                          العلاقات بين الكامل وفردريك

                          أدى التقارب في الصفات بين الرجلين؛ فقد كان كلاهما سمحا ليّن الخلق إلى توثيق العلاقات بينهما وتبادل الهدايا، وكان فردريك بعد عودته إلى الغرب لا يفتأ يردد أمام أصدقائه: "إن صديقي السلطان المسلم أثمنُ لدي من أي شخص، ما عدا ولدي الملك كونارد". وقد استمرت الصداقة بين فردريك وخلفاء السلطان الكامل في مصر، ومن ذلك تحذيره الصالح أيوب سلطان مصر عندما علم بنية لويس التاسع ملك فرنسا بتوجيه الحملة الصليبية السابعة إلى مصر.

                          شخصية السلطان الكامل

                          كان السلطان الكامل ملكا جليلا حازما مهيبا يميل إلى العفو والمسامحة، عفيفا عن سفك الدماء، وكان يباشر أمور مملكته بنفسه، ويتفقد أحوالها، يذكر ابن واصل الحموي أنه كان في أول زيادة النيل يخرج بنفسه، وينظر إلى الجسور وإصلاحها، ويرتب على كل جسر من الأمراء من يتولى أمره، ويجمع الرجال لإصلاحه وعمله، ويعاقب المتهاون في عمله أشد العقاب؛ فعمرت ديار مصر في أيامه، ونعمت بالرخاء.

                          وكان الكامل محبا للعلماء ومجالستهم، وسماع مناظراتهم في الفقه والنحو، ويكرم وفادتهم، ويمنحهم العطايا، وعُرف عنه شغفه بسماع الأحاديث النبوية، وكان شديد العناية بالمحدثين والحفاظ؛ فبنى لهم دار الحديث الكاملية، وهي أول دار من نوعها في مصر للحديث النبوي وعلومه، أسسها سنة (621 هـ = 1224م)، وجعل عليها المحدث المعروف "أبا الخطاب عمر بن دحية"، وكان يصعد إليه في القلعة ليحدث السلطان الكامل.

                          وكان يبيت عنده جماعة من العلماء في بعض الليالي يأنس بهم، ويسامرونه، ويحاورونه في العلوم والآداب، وكان منهم جمال الدين اليمني النحوي، والفقيه عبد الظاهر، والأمير صلاح الدين بن شعبان الأريلي.

                          وفاة السلطان الكامل

                          لم تسلم الدولة الأيوبية من نزاع ملوكها وتنافسهم فيما بينهم على انتزاع ما تحت أيديهم من بلاد؛ فانشق الملك الأشرف موسى صاحب دمشق على أخيه السلطان الكامل، ولكن الموت عاجله في سنة (635هـ = 1237م) قبل أن تشتعل نار الحرب بينهما، ولكن أخاه الملك الصالح إسماعيل الذي خلفه في دمشق كوّن حلفا ضد السلطان الكامل من بعض ملوك الأيوبيين، فأسرع السلطان الكامل إلى وأد تلك الفتنة في مهدها، وحاصر "دمشق" حتى وقعت في يده سنة 635 هـ = 1237م، غير أن السلطان لم يلبث أن توفي بعد فتحه "دمشق" في 21 من رجب سنة 635 هـ = 9 من مارس 1238م، وولي بعده ابنه الملك العادل.

                          منقول
                          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                          تعليق

                          • عبدالغفور الخطيب
                            عضو متميز

                            • Nov 2004
                            • 2698

                            #163
                            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                            المعتمد بن عبّاد.. من المُلك إلى المنفى

                            (في ذكرى سقوط دولته: 22 من رجب 484هـ)



                            لما انهارت الخلافة الأموية بالأندلس في أوائل القرن الخامس الهجري، انقسمت الأندلس إلى دويلات صغيرة، وإمارات مستقلة، وأعلن كل أمير نفسه ملكا، ودخلت الأندلس في عصر جديد، عُرف باسم "ملوك الطوائف"، وهو اسم صادق في مسماه، دالّ على ما كانت تعانيه البلاد من تمزق وانحلال، ولم يكن يربط بين ملوك دول الطوائف رباط المودة، أو عرى الصداقة، أو وشائج المصلحة، وإنما نفخ الشيطان في روعهم؛ فهم في شقاق مستمر، يقاتل بعضهم بعضا، ينتزع القوي منهم ما في يد الضعيف، يستنصرون بالنصارى، ويحالفونهم ضد بعضهم دون وازع من دين أو ضمير.

                            وفي الوقت الذي تجري فيه أحوال ملوك الطوائف على هذا النحو من التفكك والضياع، كانت النصرانية في شمال الأندلس يتّحد ملوكها، وتزداد الروابط بينهم قوة ومتانة، ويجمعون أمرهم على هدف واحد، وتحقق لهم النصر في بعض المواطن، لا عن قوة منهم وحسن إعداد، وإنما عن ضعف ألَمَّ بالمسلمين، وفرّق كلمتهم، وكان يحكم أسبانيا في هذه الفترة ملك طموح عالي الهمة هو "ألفونسو السادس" الذي نجح في توحيد مملكتي قشتالة وليون، وسيطر على الممالك المسيحية الشمالية، وهدد ملوك الطوائف، وألقى الفزع في قلوبهم؛ فراحوا يتوددون إليه، ويدفعون له الجزية عن يد وهم صاغرون.

                            بنو عباد في إشبيلية

                            قامت دولة بني عباد في إشبيلية على يد القاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد، وكان رجلا طموحا؛ فتطلعت أنظاره إلى جيرانه المسلمين، وانتزع ما في أيديهم، فاشتبك أبو القاسم –ومن بعده ولده أبو عمرو عباد، الملقب بالمعتمد بالله (433- 461هـ = 1041 – 1068م)- في سلسلة من الحروب الطاحنة مع أمراء غرناطة ومالقة وقرطبة وإمارات ولاية الغرب، انتهت باستيلاء بني عباد على قرطبة وقرمونة وإستجة ورندة وما حولها من الأراضي، وعلى لبلة وشلب وباجة في غرب الأندلس، واتسعت بذلك مملكة إشبيلية، وغدت أعظم قوة في جنوب الأندلس.

                            المعتمد بن عباد

                            كان المعتمد بن عباد حين آل إليه حكم إشبيلية سنة (461 هـ = 1068م)، في الثلاثين من عمره، شابا فتيا، فارسا، شجاعا، شاعرا مجيدا، وأميرا جوادا، ذا خِلال باهرة، يحب الأدب ومسامرة أهله؛ فاجتمع في بلاطه نجوم ساطعة من أرباب ونوابغ القصيد من أمثال أبي بكر بن عمار، وابن زيدون، وابن اللبانة، وابن حمديس الصقلي، وكما كان المعتمد شاعرا مجيدا، كانت زوجته اعتماد الرميكية شاعرة كذلك، تجمع إلى جمالها الفاتن البراعة في الشعر والأدب، وكانت إشبيلية حاضرة دولته آية في الروعة والبهاء، تزدان بقصور بني عباد وقواده وكبار رجال دولته.

                            غير أن المعتمد بن عباد سلك في سبيل تحقيق أطماعه وطموحاته مسلك أبيه وجده من ممالأة ألفونسو السادس ملك قشتالة على حساب إخوانه المسلمين، ولم يجد في نفسه غضاضة، وهو يقوم بدفع الجزية للملك القشتالي.


                            وكان من ثمار هذه السياسة المتخاذلة التي اتبعها المعتمد بن عباد وغيره من ملوك الطوائف أن سقطت طليطلة بعد حصار قصيرة في غرة صفر سنة (478 هـ = 25 من مايو 1085م) في أيدي القشتاليين، وكان لسقوطها دويٌّ هائل، وحزن عميق في العالم الإسلامي، ولم يكن سقوطها لعجز في المقاومة، أو ضعف في الدفاع، أو قلة في العتاد؛ بل سقطت لضياع خُلق النجدة والإغاثة، وضياع شِيم المروءة والأخوة، تركها جيرانها من الممالك الإسلامية وهي تسقط دون أن يمد لها أحد يدا، أو تهب قوة لنجدتها.

                            صحوة ملوك الطوائف

                            شجعت مواقف ملوك الطوائف المخزية، وعدواتهم لبعضهم البعض، وأثرتهم، وغلبة مصالحهم الذاتية على مصالح أمتهم أن يقوم "ألفونسو" -وقد ملأ الزهو والإعجاب نفسه، واستهان بملوك المسلمين- بالتهام حواضر الأندلس الأخرى؛ فراح يهدد سرقسطة وإشبيلية وبطليوس وغيرها، وأخذت قواته تجتاح أراضي المسلمين، وتخرب مدنهم ومروجهم، واستيقظ ملوك الطوائف على حقيقة مروعة ونهاية محتومة ما لم يتداركوا أمرهم، وتتحد كلمتهم على سواء؛ فسقوط طليطلة ليس عنهم ببعيد، وأدرك المعتمد بن عباد أنه أشد ملوك الطوائف مسئولية عما حدث؛ فكان بمقدوره نجدة طليطلة، ومد يد العون إليها، ولكنه لم يفعل؛ فقد غلَّتْ يدَه معاهدةٌ مخزية عقدها مع ألفونسو، بمقتضاها يتعهد ملك قشتالة بمعاونة المعتمد ضد جيرانه المسلمين، وفي مقابل ذلك يتعهد المعتمد بأن يؤدي الجزية لملك قشتالة، وأن يطلق يده في أعماله العسكرية ضد طليطلة، دون أن يتدخل لمساعدتها، ولما سقطت طليطلة بدأ ألفونسو السادس -وكان لا خلاق له- يشتد في مطالبه المالية، ويشتد في معاملة المعتمد، ويتعمد إهانته؛ بل كاتبه بأن يسلم إليه بلاده وينذره بسوء المصير، وقرن تهديده بالعمل؛ فاجتاحت قواته بلاد المعتمد بن عباد، وخربت مدنها وقُراها.

                            الاستعانة بالمرابطين

                            لم تكن قوى ملوك الطوائف تكفي لدفع خطر ألفونسو، وحماية أنفسهم من هجماته؛ فتطلعت أبصارهم إلى الضفة الغربية من البحر المتوسط؛ حيث دولة المرابطين، وكانت دولة قوية، بسطت نفوذها بالمغرب، واشتهر سلطانها "يوسف بن تاشفين" بحبه للجهاد وإقامة حكومة على العدل والقسطاس، وكان للمعتمد بن عباد يد طولى في الاستعانة بالمرابطين في جهادهم ضد القشتاليين، بعد أن أبدى بعض ملوك الطوائف تخوّفهم من أن يطمع المرابطون في بلادهم، وأظهروا ترددا في فكرة الاستنصار بهم، وكادت الفتنة تستطير لولا أن أخمدها المعتمد بكلمته المأثورة التي سادت في التاريخ: "رعي الإبل خير من رعي الخنازير"؛ يريد بذلك أنه يفضل أن يكون أسيرا لدى أمير المرابطين يرعى إبله خير من أن يكون أسيرا لدى ملك قشتالة.

                            معركة الزلاقة

                            استجاب يوسف بن تاشفين لنداء أمراء الأندلس، فعبر إليهم بقوات ضخمة، وسارت قوى الإسلام المتحدة إلى قتال ألفونسو الذي كان مشغولا بمحاربة ابن هود أمير سرقسطة؛ فلما علم بنبأ هذه الحشود ترك محاربة ابن هود، وجمع جندا من سائر الممالك النصرانية للقاء الجيوش الإسلامية، والتقى الفريقان في سهل الزلاقة بالقرب من بطليموس في معركة هائلة في (12 من رجب 479هـ = 23 من أكتوبر 1986م) ثبت فيها المسلمون، وأبلوا بلاء حسنا، وانتهت المعركة بانتصار عظيم، عُد من أيام الإسلام المشهودة، وقتل معظم الجيش القشتالي، ومن نجا منهم وقع أسيرا، وهرب ألفونسو بصعوبة بالغة في نفر قليل من رجاله جريحا ذليلا.

                            سقوط دول الطوائف

                            شاهد أمير المرابطين عند نزوله الأندلس ما عليه أمراؤها من فُرقة وتنابذ وميل إلى اللهو والترف ورغبة في الدعة، وانصرافهم عن الجهاد والعمل الجاد، وإهمال للرعية وتقاعس عن حماية الدين والوطن من خطر النصارى المتصاعد، فعزم على إقالة هؤلاء الأمراء المترفين المنشغلين بأنفسهم عن مصالح أمتهم، وعزز من هذه الرغبة فتاوى كبار الفقهاء من المغرب والأندلس بوجوب خلع ملوك الطوائف؛ حماية للدين ووقوفا ضد أطماع القشتاليين، وكان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي وأبو بكر الطرطوشي على رأس القائلين بهذه الفتوى.

                            عبر يوسف بن تاشفين بجيش ضخم إلى الأندلس للمرة الثالثة لهذا الغرض الذي عزم عليه في سنة (483هـ 1090م)، وكان قد عبر إليها قبل ذلك في سنة (481هـ = 1088م)، ولكنه لم يقم بغزوات ذات شأن، وازداد سخطا لما بدا من تقصير أمراء الطوائف في نصرته، وفي هذه المرة اتجه يوسف بن تاشفين إلى طليطلة، واجتاح في طريقه أراضي قشتالة دون أن يتقدم أحد من ملوك الطوائف لنصرته بعد أن توجسوا منه خيفة، وأدركوا ما عزم عليه، وكان أمير المرابطين يرغب في استعادة طليطلة، ولكنه لم يوفَّق نظرا لمناعتها، وقوة أسوارها، فعاد إلى إشبيلية وفي نيته أن يستخلصها هي وغيرها من مدن الأندلس وحواضرها، وازدادت عزيمته إصرارا على تنفيذ ما وقر في قلبه بسبب ما ترامى إليه من عودة ملوك الطوائف إلى عقد اتفاقيات سرية مع ملك قشتالة، يتعهدون فيها بالامتناع عن معاونة المرابطين، واستهل يوسف بن تاشفين حملته الظافرة بالاستيلاء على غرناطة، ودخلها في (10 من رجب 483هـ = سبتمبر 1090م)، وقبض على أميرها عبد الملك بن ملكين، وبعث به سجينا إلى أغمات بالمغرب.

                            سقوط إشبيلية

                            بعث أمير المرابطين بجيوشه لفتح مدن الأندلس واحدة بعد أخرى، وأرسل قائده الفاتح "سيرين" إلى إشبيلية لفتحها، وأدرك المعتمد أن معركته مع المرابطين هي معركة وجوده؛ فتهيأ لها، واستعد، وتأهب للدفاع عن ملكه وسلطانه بكل ما أوتي من قوة، واستعان بحليفه ألفونسو، فأعانه وأمده بجيش كبير، ولكن المرابطين هزموه على مقربة من قرطبة، وامتنع المعتمد بن عباد بإشبيلية حاضرة مملكته.

                            وفي أثناء حصاره تساقطت مدن مملكته في أيدي المرابطين واحدة بعد أخرى؛ فسقطت قرطبة، وقُتل فيها "الفتح بن المعتمد" مدافعا عنها، ثم سقطت رندة، وقُتل ولده "يزيد الراضي بالله" بعد أَسْرِه، وظل المعتمد يدافع عن حاضرته حتى اقتحم المرابطون إشبيلية عَنوة، فخرج يقاتلهم عند باب قصره غير وَجِلٍ ولا هيَّاب، ولكن ذلك لم يدفع عنه شيئا، ووقع أسيرا واستولى المرابطون على إشبيلية في (22 من رجب 484 هـ= 7 من سبتمبر 1091م).

                            المعتمد بن عباد في المنفى

                            أمر قائد المرابطين بحمل المعتمد بن عباد وآل بيته إلى منفاهم بالمغرب، وسارت بهم السفينة من إشبيلية في نهر الوادي الكبير في طريقها إلى المغرب، وخرج الناس لتوديعهم محتشدين على ضفتي النهر، وقد ملأ الدمع أعينهم، وذابت قلوبهم حسرة وألما على ملكهم الذي أدبرت عنه الدنيا؛ فخرج هو وأسرته على هذه الصورة المخزية بعد الجاه والسلطان، وقد سجل الشاعر الأندلسي الكبير ابن اللبانة هذا المشهد الحزين بقصيدة مبكية جاء فيها:

                            حان الوداعُ فضجّت كل صارخة

                            وصارخٍ من مُفداة ومن فادِي

                            سارت سفائنُهم والنوْحُ يتبعها

                            كأنها إبل يحدو بها الحادي

                            كم سال في الماء من دمعٍ وكم حملت

                            تلك القطائعُ من قطعاتِ أكبادِ

                            وبعد أن وصلت السفينة إلى المغرب أقام المعتمد وأسرته أياما في طنجة، ثم أُخذوا بعد ذلك إلى مكناسة، وقضوا هناك أشهرا قبل أن يرحلوا إلى منفاهم إلى أغمات، وهي مدينة صغيرة تقع على مقربة من مراكش عاصمة دولة المرابطين، وكان قد سبق المعتمد إلى هذا المنفى "عبد الله بن بلكين" أمير غرناطة.

                            وفي أغمات عاش المعتمد كاسف البال، كسير القلب، يُعامَل معاملة سيئة، ويتجرع مرَّ الهوان، ليس بجانبه من يخفف عنه مأساته، ويطارحه الحديث؛ فتأنس نفسه وتهدأ. ينظر إلى بناته الأقمار؛ فيشقيه أنهن يغزلن ليحصلن على القوت، ولكنه كان يتجلد ويتذرع بالصبر، ويلجأ إلى شعره، فينفس عن نفسه بقصائد مُشجية مؤثرة. تدخل عليه بناته السجن في يوم عيد، فلما رآهن في ثياب رثة، تبدو عليهن آثار الفقر والفاقة؛ انسابت قريحته بشعر شجي حزين:

                            فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا

                            فساءك العيدُ في أغمات مأسورًا

                            ترى بناتك في الأطمارِ جائعة

                            يغزلْن للناس لا يملكْنَ قِطميرا

                            برزْن نحوَك للتسليمِ خاشعةً

                            أبصارُهنَّ حسيراتٍ مكاسيرا

                            يطأْنَ في الطين والأقدام حافية

                            كأنها لم تطأْ مسكا وكافورا

                            واشتدت وطأة الأَسْرِ على اعتماد الرميكية زوجة المعتمد، ولم تقوَ طويلا على مغالبة المحنة؛ فتُوفيت قبل زوجها، ودُفنت بأغمات على مقربة من سجن زوجها.

                            وطال أَسْر المعتمد وسجنه فبلغ نحو أربع سنوات حتى أنقذه الموت من هوان السجن وذل السجان؛ فلقي ربه في (11 من شوال 488 هـ = 1095م) ودُفن إلى جانب زوجته.


                            منقول
                            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                            تعليق

                            • عبدالغفور الخطيب
                              عضو متميز

                              • Nov 2004
                              • 2698

                              #164
                              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                              يزيد بن أبي سفيان.. ملامح وبطولات

                              (في ذكرى خروجه لفتح بلاد الشام: 23 من رجب 12هـ)


                              يظن بعض الناس أن مسألة الفتوحات الإسلامية في العراق والشام ومصر وسائر البلاد كان يحركها الإيمان وحده، وتؤججها حماسة النفوس وشغفها بالشهادة، وأنهم ظفروا بالنصر لصدق إيمانهم وإخلاص نياتهم دون نظر إلى أمور لا بدَّ منها لتحقيق النصر؛ فالفوز لا يحققه الإيمان والحماسة دون التجهز والإعداد، ووضع الخطة المُحكمة والتزام الجند المدربين بها، ووجود القائد النابه الذي يقود جنده إلى النصر، ويغير من سير المعركة حسبما تقتضيه الأحوال.

                              وحين خرج المسلمون لفتوحاتهم كانوا يمتلكون من أسباب النصر ما لا يمتلكه غيرهم، من صدق الإيمان وخبرة الحروب وميادين القتال، ووفرة القادة الأكْفَاء، وحماسة الجند وحسن تدريبهم، ووحدة الهدف؛ فاجتمع عندهم ما يكفل النصر، وإن كانوا أقل عددا وعتادا من عدوهم؛ فما قيمة الكثرة الكاثرة من الجند إن افتقدوا إلى الإيمان الصادق والتدريب الحميد والرغبة في القتال؟! وما قيمة السيف الباتر في يد الجبان الرعديد؟! وما قيمة القائد المحنَّك إن تخلَّى عنه جنده في الميدان، ولم يلتزموا بالصبر والثبات، وتنفيذ ما يعهد إليهم من مهام؟!

                              والذي يثير الإعجاب والتقدير في نجاح الفتوحات الإسلامية هو اجتماع كل هذه العناصر؛ فتحقق للمسلمين من سعة الفتح في سنوات قليلة ما لا تحققه أمم في قرون عديدة، وكان من أسباب النصر التي تدعو إلى التأمل وفرة القادة الذين حملوا رايات الجهاد، فإذا أخفق قائد في مهمته عاجله الخليفة بمن يحل المشكلة، ويحقق النصر.

                              وكان اختيار الخليفة لقادة ألويته اختيارا دقيقا، يقدم مصلحة الأمة، وينتقي للمهمة أكفأ الناس لها، وإن كان أحدث سابقة في الإسلام، وإن ممن اختارهم أبو بكر لقيادة فتوحاته خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وفي الصحابة من هم أقدم منهم سابقة، وأكثر علما، لكنه يختار للمهمة من هو جدير بها، وكان يزيد واحدا من قادة فاتحي الشام الأَكْفَاء.

                              من هو يزيد؟

                              هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب، أسلم في فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، وهو أخو معاوية بن أبي سفيان من أبيه، وأخو أم المؤمنين أم حبيبة زوج النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم)، شهد مع الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) غزوة حنين، وأعطاه من غنائمها مائة من الإبل، وأربعين أوقية من الفضة، وفي خلافة أبي بكر الصديق عقد له مع أمراء الجيوش التي بعثها لفتح الشام.

                              كان الصحابي الجليل خالد بن سعيد بن العاص أول قائد عقد له أبو بكر الصديق لواء فتح الشام، وأمره أن يعسكر بجيشه في تيماء شمالي الحجاز، وألا يقاتل إلا إذا قوتل، وكان الخليفة يقصد من وراء ذلك أن يكون جيش خالد بن سعيد عونًا ومددًا عند الضرورة، وأن يكون عينه على تحركات الروم، لا أن يكون طليعة لفتح بلاد الشام، لكن "خالد" اشتبك مع الروم التي استنفرت بعض القبائل العربية من بهراء وكلب ولخم وجذام وغسان لقتال المسلمين، فهُزم هزيمة مروعة في مرج الصفر، واستشهد ابنه في المعركة، ورجع بمن بقي معه إلى ذي مروة ينتظر قرار الخليفة أبي بكر الصديق.

                              لواء يزيد

                              ولما وصلت أنباء هذه الهزيمة إلى المدينة فزع الصديق وأهمّه الأمر، فجهَّز أربعة جيوش إلى الشام بعد أن استشار أهل الرأي والخبرة من الصحابة، واختار لها أكفأ قادته وأكثرهم معرفة بأمور الحرب وخبرة بميادين القتال، وحدد لكل جيش وِجهته ومهمته التي سيقوم بها، وكان الجيش الأول تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان، ووجهته البلقاء (المملكة الأردنية الهاشمية)، وكان الجيش الثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة، ووجهته منطقة بصرى.

                              وجعل أبو بكر الصديق قيادة الجيش الثالث لأبي عبيدة بن الجراح، ووجهته منطقة الجابية، وجعل له القيادة العامة عند اجتماع الجيوش الأربعة. أما الجيش الرابع فكان بقيادة عمرو بن العاص، ووجهته فلسطين.

                              الخروج للوجهة

                              كان يزيد بن أبي سفيان أول أمراء الشام خروجا، فغادر المدينة في (23 من رجب 12 هـ = 3 من أكتوبر 663م)، وخرج أبو بكر يمشي معه، ويزيد راكب في جنده، فقال له: يا خليفة رسول الله إما أن تركب، وإما أن تأذن لي فأمشي معك، فإني أكره أن أركب وأنت تمشي، فقال أبو بكر: "ما أنا براكب وما أنت بنازل، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله"، ثم أوصاه بوصية جامعة، تبين سلوك الفاتحين المسلمين وأخلاقهم في التعامل مع أهالي البلاد التي سيفتحونها، جاء فيها:

                              "يا يزيد إني أوصيك بتقوى الله وطاعته، والإيثار له والخوف منه، وإذا لقيت العدو فأظفَرَكُم الله بهم؛ فلا تغْلُل، ولا تمثل، ولا تغدر، ولا تجبن، ولا تقتلوا وليدا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تحرقوا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكلة، وستمرون بقوم في الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له".

                              سار يزيد بجيشه من "ذي مرة"، وهي من أعراض المدينة، في ثلاثة آلاف جندي، ثم أمده أبو بكر الصديق حتى بلغ جيشه سبعة آلاف وخمسمائة، واتجه بهم حتى وصل البلقاء، كما أمره الصديق.

                              ثم توالى وصول الجيوش الثلاثة إلى جنوبي الشام، وبلغ مجموعها نحو 24 ألف مقاتل، لكنها لم تستطع التوغل في بلاد الشام بعد أن احتشد لهم قيصر الروم بكل ما يملك من قوات وعتاد، ولما رأى قادة الجيوش الأربعة ذلك بعثوا إلى الصديق يطلبون منه المدد، فأعانهم بمدد من عنده، لكن الموقف في جبهة القتال لم يتغير؛ فهال الخليفة أن تبقى الأوضاع في الشام دون تحرك، وأن يعجز القادة المجتمعون عن تحقيق النصر في أول لقاء حاسم مع الروم، فاستدعى خالد بن الوليد من جبهة العراق؛ حيث كان ينتقل من نصر إلى نصر، والأبصار متعلقة بما يحققه من ظفر، وأمره أن يأتي بنصف جيشه معه ويتولى القيادة العامة في الشام.

                              وما كان لأبي بكر الصديق أن يفعل هذا إذا لم تكن لديه ذخيرة من القادة الأكفاء، فإذا أخفق واحد في مهمة فلديه من ينجزها على خير وجه، وإذا كان أربعة من قادته الأَكْفَاء عجزوا عن تحريك الموقف في بلاد الشام؛ فلا ضير؛ فعنده من يمكنه تغيير الأوضاع وإثارة الهمم، ومفاجأة العدو بما لا ينتظره، وهذا من أسباب نجاح الفتوحات التي لم تقتصر على عدد معين من القادة، وإنما أعطت وفرتهم الفرصة المناسبة لاختيار من يصلح لمعركة ما، وإن كان لا يصلح لغيرها.

                              في أجنادين واليرموك

                              جاء خالد بن الوليد إلى الشام في تسعة آلاف جندي بعد أن اجتاز صحراء السماوة، في واحدة من أعظم المغامرات العسكرية في التاريخ جرأة وإقداما، وتولى القيادة العامة للجيوش الأربعة، وبدأ في إعادة تنظيمها على نحو جديد، ونجح في تحقيق النصر في (27 من جمادى الأولى 13هـ = 30 من يوليو 634م).

                              ثم اشترك يزيد بن أبي سفيان في فتح دمشق سنة (14هـ = 635م)، وكان على كراديس الميسرة في معركة اليرموك التي قادها خالد بن الوليد، واستحدث نظاما جديدا، في الجيوش الإسلامية بأن جعلها كراديس -أي كتائب-، ويضم كل كردوس نحو 1000 رجل، وعلى رأسه قائد منهم ممن عُرفوا بالشجاعة، وقد جمع خالد هذه الكراديس بعضها إلى بعض، وجعل منها قلبا وميمنة وميسرة، فكان أبو عبيدة بن الجراح على كراديس القلب، وعمرو بن العاص على الميمنة، ويزيد على الميسرة.

                              يزيد أميرا لدمشق

                              بعد أن تحقق النصر في اليرموك، وأصبح المسلمون سادة الشام قام أبو عبيدة بن الجراح بتوزيع الشام على قادته، وكان يتولى السلطة العامة على جيوش المسلمين بعد عزل خالد بن الوليد، فاستخلف يزيد بن أبي سفيان على دمشق، وعمرو بن العاص على فلسطين، وشرحبيل بن حسنة على الأردن.

                              ومن دمشق خرج يزيد بن أبي سفيان غربا إلى ساحل الشام، ففتح صيدا وعِرْقَة وجبيل وبيروت، وكان على مقدمته أخوه معاوية بن أبي سفيان، وكان كلما فتح مدينة جعل لها حامية تكفيها.

                              وفاة يزيد

                              في العام الثامن عشر من الهجرة رُوِّع الشامُ بوباء مهلك عُرف بطاعون عمواس أفنى أعدادا هائلة من المسلمين، ومكث عدة أشهر، ومات فيه نحو خمسة وعشرين ألفًا من المسلمين، وقد بدأ الوباء من عمواس، ثم انتشر حتى عمَّ الشام كلها.

                              ومات في هذا الطاعون أبو عبيدة بن الجراح أمير أمراء فتح الشام، وله من العمر ثمانية وخمسون عاما، ومعاذ بن جبل، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وشرحبيل بن حسنة، وسهل بن عمرو. ولما أتى إلى عمر بن الخطاب خبر وفاة أبي عبيدة كتب إلى يزيد بن أبي سفيان بولاية الشام مكانه، لكن "يزيد" مرض وهو يحاصر قيسارية، فانصرف إلى دمشق حيث تُوفِّي بها في آخر سنة (18هـ = 639م)، فكتب عمر إلى معاوية بن أبي سفيان بتوليته ما كان يتولاه أخوه يزيد.


                              منقول
                              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                              تعليق

                              • عبدالغفور الخطيب
                                عضو متميز

                                • Nov 2004
                                • 2698

                                #165
                                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                                عمر بن عبد العزيز.. الأموي الراشد

                                (في ذكرى وفاته: 24 من رجب 101هـ)


                                تبوَّأ الخليفة عمر بن عبد العزيز مكانة سامقة في تاريخنا الإسلامي لم ينلها إلا الأفذاذ من القادة والفاتحين، والجهابذة من أئمة العلم، والعباقرة من الكتاب والشعراء. ويزداد عجبك حين تعلم أنه احتلّ هذه المكانة بسنتين وبضعة أشهر قضاها خليفة للمسلمين، في حين قضى غيره من الخلفاء والزعماء عشرات السنين دون أن يلتفت إليهم التاريخ؛ لأن سنوات حكمهم كانت فراغًا في تاريخ أمتهم، فلم يستشعر الناس تحولا في حياتهم، ولا نهوضًا في دولتهم، ولا تحسنا في معيشتهم، ولا إحساسًا بالأمن يعمّ بلادهم.

                                وهذا يجعلك تؤمن بأن القادة والزعماء يدخلون التاريخ بأعمالهم التي تغير تاريخ أمتهم لا بالسنوات التي عاشوها يحكمون؛ فالخليفة العباسي الناصر لدين الله قضى ستًا وأربعين سنة في منصب الخلافة (575هـ- 622هـ= 1179-1225م)، ومضى دون أن يحفر لنفسه مكانًا في تاريخ أمته، في الوقت الذي قضى فيه "سيف الدين قطز" سلطانًا في مصر نحو عام، نجح أثناءه في إلحاق أكبر هزيمة بالمغول في "عين جالوت"، وإعادة الثقة في نفوس المسلمين، ثم قضى نحبه على أيدي شركائه في النصر، بعد أن جذب الانتباه إليه، ونظر إليه الجميع بكل إعجاب وتقدير، وكان دوره التاريخي -على قِصَر فترته الزمنية- كبيرًا وباقيًا.

                                وكان عمر بن عبد العزيز واحدًا ممن دخلوا التاريخ بأعماله العظيمة وإدارته العادلة للدولة، حتى تجدد الأمل في النفوس أنه بالإمكان عودة حكم الخلفاء الراشدين واقعًا ملموسًا لا قصصًا تُروى ولا أماني تُطلب ولا خيالاً يُتصوَّر، بل حقيقة يشهدها الناس، وينعمون بخيرها.

                                واحتاج عمر بن عبد العزيز لإحداث هذا التغيير في حياة الأمة إلى ثلاثين شهرًا، لا إلى سنوات طويلة، ولهذا دلالته ؛ حيث إن الأمة كانت حية نابضة بالإيمان، مليئة بالرجال الذين يجمعون -إلى جانب الصلاح- القدرة والكفاءة، ولو كانت الأمة مُجدبة من أمثال هؤلاء لما استطاع عمر أن يقوم بهذا الإصلاح العظيم في هذه الفترة القصيرة، وسنحاول في هذا العدد رصد التغيير الذي أحدثه عمر بن عبد العزيز في حياة أمته.

                                المولد والنشأة

                                في المدينة المنورة وُلد لعبد العزيز بن مروان بن الحكم ولد سمّاه "عمر"، على اسم جدِّه "عمر بن الخطاب"، فأُمُّ عمر بن عبد العزيز هي "أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب". ولا يُعرف على وجه اليقين سنة مولده؛ فالمؤرخون يتأرجحون بين أعوام 59 هـ، 61هـ، 62هـ، وإن كان يميل بعضهم إلى سنة 62هـ، وأيًا كان الأمر، فقد وُلد عمر بن عبد العزيز في المدينة، وبها نشأ على رغبة من أبيه الذي تولى إمارة مصر بعد فترة قليلة من مولد ابنه، وظلّ واليًا على مصر عشرين سنة حتى توفي بها (65هـ- 85هـ= 685-704م).

                                وفي المدينة شبّ الفتى النابهُ بين أخواله من أبناء وأحفاد الفاروق "عمر"، واختلف إلى حلقات علماء المدينة، ونهل من علمهم، وتأدَّب بأدبهم، وكانت المدينة حاضرة العلم ومأوى أئمته من التابعين، ومَن طال عمره من الصحابة؛ فروى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر.

                                ثم انتقل عمر بن عبد العزيز من مرحلة التلقي والسماع إلى التحديث والرواية بعد أن رسخت قدمه في العلم، وتتلمذ على أئمة الحديث والفقه. وكان ممن روى عن عمر بن عبد العزيز من التابعين: أبو بكر بن حزم، ورجاء بن حيوة، والزهري، وأيوب السختياني وغيرهم.

                                وبعد مرحلة طلب العلم استدعاه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان إلى دمشق حاضرة دولته، وزوّجه ابنته فاطمة، ثم عيّنه واليًا على إمارة صغيرة من أعمال حلب، وظل واليًا عليها حتى تُوفي عبد الملك بن مروان سنة (86هـ=705م).

                                والي المدينة

                                ولما تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة بعد أبيه سنة (86هـ=705م) عيّن ابن عمه عمر بن عبد العزيز واليًا على المدينة خلفًا لواليها السابق هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان هشام قد أساء السيرة في أهلها؛ فرغبوا عنه، ولم يرضوه حاكمًا عليهم، وقد استقبل أهل المدينة الوالي الجديد استقبالا حسنًا؛ فهم يعرفون خلقه وفضله منذ أن نشأ بينهم، وأحسنوا الظن فيه؛ فلم يخيب آمالهم، وبادر إلى العمل الجاد، واختيار معاونيه من خيرة الرجال، وأفضلهم قدرة وكفاءة، وكان من بينهم شيوخه: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، فجمعهم، وأخبرهم بسياسته وطريقته في الحكم، وقال لهم: "إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكون فيه أعوانًا على الحق. ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي مَن حضر منكم؛ فإن رأيتم أحدًا يتعدَّى، أو بلغكم عن عامل ظُلامة، فأُحِّرج بالله على من بلغه ذلك إلا أبلغني".

                                وفي فترة ولايته نعمتْ المدينة بالهدوء والاستقرار، وشعر الناس بالأمن والعدل، وقام بتجديد المسجد النبوي وتحسين عمارته، ثم عزله الخليفة الوليد عن ولايته سنة (93هـ= 711م) بعد أن ظلّ على المدينة ست سنوات، ولم يكن عزله عن تقصير وإهمال أو تقاعس عن مباشرة أحوال الناس المدينة، ولكن عُزل بسبب وشاية استجاب لها الوليد، فأخرجه من منصبه، فعاد عمر إلى الشام، ولم يتولَّ منصبًا.

                                وظل عمر بن عبد العزيز حتى وفاة الوليد بن عبد الملك سنة (96هـ= 714م) في الشام، فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة من بعده أبقى على عمر، ولم يُولِّهِ منصبًا، وجعله في بلاطه مستشارًا وناصحًا، ومعاونًا له وظهيرًا؛ فلما حضرته الوفاة أُوصى له بالخلافة من بعده؛ لما رأى فيه من القدرة والكفاءة، والتقوى والصلاح، والميل إلى الحق والعدل؛ فتولاها في سنة (101هـ= 719م)

                                في منصب الخلافة

                                اجتمع لعمر بن عبد العزيز من الصفات والمواهب ما جعله خليفة قديرًا نادر المثال، ينهض بمسئوليته على خير وجه، وشاء الله أن يعتليَ منصب الخلافة والدولة في أوج قدرتها وعظمتها، بعد أن مرّت بفترات عاصفة، وأوقات حَرِجة، وفتن مظلمة، وثورات مدمرة، لكن الدولة تجاوزت تلك المخاطر، وفرضت هيبتها وسلطانها؛ فعاد الأمن والاستقرار، واستؤنف الفتح الإسلامي، وضمت الدولة إلى أراضيها بقاعا شاسعة في الشرق والغرب، وحسبك أن تعلم أن عمر بن عبد العزيز ولي منصبه وجيوش مسلمة بن عبد الملك تحاصر القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية؛ فكان استقرار الدولة من أسباب ظهور أثر إصلاحات عمر، وسياسته الحكيمة، وإدارته العادلة.

                                وكان عمر إداريًا عظيمًا، إلى جانب صلاحه وتقواه، وزهده وورعه، وهو ما امتلأت به كتب السِّيَر والتراجم حتى كادت تطغى هذه الأخبار على ملامح شخصيته الثرية بجوانبها الأخرى.

                                سياسته الداخلية

                                وقبل أن يلي عمر بن عبد العزيز الخلافة تمرّس بالإدارة واليًا وحاكمًا، واقترب من صانعي القرار، ورأى عن كثب كيف تُدار الدولة، وخبر الأعوان والمساعدين؛ فلما تولى الخلافة كان لديه من عناصر الخبرة والتجربة ما يعينه على تحمل المسؤولية ومباشرة مهام الدولة، وأضاف إلى ذلك أن ترفَّع عن أبهة الحكم ومباهج السلطة، وحرص على المال العام، وحافظ على الجهد والوقت، ودقَّق في اختيار الولاة، وكانت لديه رغبة صادقة في تطبيق العدل.

                                وخلاصة القول أن عمر بن عبد العزيز لم يكن رجل زهد وولاية وجد نفسه فجأة خليفة؛ بل كان رجل دولة استشعر الأمانة، وراقب الله فيما أُوكل إليه، وتحمل مسؤولية دولته الكبيرة بجدٍّ واجتهاد؛ فكان منه ما جعل الناس ينظرون إليه بإعجاب وتقدير.

                                وكان يختار ولاته بعد تدقيق شديد، ومعرفة كاملة بأخلاقهم وقدراتهم؛ فلا يلي عنده منصبًا إلا من رجحت كفته كفاءة وعلمًا وإيمانًا، وحسبك أن تستعرض أسماء من اختارهم لولاياته؛ فتجد فيهم العالم الفقيه، والسياسي البارع، والقائد الفاتح، من أمثال أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أمير المدينة وقاضيها، والجراح بن عبد الله الحكيمي، أمير البصرة، وكان قائدًا فاتحًا، وإداريًا عظيمًا، وعابدًا قائدًا، والسمح بن مالك أمير الأندلس، وكان قائدًا فذًا، استُشهد على أرض الأندلس، وكان باقي ولاته على هذه الدرجة من القدرة والكفاءة.

                                وكان عمر لا يكتفي بحسن الاختيار بعد دراسة وتجربة، بل كان يتابع ويراقب، لكن مراقبته لم تكن مراقبة المتهم، بل كان يراقب تطبيق السياسة العامة التي وضعها للدولة.

                                وإذا كان قد أخذ نفسه بالشدة والحياة الخشنة، فإنه لم يلزم بها ولاته، بل وسّع عليهم في العطاء، وفرض لهم رواتب جيدة تحميهم من الانشغال بطلب الرزق، وتصرفهم عن الانشغال بأحوال المسلمين، كما منعهم من الاشتغال بالتجارة، وأعطى لهم الحرية في إدارة شئون ولاتهم؛ فلا يشاورونه إلا في الأمور العظيمة، وكان يظهر ضيقه من الولاة إذا استوضحوه في الأمور الصغيرة.. كتب إليه أحد ولاته يستوضح منه أمرًا لا يحتاج إلى قرار من الخليفة، فضاق منه عمر، وكتب إليه: "أما بعد، فأراك لو أرسلتُ إليك أن اذبح شاة، ووزِّع لحمها على الفقراء، لأرسلت إلي تسألني: كبيرة أم صغيرة؟ فإن أجبتك أرسلت تسأل: بيضاء أم سوداء؟ إذا أرسلت إليك بأمر، فتبيَّن وجه الحق منه، ثم أمْضِه".

                                سياسته المالية

                                عرف عمر بن عبد العزيز قيمة مال الدولة؛ فلم ينفقه إلا فيما فيه نفع الأمة، وكان يكره التصرف في المال العام بلا ضابط أو رقيب، وكأنه مال خاص للخليفة أو الوالي ينفقه كيفما شاء، ويعطيه لمن شاء؛ ولذا كان يحترز في إنفاق مال الدولة؛ لأنه أمانة يجب صيانتها، ولكل فرد في الأمة حق فيها يجب حفظه، وأعطى عمر من نفسه القدوة والمثال في حفظ مال الدولة، فتبعه ولاته، وانتهجوا طريقته.

                                وكان من نتائج هذه السياسة أن تدفقت الأموال إلى خزينة بيت المال من موارد الدولة المتنوعة التي حافظ الولاة عليها، ورَعَوْهَا حقَّ رعايتها، وكانت كفيلة بأن تقوم بكل مسؤوليات الدولة تجاه أفرادها، وتحسين حياتهم إلى الحد الذي جعله يكتب إلى أحد ولاته: "أن اقضوا عن الغارمين"؛ أي أدوا عنهم دَيْنَهم، فكتب إليه: "إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث"، فكتب إليه عمر: "إنه لا بد للمرء المسلم من سكن يسكنه، وخادم يعينه، وفرس يجاهد عليه.. اقضوا عنه فإنه غارم".

                                وبلغ من حرصه على الرفق برعيته، واحترامه لحقوق الإنسان أن جعل لكل أعمى قائدا يقوده ويخدمه، ولكل مريضين مرضًا شديدًا خادما لهما، ولكل خمسة أيتام أو من لا عائل لهم خادما يخدمهم، ويقوم على شؤونهم.

                                وفاضَ المال في بيت المال بفضل سياسته الحكيمة وعدله الناصع؛ فمكنه من فرض الرواتب للعلماء وطلاب العلم والمؤذنين، وفكّ رقاب الأسرى، وعالَ أسرَهُم في أثناء غيابهم، وقدم الأعطيات للسجناء مع الطعام والشراب، وحمّل بيت المال تكاليف زواج مَن لا يملك نفقاته.

                                لقد قام بيت المال بكل ما يحتاجه المسلمون حتى إن المنادي لينادي في كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟… لقد اغتنى كل هؤلاء فلم تعد لهم حاجة إلى المال.

                                ويُذكر لعمر بن عبد العزيز أنه أسقط الجزية عن أبناء البلاد المفتوحة الذين دخلوا في الإسلام، وكان بعض عمال بني أمية لما أعوزهم المال بسبب الحروب واشتعال الثورات، أبقوا الجزية على هؤلاء، وأطلق عمر صيحته المشهورة رفضًا لهذا الإجراء: "إن الله بعث محمدًا هاديًا، ولم يبعثه جابيًا".

                                تدوين السنة

                                وكان لعمر بن عبد العزيز جانب مشرق في حياته المضيئة كلها، يكاد يخفي أهمية أعماله الأخرى، وإصلاحاته الكبرى، وعدله، ومناقبه التي امتلأت بها كتب التراجم والسير؛ فالمعروف أن الدولة الإسلامية تبنَّت تدوين السنة رسميًا في عهد عمر بن عبد العزيز بأمر منه، وكانت هذه خطوة بالغة الأهمية في عملية التدوين وظهور المصنفات الكبرى في الحديث وتنوع مناهجها، حتى بلغ بها الإمام البخاري قمة النضج في التصنيف والتبويب، وإذا كانت أعمال عمر الأخرى قد احتفظت بها كتب التاريخ آثارًا تروى، فإن قراره بتدوين السنة لا يزال أثره باقيًا حتى اليوم ينتفع به المسلمون ممثلا في كتب السنة النبوية.

                                وبدأ عمر الخطوة الأولى في تدوين السنة بكتابته إلى الأمصار يأمر العلماء بجمع الأحاديث وتدوينها، وكان فيما كتبه لأهل المدينة: "انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه؛ فإني خفت دُرُوس العلم، وذهاب أهله"، وكتب إلى أمير المدينة المنورة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "اكتب إليَّ بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحديث عمرة، فإني خشيت دُرُوس العلم وذهاب أهله".

                                كما أمر ابن شهاب الزهري وغيره بجمع السنن فكتبوها له، وكان ابن شهاب أحد الحفاظ الذين شاركوا في جمع الحديث، ويقول في ذلك: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا".

                                السياسة الخارجية

                                حين تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كانت الدولة الأموية قد بلغت أقصى اتساع لها في الشرق والغرب، وجيوشها على الحدود تقوم بالفتح، وتضيف للدولة بقاعًا جديدة، وليس ثَم شك في أن تبليغ كلمة الإسلام إلى أنحاء الأرض كلها أمر محمود، وهذه الفتوحات كانت من مآثر الدولة الأموية التي لا تنكر، غير أن الخليفة كان له رأي آخر يقوم على تقديم الأولويات وإعادة تنظيم الدولة من الداخل، والاهتمام بالإنسان ومراعاة حقوقه، والحرص على دمائه؛ لذا أولى الشئون الداخلية عنايته؛ لأنها كانت في حاجة لإصلاح ومزيد من التحسين، واهتم بنشر الإسلام في البلاد التي فُتحت أكثر من الاهتمام بالفتح نفسه، وعُني بإرسال الدعاة والعلماء أكثر من عنايته بإرسال الجيوش والحملات، غير أن هذا لا يعني أنه أوقف حركة الفتوحات بل يعني أنه رشدها، وبدلا من إنفاق الأموال الطائلة على تجهيزها وإعدادها وجّه هذه الأموال إلى العناية بالإنسان، وهذا يفسر أمره برجوع جيش مسلمة بن عبد الملك الذي كان يحاصر القسطنطينية، ولم يوفَّق في فتحها، واشتد بالمسلمين الحال، وضاق بهم العيش؛ فأشفق على الجيش المنهك، وأمره بالعودة حتى يستعيد قواه وعافيته، هذا في الوقت الذي كان واليه على الأندلس "السمح بن مالك" يقوم بفتوحات في الأندلس، وأنهى حياته شهيدًا في إحدى غزواته، فضلاً عن أن حياة عمر القصيرة في الخلافة، وانشغاله بالإصلاح الداخلي لم تتح له أن يقوم بحركة واسعة للفتوحات.

                                وفاته

                                كانت خلافة عمر كالنسيم العاطر، تنسم المسلمون هواءه الطيب ورائحته الزكية، وسرعان ما انقطع الهواء العليل، وعادت الحياة إلى ما كانت عليه قبل ولايته، غير أن أهم ما قدمه عمر هو أنه جدّد الأمل في النفوس أن بالإمكان عودة حكم الراشدين، وأن تمتلئ الأرض عدلاً وأمنًا وسماحة، وأنه يمكن أن يُقوم المعوَّج، وينصلح الفاسد، ويرد المنحرف إلى جادة الصواب، وأن تهب نسائم العدل واحترام الإنسان، إذا استشعر الحاكم مسئوليته أمام الله، وأنه مؤتمن فيما يعول ويحكم، واستعان بأهل الصلاح من ذوي الكفاءة والمقدرة.

                                ولم تطل حياة هذا الخليفة العظيم الذي أُطلق عليه "خامس الخلفاء الراشدين"، فتوفي وهو دون الأربعين من عمره، قضى منها سنتين وبضعة أشهر في منصب الخلافة، ولقي ربه في (24 رجب 101هـ=6 من فبراير720م).


                                منقول
                                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                                تعليق

                                يعمل...