مناسبة حسب التقويم الهجري

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالغفور الخطيب
    عضو متميز

    • Nov 2004
    • 2698

    #181
    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

    فتح إنطاكية.. وانهيار الحلم الصليبي

    (في ذكرى استردادها: 5 رمضان 666هـ)



    بعد مقتل السلطان قطز بطل معركة عين جالوت اتفق الأمراء المماليك على اختيار بيبرس سلطانًا على مصر، وجلس في إيوان القلعة في (19 من ذي القعدة 658هـ = 26 من أكتوبر 1260م) إيذانًا ببدء فترة التأسيس والاستقرار لدولة المماليك البحرية بعد فترة التحول التي شهدتها بعد قضائها على الحكم الأيوبي في مصر، وكانت فترة قلقة مليئة بالفتن والقلاقل، وكان على بيبرس أن يبدأ عهدًا جديدًا من الثبات والاستقرار بعد أن أصبح بيده مقاليد الأمور في مصر والشام.

    الاستعداد لمواصلة الجهاد

    وما إن جلس بيبرس على سدة الحكم في مصر حتى قضى على الفتن والثورات التي اشتعلت ضده، وقام بتنظيم شؤون دولته، وسعى لإيجاد سند شرعي تُحكم دولة المماليك باسمه، فأحيا الخلافة العباسية في القاهرة، واستقدم أحد الناجين من أسرة العباسيين بعد مذبحة هولاكو في بغداد، ويدعى أبا العباس أحمد، وعقد مجلسًا في القلعة في (8 من لمحرم 661هـ = 22 من نوفمبر 661م) حضره قاضي القضاة وكبار العلماء والأمراء، وقرأ نسب الخليفة على الحاضرين بعدما ثبت عند القاضي، ولُقِّب الخليفة بالحاكم بأمر الله، وقام بيبرس بمبايعته على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، ولما تمت البيعة أقبل الخليفة على بيبرس وقلده أمور البلاد والعباد.

    وسبق لنا أن تناولنا موضوع إحياء الخلافة العباسية في شيء من التفصيل في يوم (التاسع من المحرم).

    وسعى بيبرس إلى تقوية الجيش وإمداده بما يحتاج من السلاح والعتاد، وأولى عناية بالأسطول ودور صناعة السفن المصرية في الفسطاط والإسكندرية ودمياط. وعمل على تحصين مناطق الحدود، وتنظيم وسائل الاتصال ونقل المعلومات من خلال نظام البريد. ولما اطمأن إلى ذلك قام بمواجهة القوى المتربصة بالإسلام وفي مقدمتها الصليبيون.

    الصليبيون في الشام

    لم يتجه "لويس التاسع" بعد إطلاق سراحه من مصر إلى فرنسا. وإنما اتجه إلى "عكا"، وكانت حملته الصليبية قد مُنيت بهزيمة مروعة في معركة المنصورة في (3 من المحرم 648هـ = إبريل 1250م) فقد فيها زهرة جنده، وأصيب الصليبيون بكارثة كبرى ظل أثرها المروع مستعصيًا على العلاج والإصلاح، وسبق لنا أن تناولناها على نحو من التفصيل في ذكرى وقوعها في الثالث من المحرم.

    وقضى لويس التاسع في الإمارات الصليبية بالشام أربع سنوات يحاول جاهدًا تصفية الخلافات بين أمراء الصليبيين، والمحافظة على كياناتهم، وتنظيم الدفاع عن إماراتهم الصليبية، فعني بتحصين عكا وحيفا وقيسارية ويافا، وعمل على إعادة الصلح بين إمارة إنطاكية وأرمينية وسعى لإقامة حلف مع المغول، غير أن مسعاه لم يكلل بالنجاح، ثم غادر عكا عائدًا إلى بلاده في (5 من ربيع الأول 625هـ = 25 من إبريل 1254م).

    ولم يكد لويس التاسع يرحل عن الشام حتى دبت المنازعات بينهم من جديد، وتصاعد الصراع بينهم إلى حد القتال، ولم يجدوا كبيرًا ينطوون تحت لوائه، فسادت أوضاعهم في الوقت الذي دولة المماليك بدأت في البروز بعد انتصارها العظيم في عين جالوت.

    مقدمات الفتح الإسلامي

    وكانت الفترة التي تلت رحيل لويس التاسع إلى أن تولى بيبرس سلطنة مصر والشام فترة هدوء ومسالمة بين الصليبيين والمسلمين لانشغال كل منهما بأموره الداخلية، على أن هذه السياسة المسالمة تحولت إلى ثورة وشدة من قبل المماليك بعد أن أخذ الصليبيون يتعاونون مع المغول ضد المماليك، ويعملون مرشدين لجيوشهم، ولم يقتصر الأمر على هذا بل استقبلت بعض الإمارات الصليبية قوات مغولية في حصونها.

    وقد أصبح على المماليك أن يدفعوا هذا الخطر الداهم، وبدلاً من أن يواجهوا عدوًا واحدًا، تحتم عليهم أن يصطدموا مع المغول والصليبيين معًا، وكان بيبرس بشجاعته وسياسته قد ادخرته الأقدار لمثل هذه الفترات التاريخية الحرجة من تاريخ الأمة، فكان على قدر المسؤولية، وحقق ما عجز عشرات القادة الأكفاء عن تحقيقه.

    وبدأت عمليات بيبرس العسكرية ضد الصليبيين في سنة (663هـ = 1265م)، فتوجه في (4 من ربيع الآخر 663هـ) إلى الشام، فهاجم "قيسارية" وفتحها عنوة في (8 من جمادى الأولى)، ثم عرج إلى أرسوف، ففتحها في شهر رجب من السنة نفسها.

    وفي السنة التالية استكمل بيبرس ما بدأ، ففتح قلعة "صفد"، وكانت معقلاً من معاقل الصليبيين، وكان بيبرس يقود جيشه بنفسه، ويقوم ببعض الأعمال مع الجنود إثارة لحميتهم فيجر معهم الأخشاب مع البقر لبناء المجانيق اللازمة للحصار. وأصاب سقوط صفد الصليبيين بخيبة أمل، وحطم معنوياتهم؛ فسارعت بعض الإمارات الصليبية إلى طلب الصلح وعقد الهدنة.

    الطريق إلى إنطاكية

    تطلع بيبرس إلى الاستيلاء على إنطاكية التي تحتل مكانة خاصة لدى الصليبيين لمناعة حصونها، وتحكمها في الطرق الواقعة في المناطق الشمالية للشام، وكانت ثاني إمارة بعد الرها يؤسسها الصليبيون في أثناء حملتهم الأولى على الشام، وظلوا يسيطرون عليها مائة وسبعين عامًا.

    وكان بيبرس قد استعد لهذه الموقعة الحاسمة خير استعداد، ومهد لسقوط الإمارة الصليبية بحملاته السابقة حتى جعل من إنطاكية مدينة معزولة، مغلولة اليد، محرومة من كل مساعدة ممكنة، فخرج من مصر في (3 من جمادى الآخرة 666هـ = 19 من فبراير 1268م)، ووصل إلى غزة، ومنها إلى "يافا" فاستسلمت له، ثم نجح في الاستيلاء على "شقيف أرنون" بعد حصار بدأه في (19 من رجب 666هـ = 5 من إبريل 1268م)، وبفتح يافا وشقيف، لم يبق للصليبيين جنوبي عكا التي كانت بأيديهم سوى قلعة عتليت.

    ثم رحل بيبرس إلى طرابلس، فوصلها في (15 من شعبان 666هـ = 30 من إبريل 1268م) فأغار عليها وقتل كثيرًا من حاميتها، وقطع أشجارها وغور مياهها، ففزعت الإمارات الصليبية، وتوافد على بيبرس أمراء أنطرسوس وحصن الأكراد طلبًا للأمن والسلام، وبهذا مهد الطريق للتقدم نحو إنطاكية.

    فتح إنطاكية

    رحل بيبرس من طرابلس في (24 من شعبان 666هـ = 9 من مايو 1268م) دون أن يطلع أحدًا من قادته على وجهته، واتجه إلى حمص، ومنها إلى حماة، وهناك قسّم جيشه ثلاثة أقسام، حتى لا يتمكن الصليبيون من معرفة اتجاهه وهدفه، فاتجهت إحدى الفرق الثلاث إلى ميناء السويدية لتقطع الصلة بين إنطاكية والبحر، وتوجهت الفرقة الثانية إلى الشمال لسد الممرات بين قلقلية والشام لمنع وصول إمدادات من أرمينية الصغرى.

    أما القوة الرئيسية وكانت بقيادة بيبرس فاتجهت إلى إنطاكية مباشرة، وضرب حولها حصارًا محكمًا في (أول رمضان سنة 666هـ = 15 من مايو 1268م)، وحاول بيبرس أن يفتح المدينة سلمًا، لكن محاولاته تكسرت أمام رفض الصليبيين التسليم، فشن بيبرس هجومه الضاري على المدينة، وتمكن المسلمون من تسلق الأسوار في (الرابع من رمضان)، وتدفقت قوات بيبرس إلى المدينة دون مقاومة، وفرت حاميتها إلى القلعة، وطلبوا من السلطان الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وتسلم المسلمون القلعة في (5 من رمضان 666هـ = 18 من مايو 1268م) وأسروا من فيها.

    وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة، بلغ من كثرتها أن قسمت النقود بالطاسات، وبلغ من كثرة الأسرى "أنه لم يبق غلام إلا وله غلام، وبيع الصغير من الصليبيين باثني عشر درهمًا، والجارية بخمسة دراهم".

    نتائج الفتح

    كان سقوط إنطاكية أعظم فتح حققه المسلمون على الصليبيين بعد استرداد صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس، وفي الوقت نفسه كان كارثة كبرى ألمت بالصليبيين وزلزلت كيانهم، ومن طرائف الفتح أن بوهيمند السادس أمير إنطاكية لم يعلم ما حدث لها؛ إذ كان في إمارته الثانية طرابلس جنوبي إنطاكية، فتكفل بيبرس بإخباره بهذه الكارثة في رسالة ساخرة بعثها إليه من إنشاء الكاتب البليغ "ابن عبد الظاهر"، ومما جاء فيها:

    ".. وكتابنا هذا يتضمن البشر لك بما وهبك الله من السلامة وطول العمر بكونك لم تكن لك في هذه المدة بإنطاكية إقامة، فلو كنت بها كنت إما قتيلاً وإما أسيرًا، وإما جريحًا وإما كسيرًا...".

    وبينما كان بيبرس في إنطاكية وصل إليه رسل الملك هيثوم الأرميني يعرضون عليه اتفاق بمقتضاه يعيدون ما أخذوه من المدن الإسلامية في أثناء الغزو المغولي للشام، مثل بهنسا، ومرزبان، ورعبان، كما ترك الداوية من الصليبيين "حصن بغراس"، وبذلك عاد شمال الشام إلى حوزة المسلمين.

    وبهذا النصر الذي فتح الباب لسقوط الإمارات الصليبية الباقية تبوأ بيبرس مكانته التاريخية، باعتباره واحدًا من أبطال الإسلام.

    منقول
    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

    تعليق

    • عبدالغفور الخطيب
      عضو متميز

      • Nov 2004
      • 2698

      #182
      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

      فتح مكة.. الخطة وعبقرية التنفيذ

      (في ذكرى التحرك لفتحها: 10 رمضان سنة 8هـ)



      ما تزال السيرة النبوية بحاجة إلى إعادة قراءة، وإعادة فقه لأحداثها من خلال منظور القوة والقيم التي كانت سائدة أثناء وقوع الحدث، ومحاولة ربط دروس السيرة -التي كان يحرص الصحابة على تحفيظ أحداثها لأبنائهم كما يحفظونهم آيات القرآن الكريم- بواقعنا المعاصر من خلال النظر إلى جوهر الأحداث، واستنباط فقهها في كيفية التفاعل بين النص والواقع.. ومن هذا المنطلق يأتي حديثنا عن فتح مكة الذي تم في (العاشر من رمضان سنة 8هـ= 1 من يناير سنة 630م).

      ما قبل الفتح

      كانت البداية الحقيقية لفتح مكة، بعد "غزوة الخندق" في السنة الخامسة من الهجرة، عندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عبارته الشهيرة "الآن نغزوهم ولا يغزوننا".

      فبعد هذه الغزوة تفكك التحالف الذي قام بين اليهود ومشركي مكة، وكشفت أحداث الخندق استحالة قيام مثل هذا التحالف مرة أخرى؛ وبالتالي أمن المسلمون المقاتلة على جبهتين في وقت واحد.

      وكانت الرؤية النبوية ذات بعد إستراتيجي في تحليل الموقف السياسي والعسكري في الجزيرة العربية بعد الخندق؛ إذ أثبتت الأحداث وتطوراتها أن رقعة الإسلام أخذت تزداد مقابل انحسار القوتين الضاربتين: اليهود والمشركين؛ حيث لم يبق لليهود تجمعات إلا في خيبر الحصينة، ولم يبق للمشركين مكان إلا في مكة وبعض القبائل والتجمعات الصغيرة التي يكفيها بعض السرايا الصغيرة لتأديبها والقضاء على خطرها.

      كانت تحركات المسلمين في السنوات الثلاث الفاصلة بين الخندق وفتح مكة مدروسة بعناية فائقة، وتنطلق من رؤى إستراتيجية، وتهدف إلى تحقيق أمرين:

      أولهما القضاء النهائي على قوة اليهود في الجزيرة العربية؛ لأن هؤلاء يرفضون الإسلام رغم يقينهم أنه الحق، واستمرار وجودهم وعدم تصفيته نهائيا يعني استمرار الخطر الدائم والمتفاقم على الإسلام بما يدبرونه ويكيدونه، ولذلك هدفت ضربات النبي لليهود إلى اقتلاع جذور وجودهم بين العرب، وحدث ذلك مع يهود "بني قينقاع"، ويهود "بني قريظة"، ويهود "بني النضير"، ثم كانت المعركة الفاصلة الحاسمة مع يهود "خيبر" في السنة السابعة من الهجرة، والتي أضاف انتصارها قوة إلى قوة المسلمين حتى قال قائلهم: "ما شبعنا إلا بعد فتح خيبر". وكانت السنة السابعة من الهجرة هي آخر سطر كتبه المسلمون في نهاية اليهود في الجزيرة.

      وثاني الأمرين هو: حصار المشركين وسحب البساط تدريجيا من تحت أقدامهم بعد تنظيفه من الكفر والشرك، مع إعطاء مساحة لهؤلاء للدخول في الإسلام؛ لأن دواخل أنفسهم -رغم كفرهم- ليست في صدام مع الإسلام، على خلاف اليهود، ولكنهم يحتاجون إلى فترة من الجهد والجهاد لكسر عناد الكفر في نفوسهم؛ لأنهم مواد خام نقية وجيدة يمكن للإسلام صبها في قوالبه الصحيحة، ولذلك كانت الخطة الإستراتيجية النبوية للتعامل معهم هي المزاوجة بين الأساليب الدعوية والسياسية والعسكرية والنفسية لتحطيم الحواجز بينهم وبين الإسلام، مع عدم اللجوء إلى القتال إلا في حالات الضرورة القصوى، وبالقدر الذي يحقق هيبة المسلمين، وليس تحطيم الخصم نهائيا، لذلك كانت سياسة العفو النبوي عنوانا بارزا في تلك السنوات، فكان هذا العفو يأسر القلوب، ويجعل القبائل تدخل في دين الله أفواجا.

      وقد أنتجت هذه السياسة النبوية وضعا فريدا في الجزيرة العربية هو أن رقعة الكفر كادت تنحصر في مكة فقط، وقضى على اليهود نهائيا، واتسعت رقعة الإسلام. وكانت روعة النبي صلى الله عليه وسلم أنه بدأ في جذب قادة مكة إلى الإسلام بحكمته، ومما يروى في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى خالد بن الوليد بطريق غير مباشر رسالة يدعوه فيه إلى الإسلام عن طريق أخيه "الوليد" الذي بعث إليه برسالة جاء فيها: "وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك، وقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي به الله، فقال: مثله يجهل الإسلام؟! ولو جعل نكايته وجدّه مع المسلمين كان خيرا له، ولقدّمناه على غيره"؛ ففتحت هذه الكلمات قلب "خالد" الذي حارب الإسلام عشرين سنة فجاء مسلما في بداية السنة الثامنة هو و"عمرو بن العاص" و"عثمان بن طلحة" رضي الله عنهم، وكان معنى ذلك أن معسكر الكفر في مكة بدأ يتخلخل من داخله ويفقد قادته الأفذاذ، وصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها".

      الفتح بين السبب والفرصة

      كان صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة ينظم العلاقة بين المسلمين والمشركين لمدة عشر سنوات، وكان من بنوده المهمة أنه "من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخله" فدخلت قبيلة "خزاعة" في تحالف مع المسلمين، ودخلت قبيلة "بكر" في تحالف مع قريش.

      وأدت التطورات والأحداث التي أعقبت صلح الحديبية إلى تغير في ميزان القوى بين المسلمين وقريش لصالح المسلمين.. وكما يؤكد خبراء السياسة فإن المعاهدات التي تعقد في ظل اختلال موازين القوى لا بد أن تتغير عندما تتغير هذه الموازين، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم -تقديرا منه لعهده وميثاقه- حافظ على ما ورد في صلح الحديبية، عالما ومدركا أنه لا بد من وقوع حادثة من جانب قريش تعصف بالصلح، وتجعل المسلمين في حل من التزاماته.

      وصدقت الرؤية النبوية، حيث أغارت قبيلة بكر على خزاعة، وأمدت قريش حليفتها "بكر" بالمال والسلاح، وقتلوا أكثر من عشرين من خزاعة حليفة المسلمين، واعتدوا عليهم رغم لجوئهم إلى الحرم. وأمام هذا النقض الصريح للعهد ركب "عمرو بن سالم الخزاعي" في أربعين من قومه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه النصرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نُصرت يا عمرو بن سالم"، وأمر المسلمين بالخروج لمناصرة خزاعة.


      وقد حققت مساعدة النبي لخزاعة ووعده لها بالنصرة عدة أهداف، منها أنها فرقت بين أن يحترم المسلمون العهود والمواثيق التي وقعوا عليها، وبين أن يعيشوا في غفلة عما يدبره المهادنون لهم؛ لأن وقائع التاريخ تؤكد أن غالبية العهود ما هي إلا فترات لالتقاط الأنفاس في الصراع، كما أنها كشفت عن احترام المسلمين لتحالفاتهم حتى لو كانت مع خزاعة التي لم تكن قد أسلمت بعد، وأثبتت أن المسلمين جادون في تنفيذ بنود تحالفهم حتى لو كلفهم ذلك دخول حرب، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام القبائل العربية للتحالف مع المسلمين وليس مع قريش (الغادرة)، مع خلق رأي عام في الجزيرة العربية يذيب بعض الحواجز بين هذه القبائل والإسلام، ويجعلهم يستمعون إلى القرآن الكريم دون تحيز مسبق؛ وبالتالي يكسر الحدود الوهمية بينهم وبين الإيمان.

      أدركت قريش أنها ارتكبت خطأ إستراتيجيا كبيرا بما أقدمت عليه من تقديم المال والسلاح لقبيلة بكر، وحاولت أن تعالج هذا الخطأ؛ حيث انطلق زعيمها وأكبر ساستها "أبو سفيان بن حرب" إلى المدينة المنورة طلبا في العفو عن هذا الخطأ الفادح، وتجديدا للهدنة، واستشفع بكبار المسلمين مثل أبي بكر وعمر وعلي وفاطمة، لكن علي بن أبي طالب لخص الموقف بقوله لأبي سفيان: "ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه"؛ فعاد أبو سفيان صفر اليدين إلى قريش واتهم بأن المسلمين لعبوا به.

      السرية والمفاجأة

      كان فشل سفارة أبي سفيان لا يعني إلا شيئا واحدا وهو الحرب، وجهز المسلمون جيشا ضخما بلغ قوامه عشرة آلاف مقاتل، وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم السرية الشديدة حتى يحقق عنصر المفاجأة لكفار مكة، فكتم وجهة الجيش في التحرك عن الجميع، بما فيهم أبو بكر، حتى إنه دخل على ابنته فسألها عن وجهة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري، وعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها".

      واستكمالا لعملية التوكل التي تجمع بين دعاء الرب والأخذ بالأسباب، قام النبي صلى الله عليه وسلم بعملية خداع رائعة، اقترنت بعملية تأمين للمعلومات وسرية تحرك الجيش، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية من ثمانية رجال بقيادة "أبي قتادة بن ربعي" إلى مكان يسمى "بطن إضم"، وكان هدفها الحقيقي غير المعلن هو تضليل المشركين، كذلك كانت هناك وحدات صغيرة بقيادة عمر بن الخطاب، قوي الشكيمة، تحقق في الداخلين والخارجين من المدينة المنورة، وتتحفظ على من سلك طريق المدينة- مكة، وبذلك حال دون حصول قريش على أي معلومات عن تجهيزات المسلمين.

      وأحبطت محاولة كبيرة لتسريب معلومات إلى قريش حول استعدادات المسلمين، قام بها أحد الصحابة البدريين وهو "حاطب بن أبي بلتعة"؛ وتم القبض على المرأة والرسالة التي تحملها من قبله قبل أن تصل إلى قريش.

      وما ارتكبه حاطب خيانة عظمى عقوبتها معلومة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الضعف الإنساني قد يصيب بعض المسلمين رغم إيمانهم العميق، لذلك رفض رغبة عمر في قطع رقبة حاطب، وقال له: "وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وأيد القرآن الكريم موقف النبي صلى الله عليه وسلم في "سورة الممتحنة" واصفا حاطبا بالإيمان رغم ما ارتكبه.

      حكمة مع القلوب المغلقة

      وافق خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة فصام، وصام المسلمون معه، حتى إذا بلغوا مكانا يسمى "الكديد" أفطر وأفطر المسلمون معه، ولم يزل مفطرا باقي الشهر حتى دخل مكة.

      واستجاب الله تعالى دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلم تعلم قريش شيئا عن تحركات المسلمين أو نواياهم، وفي هذه الأثناء خرج العباس بن عبد المطلب بأهله مهاجرا إلى المدينة، وكان العباس هو الذي يمد المسلمين بالمعلومات الاستخبارية عن نشاطات قريش منذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة.

      ولم يستطع زعيم قريش أبو سفيان السكون طويلا على هذا الوضع المقلق الذي خلقه نقض قومه لعهدهم مع المسلمين؛ فخرج يتحسس الأخبار ففوجئ بجيش المسلمين الضخم عند مكان يسمى "ثنية العقاب" قرب مكة، فأسرته قوة من استطلاعات المسلمين، وهمّ عمر بن الخطاب أن يضرب عنقه، إلا أن العباس أجار أبا سفيان وأركبه خلفه على بغلته ليدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسون العفو.

      رفض النبي صلى الله عليه وسلم استقبال أبي سفيان في بداية الأمر، فقال أبو سفيان: "والله ليأذنن، أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهب في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا"، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك رق له، ورحم عزيز قوم أصابته تقلبات الدهر، وأذن له بالدخول، ولما رآه قال له: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم ألا إله إلا الله؟".

      فتحت هذه الكلمة من النبي صلى الله عليه وسلم قلب أبي سفيان للإسلام، وقال: "بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا"، فقال له العباس: "ويحك! أسلم واشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قبل أن تُضرب عنقك" فأسلم أبو سفيان. ويكشف هذا الموقف عن روعة تقاسم الأدوار بين المسلمين لهداية الناس إلى الله تعالى، فإن الأقفال المغلقة للقلوب تحتاج إلى مفاتيح مختلفة تمزج بين الشدة واللين، وبين الصفح والحزم.

      أسر زعيم قريش هذا المعروف النبوي؛ واللين في مواقف القوة والتملك أشد وقعا على النفوس من السيف، والأخلاق النبوية أصابت سويداء قلب هذا الزعيم القرشي بعد حرب ومناهضة للإسلام زادت على عشرين عاما.

      ولم تتوقف الدروس النبوية في حق أبي سفيان عند هذا الحد، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أجلسه في مكان يرى فيه جيش المسلمين القوي وهو يمر بقواته الكثيفة أمام عينيه، حتى يزيل جميع رواسب الكفر من نفسه، وحتى يقوم أبو سفيان قائما -دون أن يشعر- بحرب نفسية لصالح المسلمين وسط قريش، تخيفهم من قوة المسلمين، وتحول كلماته عن وصف هذا الجيش الكثيف دون أي محاولة قرشية للمقاومة. وتقول روايات السيرة: إن أبا سفيان لما رأى ذلك المشهد انطلق إلى قومه وصرخ فيهم بأعلى صوته: "يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".

      لقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم نفسية هذا الزعيم بأن جعل له من الفخر نصيبا ريثما يستقر الإيمان في قلبه، فقال من "دخل دار أبي سفيان فهو آمن".

      تجنب الحرب.. تكسبها

      تفرق القرشيون ولزم كثير منهم دورهم، أما الباقون فلجئوا إلى المسجد، وبذلك نجحت خطة المسلمين في تحطيم مقاومة قريش، وخلق استعداد عند أهل مكة ليطبق عليهم المسلمون ما يعرف في عصرنا الحالي "حظر التجول"، وهو ما يمهد للسيطرة التامة دون مقاومة على مكة.

      لقد سبق دخول النبي صلى الله عليه وسلم لمكة حرب نفسية مركزة ومتعددة الأدوات، ومنها:

      - أنه أمر كل جندي في الجيش أن يوقد نارا ضخمة، فأوقد من النار عشرة آلاف حول مكة طوال الليل وهو ما أدخل الرعب في قلوبهم، وشتت أي عزيمة في المقاومة وحرمتهم النوم بالليل خوفا من المداهمة، فأضعفت استعدادهم لمواجهة المسلمين في الصباح.

      - أنه فتح باب الرحمة والعفو لقريش قبل أن يبدأ في دخولها مستحضرا في ذلك عظمة البيت الحرام، فإذا فعل المنتصر ذلك فإن المقاومة تنهار.. تروي كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن "سعد بن عبادة" وهو أحد قادة الجيش قال: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحرمة"، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعزل من قيادة الفيلق ويتولى ابنه "قيس بن سعد".

      - كانت خطة المسلمين أن يدخلوا مكة من جهاتها الأربع في وقت واحد، وهو ما يشتت أي احتمالات لمقاومة مكية، ويهدم معنويات الخصم ويدخل اليأس إلى نفسه من جدوى المقاومة التي تعد انتحارا لا طائل من ورائه.

      التواضع في قمة النصر
      نجحت الخطة الإستراتيجية التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول مكة في عدم تعرض جيش المسلمين لمقاومة تذكر، وأسلم غالبية زعاماتهم.. لكن هذا الانتصار العظيم زاد النبي صلى الله عليه وسلم تواضعا، فدخل مكة وهو يركب ناقته، ويقرأ سورة الفتح، وكان يطأطئ رأسه حتى لتكاد تمس رحله شكرا لربه تعالى، ولما جاء على باب الكعبة قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".

      يقول الشيخ محمد الغزالي في ذلك: "إن هذا الفتح المبين ليذكره صلى الله عليه وسلم بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردا، وكيف يعود اليوم منصورا مؤيدا، وأي كرامة عظمى حفه الله بها هذا الصباح الميمون، وكلما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعا وانحناء".

      وعقب دخوله صلى الله عليه وسلم مكة أعلن العفو العام بمقولته الشهيرة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، ولم يمنع هذا العفو العام من إهداره لدماء بضعة عشر رجلا أمر بقتلهم حتى لو تعلقوا بأستار الكعبة، لكونهم "مجرمي حرب"، وكان الوجه الآخر لهذا الأمر أن تبقى هذه الرؤوس التي من الممكن أن تكون نواة لنمو مقاومة ضد المسلمين في حالة خوف وحذر على أنفسها تمنعها من التحرك وتفرض عليها التخفي، وكانت روعة الإسلام أن غالبية هؤلاء أسلموا وحسن إسلامهم، وقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام.

      منقول
      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

      تعليق

      • عبدالغفور الخطيب
        عضو متميز

        • Nov 2004
        • 2698

        #183
        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

        جنكيز خان.. الإعصار العاتي

        (في ذكرى وفاته: 11 من رمضان 624هـ)



        ليس هناك شك في أن جنكيز خان واحد من أقسى الغزاة الذين ابتليت بهم البشرية، وأكثرهم سفكًا للدماء، وأجرؤهم على انتهاك الحرمات وقتل الأبرياء، وحرق المدن والبلاد، وإقامة المذابح لآلاف من النساء والولدان والشيوخ، لكن هذه الصورة السوداء تخفي جانبًا آخر من الصورة، حيث التمتع بصواب الرأي وقوة العزيمة، ونفاذ البصيرة. فكان يجلّ العلماء ويحترمهم ويلحقهم بحاشيته، وكان له مستشارون من الأمم التي اجتاحها من ذوي الخبرة، وكان لهؤلاء أثر لا يُنكَر في تنظيم الدولة والنهوض بها والارتقاء بنواحيها الإدارية والحضارية.

        المولد والنشأة

        شهدت منغوليا مولد "تيموجين بن يسوكاي بهادر" في سنة (549هـ = 1155م)، وكان أبوه رئيسًا لقبيلة مغولية تُدعى "قيات"، وعُرف بالشدة والبأس؛ فكانت تخشاه القبائل الأخرى، وقد سمّى ابنه "تيموجين" بهذا الاسم تيمنًا بمولده في يوم انتصاره على إحدى القبائل التي كان يتنازع معها، وتمكنه من القضاء على زعيمهم الذي كان يحمل هذا الاسم.

        ولم تطُل الحياة بأبيه؛ فقد توفِّي في سنة (561 هـ= 1167م)، تاركًا حملا ثقيلا ومسئولية جسيمة لـ"تيموجين" الابن الأكبر الذي كان غض الإهاب لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وما كان ليقوى على حمل تبعات قبيلة كبيرة مثل "قيات"، فانفض عنه حلفاء أبيه، وانصرف عنه الأنصار والأتباع، واستغلت قبيلته صغر سنه فرفضت الدخول في طاعته، على الرغم من كونه الوريث الشرعي لرئاسة قبيلته، والتفَّت حول زعيم آخر، وفقدت أسرته الجاه والسلطان، وهامت في الأرض تعيش حياة قاسية، وتذوق مرارة الجوع والفقر والحرمان.

        تأسيس الدولة

        نجحت أم تيموجين في أن تجمع الأسرة المستضعفة وتلم شعثها، وتحث أبناءها الأربعة على الصبر والكفاح، وتفتح لهم باب الأمل، وتبث فيهم العزم والإصرار، حتى صاروا شبابًا أقوياء، وبخاصة تيموجين الذي ظهرت عليه أمارات القيادة، والنزوع إلى الرئاسة، مع التمتع ببنيان قوي جعله المصارع الأول بين أقرانه.

        تمكن تيموجين بشجاعته من المحافظة على مراعي أسرته؛ فتحسنت أحوالها، وبدأ يتوافد عليه بعض القبائل التي توسمت فيه القيادة والزعامة، كما تمكن هو من إجبار المنشقين من الأتباع والأقارب على العودة إلى قبيلتهم، ودخل في صراع مع الرافضين للانضواء تحت قيادته، حسمه لصالحه في آخر الأمر، حتى نجح في أن تدين قبيلته "قيات" كلها بالولاء له، وهو دون العشرين من عمره.

        وواصل تيموجين خطته في التوسع على حساب جيرانه، فبسط سيطرته على منطقة شاسعة من إقليم منغوليا، تمتد حتى صحراء جوبي، حيث مضارب عدد كبير من قبائل التتار، ثم دخل في صراع مع حليفه رئيس قبيلة الكراييت، وكانت العلاقات قد ساءت بينهما بسبب الدسائس والوشايات، وتوجس "أونك خان" زعيم الكراييت من تنامي قوة تيموجين وازدياد نفوذه؛ فانقلب حلفاء الأمس إلى أعداء وخصوم، واحتكما إلى السيف، وكان الظفر في صالح تيموجين سنة (600هـ= 1203م)، فاستولى على عاصمته "قره قورم" وجعلها قاعدة لملكه، وأصبح تيموجين بعد انتصاره أقوى شخصية مغولية، فنودي به خاقانا، وعُرف باسم "جنكيز خان"؛ أي إمبراطور العالم.

        وبعد ذلك قضى ثلاث سنوات عُني فيها بتوطيد سلطانه، والسيطرة على المناطق التي يسكنها المغول، حتى تمكن من توحيد منغوليا بأكملها تحت سلطانه، ودخل في طاعته الأويغوريون.

        الياسا الجنكيزية

        بعد أن استتب له الأمر اتجه إلى إصلاح الشئون الداخلية، فأنشأ مجلسًا للحكم يسمّى "قوريلتاي" سنة (603هـ=1206م) ودعاه للاجتماع، وفيه تحددت لأول مرة شارات ملكه، ونظم إمبراطوريته، ووضع لشعبه دستورًا محكمًا يسمى "قانون الياسا" لتنظيم الحياة، بعد أن رأى أن الآداب والأعراف والتقاليد المغولية لا تفي بمتطلبات الدولة الجديدة، ولم تكن مدونة، فأعاد النظر في بعضها، وقبل بعضها الآخر، ورد ما رآه غير ملائم، وتناول الدستور أمورًا متعددة لتنظيم الحياة بالدولة الناشئة، وألزم أجهزة الدولة بتطبيق بنودها والعمل بموجبها، وشدد على معاقبة المخطئين.

        إخضاع الصين

        اصطدم جنكيز خان بإمبراطورية الصين التي كانت تحكمها أسرة "سونج"، وكانت لا تكف عن تحريض القبائل التركية والمغولية ضد بعضها؛ كي ينشغلوا بأنفسهم وتأمن هي شرهم، فأراد جنكيز خان أن يضع حدًا لتدخل الصينيين في شئون القبائل المغولية، وفي الوقت نفسه تطلع إلى ثروة الصين وكنوزها، فاشتبك معها لأول مرة في سنة (608هـ= 1211م)، واستطاع أن يحرز عددًا من الانتصارات على القوات الصينية، ويُخضع البلاد الواقعة في داخل سور الصين العظيم، ويعين عليها حكامًا من قِبله.

        ثم كرر غزو الصين مرة ثانية بعد أن حشد لذلك جموعًا هائلة سنة (610هـ = 1213م)، لكنه لم يحرز نصرًا حاسمًا، ثم جرت محاولة للصلح بين الطرفين، لكنها لم تفلح، فعاود جنكيز خان القتال، واستدار بجيشه الذي كان عائدًا إلى بلاده، واشتبك مع جحافل الصين التي لم تكن قد استعدت للقتال، وانتصر عليها في معركة فاصلة، سقطت على إثرها العاصمة بكين في سنة (612هـ= 1215م) وكان لسقوطها دوي هائل، ونذير للممالك الإسلامية التي آوت الفارين من أعدائه، وأظهرت ما كان يتمتع به الرجل من مواهب عسكرية في ميادين الحرب والقتال.

        تعقب أعدائه

        بعد أن فرغ جنكيز خان من حربه مع الصين اتجه ببصره إلى الغرب، وعزم على القضاء على أعدائه من قبائل النايمان والماركييت، وكان كوجلك خان بن تايانك زعيم النايمان قد تمكن بالتعاون مع السلطان محمد خوارزم شاه سلطان الدولة الخوارزمية من اقتسام الدولة القراخطائية سنة (607هـ= 1210م)، وأقام دولة امتدت من بلاد التبت حتى حدود الدولة الخوارزمية، لكنه لم ينعم كثيرًا بما أقام وأنشأ، فقد أرسل إليه جنكيز خان جيشًا كبيرًا، يقوده أحد رجاله الأكفاء، تمكن من القضاء على كوجلك وجيشه في سنة (615هـ= 1218م)، كما أرسل ابنه جوجي لتعقب زعيم قبيلة المركيت، فتمكن من القضاء عليه وعلى أتباعه.

        مقدمات الصدام مع الدولة الخوارزمية

        لم يكن جنكيز خان بعد أن اتسع سلطانه، وامتد نفوذه يسعى للصدام مع السلطان محمد بن خوارزم شاه بل كان يرغب في إقامة علاقة طيبة، وإبرام معاهدات تجارية معه، فأرسل إليه ثلاثة من التجار المسلمين لهذا الغرض، فوافق السلطان محمد على ذلك، وتوجه عقب ذلك وفد تجاري كبير من المغول يبلغ نحو 450 تاجرًا، كانوا كلهم من المسلمين، يحملون أصنافًا مختلفة من البضائع، واتجهوا إلى مدينة "أترار"، وبدلا من أن يمارسوا عملهم في البيع والشراء، اتهمهم حاكم المدينة "ينال خان" بأنهم جواسيس يرتدون زيَّ التجار، وبعث إلى السلطان يخبره بذلك، فصدقه وطلب منه مراقبتهم حتى يرى رأيه في شأنهم، لكن "ينال خان" قتلهم، وصادر تجارتهم، واستولى على ما معهم، ويذكر بعض المؤرخين أن السلطان محمد هو الذي أمر بهذا، وأن واليه لم يقدم على هذا التصرف الأحمق من تلقاء نفسه.

        غضب جنكيز خان، واحتج على هذا العمل الطائش، وأرسل إلى السلطان محمد يطلب منه تسليم "ينال خان" ليعاقبه على جريمته، لكن السلطان رفض الطلب، ولم يكتفِ بذلك بل قتل الوفد الذي حمل الرسالة، قاطعًا كل أمل في التفاهم مع المغول، وكان ذلك في سنة (615 هـ= 1218م).

        الإعصار الهائج

        استعد جنكيز خان لحملة كبيرة على الدولة الخوارزمية، وتحرك بجيوشه الجرَّارة إلى بلاد ما وراء النهر، فلما بلغها قسَم جيوشه عليها، وتمكن بسهولة من السيطرة على المدن الكبرى مثل "أترار" وبخارى، وسمرقند، ولم يجد ما كان ينتظره من مقاومة ودفاع، وأقدم على ارتكاب ما تقشعر لهوله الأبدان من القتل والحرق والتدمير، قتلت جيوشه سكان مدينة أترار عن بكرة أبيهم، وأحرق جنكيز خان بخارى عن آخرها، واستباحوا حرمة مسجدها الجامع الكبير، وقتلوا الآلاف من سكانها الأبرياء، وواصل الزحف بجيوشه متعقبًا السلطان محمد الذي زلزل الخوف قلبه، وفقد القدرة على المقاومة والصمود، فظل ينتقل من بلد إلى آخر، حتى لجأ إلى إحدى الجزر الصغيرة، في بحر قزوين، حيث اشتد به المرض، وتوفي سنة (617هـ = 1220م).

        جنكيز خان وجلال الدين بن خوارزم شاه

        تحمل جلال الدين منكبرتي لواء المقاومة بعد أبيه، وكان أثبت جنانًا، وأقوى قلبًا، فنجح في المقاومة، وجمع الأتباع، وحشد الأنصار، وألحق الهزيمة بالمغول في معركة "براون" سنة ( 618هـ= 1221م)، فلما سمع الناس بهذا النصر فرحوا فرحًا شديدًا بعد أن استبد بهم اليأس، وثارت بعض المدن على حاميتها من المغول، وكان يمكن لهذا النصر أن تتلوه انتصارات أخرى لو خلصت النية وصدقت العزيمة، لكن سرعان ما نشب خلاف بين قادة جيوش جلال الدين، وانسحب أحدهم بمن معه غير مدرك عظم المسئولية، فانهار حلم الدفاع، وتهاوى جلال الدين أمام جحافل المغول، وتوالت الهزائم بعدما خارت العزائم، واضطر جلال الدين إلى الانسحاب والفرار إلى الهند.

        وعندما اطمأن جنكيز خان إلى ما حقق عاد إلى منغوليا لإخماد ثورة قامت ضده هناك، وتمكن من إخمادها.

        وفاته

        وبعد أن قام جنكيز خان دولة مترامية الأطراف مرهوبة الجانب، توفي بالقرب من مدينة "تس جو" في (11 من رمضان 624هـ = 25 من أغسطس 1227م)، ودُفن في منغوليا، وخلفه على الإمبراطورية ابنه "أوكتاي".


        منقول
        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

        تعليق

        • عبدالغفور الخطيب
          عضو متميز

          • Nov 2004
          • 2698

          #184
          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

          ابن الجوزي.. والغوص في كل العلوم

          (في ذكرى وفاته: 12 من رمضان 597هـ)


          حظي "ابن الجوزي" بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون، وبلغت مؤلفاته أوج الشهرة والذيوع في عصره، وفي العصور التالية له، ونسج على منوالها العديد من المصنفين على مر العصور.

          هو "أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر" وينتهي إلى "أبي بكر الصديق" رضي الله عنه.

          ولد ببغداد سنة [ 510هـ= 1116م] وعاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية، حينما سيطر الأتراك السلاجقة على الدولة العباسية.

          وقد عرف بابن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى "فرضة الجوز" وهي مرفأ نهر البصرة.

          وقد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد " محمد بن ناصر الحافظ" ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف، وقد لازمه نحو ثلاثين عامًا أخذ عنه الكثير حتى قال عنه: "لم أستفد من أحد استفادتي منه".

          شيوخه وأساتذته

          تعلم "ابن الجوزي" على عدد كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه (87) شيخًا، منهم:

          أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر [ 467 ـ 550 هـ= 1074- 1155م]: وهو خاله، كان حافظًا ضابطًا متقنًا ثقة، وفقيهًا ولغويًا بارعًا، وهو أول معلم له.

          أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي [ 465- 540هـ= 1072م-1145م]: وهو اللغوي المحدث والأديب المعروف، وقد أخذ عنه اللغة والأدب.

          أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري المعروف بابن الطبري [ 435-531هـ=1043-1136م] وقد أخذ عنه الحديث.

          أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون [ 454-539هـ= 1062-1144م] وقد أخذ عنه القراءات.

          منزلته ومكانته

          كان "ابن الجوزي" علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير، وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته زاهدًا في الدنيا متقللا منها، وكان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو المجلس، ويروى عنه أنه كان قليل المزاح.
          يقول عن نفسه: "إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات".

          مجالس وعظه

          بدأ "ابن الجوزي" تجربة موهبته في الوعظ والخطابة في سن السابعة عشرة، وما لبث أن جذب انتباه الناس فأقبلوا على مجلسه لسماع مواعظه حتى بلغت شهرته في ذلك مبلغًا عظيمًا، فلم يعرف تاريخ الوعظ والمجالس الدينية ـ على مر العصور ـ مجلسًا كمجلس "ابن الجوزي" يحفل بعدد هائل من المريدين يصل إلى عشرة آلاف رجل.
          وكان يحضر مجلسه الخلفاء والأمراء والسلاطين والوزراء، وكان مجلسه بإزاء داره على شاطئ "دجلة" بالقرب من قصر الخليفة، فكانت الأرض تُفرش بالحصير ليجلس عليها الناس، ثم يصعد "ابن الجوزي" المنبر، ويبتدئ القرّاء بقراءة القرآن، يتناوبون التلاوة بأصوات شجية مطربة، فإذا فرغوا من التلاوة بدأ "ابن الجوزي" خطبته، فتناول فيها تفسير الآيات التي تلاها القراء، فيأخذ بألباب وعقول سامعيه، ينظم فيها عقود الحكمة ورقائق الزهد والمواعظ، بما يرقق القلوب ويحرك الأشجان، فتدمع العيون، وتخشع النفوس، وتذوب المشاعر في خشوع وجلال للخالق العظيم يحركها الشوق والوجد والإيمان.

          أقوال العلماء فيه

          اتفق العلماء والأدباء على الثناء على "ابن الجوزي" فمدحوا علمه وورعه ومهارته في الخطابة والفقه والحديث والتاريخ والأدب.
          قال عنه "ابن كثير": "أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف".

          وقد وصفه "ابن الجزري" بأنه: "شيخ العراق وإمام الآفاق".

          وقال عنه "ابن العماد الحنبلي": "كان ابن الجوزي لطيف الصوت حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ الفاكهة".

          وقال عنه "ابن جبير": "آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة".

          وقال عنه "شمس الدين الذهبي": "ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل".

          مؤلفاته

          تميز "ابن الجوزي" بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو ثلاثمائة مصنف شملت الكثير من العلوم والفنون، فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف في التفسير والحديث والتاريخ واللغة والطب والفقه والمواعظ وغيرها من العلوم، ومن أشهر تلك المصنفات:

          أخبار الظرّاف والمتماجنين.

          أخبار النساء.

          أعمار الأعيان.

          بستان الواعظين.

          تلبيس إبليس.

          تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير.

          تاريخ بيت المقدس.

          تحفة المودود في أحكام المولود.

          الثبات عند الممات.

          جواهر المواعظ.

          الجليس الصالح والأنيس الناصح.

          حسن السلوك في مواعظ الملوك.

          ذم الهوى.

          زاد المسير في علم التفسير.

          سيرة عمر بن عبد العزيز.

          صفوة الصفوة.

          صيد الخاطر.

          الطب الروحاني.

          فنون الأفنان في علوم القرآن.

          كتاب الأذكياء.

          كتاب الحمقى والمغفلين.

          لطائف المعارف فيما للموسم العام من الوظائف.

          لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.

          مناقب عمر بن الخطاب.

          المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.

          الناسخ والمنسوخ في الحديث.

          الوفا في فضائل المصطفى.

          اليواقيت في الخطب.

          شعره

          كان "ابن الجوزي" شاعرًا مجيدًا إلى جانب كونه أديبًا بارعًا وخطيبًا مفوهًا، وله أشعار حسنة كثيرة، منها قوله في الفخر:

          مازلت أدرك ما غلا بل ما علا ** وأكابد النهج العسير الأطولا

          تجري بي الآمال في حلباتـه ** جري السعيد إلى مدى ما أمّلا

          لو كان هذا العلم شخصًا ناطقًا ** وسألته: هل زار مثلي؟ قال: لا

          ومنها قوله في الزهد والقناعة:

          إذا قنعت بميسور من القوت ** بقيت في الناس حرًا غير ممقوت

          يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي ** فلست آسي على در وياقوت

          وأوصى أن يُكتب على قبره:

          يا كثير العفو عمن ** كثر الذنب لديه

          جاءك المذنب يرجو ** الصفح عن جرم يديه

          أنا ضيف وجزاء ** الضيف إحسان لديه

          وفاته

          توفي "ابن الجوزي" ليلة الجمعة [ 12 من رمضان 597هـ= 16 من يونيو 1200] عن عمر بلغ سبعا وثمانين سنة بعد أن مرض خمسة أيام، فبكاه أهل بغداد، وازدحموا على جنازته، حتى أقفلت الأسواق، فكان ذلك يومًا مشهورًا مشهودًا، يشهد بمكانة "ابن الجوزي" وحب الناس له.

          منقول
          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

          تعليق

          • عبدالغفور الخطيب
            عضو متميز

            • Nov 2004
            • 2698

            #185
            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

            غزوة بدر.. الميلاد الثاني

            (في ذكرى وقوعها: 17 من رمضان 2هـ)



            بنت غزوة بدر التصور الإسلامي لعوامل النصر والهزيمة بطريقة عملية واقعية، وقررت أن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة، وإنما بمقدار الاتصال بالله الذي لا يقف أمامه قوة العباد، ليوقن المسلمون في عصورهم المختلفة أنهم يملكون في كل زمان ومكان القدرة للتغلب على أعدائهم مهما كانوا هم من القلة وعدوهم من الكثرة، شريطة أن تتحقق فيهم عوامل النصر الحقيقية.

            وإذا كانت الهجرة هي الميلاد الأول للدولة الإسلامية فإن هذه الغزوة تعد ميلادا ثانيا لقوة ناهضة ودولة ناشئة للمسلمين، ظنتها قريش لا تقوى على مطاولة أو مجاولة، لكن نصر الله للمسلمين في هذه الغزوة مكن للدين في النفوس، وللإسلام في جزيرة العرب، بل العالم كله.

            الإعداد قبل المواجهة

            سبق القتال في غزوة بدر مرحلة من الإعداد النفسي والتدريب الشاق للمسلمين حتى يكونوا مؤهلين لخوض هذه المعركة الفاصلة التي سماها القرآن يوم الفرقان، وكان هذا الإعداد بتدبير من السماء حتى ينكسر الخوف من المشركين في نفوس المسلمين، وتقوى حميتهم على القتال ويعتادوا على منازلة قوات تفوقهم عددا وعدة، وكانت أول تهيئة نفسية للمسلمين لتقبل الأمر بالقتال هي حملة الاستفزازات التي قامت بها قريش ضد المسلمين في المدينة؛ حيث اتصلت بزعيم المنافقين عبد الله بن أبي سلول ودعته إلى طرد المسلمين أو الاستعداد للقتال واستباحة النساء في المدينة؛ فأثار هذا التهديد السافر الحمية في قلوب الأنصار على وجه الخصوص، ثم تعمق هذا الاستفزاز عندما تعرض أحد سادات الأنصار وهو سعد بن معاذ لتهديد وقح من أبي جهل أثناء تأديته للعمرة، فقال سعد أمام قريش في مكة: "والله لئن منعتني هذا (يعني الطواف بالبيت) لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة"، وكان هذا تهديدا إستراتيجيا لمكة في طريق تجارتها.

            كان إحساس الكيان المهدد يملأ قلوب المسلمين جميعا في المدينة بما فيهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي تشير رواية في صحيح مسلم إلى أنه نام بعدما قام سعد بن أبي وقاص بحراسته مدججا بالسلاح. وذكر أبي بن كعب أنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هو وأصحابه رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، وهو ما يجعل التحفز للجهاد والقتال حاضرا دائما في النفوس.

            وفي هذه الأثناء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجراء تعداد سكاني للمدينة المنورة في السنة الأولى من الهجرة؛ فبلغ عدد المحاربين 1500 مقاتل، فشعر المسلمون بشيء من الطمأنينة وأنهم ليسوا قلة، ولذلك لما نزلت آية الإذن بالقتال في نهاية السنة الأولى أو بداية السنة الثانية من الهجرة كانت تجد في النفوس شوقا لهذا الإذن بالدفاع عن الإسلام، قال تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ" (الحج: 39 - 40).

            وبعد هذه التهيئة للنفوس بدأت عملية التدريب الشاق للمسلمين قبل "بدر" حتى تُبنى التصورات الاعتقادية للمسلمين على أسس عملية تجريبية وليس نظريات فلسفية؛ لذا خاض المسلمون عددا من السرايا والغزوات الصغيرة المتتابعة، كان أولها سرية "سيف البحر" في رمضان من السنة الأولى للهجرة لاعتراض عير لقريش قادمة من الشام؛ فجاء "أبو جهل" في 300 مقاتل واصطف الفريقان للقتال وكان عدد المسلمين 30 مقاتلا فقط، إلا أن وساطة "مجدي بن عمرو الجهني" حالت دون حدوث القتال.

            وأهمية هذه السرية أنها كسرت هيبة المشركين، وهيبة مواجهة أعداد ضخمة تفوق المسلمين عشرة أضعاف، وتكرر ذلك في عدة سرايا أخرى مثل "سرية رابغ" في شوال من نفس العام، وكان عدد المهاجرين 60 والمشركين 200، وحدثت فيها بعض المناوشات بالنبل، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في بعض هذه السرايا مثل "غزوة ذي العشيرة" في جمادى الأولى سنة 2هـ لاعتراض عير لقريش ذاهبة إلى الشام لكنها سبقت المسلمين فأفلتت منهم، وكانت هذه العير هي سبب خروج المسلمين في "بدر الكبرى" لاعتراضها في طريق عودتها.

            ضرب المسلمون في هذه السرايا على وتر موجع لقريش وهو تجارتها ومصالحها الاقتصادية، وكان من الشيء اللافت للانتباه أن جميع العير أفلتت من المسلمين؛ وهو ما يقوي شوقهم وطموحهم لاعتراض العير التي كانت السبب في غزوة بدر التي كانت السماء تجهز لأحداثها لتكون قصة في العقيدة.

            وأثناء هذا الجو من الإعداد النفسي والتدريب استعدادا لبدر، أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وكان هذا دلالة رمزية على ضرورة أن يطهر المسلمون قبلتهم من الأوثان، ويحفز على قتال قريش وإنقاذ بيت الله الحرام من الكفر والشرك.

            من العير إلى النفير

            خرج المسلمون إلى بدر من أجل اعتراض قافلة تجارية كبيرة بها ألف بعير وثروة تقدر بـ 50 ألف دينار ذهبي، وليس معها سوى 40 حارسا تحت قيادة "أبي سفيان بن حرب"، ومن ثم كانت صيدا ثمينا للمسلمين لتعويض بعض ما أخذه المشركون منهم في مكة. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في 12 من رمضان سنة 2هـ، وانتدب الناس للخروج، ولم يكره أحدا على الخروج، إلا أن العير التي تحمل هذه الثروة الضخمة غيرت طريقها بعدما ترامت الأبناء إلى "أبي سفيان" بما يدبره المسلمون.

            ولما علمت قريش بالأمر تجهزت للقتال وخرجت في جيش قوامه 1300 مقاتل ومعهم 600 درع و100 فرس، وأعداد ضخمة من الإبل، أما عدد المسلمين فكان حوالي 314 مقاتلا، منهم 83 من المهاجرين.

            وقد استطاعت "الاستخبارات الإسلامية" أن ترصد عملية هروب العير، وأرسل أبو سفيان إلى قريش أن القافلة قد نجت، ولا حاجة لهم في قتال أهل يثرب، لكن أبا جهل أبى إلا القتال، وقال قولته المشهورة: "لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا ننحر الجُزر، ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدا"، لكنّ "بني زهرة" لم تستجب لهذه الدعوة فرجعت ولم تقاتل.

            خرج المسلمون بنتيجة مهمة بعد أن أفلتت العير وبعد أن جمعوا معلوماتهم عن عدوهم، ألا وهي أن القتال أصبح حتميا؛ لأن الله وعدهم إحدى الطائفتين، العير أو النفير، وما دامت العير أفلتت فلا محيص عن القتال.

            عقد النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا استشاريا لبحث الموقف؛ فالشورى من مبادئ الإسلام الرئيسية في السلم والحرب، وكان هدف هذا المجلس معرفة موقف الأنصار من القتال؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم متخوفا من أن يكون الأنصار غير مستعدين للقتال ونصرة النبي خارج المدينة، إلا أن "سعد بن معاذ" حسم الموقف، ومما قاله: "... فامض يا رسول الله لما أردت؛ فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبرٌ في الحرب، صدقٌ في اللقاء".

            سُرّ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين".

            ورغم الشورى والبشارة فإن بعض قلوب المؤمنين كانت تكره اللقاء، والأخرى كانت تريد العير. وصور القرآن الكريم هذه الحالة النفسية للمؤمنين تصويرا دقيقا في قوله تعالى: "كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُّحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" (الأنفال: 5 - 7).

            ليلة الفرقان

            نزل النبي صلى الله عليه وسلم أدنى بئر بدر عشاء ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، فتقدم أحد مقاتلي الأنصار وهو "الحُباب بن المنذر" بمشورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حملت في طياتها الأدب الرفيع في تعامل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والخبرة العسكرية الراقية، فقال: "يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة".

            فقال هذا الخبير العسكري: "يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغوّر ما وراءه من القُلُب (أي الآبار)، ثم نبني عليه حوضا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي".. قمة الشورى والنزول على الأصوب، وقمة الإحساس بالمسئولية.

            أما الرأي الثاني الذي أخذ به النبي صلى الله عليه وسلم، فكان من "سعد بن معاذ"؛ إذ اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني المسلمون له مقرا لقيادته، يقوم على حراسته عدد من الشبان الأشداء ويكون مجهزا ببعض الركائب، وعلل سعد اقتراحه بقوله: "وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك، ويجاهدون معك"، وهو إدراك بأهمية الحفاظ على القيادة، فليس من الحكمة أن تكون القيادة المسلمة مكشوفة في الصراع مع أعدائها، ولذلك أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الاقتراح، وأمر بتنفيذه، وكان سعد هو قائد الحرس لهذا المقر.

            دعاء حار؟!

            مضى النبي صلى الله عليه وسلم يعبئ الجيش للقتال، ويشحذ معنوياته، وكان من روعة هذه التهيئة النفسية الإيمانية أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى في ميدان المعركة وأشار إلى مصارع بعض كبار المشركين، فبدأت النفوس القلقة تهدأ وتستقر، ثم وقف صلى الله عليه وسلم يناجي ربه أن ينزل النصر على المسلمين، وأخذ يهتف بربه قائلا: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" حتى سقط الرداء عن كتفيه صلى الله عليه وسلم وهو مادٌّ يديه إلى السماء، فأشفق عليه أبو بكر الصديق، وأعاد الرداء إلى كتفيه والتزمه (احتضنه) وهو يقول: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك" فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر".

            وأثار خوف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء، وطمأنينة أبي بكر الصديق استشكالا عند العلماء فتعددت الآراء في تفسير هذا الموقف، فقيل: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال، بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهدوه، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك، وعلم صلى الله عليه وسلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقب بقوله "سيهزم الجمع"، غير أن بعضهم لم يرض بهذا التفسير، وذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مقام الخوف، لأن الوعد بالنصر لم يكن معيّنا على وجه التحديد في تلك الغزوة.

            وذهب الشيخ "رشيد رضا" في تفسير "المنار" أنه "لا يصح أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم باستجابة الله له لما وجد في نفس أبي بكر قوة وطمأنينة؛ لأن علم النبي صلى الله عليه وسلم بربه سبحانه وتعالى واستجابته له أقوى وأعلى من أن يستنبطه من حال أبي بكر، وأشار أن المقام في بدر كان مقام خوف ولم يكن مقام توكل محض، وذلك أن التوكل الشرعي بالاستسلام لعناية الرب تعالى وحده إنما يصح بعد اتخاذ الأسباب المعلومة من شرع الله، ومن سنته في خلقه. ومن المعلوم بالقطع أن أسباب النصر والغلبة في الحرب لم تكن تامة عند المسلمين في ذلك الوقت لا من الجهة المادية كالعدد والغذاء والعتاد والخيل والإبل، ولا من الجهة المعنوية لكراهة بعضهم القتال وجدالهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ولهذا خشي صلى الله عليه وسلم أن يصيب أصحابه تهلكة على قلتهم لتقصيرهم في بعض الأسباب المعنوية، فوق تقصيرهم غير الاختياري في الأسباب المادية، فكان يدعو ألا يؤاخذهم الله تعالى بتقصير بعضهم في إقامة سننه عقابا لهم".

            مطر وملائكة

            وفي ليلة بدر أنزل الله مطرا خفيفا على المسلمين ثبت به الأرض من تحتهم، بينما كان المطر شديدا على معسكر المشركين، وغشي المسلمين في هذه الليلة نعاسٌ، ملأ النفوس طمأنينة، والأجساد راحة واسترخاء، وكانت حالة نفسية عجيبة وهي في حقيقتها مدد من الله تعالى لهم، ثم أوحى الله تعالى إلى الملائكة أن يثبتوا الذين آمنوا، وألقى الله الرعب في قلوب الذين كفروا، ثم قلل الله تعالى عدد المشركين في أعين المسلمين، وقلل عدد المسلمين في أعين المشركين، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم المشركين في منامه قلة لا قيمة لهم، ولا وزن.

            وأثارت مسألة اشتراك الملائكة في بدر، أسئلة كثيرة، اختلفت حولها الآراء حول اشتراك الملائكة في القتال، غير أن ما تطمئن إليه النفس المسلمة أن مهمة الملائكة كما يشير صريح القرآن أنها كانت لتثبيت المسلمين في القتال، وليس لقتال المشركين، وذكر "ابن جرير الطبري" في تفسيره أن الروايات التي وردت في قتال الملائكة في بدر حريةٌ بألا تنقل، كما أن "ابن كثير" لم يذكر إلا رواية واحدة فقط رغم كثرة المرويات في هذا الشأن، كما أن عدد من قتلتهم الملائكة غير معروف ولا محدد، وإذا تتبعنا أسماء المقتولين في بدر لوجدنا أن غالبية من قتلهم أسماؤهم معروفة.

            نصر وتمكين

            "لئن كنا نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما بالله من طاقة".. كلمة حق قالتها "قريش" وصدقتها أحداث بدر، فعندما أصبح يوم 17 رمضان رحلت قريش إلى أرض المعركة، أما النبي صلى الله عليه وسلم فوظف الظروف الطبيعية في أرض المعركة لصالحه، فسبق قريش إلى الميدان، وجعل الشمس في ظهره، أما قريش فكانت الشمس في أعينها.

            حفز النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على القتال بعبارة قوية لا تحمل أي تردد أو خوف فقال: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض"، "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة"، فقال "عمير بن الحمام": "بخٍ بخٍ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟!"، ثم سأل "عوف بن الحارث" النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا عجيبا فقال: "يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "غمسه يده في العدو حاسرا"؛ فنزع "عوف" درعا كانت عليه فقذفها ثم قاتل حتى استشهد.. كانت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم تسري في نفوس المسلمين بطريقة عجيبة، تفوق في تأثيرها من يمتلكه الكفار من عدد وعدة.

            وعلى الطرف الآخر حاول أبو جهل أن يبث روحا في جنوده بالتوجه إلى الله بالدعاء!! فقال: "اللهم أقطعنا الرحم، وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم" فاستجاب الله ونصر المسلمين!!

            كانت نصيحة الاستخبارات المكية التي قام بها "عمير بن وهب" ألا تقاتل قريش المسلمين، وقال لهم: "البلايا تحمل المنايا، نواضح (إبل) يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم".. ولكن إرادة الله سبقت.

            بدأ القتال بمبارزة كان النصر فيها حليف المسلمين، فحمي القتال، وقتل 70 من المشركين، وأسر مثلهم، وكان من بين القتلى أئمة الكفر: "أبو جهل" و"عتبة وشيبة ابنا ربيعة" و"أمية بن خلف"، و"العاص بن هشام بن المغيرة". أما المسلمون فاستشهد منهم 14 رجلا، 6 من المهاجرين، و8 من الأنصار.

            أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجثث المشركين فجمعت في بئر. ومن روائع ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مراعاته لمشاعر أصحابه، والرفق بهم، وتقدير بعض ظروفهم الخاصة، فيروى أن المسلمين كانوا يسحبون جثة عتبة بن ربيعة لرميها في القليب (البئر)، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم تغيرا في وجه ابنه "حذيفة" فسأله عن سبب حزنه، فقال حذيفة: "يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك"، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير.

            يسألونك عن الأنفال لا الأسرى

            مكث النبي صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة في بدر 3 أيام، لتحقيق عدة أهداف عسكرية ونفسية، منها مواجهة أي محاولة من المشركين لإعادة تجميع الصفوف والثأر للهزيمة، وهو ما يفرض استمرار بقاء الجيش المسلم في حالة تأهب واستعداد لأي معركة محتملة؛ لأن من الأسباب التي تصيب الجيوش المنتصرة بانتكاسات هو أن يسري بين الجنود أن العمليات العسكرية والحرب قد توقفت، فتهبط الروح المعنوية إلى أدنى مستوياتها، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجنب المخاطرة بانتصاره، إضافة إلى أن البقاء في أرض المعركة هذه الفترة يتيح للجيش المسلم القيام بإحصاءات دقيقة عن خسائره وخسائر عدوه، وبعث رسالة نفسية إلى الجيش المهزوم أن النصر لم يكن وليد المصادفة.

            كان من أهم الأمور التي أثيرت بعد بدر قضيتان مهمتان، هما "الأنفال" و"الأسرى"، وقد سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم في الأنفال التي ساءت فيها أخلاقهم كما يقول "عبادة بن الصامت"، إذ تنازع الناس في الغنائم من يكون أحق بها؟! فنزعها الله تعالى منهم وجعلها له تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم عاتبهم بغير عتاب كما جاء في بدايات سورة الأنفال بأن ذكرهم بضرورة إصلاح ذات بينهم، وذكّرهم بصفات المؤمن الحق التي يجب أن يتحلوا بها وينشغلوا بتحقيقها في أنفسهم قبل السؤال عن الغنائم، ثم مضت 40 آية من الأنفال، قبل أن يبين الله حكم تقسيمها، والمشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قسمها بالتساوي بين الصحابة، وأعطى بعض الذين لم يشهدوا القتال لبعض الأعذار مثل عثمان بن عفان الذي كان مع زوجته رقية في مرضها الذي ماتت فيه، وأعطى أسر الشهداء نصيبهم من الغنائم.

            أما الأسرى، فلم يسأل الصحابة فيهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الغالبية العظمى كانت تميل إلى أخذ الفداء باستثناء "عمر بن الخطاب" و"سعد بن معاذ" اللذين كانا يحبذان الإثخان في القتل، لكسر شوكة الكفر فلا يقوى على محاربة الإيمان.

            استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في أمر الأسرى، فأيدوا الفداء، إلا أن القرآن الكريم أيد الإثخان في القتل، لكن روعة الإسلام أن القرآن لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع عن القرار الذي اتخذ بعد الشورى حتى لا يصير الإعراض عن الشورى سنة في الإسلام، وأن يكون من قواعد التشريع الإسلامي أن ما نفذه الإمام من الأعمال السياسية والحربية بعد الشورى لا يُنقض، وإن ظهر أنه كان خطأ.

            ومن روعة الإسلام أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء بعض الأسرى أن يقوموا بتعليم المسلمين القراءة والكتابة، وهو إدراك لأهمية العلم الذي يساوي الحرية والحياة.

            منقول
            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

            تعليق

            • عبدالغفور الخطيب
              عضو متميز

              • Nov 2004
              • 2698

              #186
              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

              خالد بن الوليد.. المنتصر دومًا

              (في ذكرى وفاته: 18 من رمضان 21هـ)



              هو "أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة"، ينتهي نسبه إلى "مرة بن كعب بن لؤي" الجد السابع للنبي (صلى الله عليه وسلم) و"أبي بكر الصديق" رضي الله عنه.

              وأمه هي "لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية"، وقد ذكر "ابن عساكر" – في تاريخه – أنه كان قريبًا من سن "عمر بن الخطاب".

              أسرة عريقة ومجد تليد

              وينتمي خالد إلى قبيلة "بني مخزوم" أحد بطون "قريش" التي كانت إليها "القبة" و"الأعنة"، وكان لها شرف عظيم ومكانة كبيرة في الجاهلية، وكانت على قدر كبير من الجاه والثراء، وكانت بينهم وبين قريش مصاهرة متبادلة.

              وكان منهم الكثير من السابقين للإسلام؛ منهم: "أبو سلمة بن عبد الأسد"، وكان في طليعة المهاجرين إلى الحبشة، و"الأرقم بن أبي الأرقم" الذي كانت داره أول مسجد للإسلام، وأول مدرسة للدعوة الإسلامية.

              وكانت أسرة "خالد" ذات منزلة متميزة في بني مخزوم؛ فعمه "أبو أمية بن المغيرة" كان معروفًا بالحكمة والفضل، وكان مشهورًا بالجود والكرم، وهو الذي أشار على قبائل قريش بتحكيم أول من يدخل عليهم حينما اختلفوا على وضع الحجر الأسود وكادوا يقتتلون، وقد مات قبل الإسلام.

              وعمه "هشام بن المغيرة" كان من سادات قريش وأشرافها، وهو الذي قاد بني مخزوم في "حرب الفجار".

              وكان لخالد إخوة كثيرون بلغ عددهم ستة من الذكور هم: "العاص" و"أبو قيس" و"عبد شمس" و"عمارة" و"هشام" و"الوليد"، اثنتين من الإناث هما: "فاطمة" و"فاضنة".

              أما أبوه فهو "عبد شمس الوليد بن المغيرة المخزومي"، وكان ذا جاه عريض وشرف رفيع في "قريش"، وكان معروفًا بالحكمة والعقل؛ فكان أحدَ حكام "قريش" في الجاهلية، وكان ثَريًّا صاحب ضياع وبساتين لا ينقطع ثمرها طوال العام.

              فارس عصره

              وفي هذا الجو المترف المحفوف بالنعيم نشأ "خالد بن الوليد"، وتعلم الفروسية كغيره من أبناء الأشراف، ولكنه أبدى نبوغًا ومهارة في الفروسية منذ وقت مبكر، وتميز على جميع أقرانه، كما عُرف بالشجاعة والجَلَد والإقدام، والمهارة وخفة الحركة في الكرّ والفرّ.

              واستطاع "خالد" أن يثبت وجوده في ميادين القتال، وأظهر من فنون الفروسية والبراعة في القتال ما جعله فارس عصره بلا منازع.

              معاداته للإسلام والمسلمين

              وكان "خالد" –كغيره من أبناء "قريش"– معاديًا للإسلام ناقمًا على النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين الذين آمنوا به وناصروه، بل كان شديد العداوة لهم شديد التحامل عليهم، ومن ثَم فقد كان حريصًا على محاربة الإسلام والمسلمين، وكان في طليعة المحاربين لهم في كل المعارك التي خاضها الكفار والمشركون ضد المسلمين.

              وكان له دور بارز في إحراز النصر للمشركين على المسلمين في غزوة "أحد"، حينما وجد غِرَّة من المسلمين بعد أن خالف الرماة أوامر النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتركوا مواقعهم في أعلى الجبل، ونزلوا ليشاركوا إخوانهم جمع غنائم وأسلاب المشركين المنهزمين، فدار "خالد" بفلول المشركين وباغَتَ المسلمين من خلفهم، فسادت الفوضى والاضطراب في صفوفهم، واستطاع أن يحقق النصر للمشركين بعد أن كانت هزيمتهم محققة.

              كذلك فإن "خالدا" كان أحد صناديد قريش يوم الخندق الذين كانوا يتناوبون الطواف حول الخندق علهم يجدون ثغرة منه؛ فيأخذوا المسلمين على غرة، ولما فشلت الأحزاب في اقتحام الخندق، وولوا منهزمين، كان "خالد بن الوليد" أحد الذين يحمون ظهورهم حتى لا يباغتهم المسلمون.

              وفي "الحديبية" خرج "خالد" على رأس مائتي فارس دفعت بهم قريش لملاقاة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، ومنعهم من دخول مكة، وقد أسفر الأمر عن عقد معاهدة بين المسلمين والمشركين عرفت باسم "صلح الحديبية".

              وقد تجلت كراهية "خالد" للإسلام والمسلمين حينما أراد المسلمون دخول مكة في عمرة القضاء؛ فلم يطِق خالد أن يراهم يدخلون مكة –رغم ما بينهم من صلح ومعاهدة– وقرر الخروج من مكة حتى لا يبصر أحدًا منهم فيها.

              إسلامه

              أسلم خالد في (صفر 8 هـ= يونيو 629م)؛ أي قبل فتح مكة بستة أشهر فقط، وقبل غزوة مؤتة بنحو شهرين.

              ويروى في سبب إسلامه: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال للوليد بن الوليد أخيه، وهو في عمرة القضاء: "لو جاء خالد لقدّمناه، ومن مثله سقط عليه الإسلام في عقله"، فكتب "الوليد" إلى "خالد" يرغبه في الإسلام، ويخبره بما قاله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه، فكان ذلك سبب إسلامه وهجرته.

              وقد سُرَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) بإسلام خالد، وقال له حينما أقبل عليه: "الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير".

              وفرح المسلمون بانضمام خالد إليهم، فقد أعزه الله بالإسلام كما أعز الإسلام به، وتحول عداء خالد للإسلام والمسلمين إلى حب وتراحم، وانقلبت موالاته للكافرين إلى عداء سافر، وكراهية متأججة، وجولات متلاحقة من الصراع والقتال.

              سيف الله في مؤتة

              وكانت أولى حلقات الصراع بين خالد والمشركين –بعد التحول العظيم الذي طرأ على حياة خالد وفكره وعقيدته– في (جمادى الأولى 8هـ = سبتمبر 629م) حينما أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) سرية الأمراء إلى "مؤتة" للقصاص من قتلة "الحارث بن عمير" رسوله إلى صاحب بصرى.

              وجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) على هذا الجيش: "زيد بن حارثة" ومن بعده "جعفر بن أبي طالب"، ثم "عبد الله بن رواحة"، فلما التقى المسلمون بجموع الروم، استشهد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأصبح المسلمون بلا قائد، وكاد عقدهم ينفرط وهم في أوج المعركة، وأصبح موقفهم حرجًا، فاختاروا "خالدًا" قائدًا عليهم.

              واستطاع "خالد" بحنكته ومهارته أن يعيد الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن أعاد تنظيم صفوفهم، وقد أبلى "خالد" – في تلك المعركة – بلاء حسنًا، فقد اندفع إلى صفوف العدو يعمل فيهم سيفه قتلاً وجرحًا حتى تكسرت في يده تسعة أسياف.

              وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه باستشهاد الأمراء الثلاثة، وأخبرهم أن "خالدًا" أخذ اللواء من بعدهم، وقال عنه: "اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره". فسمي خالد "سيف الله" منذ ذلك اليوم.

              وبرغم قلة عدد جيش المسلمين الذي لا يزيد عن ثلاثة آلاف فارس، فإنه استطاع أن يلقي في روع الروم أن مددًا جاء للمسلمين بعد أن عمد إلى تغيير نظام الجيش بعد كل جولة، فتوقف الروم عن القتال، وتمكن خالد بذلك أن يحفظ جيش المسلمين، ويعود به إلى المدينة استعدادًا لجولات قادمة.

              خالد والدفاع عن الإسلام

              وحينما خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) في نحو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار؛ لفتح "مكة" في (10 من رمضان 8هـ = 3 من يناير 630م)، جعله النبي (صلى الله عليه وسلم) على أحد جيوش المسلمين الأربعة، وأمره بالدخول من "الليط" في أسفل مكة، فكان خالد هو أول من دخل من أمراء النبي (صلى الله عليه وسلم)، بعد أن اشتبك مع المشركين الذين تصدوا له وحاولوا منعه من دخول البيت الحرام، فقتل منهم ثلاثة عشر مشركًا، واستشهد ثلاثة من المسلمين، ودخل المسلمون مكة – بعد ذلك – دون قتال.

              وبعد فتح مكة أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) خالدًا في ثلاثين فارسًا من المسلمين إلى "بطن نخلة" لهدم "العزى" أكبر أصنام "قريش" وأعظمها لديها.

              ثم أرسله – بعد ذلك – في نحو ثلاثمائة وخمسين رجلاً إلى "بني جذيمة" يدعوهم إلى الإسلام، ولكن "خالدًا" – بما عُرف عنه من البأس والحماس – قتل منهم عددًا كبيرًا برغم إعلانهم الدخول في الإسلام؛ ظنًا منه أنهم إنما أعلنوا إسلامهم لدرء القتل عن أنفسهم، وقد غضب النبي (صلى الله عليه وسلم) لما فعله خالد وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، وأرسل "عليًا بن أبي طالب" لدفع دية قتلى "بني جذيمة".

              وقد اعتبر كثير من المؤرخين تلك الحادثة إحدى مثالب "خالد"، وإن كانوا جميعًا يتفقون على أنه أخطأ متأولاً، وليس عن قصد أو تعمد. وليس أدل على ذلك من أنه ظل يحظى بثقة النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل إنه ولاه – بعد ذلك – إمارة عدد كبير من السرايا، وجعله على مقدمة جيش المسلمين في العديد من جولاتهم ضد الكفار والمشركين.

              ففي "غزوة حنين" كان "خالد" على مقدمة خيل "بني سليم" في نحو مائة فارس، خرجوا لقتال قبيلة "هوازن" في (شوال 8هـ = فبراير 630م)، وقد أبلى فيها "خالد" بلاءً حسنًا، وقاتل بشجاعة، وثبت في المعركة بعد أن فرَّ من كان معه من "بني سليم"، وظل يقاتل ببسالة وبطولة حتى أثخنته الجراح البليغة، فلما علم النبي (صلى الله عليه وسلم) بما أصابه سأل عن رحله ليعوده.

              سيف على أعداء الله

              ولكن هذه الجراح البليغة لم تمنع خالدًا أن يكون على رأس جيش المسلمين حينما خرج إلى "الطائف" لحرب "ثقيف" و"هوازن".

              ثم بعثه النبي (صلى الله عليه وسلم) – بعد ذلك – إلى "بني المصطلق" سنة (9هـ = 630م)، ليقف على حقيقة أمرهم، بعدما بلغه أنهم ارتدوا عن الإسلام، فأتاهم "خالد" ليلاً، وبعث عيونه إليهم، فعلم أنهم على إسلامهم، فعاد إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بخبرهم.

              وفي (رجب 9هـ = أكتوبر 630م) أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) "خالدًا" في أربعمائة وعشرين فارسًا إلى "أكيدر بن عبد الملك" صاحب "دومة الجندل"، فاستطاع "خالد" أسر "أكيدر"، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، وساقه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فصالحه على فتح "دومة الجندل"، وأن يدفع الجزية للمسلمين، وكتب له النبي (صلى الله عليه وسلم) كتابًا بذلك.

              وفي (جمادى الأولى 1هـ = أغسطس 631م) بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) "خالدًا" إلى "بني الحارث بن كعب" بنجران في نحو أربعمائة من المسلمين، ليخيرهم بين الإسلام أو القتال، فأسلم كثير منهم، وأقام "خالد" فيهم ستة أشهر يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، ثم أرسل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يخبره بإسلامهم، فكتب إليه النبي يستقدمه مع وفد منهم.

              يقاتل المرتدين ومانعي الزكاة

              وبعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) شارك "خالد" في قتال المرتدين في عهد "أبي بكر الصديق" – رضي الله عنه – فقد ظن بعض المنافقين وضعاف الإيمان أن الفرصة قد أصبحت سانحة لهم – بعد وفاة النبي – للانقضاض على هذا الدين، فمنهم من ادعى النبوية، ومنهم من تمرد على الإسلام ومنع الزكاة، ومنهم من ارتد عن الإسلام. وقد وقع اضطراب كبير، واشتعلت الفتنة التي أحمى أوارها وزكّى نيرانها كثير من أعداء الإسلام.

              وقد واجه الخليفة الأول تلك الفتنة بشجاعة وحزم، وشارك خالد بن الوليد بنصيب وافر في التصدي لهذه الفتنة والقضاء عليها، حينما وجهه أبو بكر لقتال "طليحة بن خويلد الأسدي" وكان قد تنبأ في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما علم بمرضه بعد حجة الوداع، ولكن خطره تفاقم وازدادت فتنته بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) والتفاف كثير من القبائل حوله، واستطاع خالد أن يلحق بطليحة وجيشه هزيمة منكرة فر "طليحة" على إثرها إلى "الشام"، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان له دور بارز في حروب الفرس، وقد استشهد في عهد عمر بن الخطاب.

              وبعد فرار طليحة راح خالد يتتبع فلول المرتدين، فأعمل فيهم سيفه حتى عاد كثير منهم إلى الإسلام.

              مقتل مالك بن نويرة وزواج خالد من امرأته

              ثم سار خالد ومن معه إلى مالك بن نويرة الذي منع الزكاة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما علم مالك بقدومه أمر قومه بالتفرق حتى لا يظفر بهم خالد، ولكن خالدا تمكن من أسره في نفر من قومه، وكانت ليلة شديدة البرودة، فأمر خالد مناديًا أن أدفئوا أسراكم، وظن الحرس -وكانوا من كنانة- أنه أراد قتل الأسرى – على لغتهم- فشرعوا فيهم سيوفهم بالقتل، حتى إذا ما انتبه خالد كانوا قد فرغوا منهم.

              وأراد خالد أن يكفّر عن ذلك الخطأ الذي لم يعمده فتزوج من امرأة مالك؛ مواساة لها، وتخفيفًا عن مصيبتها في فقد زوجها الفارس الشاعر.

              القضاء على فتنة مسيلمة الكذاب

              وخرج خالد – بعد ذلك – لقتال مسيلمة الكذاب الذي كان من أشد أولئك المتنبئين خطرًا، ومن أكثرهم أعوانًا وجندًا، ودارت معركة عنيفة بين الجانبين، انتهت بهزيمة "بني حنيفة" ومقتل "مسيلمة"، وقد استشهد في تلك الحرب عدد كبير من المسلمين بلغ أكثر من ثلاثمائة وستين من المهاجرين والأنصار، وكان أكثرهم من السابقين إلى الإسلام، وحفظه القرآن، وهو الأمر الذي دعا أبا بكر إلى التفكير في جمع القرآن الكريم؛ خوفًا عليه من الضياع بعد موت هذا العدد الكبير من الحفاظ.

              فتوحات خالد في العراق

              ومع بدايات عام (12هـ = 633م) بعد أن قضى أبو بكر على فتنة الردة التي كادت تمزق الأمة وتقضي على الإسلام، توجه الصديق ببصره إلى العراق يريد تأمين حدود الدولة الإسلامية، وكسر شوكة الفرس المتربصين بالإسلام.

              وكان خالد في طليعة القواد الذين أرسلهم أبو بكر لتلك المهمة، واستطاع خالد أن يحقق عددًا من الانتصارات على الفرس في "الأبلة" و"المذار" و"الولجة" و"أليس"، وواصل خالد تقدمه نحو "الحيرة" ففتحها بعد أن صالحه أهلها على الجزية، واستمر خالد في تقدمه وفتوحاته حتى فتح جانبًا كبيرًا من العراق، ثم اتجه إلى "الأنبار" ليفتحها، ولكن أهلها تحصنوا بها، وكان حولها خندق عظيم يصعب اجتيازه، ولكن خالدًا لم تعجزه الحيلة، فأمر جنوده برمي الجنود المتحصنين بالسهام في عيونهم، حتى أصابوا نحو ألف عين منهم، ثم عمد إلى الإبل الضعاف والهزيلة، فنحرها وألقى بها في أضيق جانب من الخندق، حتى صنع جسرًا استطاع العبور عليه هو وفرسان المسلمين تحت وابل من السهام أطلقه رماته لحمايتهم من الأعداء المتربصين بهم من فوق أسوار الحصن العالية المنيعة.. فلما رأى قائد الفرس ما صنع خالد وجنوده، طلب الصلح، وأصبحت الأنبار في قبضة المسلمين.

              يواصل فتوحاته في العراق

              واستخلف خالد "الزبرقان بن بدر" على الأنبار واتجه إلى "عين التمر" التي اجتمع بها عدد كبير من الفرس، تؤازرهم بعض قبائل العرب، فلما بلغهم مقدم "خالد" هربوا، والتجأ من بقي منهم إلى الحصن، وحاصر خالد الحصن حتى استسلم من فيه، فاستخلف "عويم بن الكاهل الأسلمي" على عين التمر، وخرج في جيشه إلى دومة الجندل ففتحهما.

              وبسط خالد نفوذه على الحصيد والخنافس والمصيخ، وامتد سلطانه إلى الفراض وأرض السواد ما بين دجلة والفرات.

              الطريق إلى الشام

              ثم رأى أبو بكر أن يتجه بفتوحاته إلى الشام، فكان خالد قائده الذي يرمي به الأعداء في أي موضع، حتى قال عنه: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"، ولم يخيب خالد ظن أبي بكر فيه، فقد استطاع أن يصل إلى الشام بسرعة بعد أن سلك طريقًا مختصرًا، مجتازًا المفاوز المهلكة غير المطروقة، متخذًا "رافع بن عمير الطائي" دليلاً له، ليكون في نجدة أمراء أبي بكر في الشام: "أبي عبيدة عامر الجراح"، و"شرحبيل بن حسنة" و"عمرو بن العاص"، فيفاجئ الروم قبل أن يستعدوا له.. وما إن وصل خالد إلى الشام حتى عمد إلى تجميع جيوش المسلمين تحت راية واحدة، ليتمكنوا من مواجهة عدوهم والتصدي له.

              وأعاد خالد تنظيم الجيش، فقسمه إلى كراديس، ليكثروا في عين عدوهم فيهابهم، وجعل كل واحد من قادة المسلمين على رأس عدد من الكراديس، فجعل أبا عبيدة في القلب على 18كردسا، ومعه عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو، وجعل عمرو بن العاص في الميمنة على 10 كراديس ومعه شرحبيل بن حسنة، وجعل يزيد بن أبي سفيان في الميسرة على 10 كراديس.

              والتقى المسلمون والروم في وادي اليرموك وحمل المسلمون على الروم حملة شديدة، أبلوا فيها بلاء حسنا حتى كتب لهم النصر في النهاية. وقد استشهد من المسلمين في هذه الموقعة نحو ثلاثة آلاف، فيهم كثير من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

              وتجلت حكمة خالد وقيادته الواعية حينما جاءه رسول برسالة من عمر بن الخطاب تحمل نبأ وفاة أبي بكر الصديق وتخبره بعزله عن إمارة الجيش وتولية أبي عبيدة بدلا منه، وكانت المعركة لا تزال على أشدها بين المسلمين والروم، فكتم خالد النبأ حتى تم النصر للمسلمين، فسلم الرسالة لأبي عبيدة ونزل له عن قيادة الجيش.

              خالد بين القيادة والجندية

              ولم ينته دور خالد في الفتوحات الإسلامية بعزل عمر له وتولية أبي عبيدة أميرا للجيش، وإنما ظل خالد يقاتل في صفوف المسلمين، فارسا من فرسان الحرب وبطلا من أبطال المعارك الأفذاذ المعدودين.

              وكان له دور بارز في فتح دمشق وحمص وقنسرين، ولم يفت في عضده أن يكون واحدا من جنود المسلمين، ولم يوهن في عزمه أن يصير جنديا بعد أن كان قائدا وأميرا؛ فقد كانت غايته الكبرى الجهاد في سبيل الله، ينشده من أي موقع وفي أي مكان.

              وفاة الفاتح العظيم

              وتوفي خالد بحمص في (18 من رمضان 21هـ = 20 من أغسطس 642م). وحينما حضرته الوفاة، انسابت الدموع من عينيه حارة حزينة ضارعة، ولم تكن دموعه رهبة من الموت، فلطالما واجه الموت بحد سيفه في المعارك، يحمل روحه على سن رمحه، وإنما كان حزنه وبكاؤه لشوقه إلى الشهادة، فقد عزّ عليه –وهو الذي طالما ارتاد ساحات الوغى فترتجف منه قلوب أعدائه وتتزلزل الأرض من تحت أقدامهم- أن يموت على فراشه، وقد جاءت كلماته الأخيرة تعبر عن ذلك الحزن والأسى في تأثر شديد: "لقد حضرت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

              وحينا يسمع عمر بوفاته يقول: "دع نساء بني مخزوم يبكين على أبي سليمان، فإنهن لا يكذبن، فعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي".

              منقول
              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

              تعليق

              • عبدالغفور الخطيب
                عضو متميز

                • Nov 2004
                • 2698

                #187
                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                تبوك.. الرسول صلى الله عليه وسلم مقاطعًا

                (في ذكرى عودة النبي من تبوك: 26 رمضان 9 هـ)


                في ظل الظروف التي تعيشها أمتنا العربية والإسلامية بدأ طرح المقاطعة يأخذ أبعادًا مختلفة، فلم يعد مفهوم المقاطعة مقصورًا على المقاطعة الاقتصادية فحسب، إنما تعداه إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية... وهذا الموضوع الذي بين أيدينا يطرح جانبًا مهمًّا من جوانب المقاطعة، وهو المقاطعة الهَجْرية، وذلك من خلال وقائع غزوة تبوك.

                وتبدأ وقائع غزوة تبوك عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتجهز والخروج إلى الروم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا أظهر أنه يريد غيرها، إلا غزوة تبوك فإنه قال: "أيها الناس إني أريد الروم".

                وكانت هناك عقبات في طريق الخروج إلى الغزوة تتمثل في:

                1- الجهد والمشقة لإتمام التمويل اللازم لتجهيز الجيش، وقد انتدب الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين للتبرع لتجهيز الجيش وحضهم على ذلك، وتسابق المسلمون في الجهاد بأموالهم، فها هو أبو بكر الصديق يأتي بكل ماله، وعمر بن الخطاب يأتي بنصف ماله، وتبارى القوم في التبرع في صورة تُظهر ما في قلوبهم من إيمان راسخ ونفوس سخية، ولم ينفق أحد أعظم نفقة من ذي النورين عثمان بن عفان الذي جهز ثلث الجيش وحده، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" قالها مرارًا.

                2- الحر الشديد حيث الصحراء اللاهبة والشمس المحرقة وقلة الماء؛ وهو ما يؤدي إلى عسر المسير ومشقة الرحيل، حيث يصور لنا القرآن هذا الأمر: {وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا}.

                3- ثمارهم قد أينعت وحان وقت قطافها.

                4- طول المسافة، حيث تبلغ المسافة من المدينة -عاصمة الإسلام آنذاك- إلى تبوك على تخوم الروم أكثر من تسعمائة كيلومتر، والرحلة تستغرق شهرًا ذهابًا وإيابًا.

                5- شدة بأس العدو، فالعدو هو الروم إحدى القوتين العظميين في العالم آنذاك، وإحدى طبقي الرحى التي تطبق على العالم احتلالاً واستغلالاً؛ فأعدادهم عظيمة، وأسلحتهم كثيرة، وجيوشهم جرارة.

                ومع هذه العقبات سارع المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز والخروج والتبرع بأموالهم لسد العجز في التمويل؛ إيمانًا منهم بقدسية الغاية وربانية الهدف.

                ولطول المسافة تحتم أن يكون الجيش من الفرسان وراكبي الإبل، وبعد التجهز خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يقود جيشًا قوامه أكثر من 30 ألفًا من المسلمين ما بين 10 آلاف فارس وبقية الجيش يتعاقب كل ثلاثة على بعير واحد.

                وعانى الصف الإسلامي قبل الخروج من إرجاف المنافقين ومحاولتهم الدنيئة تثبيط همة المسلمين وشق صفهم وبذر الوهن في قلوبهم، ولكن هيهات أن يتحقق ذلك في صف ارتبط بخالقه وارتضى برسوله وآمن بعقيدته؛ ففشِلت كل محاولات الطابور الخامس -أهل النفاق والزيغ- وكانت الغزوة فرصة عظيمة لتميز الأمة في مبادئها ولتمايزها في صفها، فأصبح المجتمع كالآتي:

                1- أهل السبق والإيمان من المهاجرين والأنصار الذين تباروا في الخروج للغزو والتبرع لتجهيز إخوانهم الذين لا يملكون النفقة.

                2- أهل الإيمان الذين قصرت بهم النفقة لفقرهم فلم يستطيعوا الخروج وهم البكاؤون "... الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ".

                3- أهل إيمان، ولكن أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخلفوا عن الخروج من غير شك ولا ارتياب منهم.

                4- المنافقون أهل الزيغ والضلال الذين تعاونوا مع العدو وتجسسوا على أهل الإيمان، وقد رجع أكثرهم من الغزو واعتذر بعضهم عن الخروج مخافة الفتنة كما زعم. وخروج البعض منهم محاولين استغلال الفرص لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم.

                الطريق إلى تبوك

                خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وبدأ التحرك بالجيش الإسلامي نحو تبوك يوم الخميس قبل منتصف شهر رجب سنة 9هـ حيث وصل إلى تبوك في شعبان سنة 9هـ وأقام فيها مدة عشرين يومًا ولم يلاق حشود الروم الذين جبنوا عن التقدم للقاء الجيش الإسلامي.

                فظل الرسول صلى الله عليه وسلم مدة إقامته يعقد معاهدات مع أمراء المناطق وقبائلها، وأرسل سرية بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل فأسرت أكيدر ملك دومة الجندل وقدم به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليعاهده.

                وحققت الغزوة أهدافها سواء من تحدي الروم وإظهار جبنهم وإثارة الرعب في القبائل النصرانية التي تساعد الروم، ثم -وهو الأهم- إعلان ظهور دولة الإسلام كدولة قوية تستطيع تحدي الروم ومهاجمة أراضيهم.

                عاد الرسول صلى الله عليه وسلم بالجيش الإسلامي قافلاً نحو المدينة حيث وصلها في شهر رمضان سنة 9هـ.

                تحقيق وحساب للمخلفين

                وهنا حان وقت التحقيق والحساب مع الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كما يحكيها أحد المخلفين، وهو كعب بن مالك رضي الله عنه "...غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حيث طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا؛ فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا. ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا. فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو(فات وقته وتقدم)، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم - أحزنني أنني لا أرى إلا رجلاً مغموصًا (محتقرا) عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء...

                فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، فجئت فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال: "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قلت بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبى الله، لا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. وثار رجال من بني سلمة.. ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي.

                ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها(نحن) الثلاثة من بين من تخلف عنه".

                المقاطعة.. مطلب شرعي

                وحين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بمقاطعة الثلاثة الذين صدقوا حديثهم، وعدم الكلام معهم، بدأت قصة تربيتهم وصقلهم وفرض العزل الاجتماعي عليهم، فالمقاطعة التربوية التي وقعت على هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية لها منافع عظيمة وجسيمة في تربية المجتمع الإسلامي على الاستقامة وقوة الإرادة والوفاء الثابت ولمنع أفراد هذا المجتمع من التورط في المخالفات سواء كان ذلك بترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من المحرمات، أو كان بالتسويف في الأمر إلى حد التفريط، حيث يتوقع الذي يفعل ذلك أنه سيكون مهجورًا من جميع أفراد المجتمع؛ فلا يفكر في الفعل المخالف لأوامر القيادة قط.

                فالمقاطعة التربوية هنا نوع من الهجر الديني الذي هو مطلب شرعي يثاب فاعله، وهو غير الهجر الدنيوي فهو مكروه، وإذا زاد عن ثلاثة أيام فإنه يكون محرمًا. ويحدثنا كعب بن مالك عن الآلام النفسية المبرحة التي عاناها وصاحبيه نتيجة المقاطعة التربوية التي فرضها الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وبلغت من المدة خمسين يومًا فيقول: "... فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أَشبّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج. فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة مع المسلمين فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي. فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت. فعدت فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال لا بل اعتزلها لا تقربنها. أرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: ألحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر".

                المقاطعة.. ابتلاء وتمحيص

                تمت المقاطعة التربوية لهؤلاء الثلاثة ابتلاء للصف الإسلامي ليثبت مدى استجابته للأمر والتحامه مع قيادته ومفاصله الثلاثة في أروع ما يحمل التاريخ من صور الاستجابة لدرجة أن أبا قتادة وهو ابن عم كعب وصديقه وأحب الناس إليه لا يرد عليه السلام ولا يبادله الكلام، كأننا نلحظ صراعا نفسيا داخل أبي قتادة بين قربه وحبه لكعب وصلته الإنسانية به وبين التزامه بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، وسرعان ما ينتصر الالتزام الديني على الصلة والصداقة فلا يرد عليه سلام.

                وأعظم ما في هذه المفاضلة الأمر الأخير لزوجاتهم بالمقاطعة فتسرع الزوجات بالاستجابة في علو إيمان وشدة التزام تهزم صلة الزوجية والرابطة القوية بينهم، وقد نجحت الخطة، وتحققت المقاطعة الكاملة لهم في صورة غير مسبوقة لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، وقد عاش المجتمع الإسلامي مأساة إخوته الثلاثة في أشد ما يكون يقظة والتزامًا وألمًا وتأثرًا، ولك أن تتخيل أثر المقاطعة النفسي على الثلاثة الذين خلفوا وعلى المجتمع حولهم بما فيه من صلات قربى وصداقة ومودة، خاصة أن المقاطعة كانت في رمضان شهر زيادة الصلة والرابطة بين المسلمين، ويمر عليهم عيد الفطر مناسبة الود والتزاور بينهم. والمقاطعة التي تأبى على المسلمين أن يذكروا اسم كعب للنبطي، بل يكتفون بالإشارة إليه عن سؤالهم عنه؛ مما يعطينا صورة واضحة عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي ومتانة بنائها وصفاء عناصرها ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة ولتكاليف الدعوة ولقيمة الأوامر الصادرة ولضرورة الطاعة؛ حتى إن التوبة لما نزلت ما تمالك صارخ أن يصرخ من الفجر بأعلى صوته على قمة الجبل مبشرًا كعب، فأروع ما في الأمر تمام الانضباط مع تمام العاطفة.

                وظل المخلفون يحفهم هذا الجو المكروب بالكربة واليأس والضيق لا مخرج منه إلا بالالتجاء إلى الله مفرج الكروب ثم يجيء الفرج بعد خمسين يومًا من الضيق فينزل الوحي بآيات بينات: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم" [التوبة: 118].

                كيف تلقى المخلفون الثلاثة أمر نزول توبتهم؟

                يحكي كعب بن مالك عن ذلك فيقول: "... فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، وذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسًا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه والله! ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة".

                إن توبة كعب وصاحبيه وما حملت في آفاقها من معاني السمو والاعتراف بالخطأ -الذي هو من أعظم الشجاعة- وتعاليهم عن الدنيا التي تتراقص لهم بدعوة ملك غسان لكعب، بل الصبر على عقوبة الله تعالى -علامة على الوفاء منهم لدعوتهم ووفاء لا يعدو عليه تلون ولا غدر- والصبر هنا ليس يومًا أو يومين، بل خمسين ليلة على هذا الحال، منها عشر ليال بمقاطعة زوجاتهم لهم إلى أن جاءهم الفرج.

                ضوابط المقاطعة التربوية

                فإذا علمنا أن المخلفين الثلاثة من الطبقة الثالثة في المجتمع؛ حيث يسبقهم:

                أ- السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.

                ب- البكاؤون الذين لا يجدون ما يحملهم.

                فإذا كان هذا هو مستوى الطبقة الثالثة في الصدق والولاء لله ولرسوله والالتزام في تنفيذ أشد العقوبات عليهم واستعدادهم لطلاق زوجاتهم أدركنا ذلك المستوى الإيماني التربوي الرفيع للمجتمع المسلم آنذاك.

                وقد خرج المخلفون من محنتهم أقوى إيمانًا وأصفى روحًا وأكرم أخلاقًا، وصفة أخرى في المخلفين أثناء محنتهم أن الله حاضر في ضمائرهم مع خطئهم، ومراقبة الله أقوى، وتقوى الله أعمق، والرجاء في الله أوثق.

                مع وجوب ملاحظة أن تطبيق هذه المقاطعة التربوية، وهذا الهجر التقويمي يجب أن يكون مع:

                1- مجتمع قوي مترابط راسخ الإيمان شديد الانضباط.

                2- أفراد مؤمنين ملتزمين يؤمن عليهم من الوقوع في الفتنة.

                3- قيادة حكيمة في أسلوبها بصيرة بهدفها حازمة في تطبيق قراراتها.

                وتمضي قصة المخلفين عبرة للمجتمع الإسلامي عبر الزمان والمكان تحكي أسلوبًا من أساليب الإسلام -هو المقاطعة التربوية- تجاه الأخطاء التي تقع؛ فتقوِّم المعوج، وتصحح للمخطئ، فنتعلم منها كيف نتربى ونربي

                منقول
                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                تعليق

                • عبدالغفور الخطيب
                  عضو متميز

                  • Nov 2004
                  • 2698

                  #188
                  مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                  الجراح الحكمي.. القائد الزاهد
                  (في ذكرى وفاته: 30 رمضان 112هـ)



                  انتشر الإسلام في شرق العالم الإسلامي على يد قواد أكفاء، أبلوا في سبيل نشر هذا الدين بلاء حسنا، ولم ينظروا في ذلك موقعهم من القيادة، فإذا كانوا قوادا فنعم القواد، وإذا عُزلوا عن القيادة واصطفوا مع الجنود فنعم الأجناد والأعوان للقواد. ومن هؤلاء القواد الذين كان لهم باع في هذه الفتوحات: أبو عقبة الجَرّاح بن عبد الله الحَكَمِيّ، الذي يقول عنه الذهبي: إنه مقدم الجيوش، فارس الكتائب، كان بطلا شجاعا مهيبا، عابدا، قارئا، كبير القدر.

                  اسمه ونسبه

                  هو أبو عقبة الجراح بن عبد الله الحكمي، ولد فى دمشق، وكان يلقب ببطل الإسلام، وفارس أهل الشام، والأمير الفاتح. ينسب إلى قبيلة بني الحَكَم أشهر وأعظم قبيلة قحطانية من (مَذْحِج)، وتعتبر قبيلة (حكم) من أقدم القبائل وأشجعها وأكرمها وأطهرها نسبا، وكانوا من آلاف السنين ذوي قوة وبأس، وأسسوا الكثير من الدول.

                  وقد انقسمت القبيلة إلى مِخْلاف وحَكَم، وظلوا كذلك حتى صدر الإسلام، حيث توحدوا بعد عبد الجد الحكمي الذي بايع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في السنة العاشرة هجريا، وكان توحدهما على يد سليمان بن طرف الحكمي.

                  وقد اشتهرت هذه القبيلة بكون رجالها من علماء الدين، وكانوا على المذهب الشافعي. وتوجد أعداد كبيرة من قبيلة حكم في بلاد فارس، وإلى هذا الفرع ينتمي الجراح الحكمي.

                  ومن أعلام هذه القبيلة الفارس عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وفروة بن مسيك المرادي الذي ولاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدقات مذحج، ومحميــة بن جزء الزبيدي الذي ولاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأخماس والغنائم يوم بدر، وعمار بن ياسر العنسي وأسرته من أوائل المؤمنين برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مكة.

                  الولايات والفتوح

                  لمّا تولى الحجاج بن يوسف الثقفي العراق جعله نائبا عنه على البصرة (سنة 75هـ), ثم ولاه عمر بن عبد العزيز على خراسان وسجستان سنة (99هـ= 717م), ثم عزله عمر بن عبد العزيز عن إمرة خراسان.

                  ولما تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة سنة (101هـ= 719م) خلفا لعمر بن عبدالعزيز, ولاه على أرمينية وأذربيجان, فانصرف إليها بجيش كثيف وغزا الخزر وغيرها وافتتح حصن (بلنجر) وحصونا أخرى.

                  وحين تولى الخلافة هشام بن عبد الملك عزله عنهما ثم أعاده سنة (111هـ= 720م) أميرا عليهما, فانصرف إلى الغزو, وغزا الخزر ونشبت بينه وبينهم معركة ضارية قرب مدينة (أردبيل) فاستشهد فيها، فولي هشام مكانه سعيدا الحرشي.

                  لماذا العزل؟

                  كان فى عزل عمر بن عبد العزيز للجراح عبد الله الحكمي دليل على سماحة الإسلام مع غيره من أصحاب الديانات الأخرى، ومن الأمور ذات الدلالة فى هذا السياق أن بعض ولاة الأمويين لم يرحبوا كثيرا باعتناق هؤلاء للإسلام حين لمسوا ما ترتب على ذلك من انخفاض مقدار الجزية التى كانوا يحصلونها منهم بوصفهم ذميين؛ ومن ثم اتخذ بعض ولاة الأمويين قرارا خطيرا وهو الاستمرار فى فرض الجزية على من أسلم، وهو قرار يتصادم تماما مع تعاليم الإسلام، فلا عجب أن يكون مثار شكوى مريرة من الموالي.

                  ومما يسجله التاريخ لعمر بن عبد العزيز فى هذا الصدد أنه أمر ولاته بإيقاف هذا الإجراء، وكان سبب عزل الجراح عبد الله الحكمى أنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار، ويقول: أنتم إنما تسلمون فرارا منها؛ فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدوا الجزية، فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدا داعيا ولم يبعثه جابيا.

                  وركز عمر بن عبد العزيز جهوده على الدعوة إلى الإسلام بالحكمة واللين وحث ولاته على اتباع هذا الأسلوب.

                  وقد أسلم على يد الجراح بن عبد الله الحكمى أربعة آلاف من أهل خراسان. وكان يقول: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع.

                  وفاته

                  وفي خلافة هشام بن عبد الملك، استشهد في (30 من رمضان 112هـ= 18 من ديسمبر 730م) في قتال الخرز؛ حيث اقتتلوا قتالا شديدا وغلبت الخرز على أذربيجان، وبلغوا إلى قريب الموصل، يقول الواقدي: كان البلاء بمقتل الجراح الحكمي على المسلمين عظيما, فبكوا عليه في كل جند

                  منقول
                  [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                  تعليق

                  • عبدالغفور الخطيب
                    عضو متميز

                    • Nov 2004
                    • 2698

                    #189
                    مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                    سقوط قرطبة.. تآمر العدو والصديق

                    (في ذكرى سقوطها: 23 من شوال 633هـ)


                    على أنقاض دولة الموحدين التي انفكت عراها بعد هزيمتهم المدوية في معركة العقاب في (15 من صفر 609هـ= 16 من يوليو 1212م) المعروفة أمام الجيوش الإسبانية والأوروبية المتحالفة – نجح محمد بن يوسف بن هود في أن يقيم دولة كبيرة ضمت قواعد الأندلس الكبرى، مثل: إشبيلية حاضرة الحكم الموحدي، وشاطبة، وجيان، وغرناطة، ومالقة، وألمرية، وأصبح بعد هذا النجاح زعيم الأندلس وقائد حركة تحريرها والدفاع عنها أمام أطماع النصارى التي ليس لها حد؛ ولذلك دخل في معارك معهم أصابه التوفيق في بعضها، وحلّت به الهزيمة في بعضها الآخر.

                    ومحمد بن يوسف بن هود كان قبل أن يظهر أمره من أجناد "مرسية" ومن بيت عريق في الزعامة والرياسة، فهو سليل بني هود ملوك سرقسطة أيام حكم الطوائف، استطاع أن يجمع حوله الأتباع والأنصار، وأن يحارب بهم دولة الموحدين، وكانت تمر بظروف حرجة فلم تقو على الوقوف أمامه، فتساقطت مدنها في يده بعدما اشتد أمره وذاع ذكره.

                    التبعية للدولة العباسية

                    رأى ابن هود منذ أن استفحل أمره أن ينطوي تحت الخلافة العباسية في بغداد، ويستظل بظلها، وأن يتشح بثوب من الشرعية في انتحال الولاية، ويستقوي بها في محاربة خصومه؛ فرفع الشعار الأسود شعار العباسيين، ودعا للخليفة المستنصر بالله العباسي، وبعث إليه في بغداد يطلب منه مرسومًا بولايته على الأندلس، فبعث به إليه ومعه الخلع والرايات، واستقبل ابن هود مبعوث الخليفة سنة (630هـ= 1233م) وكان يومئذ بغرناطة.

                    فقرئ المرسوم على الناس، وجاء فيه أن الخليفة قلده "أمر جزيرة الأندلس وما يجري معها من الولايات والبلاد، ويسوغه ما يفتتحه من ممالك أهل الشرك والعناد تقليدًا صحيحًا شرعيًا، ثم يقدم له الخليفة بعض النصائح تتضمن التمسك بتقوى الله، والتزام كتابه وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن يكثر من مجالسة الفقهاء والعلماء، ومشاورة العقلاء الألباب، وأن يحسن السيرة في الرعية وأن يُعنى بمجاهدة الكفار.

                    وبهذا المرسوم صار ابن هود أمير الأندلس الشرعي، وكان ملكه يومئذ يمتد في شرقي الأندلس من الجزيرة وشاطبة حتى ألمرية جنوبًا، وفي وسط الأندلس فيما بين قرطبة وغرناطة، ولم يخرج عن سلطانه سوى عدد قليل من قواعد الأندلس الكبرى.

                    صراع ومنافسة

                    ولم يكن ابن هود منفردًا بحكم الأندلس، ولم تتحد قواعدها الكبرى تحت سلطانه فقد نافسه في شرقي الأندلس "أبو جميل زيان بن مردنيش" وكانت بلنسية تحت يده. وفي وسط الأندلس وجنوبها نافسه "محمد بن يوسف الأحمر" وكان زعيمًا شجاعًا مقدامًا، أهلته ملكاته ومواهبه أن يشتد أمره ويضع يده على "جيان" وما حولها، وأن يتطلع إلى أن يبسط سلطانه على قواعد الأندلس في الجنوب.

                    واستشعر ابن هود بقوة منافسه ابن الأحمر وتوجس منه خيفة ومن تطلعاته الطموحة، فشاء أن يقضي على آمال خصمه قبل أن تتحول إلى حقيقة ويعجز هو عن إيقاف مده والقضاء على خطره، فلجأ إلى السيف لتحقيق ما يتمنى، ولم يكن خصمه القوي في غفلة عما يدبر له، فاستعد ليوم اللقاء، وعقد حلفًا مع "أبي مروان أحمد الباجي" القائم على إشبيلية التي خرجت من سلطان ابن هود.

                    وكان مما لا بد منه، والتقى الفريقان على مقربة من إشبيلية في معركة حامية في سنة (631هـ=1233م)، وانتصر الحليفان على غريمهما ابن هود، ودخل ابن الأحمر إشبيلية بعد ذلك، وهو يضمر في نفسه التخلص من حليفه الباجي، فدس له من يقتله، وحاول أن يبسط يده على إشبيلية فلم يتمكن، وثار عليه أهلها، وأخرجوه منها بعدما علموا بفعلته مع زعيمهم أبي مروان الباجي، وأرسلوا إلى ابن هود يسلمون له مدينتهم لتكون تحت حكمه وسلطانه.

                    الرجوع إلى الحق

                    وحدث ما لم يكن متوقعًا، فقد حل السلم والصلح بين الزعيمين المتخاصمين، ولعلهما أدركا خطر الحرب بينهما واستنزاف الأموال والدماء في معارك لن يستفيد منها سوى عدوهما المشترك ملك قشتالة، فغلّبا صوت العقل وخلق الأخوة على التنافس البغيض، وعقدا الصلح في (شوال 631هـ= يونيو 1234م)، واتفقا على أن يقر ابن الأحمر بطاعة ابن هود على أن يقره الأخير على ولايتي أرجونة وجيان.

                    وفي هذه الفترة لم يكن فرناندو الثالث يكف عن شن غزواته وحروبه، ولا يهدأ في إرسال جيوشه تعبث في الأرض فسادًا. وكان ابن هود يرده في كل مرة بعقد اتفاقية وهدنة، ويدفع له إتاوة عالية، وينزل له عن بعض الحصون، وكان فرناندو يهدف من وراء غزواته المتتالية أن يرهق المسلمين ويستولي على حصونهم، حتى تأتي الفرصة المواتية فينقض على قرطبة تلك الحاضرة العظيمة ذات المجد الأثيل ويستولي عليها.

                    ولم تكن المدينة العظيمة في أحسن حالتها، تضطرب الأمور فيها اضطرابًا، تميل مرة إلى ابن الأحمر، ومرة أخرى إلى ابن هود، لا تتفق على رأي، ولا تسلم زمامها لمن يستحق وتمكنه قدرته وكفاءته من النهوض بها، وتفتك الخصومات والأحقاد بها، ويبدو أن الملك القشتالي كان على علم بعورات المدينة، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها.

                    غزو قرطبة

                    وأواخر (ربيع الآخر 633هـ= 1236م) خرج جماعة من فرسان قشتالة المغامرين صوب قرطبة، واحتموا بظلام الليل وخيانة البعض ونجحوا في الاستيلاء على منطقة من مناطق المدينة تعرف بالربض الشرقي، وكانت قليلة السكان، ضعيفة الحراسة، وقتلوا كثيرًا من سكانها، وفر الباقون إلى داخل المدينة، وبعدما زالت المفاجأة جاءت حامية المدينة وهاجموا هؤلاء الغزاة الذين تحصنوا بالأبراج، وبعثوا في طلب النجدة والإمداد، فجاءتهم نجدة صغيرة من إخوانهم النصارى، وتحرك فرناندو على الفور صوب قرطبة، غير ملتزم بالمعاهدة التي عقدها مع ابن هود الذي تتبعه المدينة، وبدأت تتجمع قوات من النصارى تحت أسوار المدينة ويزداد عددها يومًا بعد يوم، وتتوقد قلوبهم حماسة وحمية، وبدأ الملك يضع خطته للاستيلاء على المدينة العظيمة.

                    موقف ابن هود

                    تطلع القرطبيون في هذه اللحظات الحرجة إلى ابن هود لإنجادهم والدفاع عن مدينتهم باعتباره حاكم المدينة الشرعي، فاستجاب لهم حين علم بالخطر الداهم الذي يحيط بالمدينة العريقة، وخرج في جيش كبير من بلنسية إلى قرطبة، وعسكر على مقربة منهم، وكان أهل قرطبة ينتظرون مقدمه واشتباكه مع النصارى في موقعة فاصلة، وبدلاً من أن يفعل ذلك ظل واقفًا في مكانه لا يحرك ساكنًا، ولا يتحرش بهم، ولو أنه اشتبك معهم لحقق نصرًا هائلاً وألحق بهم هزيمة كبيرة، فحشودهم لم تكن ذات شأن، جمعتها الحماسة والحمية، وفرسانهم لم يكن يتجاوزا المائتين.

                    ويختلف المؤرخون في السبب الذي جعل ابن هود يقف هذا الموقف المخزي، وهو الذي ملأ الأندلس كلامًا بأنه سيعمل على تحرير الأندلس من عدوان النصارى، وعلى إحياء الشريعة وسننها. يذهب بعض المؤرخين إلى أن قسوة الجو وهطول الأمطار بشدة ونقصان المؤن هو الذي حمل ابن هود على اتخاذ هذا الموقف.

                    وتذهب بعض الروايات أن أحد رجال ابن هود وكان مسيحيًا قشتاليًا خدعه وأوهمه بأن الملك في أعداد هائلة من جيشه، مجهزة بأقوى الأسلحة وأفتكها، وأنه لا يأمل أن يتحقق النصر على جيش مثل هذا، فانخدع له ابن هود وتخلى عن نجدة أهل قرطبة، وأيًا كانت الأسباب التي يلتمسها المؤرخون لموقف ابن هود فإن ذلك لن يغير من الحقيقة شيئًا، وهو أن ابن هود ترك قرطبة دون أن ينجدها ويضرب القوات التي تحاصرها، ولم يكن عاجزًا أو ضعيفًا، فقواته كانت تتجاوز خمسة وثلاثين ألف جندي، لكنه لم يفعل.

                    سقوط قرطبة


                    لم يعد أمام قرطبة بعد أن تركها ابن هود تلقى مصيرها سوى الصمود ومدافعة الحصار الذي ضربه حولها فرناندو الثالث، الذي قطع عنها كل اتصال عن طريق البر أو عن طريق نهر الوادي الكبير؛ فانقطعت عنها المؤن والإمدادات وكل ما يجعلها تقوى على الصمود، وظل هذا الوضع قائمًا حتى نفدت موارد المدينة المنكوبة ونضبت خزائنها، واضطر زعماء المدينة إلى طلب التسليم على أن يخرجوا آمنين بأموالهم وأنفسهم، فوافق الملك على هذا الشرط.

                    وفي أثناء المفاوضات علم أهل قرطبة أن الجيش القشتالي يعاني من نقص المؤن مثلما يعانون، فابتسم الأمل في نفوسهم، فتراجعوا عن طلب تسليم المدينة أملاً في أن يدفع نقص المؤن الجيش القشتالي على الرحيل ورفع الحصار، لكن أملهم قد تبدد بعد أن تحالف ملك قشتالة مع ابن الأحمر أمير جيان، فتآمر عليهم العدو والصديق، ولم يجدوا بدًا من التسليم ثانية بعد أن تعاونت الخيانة مع ضياع المروءة والشرف في هذا المصير المحتوم.

                    وأغرى هذا الموقف المخزي بعض القساوسة الغلاة في أن يصر الملك على فتح المدينة بالسيف وقتل من فيها، لكن الملك رفض هذا الرأي خشية أن يدفع اليأس بأهل قرطبة إلى الصبر والصمود وتخريب المدينة العامرة وكانت درة قواعد الأندلس، فآثر الموافقة على التسليم.

                    وفي يوم حزين وافق (الثالث والعشرين من شهر شوال 633هـ= 29 من يونيو 1236م) دخل القشتاليون المدينة التليدة، ورُفع الصليب على قمة صومعة جامعها الأعظم، وصمت الأذان الذي كان يتردد في سماء المدينة أكثر من خمسة قرون، وحُوّل المسجد في الحال إلى كنيسة، وفي اليوم التالي دخل فرناندو قرطبة في كوكبة من جنوده وأتباعه، وهو لا يصدق أن ما يحلم به قد تحقق، لا بقدرته وكفاءته وإنما بتنازع المسلمين وتفرقهم، ووطئت أقدامه عاصمة الخلافة في الأندلس لا بشجاعة جنوده وبسالتهم وإنما بجبن قادة المسلمين وحكامهم.. وهكذا سقطت المدينة التليدة التي كانت يومًا ما مركز الحكم، ومثوى العلوم والأدب، ومفخرة المسلمين..


                    منقول
                    [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                    تعليق

                    • عبدالغفور الخطيب
                      عضو متميز

                      • Nov 2004
                      • 2698

                      #190
                      مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                      ميسلون.. معركة الشرف العسكري والكرامة

                      (في ذكرى نشوبها: 8 من ذي القعدة 1338هـ)



                      اجتمع المؤتمر السوري في (16 من جمادى الآخرة 1338هـ= 8 من مارس 1920م)، واتخذ عدة قرارات تاريخية تنص على إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية استقلالا تاما بما فيها فلسطين، ورفض ادعاء الصهيونية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وإنشاء حكومة مسئولة أمام المؤتمر الذي هو مجلس نيابي، وكان يضم ممثلين انتخبهم الشعب في سوريا ولبنان وفلسطين، وتنصيب الأمير فيصل ملكًا على البلاد. واستقبلت الجماهير المحتشدة في ساحة الشهداء هذه القرارات بكل حماس بالغ وفرحة طاغية باعتبارها محققة لآمالهم ونضالهم من أجل التحرر والاستقلال.

                      وتشكلت الحكومة برئاسة رضا باشا الركابي، وضمت سبعة من الوزراء من بينهم فارس الخوري وساطع الحصري، ولم يعد فيصل في هذا العهد الجديد المسئول الأول عن السياسة، بل أصبح ذلك منوطًا بوزارة مسئولة أمام المؤتمر السوري، وتشكلت لجنة لوضع الدستور برئاسة هاشم الأتاسي، فوضعت مشروع دستور من 148 مادة على غرار الدساتير العربية، وبدأت الأمور تجري في اتجاه يدعو إلى التفاؤل ويزيد من الثقة.

                      مؤتمر سان ريمو

                      غير أن هذه الخطوة الإصلاحية في تاريخ البلاد لم تجد قبولا واستحسانًا من الحلفاء، ورفضت الحكومتان: البريطانية والفرنسية قرارات المؤتمر في دمشق، واعتبرت فيصل أميرًا هاشميًا لا يزال يدير البلاد بصفته قائدًا للجيوش الحليفة لا ملكًا على دولة. ودعته إلى السفر إلى أوروبا لعرض قضية بلاده؛ لأن تقرير مصير الأجزاء العربية لا يزال بيد مؤتمر السلم.

                      وجاءت قرارات مؤتمر السلم المنعقد في "سان ريمو" الإيطالية في (6 من شعبان 1338هـ= 25 من إبريل 1920م) مخيبة لآمال العرب؛ فقد قرر الحلفاء استقلال سوريا تحت الانتداب الفرنسي، واستقلال العراق تحت الانتداب البريطاني، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكان ذلك سعيًا لتحقيق وعد بلفور لليهود فيها. ولم يكن قرار الانتداب في سان ريمو إلا تطبيقًا لاتفاقية سايكس ـ بيكو المشهورة، وإصرارا قويا من فرنسا على احتلال سوريا.

                      وكان قرار المؤتمر ضربة شديدة لآمال الشعب في استقلال سوريا ووحدتها، فقامت المظاهرات والاحتجاجات، واشتعلت النفوس بالثورة، وأجمع الناس على رفض ما جاء بالمؤتمر من قرارات، وكثرت الاجتماعات بين زعماء الأمة والملك فيصل، وأبلغوه تصميم الشعب على مقاومة كل اعتداء على حدود البلاد واستقلالها.

                      رفض فيصل قرارات المؤتمر

                      وتحت تأثير الضغط الوطني وازدياد السخط الشعبي، رفض فيصل بدوره قرارات مؤتمر سان ريمو، وبعث إلى بريطانيا وفرنسا برفضه هذا؛ لأن هذه القرارات جاءت مخالفة لأماني الشعب في الوحدة السورية والاستقلال، ولفصلها فلسطين عن سوريا، ورفض الذهاب إلى أوروبا لعرض قضية بلاده أمام مؤتمر السلم ما لم تتحقق شروطه في الاعتراف باستقلال سوريا بما فيها فلسطين، ودارت مراسلات كثيرة بينه وبين الدولتين بخصوص هذا الشأن، لمحاولة الخروج من المأزق الصعب الذي وضعته فيه قرارات مؤتمر سان ريمو، غير أن محاولاته تكسرت أمام إصرار الدولتين على تطبيق ما جاء في المؤتمر.

                      وفي أثناء ذلك تشكلت حكومة جديدة برئاسة هاشم الأتاسي في (14 من شعبان 1338هـ= 3 من مايو 1920م) ودخلها وزيران جديدان من أشد الناس مطالبة بالمقاومة ضد الاحتلال، هما: يوسف العظمة، وعبد الرحمن الشهبندر، وقدمت الوزارة الجديدة بيانها الذي تضمن تأييد الاستقلال التام، والمطالبة بوحدة سوريا بحدودها الطبيعة، ورفض كل تدخل يمس السيادة القومية. واتخذت الوزارة إجراءات دفاعية لحماية البلاد، ووسعت نطاق التجنيد بين أبناء الشعب استعدادًا للدفاع عن الوطن.

                      الإنذار الفرنسي

                      كان من نتيجة إصرار القوى الوطنية السورية على رفض قرارات مؤتمر سان ريمو أن اتخذت فرنسا قرارًا بإعداد حملة عسكرية وإرسالها إلى بيروت؛ استعدادًا لبسط حكمها على سوريا الداخلية مهما كلفها الأمر، وساعدها على الإقدام أنها ضمنت عدم معارضة الحكومة البريطانية على أعمالها في سوريا، وكانت أخبار الحشود العسكرية على حدود المنطقة الشرقية في زحلة وقرب حلب تتوالى، ثم لم يلبث أن وجه الجنرال "غورو" قائد الحملة الفرنسية الإنذار الشهير إلى الحكومة العربية بدمشق في (27 من شوال 1338هـ= 14 من يوليو 1920م) يطلب فيه: قبول الانتداب الفرنسي، وتسريح الجيش السوري، والموافقة على احتلال القوات الفرنسية لمحطات سكك الحديد في رياق وحمص وحلب وحماه.

                      وطلب الجنرال قبول هذه الشروط جملة أو رفضها جملة، وحدد مهلة لإنذاره تنتهي بعد أربعة أيام، فإذا قبل فيصل بهذه الشروط فعليه أن ينتهي من تنفيذها كلها قبل (15 من ذي القعدة 1338هـ= 31 من يوليو 1920م) عند منتصف الليل، وإذا لم يقبل فإن العاقبة لن تقع على فرنسا، وتتحمل حكومة دمشق مسئولية ما سيقع عليها.

                      ولما سمع الناس بخبر هذا الإنذار، اشتعلت حماستهم وتفجرت غضبًا، وأقبلوا على التطوع، فامتلأت بهم الثكنات العسكرية، واشتد إقبال الناس على شراء الأسلحة والذخائر، وأسرعت الأحياء في تنظيم قوات محلية للحفاظ على الأمن.

                      قبول فيصل بالإنذار

                      اجتمع الملك فيصل بمجلس الوزراء في (29 من شوال 1338 هـ= 16 من يوليو 1920م) لبحث الإنذار، ووضع الخطة الواجب اتباعها قبل انقضاء مهلته، وكان رأي يوسف العظمة وزير الدفاع أنه يوجد لدى الجيش من العتاد والذخيرة ما يمكنه من مقاومة الفرنسيين لكنها لم تكن كافية للصمود طويلا أمام الجيش الفرنسي البالغ العدد والعتاد، واتجه رأي الأغلبية عدا العظمة إلى قبول الإنذار الفرنسي، وبقي أمام فيصل أخذ موافقة أعضاء المؤتمر السوري على قبول الإنذار؛ فاجتمع بهم في قصره، لكن الاجتماع لم يصل إلى قرار، فاجتمع الملك فيصل مع مجلس وزرائه ثانية وأعلنوا جميعًا قبولهم الإنذار، وبدأت الحكومة في تسريح الجيش دون خطة أو نظام، فخرج الجنود من ثكناتهم بعد أن تلقوا الأوامر بتسريحهم ومعهم أسلحتهم، واختلطوا بالجماهير المحتشدة الغاضبة من قبول الحكومة بالإنذار، فاشتدت المظاهرات وعلت صياحات الجماهير، وعجزت الشرطة عن الإمساك بزمام الأمور.

                      معركة ميسلون

                      وفي ظل هذه الأجواء المضطربة وصلت الأخبار إلى دمشق بتقدم الجيش الفرنسي، بقيادة غورو في (5 من ذي القعدة 1338هـ= 21 من يوليو 1920م) نحو دمشق بعد انسحاب الجيش العربي، محتجًا بأن البرقية التي أرسلها فيصل بقبوله الإنذار لم تصل بسبب انقطاع أسلاك البرق من قبل العصابات السورية، وإزاء هذه الأحداث وافق الملك فيصل على وقف تسريح الجيش، وأعيدت القوات المنسحبة إلى مراكز جديدة مقابل الجيش الفرنسي، وأرسل إلى غورو يطلب منه أن يوقف جيشه حتى يرسل له مندوبًا للتفاهم معه حقنًا للدماء، لكن هذه المحاولة فشلت في إقناع الجنرال المغرور الذي قدم شروطًا جديدة تمتهن الكرامة العربية والشرف الوطني حتى يبقى الجيش الفرنسي في مكانه دون تقدم، وكان من بين هذه الشروط تسليم الجنود المسرّحين أسلحتهم إلى المستودعات، وينزع السلاح من الأهالي.

                      رفضت الوزارة شروط غورو الجديدة، وتقدم يوسف العظمة لقيادة الجيش السوري دفاعًا عن الوطن، في الوقت الذي زحف فيه الجيش الفرنسي نحو خان ميسلون بحجة توفر الماء في المنطقة، وارتباطها بالسكك الحديدية بطريق صالح للعجلات، وأصبح على قرب 25 كم من دمشق.

                      وفي هذه الأثناء كانت المظاهرات لا تزال تملأ دمشق تنادي بإعلان الجهاد ضد الفرنسيين، وأصدر فيصل منشورا يحض الناس على الدفاع بعد أن فشلت كل المحاولات لإقناع الفرنسي عن التوقف بجيشه.

                      خرج يوسف العظمة بحوالي 4000 جندي يتبعهم مثلهم أو أقل قليلا من المتطوعين إلى ميسلون، ولم تضم قواته دبابات أو طائرات أو تجهيزات ثقيلة، واشتبك مع القوات الفرنسية في صباح يوم (8 من ذي القعدة 1338هـ=24 من يوليو 1920م) في معركة غير متكافئة، دامت ساعات، اشتركت فيها الطائرات الفرنسية والدبابات والمدافع الثقيلة.

                      وتمكن الفرنسيون من تحقيق النصر؛ نظرًا لكثرة عددهم وقوة تسليحهم، وفشلت الخطة التي وضعها العظمة، فلم تنفجر الألغام التي وضعها لتعطيل زحف القوات الفرنسية، وتأخرت عملية مباغتة الفرنسيين، ونفدت ذخائر الأسلحة.

                      وعلى الرغم من ذلك فقد استبسل المجاهدون في الدفاع واستشهد العظمة في معركة الكرامة التي كانت نتيجتها متوقعة خاضها دفاعًا عن شرفه العسكري وشرف بلاده، فانتهت حياته وحياة الدولة التي تولى الدفاع عنها.

                      ولم يبق أمام الجيش الفرنسي ما يحول دون احتلال دمشق في اليوم نفسه، لكنه القائد المعجب بنصره آثر أن يدخل دمشق في اليوم الثاني محيطًا نفسه بأكاليل النصر وسط جنوده وحشوده.

                      منقول
                      [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                      تعليق

                      • عبدالغفور الخطيب
                        عضو متميز

                        • Nov 2004
                        • 2698

                        #191
                        مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                        جلولاء.. حنث مَن حلفوا بالنار

                        (في ذكرى وقوعها: 12 من ذي القعدة 16هـ)



                        لما سار كسرى (يزدجرد بن شهريار) من المدائن هاربًا إلى حلوان(مدينة من مدن الجبل على مقربة من خانقين) شرع في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، وجم غفير من الفرس، وأمر على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان، وأقاموا في جلولاء واحتفروا خندقا عظيما حولها، واستعدوا لملاقاة المسلمين.

                        كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر يخبره بذلك، فكتب إليه عمر، أن يقيم هو بالمدائن، ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميرًا على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك، وعلى الميسرة أخوه عمرو بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهني.

                        ففعل سعد ذلك، وبعث مع ابن أخيه جيشًا كثيفًا يقارب اثني عشر ألفا، من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار، ورءوس العرب.

                        وبعد فراغهم من أمر المدائن ساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد أحاطوا أنفسهم بالخنادق، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت، فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله. وجعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، وكذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه، مرة بعد أخرى. وحمى القتال، واشتد النزال، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحرضهم على القتال، والتوكل على الله.

                        وتعاقدت الفرس وتعاهدت، وحلفوا بالنار أن لا يفروا أبدا حتى يفنوا العرب. فلما كان الموقف الأخير، وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله، حتى فنى النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف والطبرزنيات. وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماء، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم إنا كالون وهم مريحون. فقال: بل إنا حاملون عليهم، ومجدون في طلبهم حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم. فحمل وحمل الناس.

                        لذلك سُميت جلولاء

                        فأما القعقاع فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه، وجالت بقية الأبطال بمن معهم في الناس، وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل، وفي الأبطال يومئذ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، وقيس بن مكشوح، وحجر بن عدي، ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادي: أين أيها المسلمون! هذا أميركم على باب خندقهم. فلما سمع ذلك المجوس فروا، وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو، فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم، وهربت الفرس كل مهرب، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف، حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء . وغنموا من الأموال والسلاح والذهب والفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها.

                        وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزما، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمر منهزما، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دواب كثيرة جدا. ثم بعث هاشم بالغنائم والأموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص، فنفل سعد ذوي النجدة، ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين.

                        الخطيب المصقع

                        وكان المال المتحصل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف(30 مليونا)، وكان الذي ولي قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله سلمان بن ربيعة (رضي الله عنه). ثم بعث بالأخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان، وقضاعي بن عمرو، وأبي مفزر الأسود. فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة، فذكرها له، وكان زياد فصيحا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وأحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة، فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المصقع. يعني الفصيح. فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا.

                        جاءت الدنيا فبكى عمر

                        ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الذي جاءوا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعدما صلى الغداة وطلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر. فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قومًا إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. ثم قسمه كما قسم أموال القادسية.

                        منقول
                        [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                        تعليق

                        • عبدالغفور الخطيب
                          عضو متميز

                          • Nov 2004
                          • 2698

                          #192
                          مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                          ابن الهيثم.. عبقري في ثوب الجنون

                          (في ذكرى وفاته 14 ذي القعدة 430 هـ )




                          بحث فلاسفة اليونان القدماء وعلماؤها في علم الضوء، ولم تكن بحوثهم وافية أو عميقة، فذهب إقليدس في بحوثه إلى أن العين تحدث في الجسم الشفاف المتوسط بينها وبين المبصرات شعاعًا ينبعث منها، وأن الأشياء التي يقع عليها هذا الشعاع تُبْصَر، والتي لا يقع عليها لا تبصر، وأن الأشياء التي تبصر من زاوية كبيرة تُرى كبيرة، والتي تبصر من زاوية صغيرة ترى صغيرة، وظلت البحوث في علم الضوء تدور في هذا الفلك دون تقدم أو رقي، حتى جاء الحسن بن الهيثم فصحح هذه الأخطاء، وخطى بعلم الضوء خطوات واسعة، بلغ فيه ما لم يبلغه من قبل، ولم يتجاوزه من بعده إلا بعد مضي قرون عديدة.

                          وعلى الرغم من مكانة ابن الهيثم وبحوثه المبتكرة في علم الضوء، فقد ظل مغمورًا، لا يعرفه كثير من الناس، ولولا أن قيض الله له من يكشف عن جهوده ويجلي آثاره، لبقي في مجاهل النسيان، وكان العالم العربي مصطفى نظيف واحدًا من هؤلاء، فقد كتب عنه دراسة رائدة نشرتها جامعة القاهرة في مجلدين، بذل فيها جهدًا مضنيًا في قراءة مخطوطات ابن الهيثم ومئات المراجع، حتى خلص إلى حقيقة صادقة بأن ابن الهيثم هو واضع أسس علم الضوء بالمعنى الحديث.

                          وفي ذكرى وفاة مصطفى نظيف الذي سبق أن تناولنا حياته وجهوده العلمية في (23 من جمادى الآخرة) نعيد ذكرى الحسن بن الهيثم، بالحديث عنه؛ وفاء للرجلين وإحياء لماضٍ عظيم نحاول استلهامه في مسيرة حياتنا.

                          المولد والنشأة

                          في البصرة كان مولد أبي علي الحسن بن الهيثم سنة (354هـ= 965م)، وبها نشأ وتعلم، ولا يعرف شيء عن نشأته الأولى سوى أنه عاش في فترة مزدهرة، ظهر فيها أساطين العلم في الفلسفة والطب والكيمياء والرياضيات والفلك، فجذبته هذه العلوم فأقبل عليها بهمة لا تعرف الكلل وعزيمة لا يتطرق إليها وهن، فقرأ ما وقع تحت يديه من كتب المتقدمين والمتأخرين، ولم يكتفِ بالاطلاع عليها والقراءة فيها، وإنما عني بتخليصها ووضع مذكرات ورسائل في موضوعات تلك العلوم وظل مشتغلا بهذه العلوم، وبالتصنيف فيها فترة طويلة حتى ذاعت شهرته، وسمع بها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، فتاقت نفسه إلى الاستعانة به، وزاد من رغبته ما نمي إليه ما يقوله ابن الهيثم: "لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص"، وكان ابن الهيثم في هذه الفترة قد تجاوز الستين من عمره، اشتهر في العالم الإسلامي باعتباره عالمًا في الهندسة له فيها آراء واجتهادات.

                          في القاهرة

                          رغّب الحاكم إلى ابن الهيثم الحضور إلى مصر والاستقرار فيها، فلما وصل أكرمه، وطلب منه تنفيذ ما قاله بخصوص النيل، فذهب الحسن إلى أسوان ومعه جماعة من الصناع المحترفين في أعمال البناء ليستعين بهم على تنفيذ فكرته التي خطرت له، غير أنه لما عاين الموقع الذي اختاره لتنفيذ مشروعه وجده لا يصلح مع ما فكر فيه، وأن تنفيذه يكاد يكون مستحيلا، فبناء جسم على النيل في ذلك الوقت تفوق إمكانات عصره وفوق طاقة رجاله، فعاد الحسن بن الهيثم خجلا إلى القاهرة، واعتذر للخليفة الحاكم، فتظاهر بقبول عذره، وولاه بعض الدواوين، فتولاها ابن الهيثم رهبة لا رغبة، ولو أنصف الحاكم لجعله في زمرة من جمعهم من العلماء في دار الحكمة ولصرفه عن الوظيفة، فما كان لمثله أن يصلح لهذا العمل، وهو الذي اعتاد حياة البحث والدراسة.

                          غير أن توليه هذا المنصب لم يكن ليجعله في مأمن من نزوات الحاكم الطائشة، وهو متقلب المزاج، سريع البطش والعقاب، وخشي ابن الهيثم من هذه التقلبات، وفي الوقت نفسه لم يكن قادرًا على التخلي عن عمله والانسحاب منه؛ خوفًا من غدر الحاكم بأمر الله، فلم يجد وسيلة للتخلص مما فيه إلا ادعاء الجنون وإظهار البله والعته، فلما بلغ الحاكم ذلك عزله عن منصبه وصادر أمواله، وأمر بحبسه في منزله، وجعل عليه من يخدمه، وظل العالم النابه على هذه الحالة التعسة حتى تُوفي الحاكم بأمر الله، فعاد إلى الظهور والاشتغال بالعلم، واستوطن دارًا بالقرب من الجامع الأزهر، وأقام بالقاهرة مشتغلا بالعلم والتصنيف ونسخ الكتب القديمة حتى توفي سنة (430هـ= 1038م) تقريبًا.

                          نشاطه العلمي واكتشافاته

                          كان ابن الهيثم غزير التأليف متدفق الإنتاج في شتي أنواع المعرفة، فطرق الفلسفة والمنطق والطب والفلك والبصريات والرياضيات، مستحدثًا أنماطًا جديدة من الفكر العلمي الأصيل، وقد بلغ عدد مؤلفاته مائتي مؤلف بالإضافة للرسائل الفكرية والمقالات الأخرى، ويتعجب المرء: كيف اتسعت الحياة لرجل ليؤلف فيها كل هذه الكتب المتنوعة في فروع مختلفة من العلم، مع ما فيها من الدقة وغزارة العلم والتجديد والابتكار؟ لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

                          وقد ألف ابن الهيثم في البصريات ما يقرب من أربعة وعشرين موضوعًا ما بين كتاب ورسالة ومقالة، غير أن أكثر هذه الكتب قد فُقدت فيما فقد من تراثنا العلمي، وما بقي منها فقد ضمته مكتبات إستانبول ولندن وغيرهما، وقد سلم من الضياع كتابه العظيم "المناظر" الذي احتوى على نظريات مبتكرة في علم الضوء، وظل المرجع الرئيسي لهذا العلم حتى القرن السابع عشر الميلادي بعد ترجمته إلى اللاتينية.

                          والحسن بن الهيثم هو أول مَن بَيَّنَ خطأ نظرية إقليدس وغيره في أن شعاع الضوء ينبعث من العين ويقع على المبصَر، وقرر عكس هذه النظرية، في أن شعاع الضوء يخرج من الشيء المبصر ويقع على العين، واستدل بالتجربة والمشاهدة على أن امتداد شعاع الضوء يكون على خط مستقيم.

                          وعرف ابن الهيثم الأجسام الشفافة، وهي التي ينفذ منها الضوء ويدرك البصر ما وراءها كالهواء والماء، وبيّن أن الضوء إذا نفذ من وسط شفاف إلى آخر شفاف انعطف عن استقامته.

                          وبحث في انكسار الأشعة الضوئية عند نفاذها في الهواء المحيط بالكرة الأرضية، وبين أن كثافة الهواء في الطبقات السفلى أكبر منها في الطبقات العليا، وأن الهواء لا يمتد من غير نهاية، وإنما ينتهي عند ارتفاع معين، فإذا مر شعاع من الضوء خلال هذه الطبقات الهوائية المختلفة الكثافة فإنه ينكسر رويدًا رويدًا وينحني تدريجيًا نحو سطح الأرض، ويترتب على ذلك أن النجم أو الكوكب الذي ترقبه العين يظهر في موضع أقرب من موضعه الحقيقي، وأشار إلى الخطأ الذي ينشأ عن ذلك في الرصد وإلى وجوب تصحيحه.

                          وشرح الحسن بن الهيثم كيفية حدوث الرؤية، وبين في ذلك تركيب العين، وما يؤديه كل جزء من أجزائها من الأعمال، وقد عزى حدوث الرؤية إلى تكوّن صور المرئيات على ما نسميه الآن "شبكية العين" وانتقال التأثير الحاصل بوساطة العصب البصري، وعلل رؤية الشيء واحدًا على الرغم من النظر إليه بعينين اثنتين بوقوع الصورتين على جزأين متماثلين من الشبكية، وعالج موضوع العدسات وقوة تكبيرها. ويعد ما كتبه في هذا الموضوع ممهدًا لاستخدام العدسات لإصلاح عيوب العين.

                          وكان لهذه الجهود أثرها في تقدم ورقي علم الضوء ونيل تقدير العلماء، فوصفه جورج ساتون وهو من كبار مؤرخي العلم بقوله "هو أعظم عالم فيزيائي مسلم، وأحد كبار العلماء الذين بحثوا في البصريات في جميع العصور"، وقد تُرجمت بحوثه في البصريات إلى اللاتينية والإيطالية، فأفادت كبلر واعتمد عليها في بحوثه، وخلاصة القول أن ابن الهيثم جعل علم الضوء يتخذ صبغة جديدة، وينشأ نشأة أخرى غير نشأته الأولى، حتى أصبح أثره في علم الضوء يشبه تأثير نيوتن العام في علم الميكانيكا، فكانت المعلومات في علم الضوء قبل ابن الهيثم متفرقة لا يربطها رابط، فأعاد البحث فيها من جيد، واتجه في بحثه وجهة لم يسبقه إليها أحد من قبله، فأصلح الأخطاء وأتم النقص، وابتكر المستحدث من البحوث، وأضاف الجديد من الكشوف، واستطاع أو يؤلف من ذلك كله وحدة مترابطة الأجزاء، وأقام الأساس الذي انبنى عليه صرح علم الضوء.

                          وإلى جانب ذلك كانت له مساهماته في الهندسة، وله فيها ثمانية وخمسون مؤلفًا، تضم آراءه وبراهينه المبتكرة لمسائل تواترت عن إقليدس وأرشميدس بدون برهان أو في حاجة إلى شرح وإثبات. ويوجد في مكتبات العالم في القاهرة ولندن وباريس وإستانبول أكثر من واحد وعشرين مخطوطا لابن الهيثم في هذا التخصص، وفي الحساب والجبر والمقابلة ألّف ما لا يقل عن عشرة كتب، لا يوجد منها سوى مخطوطات قليلة في مكتبة عاطف بتركيا منها: حساب المعاملات، واستخراج مسألة عددية.

                          وفي الفلك أبدع ابن الهيثم وأسهم فيه بفاعلية حتى أُطلق عليه "بطليموس الثاني"، ولم يصلنا من تراث ابن الهيثم في الفلكيات إلا نحو سبع عشرة مقالة من أربعة وعشرين تأليفًا، تحدث فيها عن أبعاد الأجرام السماوية وأحجامها وكيفية رؤيتها وغير ذلك.

                          وله في الطب كتابان: أحدهما في "تقويم الصناعة الطبية" ضمّنه خلاصة ثلاثين كتابا قرأها لجالينوس، والآخر "مقالة في الرد على أبي الفرج عبد الله بن الطيب" لإبطال رأيه الذي يخالف فيه رأي جالينوس، وله أيضًا رسالة في تشريح العين وكيفية الإبصار.

                          انتقال أعماله إلى أوربا

                          وقد عني كمال الدين الفارسي ببحوث ابن الهيثم في البصريات ودرسها دراسة وافية وألف في ذلك كتابه المعروف "تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر"، وعن طريق هذا الكتاب عرفت أوروبا الكثير عن ابن الهيثم وأعماله وجهوده في علم الضوء، حيث نشر هذا الكتاب مترجمًا في مدينة بال بسويسرا سنة (980هـ= 1572)، وإن كان قد سبق نشره قبل اختراع الطباعة من قبل "جيرار دي كريمونا" أشهر المترجمين في إسبانيا، الذي اهتم بإنشاء أضخم مجموعة فلكية سنة (676هـ= 1277م) عن العلماء العرب، وهذه الكتب استفادت منها إسبانيا والبرتغال في رحلاتهما البحرية في المحيط الأطلنطي بفضل الأزياج الفلكية (الجداول الفلكية) والمعلومات الرياضية التي خلفها العلماء العرب.

                          وعن طريق هذه الترجمات لأعمال ابن الهيثم تأثر روجر بيكون وجون بيكام وفيتلو في بحوثهم، فكتاب جون بكان الموسوم بالمنظور ليس إلا اقتباسًا ناقصًا من كتاب ابن الهيثم في البصريات، وأما كتاب فيتلو الذي ألفه سنة (669هـ= 1270م) فمأخوذ في قسم كبير منه عن ابن الهيثم، ولا يتجاوز النتائج التي وصل إليها.


                          منقول
                          [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                          تعليق

                          • عبدالغفور الخطيب
                            عضو متميز

                            • Nov 2004
                            • 2698

                            #193
                            مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                            ابن النفيس.. الكاشف والمكشوف

                            (بمناسبة ذكرى وفاته: 21 من ذي القعدة 687هـ)




                            لم يأخذ الطبيب العربي "علاء الدين بن النفيس" حقه من الذيوع والشهرة مثل غيره من أطباء المسلمين النابهين، حتى جاء "محيي الدين التطاوي" وهو طبيب مصري كان يدرس في ألمانيا، فكشف عن جهود ابن النفيس في أطروحة علمية لنيل درجة الدكتوراه سنة (1343هـ = 1924) بعنوان: "الدموية الرئوية وفقًا للقرشي". وكان هذا الطبيب النابه قد اطّلع على المخطوطات العربية بمكتبة برلين، فعثر على مخطوطة لابن النفيس بعنوان: "شرح تشريح القانون" أي قانون ابن سينا، فعني بدراسة المخطوطة جيدًا، وبصاحبها، وكتب رسالته العلمية وقدمها لجامعة "فرايبورج" بألمانيا.

                            غير أن أساتذته والمشرفين على الرسالة أصابتهم الدهشة حين اطلعوا على ما فيها، ولم يصدقوا ما كتبه عن ثقة ويقين، فأرسلوا نسخة من الرسالة إلى الدكتور "مايرهوف" الطبيب المستشرق الألماني الذي كان إذ ذاك بالقاهرة، وطلبوا رأيه فيما كتبه هذا الباحث النابه، فلما قرأ الرسالة أيّد ما فيها، وأبلغ حقيقة ما كشفه من جهود ابن النفيس إلى المؤرخ "جورج سارتون" فنشر هذه الحقيقة في آخر جزء من كتابه المعروف "تاريخ العلم"، ثم بادر مايرهوف إلى البحث عن مخطوطات أخرى لابن النفيس وعن تراجم له، ونشر نتيجة بحوثه في عدة مقالات، ومنذ ذلك الحين بدأ الاهتمام بهذا العالم الكبير وإعادة اكتشافه.

                            ويعد علاء الدين واحدا من أعظم الأطباء الذين ظهروا على امتداد تاريخ الطب العربي الإسلامي، مثل أبي بكر الرازي، وابن سينا، والزهراوي. وهو صاحب كتاب "الشامل في الصناعة الطبية"، وهو أضخم موسوعة طبية يكتبها شخص واحد في التاريخ الإنساني.

                            حياة ابن النفيس



                            في قرية "قَرْش" بالقرب من دمشق ولد "علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي" سنة (607هـ = 1210م) وبدأ تعليمه مثل غيره من المتعلمين؛ فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة. وقرأ شيئًا من النحو واللغة والفقه والحديث، قبل أن ينصرف إلى دراسة الطب التي اتجه إليها سنة (629هـ = 1231م) وهو في الثانية والعشرين من عمره بعد أزمة صحية ألمّت به. ويقول هو عنها: "قد عرض لنا حميات مختلفة، وكانت سنّنا في ذلك الزمان قريبة من اثنتين وعشرين سنة. ومن حين عوفينا من تلك المرضة حَمَلنا سوء ظننا بأولئك الأطباء (الذين عالجوه) على الاشتغال بصناعة الطب لننفع بها الناس".

                            وتذكر المصادر التاريخية أنه تعلم قبل ذلك التاريخ على "المهذب الدّخوار" أحد كبار الأطباء في التاريخ الإسلامي، ودرس عليه الطب، وكان رئيسا للأطباء في عصره ويعمل في البيمارستان النوري بدمشق، وتوفي سنة (628هـ = 1230م).

                            وكانت دمشق في تلك الفترة تحت حكم الأيوبيين الذين كان يعنون بالعلم عامة وبالطب خاصة عناية كبيرة، وجعلوا من دمشق حاضرة للعلوم والفنون، وكانت تضم فيما تضم مكتبة عظيمة تحوي نفائس الكتب، وبيمارستانا عظيما أنشأه نور الدين محمود، واجتذب أمهر أطباء العصر، توافدوا عليه من كل مكان. وفي هذا المعهد العتيد درس ابن النفيس الطب على يد الدخوار، وعمران الإسرائيلي المتوفى سنة (637هـ = 1239م)؛ وكان طبيبًا فذًا وصفه "ابن أبي أصيبعة" الذي زامل ابن النفيس في التلمذة والتدريب على يديه بقوله: "وقد عالج أمراضا كثيرة مزمنة كان أصحابها قد سئموا الحياة، ويئس الأطباء من برئهم، فبرئوا على يديه بأدوية غريبة يصفها أو معالجات بديعة يعرفها".

                            في القاهرة

                            وفي سنة (633هـ = 1236م) نزح ابن النفيس إلى القاهرة، والتحق بالبيمارستان الناصري، واستطاع بجدّه واجتهاده أن يصير رئيسًا له، وعميدا للمدرسة الطبية الملتحقة به، ثم انتقل بعد ذلك بسنوات إلى "بيمارستان قلاوون" على إثر اكتمال إنشائه سنة (680هـ = 1281م).

                            وعاش في القاهرة في بحبوحة من العيش في دار أنيقة، وكان له مجلس يتردد عليه العلماء والأعيان وطلاب العلم يطرحون مسائل الطب والفقه والأدب. ووصفه معاصروه بأنه كان كريم النفس، حسن الخلق، صريح الرأي، متدينًا على المذهب الشافعي؛ ولذلك أفرد له السبكي ترجمة في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" باعتباره فقيهًا شافعيًا. وأوقف قبل وفاته كل ما يملكه من مال وعقار على البيمارستان المنصوري.

                            ابن النفيس والدورة الدموية

                            اقترن اسم ابن النفيس باكتشافه الدورة الدموية الصغرى التي سجلها في كتابه "شرح تشريح القانون"، غير أن هذه الحقيقة ظلت مختفية قرونًا طويلة، ونسبت وهمًا إلى الطبيب الإنجليزي "هارفي" المتوفى سنة (1068هـ = 1657م) الذي بحث في دورة الدم بعد ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف من وفاة ابن النفيس. وظل الناس يتداولون هذا الوهم حتى أبان عن الحقيقة الدكتور محيي الدين التطاوي في رسالته العلمية.

                            وكان الطبيب الإيطالي "ألباجو" قد ترجم في سنة (954هـ= 1547م) أقسامًا من كتاب ابن النفيس "شرح تشريح القانون" إلى اللاتينية، وهذا الطبيب أقام ما يقرب من ثلاثين عاما في "الرها" وأتقن اللغة العربية لينقل منها إلى اللاتينية. وكان القسم المتعلق بالدورة الدموية في الرئة ضمن ما ترجمه من أقسام الكتاب، غير أن هذه الترجمة فُقدت، واتفق أن عالما إسبانيًا ليس من رجال الطب كان يدعى "سيرفيتوس" كان يدرس في جامعة باريس اطلع على ما ترجمه "ألباجو" من كتاب ابن النفيس. ونظرًا لاتهام سيرفيتوس في عقيدته، فقد طرد من الجامعة، وتشرد بين المدن، وانتهى به الحال إلى الإعدام حرقًا هو وأكثر كتبه في سنة (1065هـ = 1553م) على أن من عدل الأقدار أن بقيت بعض كتبه دون حرق، كان من بينها ما نقله عن ترجمة ألباجو عن ابن النفيس فيما يخص الدورة الدموية، واعتقد الباحثون أن فضل اكتشافها يعود إلى هذا العالم الإسباني ومن بعده هارفي حتى سنة (1343 = 1924م) حين صحح الطبيب المصري هذا الوهم، وأعاد الحق إلى صاحبه.

                            وقد أثار ما كتبه الطبيب التطاوي اهتمام الباحثين، وفي مقدمتهم "مايرهوف" المستشرق الألماني الذي كتب في أحد بحوثه عن ابن النفيس: "إن ما أذهلني هو مشابهة، لا بل مماثلة بعض الجمل الأساسية في كلمات سيرفيتوس لأقوال ابن النفيس التي تُرجمت ترجمة حرفية". ولما اطلع "الدوميلي" على المتنين قال: "إن لابن النفيس وصفا للدوران الصغير تطابق كلماته كلمات سيرفيتوس تمامًا، وهكذا فمن الحق الصريح أن يعزى كشف الدوران الرئيس إلى ابن النفيس لا إلى سيرفيتوس أو هارفي".

                            غير أن اكتشاف الدورة الدموية الصغرى هي واحدة من إسهاماته العديدة فالرجل حسب ما تحدثنا البحوث الجديدة التي كتبت عنه قد اكتشف الدورتين الصغر والكبرى للدورة الدموية، ووضع نظرية باهرة في الإبصار والرؤية،وكشف العديد م الحقائق التشريحي، وجمع شتات المعرفة الطبية والصيدلانية في عصره، وقدم للعلم قواعد للبحث العلمي وتصورات للمنهج العلمي التجريبي.

                            مؤلفات ابن النفيس

                            لابن النفيس مؤلفات كثيرة نشر بعضها وما يزال بعضها الآخر حبيس رفوف المخطوطات لم ير النور بعد، من هذه المؤلفات:

                            - شرح فصول أبقراط، وطبع في بيروت بتحقيق ماهر عبد القادر ويوسف زيدان سنة (1409هـ = 1988م).

                            - والمهذب في الكحل المجرب، ونشر بتحقيق ظافر الوفائي ومحمد رواس قلعة جي في الرباط سنة (1407هـ = 1986م).

                            - الموجز في الطب، ونشر عدة مرات، منها مرة بتحقيق عبد المنعم محمد عمر في القاهرة سنة (1406هـ = 1985)، وسبقتها نشرة ماكس مايرهوف ويوسف شاخت ضمن منشورات أكسفورد سنة(1388هـ = 1968م).

                            - والمختصر في أصول علم الحديث، ونشر بتحقيق يوسف زيدان بالقاهرة سنة (1412هـ = 1991م).

                            - شرح تشريح القانون، ونشر بتحقيق الدكتور سلمان قطابة بالقاهرة سنة (1408هـ= 1988م) وهو من أهم كتب، وتبرز قيمته في وصفه للدورة الدموية الصغرى، واكتشافه أن عضلات القلب تتغذى من الأوعية المبثوثة في داخلها لا من الدم الموجود في جوفه. ويظهر في الكتاب ثقة ابن النفيس في علمه؛ حيث نقض كلام أعظم طبيبين عرفهما العرب في ذلك الوقت، وهما: جالينوس، وابن سينا.

                            -غير أن أعظم مؤلفاته تتمثل في موسوعته الكبيرة المعروفة بـ"الشامل في الصناعة الطبية". وقد نهضت إليها همة الدكتور يوسف زيدان في مصر ونجح في جمع أجزاء الكتاب المخطوطة. وتطلع المجمع الثقافي في أبو ظبي إلى هذا العمل، فأخذ على عاتقه نشره محققا، فخرج إلى النور أول أجزاء هذا العمل في سنة (1422هـ = 2001م)، وينتظر توالي خروج الكتاب في أجزاء متتابعة.

                            وكان ابن النفيس قد وضع مسودات موسوعته في ثلاثمائة مجلد، بيّض منها ثمانين، وهي تمثل صياغة علمية للجهود العلمية للمسلمين في الطب والصيدلة لخمسة قرون من العمل المتواصل. وقد وضعها ابن النفيس لتكون نبراسًا ودليلاً لمن يشتغل بالعلوم الطبية.

                            وفاته

                            كان ابن النفيس إلى جانب نبوغه في الطب فيلسوفًا وعالمًا بالتاريخ وفقيها ولغويًا له مؤلفات في اللغة والنحو، حتى كان ابن النحاس العالم اللغوي المعروف لا يرضى بكلام أحد في القاهرة في النحو غير كلام ابن النفيس، وكان يقضي معظم وقته في عمله أو في التأليف والتصنيف أو تعليم طلابه.

                            وفي أيامه الأخيرة بعدما بلغ الثمانين مرض ستة أيام مرضًا شديدًا، وحاول الأطباء أن يعالجوه بالخمر فدفعها عن فمه وهو يقاسي عذاب المرض قائلا: "لا ألقى الله تعالى وفي جوفي شيء من الخمر"، ولم يطل به المرض؛ فقد توفي في سَحَر يوم الجمعة الموافق (21 من ذي القعدة 687هـ = 17 من ديسمبر 1288م).

                            منقول
                            [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                            تعليق

                            • عبدالغفور الخطيب
                              عضو متميز

                              • Nov 2004
                              • 2698

                              #194
                              مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                              كامب ديفيد.. أحداث وأصداء

                              (في ذكرى إعلان رغبة الزيارة: 28 ذي القعدة 1397هـ)



                              ستظل زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل أهم انعطاف في التاريخ العربي المعاصر؛ إذ كانت مفاجأة للجميع وترتب عليها نتائج خطيرة على مجمل الصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ إذ شقت هذه الزيارة الصف العربي في مواجهة إسرائيل بين معسكري: السلام، والصمود، وخرجت مصر من الجبهة العربية بمعاهدة سلام منفردة وقّعتها مع إسرائيل تحت الرعاية الأمريكية حصلت بموجبها على سيناء. أما العرب فلم يمتلكوا غير الصياح والضجيج ليعبروا به عن رفضهم لهذه الزيارة، ثم مرت السنون وتهاوت جبهة الصمود، وسارع المعارضون للسلام مع إسرائيل إلى مدريد وأوسلو ووادي عربة، بعدما سبقهم السادات إلى ذلك في القدس.

                              ورغم ذلك فما زالت مشكلة الشرق الأوسط قائمة ومشتعلة؛ لأن معاهدات السلام التي وقعت مع إسرائيل افتقدت إلى العدل وعودة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، وكان انطلاقها الأول من المصلحة الخاصة لكل دولة أو زعيم، وليس من المصلحة العربية الشاملة.

                              السلام.. ذلك الحلم الضائع

                              كان الأمريكيون يعلمون أن عودة سيناء إلى مصر ليست مشكلة في سبيل تحقيق سلام بين مصر وإسرائيل. ومن الناحية الأخرى فإن إسرائيل لم تكن مستعدة لإعادة مرتفعات الجولان إلى سوريا، أو إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية والقدس. وكان كارتر الذي صعد إلى رئاسة الولايات المتحدة في (1396 هـ= 1976م) يرغب في تحقيق إنجاز سياسي في الخارج لتعزيز مركزه في الداخل، مع إدراكه أن تحقيق السلام في الشرق الأوسط لن يكون إلا بحل المشكلة الفلسطينية، وهذا يعني اعتراف واشنطن بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي خطوة خطيرة في ظل تعهد الولايات المتحدة لإسرائيل بألا تتفاوض مع المنظمة؛ حتى تعترف بحق إسرائيل في الوجود.

                              وفي أثناء زيارة السادات لواشنطن في (ربيع الآخر 1397هـ= إبريل 1977م) اقترح عليه كارتر تطبيع العلاقات مع إسرائيل في حالة انسحابها، ولم يمض شهران على هذه الزيارة حتى صعد مناحيم بيجن –زعيم حزب الليكود- ليتولى رئاسة الوزراء.

                              وقد شهد عام (1398هـ= 1977م] جهودًا دولية لعقد مؤتمر دولي للسلام في جنيف، فأعلن السوفيت والأمريكيون بيانًا مشتركًا لعقد المؤتمر وبمشاركة كافة الأطراف في النزاع، إلا أن إسرائيل استطاعت إفراغ هذا البيان من مضمونه بورقة العمل الأمريكية ـ الإسرائيلية. وأبلغ كارتر وزير الخارجية المصري "إسماعيل فهمي" أنه لن يستطيع ممارسة أية ضغوط كبيرة على إسرائيل؛ لأن ذلك سيكون انتحارًا سياسيًا له، وأبلغ إسماعيل هذه الرسالة إلى السادات، إلا أنها لم تغير من اعتقاده الثابت شيئًا في أن 99.9% من التسوية النهائية يكمن في أيدي الولايات المتحدة.

                              كان اعتراف الرئيس كارتر بعجزه عن مواجهة إسرائيل والضغط عليها يحتم على القيادة المصرية ألا تتفاوض بمفردها مع إسرائيل والولايات المتحدة أو تعتمد كليًا على الأمريكيين، وإنما الواجب عليها توسيع نطاق السلام، وضمان المساندة العربية في مواجهة إسرائيل، وتشجيع الاتحاد السوفيتي ليلعب دورًا في الحل الشامل لأزمة الشرق أوسط.

                              جنيف.. والاتصالات السرية

                              سبقت زيارة السادات للقدس مجموعة من الاتصالات السرية، حيث تم إعداد لقاء سري بين مصر وإسرائيل في المغرب تحت رعاية الملك الحسن الثاني، التقى فيه "موشى ديان" وزير الخارجية الإسرائيلي، و"حسن التهامي" نائب رئيس الوزراء برئاسة الجمهورية. وفي أعقاب تلك الخطوة التمهيدية قام السادات بزيارة لعدد من الدول ومن بينها رومانيا، وتحدث مع رئيسها شاوشيسكو بشأن مدى جدية بيجن ورغبته في السلام، فأكد له شاوشيسكو أن بيجن رجل قوي وراغب في تحقيق السلام.

                              وبعد هذا اللقاء استقرت فكرة الذهاب للقدس في نفس السادات، وأخبر وزير خارجيته الذي رفض هذا الأمر وقال له: "لن نستطيع التقهقر إذا ما ذهبنا إلى القدس، بل إننا سنكون في مركز حرج يمنعنا من المناورة"، كما أن سيناء لم ولن تكون في يوم ما مشكلة، وأخبره أنه بذهابه إلى القدس فإنه يلعب بجميع أوراقه دون أن يجني شيئًا، وأنه سيخسر الدول العربية، وأنه سيُجبر على تقديم بعض التنازلات الأساسية، ونصحه ألا يعطي إسرائيل فرصة لعزل مصر عن العالم العربي؛ لأن هذه الحالة تمكّن إسرائيل من إملاء شروطها على مصر. واقترح فهمي عليه عقد مؤتمر دولي للسلام في القدس الشرقية تحضره الأمم المتحدة والدول الكبرى لوضع فلسفة أساسية لمعاهدة السلام، مع استمرار مفاوضات السلام في جنيف.

                              من مجلس الشعب إلى الكنيست!

                              أبدى السادات اقتناعًا بآراء وزير خارجيته بعد مناقشات استمرت ثماني ساعات دون توقف، ثم طلب منه العمل على إيجاد جبهة عربية موحدة في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي كان سيعقد في تونس في (ذي الحجة = نوفمبر)، ووافق على زيارة ياسر عرفات للقاهرة وحضوره افتتاح دورة مجلس الشعب في (ذي الحجة 1397هـ= ديسمبر 1977م)، وفي هذه الجلسة الشهيرة أعلن السادات استعداده للذهاب للقدس بل والكنيست الإسرائيلي، وقال: "ستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم". وانهالت عاصفة من التصفيق من أعضاء المجلس، ولم يكن هذا الهتاف والتصفيف يعني أنهم يعتقدون أنه يريد الذهاب فعلا إلى القدس.

                              وبعد الخطاب أكد السادات لوزير خارجيته أن تلك المقولة زلّة لسان، وأمر الرقابة أن تمنعها، فحذفت تلك العبارة من خطابه في الصحف. وبعد أيام تم الإعلان عن نية السادات في الذهاب إلى القدس وإلقاء خطاب أمام الكنيست وسط دهشة واستغراب كبيرين. ثم قرر الذهاب إلى دمشق في (5 من ذي الحجة 1397هـ= 16 من نوفمبر 1977م)، والتقى بالرئيس السوري حافظ الأسد الذي حذره من عواقب تلك الزيارة، واعتبرها نكسة للعرب، وسينجم عنها عدم توازن إستراتيجي بين العرب وإسرائيل يجعل إسرائيل تضرب الأقطار العربية التي لا دفاع لها واحدا بعد الآخر. وبعد مناقشات طويلة عقيمة لمدة سبع ساعات عاد السادات إلى القاهرة مقتنعًا بنجاح مبادرته في حل مشاكل مصر الداخلية والخارجية؛ فاستقال وزير الخارجية "إسماعيل فهمي"، وتم تعيين "محمد رياض" وزيرًا مؤقتًا للخارجية، إلا أنه استقال بعد ست دقائق من تعيينه، وخلقت تلك الاستقالات تحديًا كبيرًا للسادات.

                              رحب بيجن والأمريكيون بزيارة السادات للقدس، وتحدد موعد هذه الزيارة بعد غروب يوم السبت الموافق (8 من ذي الحجة 1397هـ= 19 نوفمبر 1977م). وعشية الزيارة أعلن بيجن سياسة حكومته وهي أن إسرائيل لا يمكن أن تعود إلى حدود عام (1387 هـ= 1967م)، كما أنها لن تعترف بالدولة الفلسطينية، ولن تقبل بإجراء اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يثن هذا الإعلان السادات عن القيام برحلته، وقد اتخذ السادات قرار ذهابه إلى القدس بصورة انفرادية، واعترف كثير من المسئولين المصريين بعدم معرفتهم بالقرار قبل إعلانه، بل وصل إلى حد عدم التصديق بهذا الأمر.

                              خطاب الكنيست.. لغة عربية

                              ألقى السادات خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي في (9 من ذي الحجة 1697هـ= 20 من نوفمبر 1977م). وشدد في هذا الخطاب على أن فكرة السلام بينه وبين إسرائيل ليست جديدة، وأنه يستهدف السلام الشامل، وأقر أنه لم يتشاور مع أحد من الرؤساء العرب في شأن هذه الزيارة، واستخدم بعض العبارات العاطفية التي لا تصلح للتأثير في المجتمع الإسرائيلي، مثل: الإشارة إلى أن إبراهيم (عليه السلام) هو جدّ العرب واليهود، واقتران زيارته بعيد الأضحى.

                              ولم يخرج السادات في خطابه هذا عن الموقف العربي الجماعي، وحاول إظهار نفسه أمام الرأي العام العربي أنه أفضل محام للقضية العربية، غير أن عرضه المطالب العربية كاملة لم يكن يستهدف خلق مركز تفاوضي؛ حيث إن الموقف لا يتطلب مثل هذا الأسلوب؛ لأن التنازلات التي قدمت بعد ذلك كانت كبيرة.

                              وظن السادات أن خطوته ستحدث انقسامًا في إسرائيل فتنشأ حركة قوية تعتنق مبادئ السلام، وتنجذب أطراف عربية إلى فكرة الاتصال المباشر بإسرائيل، فزاد ذلك من تفاؤله، وبعد عودته من القدس قال للصحفيين: إن قضية الصراع العربي الإسرائيلي التي عاشوا عليها سنين حُلّت، وعليهم أن يبحثوا عن موضوع آخر ليكتبوا فيه. وعندما سئل عن القدس قال: "القدس في جيبي". أما إسرائيل، فكانت صريحة جدًا في هذا الأمر، وأعلنت أن القدس لم تكن موضوعًا للمفاوضات، ولن تعود مدينة مقسمة، وسوف تكون العاصمة الأبدية لإسرائيل.

                              ميناهاوس والإسماعيلية.. الحقيقة واحدة

                              لم يفقد السادات الأمل في إشراك أطراف عربية في مبادرته السلمية، فوجه الدعوى لاجتماع أطراف مؤتمر جنيف لعقد مؤتمر في فندق ميناهاوس بالقاهرة، ولم يحضر هذا المؤتمر سوى إسرائيل والولايات المتحدة والأمم المتحدة كمراقب، ورُفع العلم الفلسطيني على مقر الاجتماع بالفندق؛ فاحتج الإسرائيليون وهددوا بمقاطعة المؤتمر؛ فأُنزل العلم، وأصبح السادات معزولا بالكامل عن العالم العربي، وأصبحت قضية السلام مسألة شخصية إذا نجح فيها استقر له الحكم؛ لذلك استخدم آلة الإعلام لإقناع المصريين بأنه يسير في الطريق الأفضل، وبمزايا السلام، وجسامة التضحيات التي قدمتها مصر للعرب.

                              وحتى لا تفقد المبادرة زخمها دعا السادات بيجن لزيارة مصر، وعقد مؤتمر قمة في الإسماعيلية. يقول وزير الخارجية المصري "محمد إبراهيم كامل" بأنه ذهل أمام تخاذل السادات أمام بيجن الذي تكلم عن حق إسرائيل في الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، وعدوان مصر على إسرائيل. وقال بيجن بحدة شديدة: "وقد كان في وسعي أن أبدأ المباحثات بالمطالبات باقتسام سيناء بيننا وبينكم، ولكني لم أفعل".

                              بدأ حلم السلام يتبدد لدى السادات بعد الإسماعيلية، وذهب عنه تفاؤله وقال للصحفيين: "يبدو أن إسرائيل لم تفهم أو لا تريد أن تفهم أنها حصلت من زيارة القدس على أكثر مما كانت تحلم به عند إنشائها".

                              وبعد اجتماع الإسماعيلية بشهر واحد اجتمعت اللجنة السياسية من وزراء خارجية مصر وإسرائيل والولايات المتحدة في القدس. وفي أثناء انعقاد تلك اللجنة شرعت إسرائيل في بناء مستوطنات جديدة في سيناء، لاستخدامها كورقة مساومة على مصر. وأراد وزير الخارجية المصري الانسحاب والعودة إلى القاهرة فطلب منه السادات التحلّي بالصبر، حتى نفد صبر السادات واقتنع بعدم جدوى المباحثات، فلم يكن بيجن مستعدًا لقبول تنازلات، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي "موشى ديان": "إنه من الأفضل لإسرائيل أن تفشل مبادرة السلام على أن تفقد إسرائيل مقومات أمنها".

                              وعرض الإسرائيليون على مصر ترك قطاع غزة للإدارة المصرية مقابل تعهد بعدم اتخاذها منطلقًا للأعمال الفدائية، وكان هدفهم من ذلك عدم إثارة موضوع الضفة الغربية، وبذلك تكون إسرائيل حققت هدفًا جوهريًا من أهداف المباحثات وهو التركيز على مسألة الانسحاب من سيناء، بما يؤدي إلى صلح منفرد مع مصر، وتوسيع الهوة بين السادات والفلسطينيين، وهو ما حدث بالفعل عقب اغتيال فلسطينيين لوزير الثقافة المصري "يوسف السباعي" في قبرص.

                              ورفض السادات إدانة الغزو الإسرائيلي للبنان في (ربيع آخر 1398هـ= مارس 1978م) بثلاثين ألف جندي، متذرعة بعملية فدائية نفذها فدائيون فلسطينيون قُتل فيها 35 إسرائيليا. ويحكي وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل أنه اتصل بالسادات صباح اليوم التالي للغزو ليطلعه على بيان يدين إسرائيل، فسأله السادات: "هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟" وكانت إسرائيل أبلغته ليلة الغزو بنيتها في تأديب الفدائيين.

                              واشنطن.. والجري وراء السراب

                              كانت واشنطن تريد أن تخرج قضية الشرق الأوسط من دائرة الاهتمام والمشاركة الدولية، لتتركز في يديها وتكون هي وحدها الحكَم بين العرب وإسرائيل. وزار السادات واشنطن في (ربيع أول 1979هـ= فبراير 1978م)، وخرج بيان مشترك ينص على أن قرار مجلس الأمن 242 ينطبق على جميع الجبهات، وأن قضية فلسطين يجب حلها من جميع الجهات، غير أن الرئيس كارتر بدأ بعد عشرة شهور من هذا البيان يروّج لمعاهدة سلام مصرية إسرائيلية، لا ترتبط بالقضية الفلسطينية بصورة مباشرة، أو ترتبط بها بصورة فضفاضة تحتمل عدة تأويلات. وتمّ تجاهل الاتحاد السوفيتي وسوريا.

                              وفي الاحتفال بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على إنشاء إسرائيل في واشنطن أكد كارتر في حديث صحفي أن التسوية في الشرق الأوسط ستتم دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الصفة الغربية، وأكد أن الاعتبار الأول والأهم لسياسته في تلك المنطقة هو أمن إسرائيل الذي سيستمر فوق كل شيء.

                              شعر السادات أن الإسرائيليين يماطلونه؛ فألقى خطابًا في (شعبان 1398هـ= يوليو 1978م) قال فيه: إن بيجن يرفض إعادة الأراضي التي سرقها إلا إذا استولى على جزء منها كما يفعل لصوص الماشية في مصر.

                              كامب ديفيد.. ومذبحة التنازلات


                              اجتمع مجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة (ربيع الآخر 1398هـ= مارس 1978م) بقصد تنقية الأجواء العربية، ووردت أنباء أثناء الاجتماع عن زيارة "عزرا فايتسمان" وزير الدفاع الإسرائيلي للقاهرة بناء على دعوة شخصية من السادات، وفُهم من ذلك أن السادات يتعمّد إحباط هذه المساعي العربية.

                              وعلى الجانب الآخر أدى التصلب الإسرائيلي إلى إحساسه بالفشل في مبادرته؛ فأنشأ الحزب الوطني الديمقراطي وتولى رئاسته، وزادت قبضته العنيفة على القوى المعارضة لتوجهاته، ثم لجأ إلى الاستفتاء الشعبي على شخصه، ولم ترغب واشنطن أن يتأزم موقف صديقها الجديد في القاهرة بعد فشل مباحثات قلعة ليذر بإنجلترا، وظهور أصوات في مجلس الوزراء المصري تنادي بالاتصال بالأطراف العربية بدلا من التركيز على الاتصالات الثنائية مع إسرائيل، وترددت مصر بين المضي في المبادرة والعودة لمكانها الطبيعي في الصف العربي.. وعندها وضع كارتر ثقله لكيلا تعود مصر إلى الصف العربي، ودعا السادات وبيجن إلى اجتماعات في كامب ديفيد بدأت في (شوال 1398هـ= 6 سبتمبر 1978م)، واستمرت (12) يومًا.

                              ذهب السادات إلى كامب ديفيد وهو لا يريد أن يساوم، وإنما ردد مشروع قرار مجلس الأمن رقم 242 كأساس للحل. أما كارتر والإسرائيليون فكانوا مقتنعين أن السادات لن يوافق قط على أي وجود إسرائيلي في سيناء، كما أنه لن يصر على موضوع الدولة الفلسطينية، وأدرك الأمريكيون أن السادات لا يمكنه تحمل الفشل على عكس بيجن، فإن الفشل يعني بقاء الوضع الراهن، وبقاء الوجود الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة؛ لذلك كان الموقف الإسرائيلي متصلبًا متشددًا يرفض التنازل، وهو ما جعل السادات يعلن لمرافقيه أنه قرر الانسحاب من كامب ديفيد، فنصحه وزير الخارجية الأمريكي "سايروس فانس" أن يلتقي بكارتر على انفراد، واجتمع الرئيسان نصف ساعة خرج بعدها السادات ليقول للوفد المصري: "سأوقّع على أي شيء يقترحه الرئيس كارتر دون أن أقرأه". وحاول وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل إقناعه بعدم قبول المشروع الأمريكي؛ لأنه هو ذاته مشروع إسرائيل، لكنه لم يجد منه أذنُا صاغية، فقدم استقالته في كامب ديفيد فقبلها السادات، وطلب منه تأجيلها لحين العودة إلى القاهرة.

                              وفي (15 من شوال هـ= 17 من سبتمبر) تم توقيع اتفاقية كامب ديفيد التي أسماها محمد إبراهيم كامل "مذبحة التنازلات" فلم تشر الاتفاقية للقدس، وتم حذف النص القائل بتحريم إنشاء مستوطنات يهودية، وطلبت إسرائيل وقتًا طويلا للانسحاب من سيناء حتى تبني الولايات المتحدة مطارات وقواعد عسكرية في النقب بدلا من التي تركتها في سيناء، كما أنها وضعت إطارًا عامًا دون النص على التفاصيل.

                              وساد شعور مبالغ فيه بالسعادة، رغم أن الاتفاقية وضعت شروطًا على سيادة مصر على سيناء بعد عودتها إليها؛ حيث وقّع السادات على اتفاقية تضع شروطًا قاسية على مدى تحرك الجيش المصري وقواته في سيناء، فقصرت مثلا استخدام المطارات الجوية التي يخليها الإسرائيليون قرب العريش وشرم الشيخ على الأغراض المدنية فقط.

                              كان بيجن خلال تلك المباحثات يعتذر للأمريكيين عن عجزه عن الموافقة على بعض الأمور؛ لأنه لا يستطيع تجاوز الكنيست، أما السادات فكان يغفل تمامًا الإشارة إلى مجلس الشعب أو المعارضة أو حتى أعضاء الوفد المصري المرافق له، وحينما اعترض بعض أعضاء مجلس الشعب على الاتفاقية قام بحل المجلس، ولم يتح للمعارضين العودة إليه ثانية. أما بيجن فاستغل الأيام التي تلت كامب ديفيد مباشرة للإعلان عن عزمه على إقامة مستوطنات في الأراضي المحتلة، ثم بلغت ذروة تصريحاته في عام (1402هـ= 1981م) عندما أقسم أنه لن يترك أي جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والقدس.

                              ودخلت مصر في محادثات بعد كامب ديفيد لتصوغ روابط سلام محكمة مع إسرائيل، في ظل إصرار من بيجن لم يتزحزح عن المطالبة بحقوق خاصة في البترول المصري، رغم عروض كارتر بضمان تلبية احتياجات إسرائيل من الطاقة يقول "بريحنسكي" مستشار الأمن القومي لكارتر: "لقد أعطى السادات في الواقع لكارتر تفويضًا مطلقًا بالنسبة لمفاوضاته التالية مع الإسرائيليين"، وحصلت إسرائيل من واشنطن على ضمان بالحصول على البترول الأمريكي لمدة (15) عامًا مقابل الموافقة على إزالة بعض عقبات التفاوض. أما مصر فتخلت عن موقفها بشأن وضع ترتيبات خاصة في قطاع غزة، والموافقة على اتخاذ إجراء مبكر بشأن تبادل السفراء.

                              وبذلك تم توقيع معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية في احتفال مهيب في واشنطن في (26 من ربيع آخر 1399هـ= 26 مارس 1979م)، وكان جوهر العلاقة يرتكز على انسحاب إسرائيلي إلى الحدود الدولية على مراحل، وهي الحدود التي تفصل فلسطين في عهد الانتداب عن مصر، وذلك مقابل التزامات سياسية مصرية، منها المرور الحر عبر قناة السويس ومضيق تيران الذي اعترفت به مصر ممرًا مائيًا دوليًا، والتزام أطراف المعاهدة بعدم الدخول في أي اتفاق يتعارض مع المعاهدة.

                              وبذلك أحدثت إسرائيل شرخًا كبيرًا في النظام العربي، توالت بعده الانهيارات. وتحررت إسرائيل من إمكانية الحرب على جبهتين بتحييد مصر، ولم تعد تواجه أي ضغط دولي لحل القضية الفلسطينية. ووجد كارتر أن أهداف إسرائيل تحققت، وهي أن تحصل على سلام منفصل ومدفوعات أمريكية، وحرية التصرف في الضفة الغربية.

                              وأصر السادات على متابعة التسوية مع إسرائيل دون أي غطاء عربي، والمراهنة الكاملة على الدور الأمريكي في التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة؛ فظهر شعار "مصر أولا"، وثارت تساؤلات حول جدوى الالتزام المصري بالقضايا العربية. وتضخمت التأثيرات السلبية التي نتجت عن مثل هذه الالتزامات المصرية. وصور العرب في الإعلام المصري بصورة بشعة. ودعا بعض المفكرين المصريين إلى أن تتبنى مصر خيار "الحياد" كسياسة رسمية بين العرب وعدوهم. وتشرذم النظام العربي وتناثر لعدم تكامل مقومات الزعامة والقيادة الكلية له.


                              منقول
                              [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                              تعليق

                              • عبدالغفور الخطيب
                                عضو متميز

                                • Nov 2004
                                • 2698

                                #195
                                مشاركة: مناسبة حسب التقويم الهجري

                                استقلال إريتريا.. أعوام مديدة من التضحيات

                                (ذكرى استقلالها: 1 من ذي الحجة 1413هـ)



                                استطاعت إريتريا أن تنفصل عن إثيوبيا وتستقل سياسيًا بعد ثلاثين عاما من الكفاح السياسي والعسكري، حظيت خلاله بدعم عربي وإسلامي كبير، على أمل أن يصبح ذلك البلد -الذي تمتد سواحله على البحر الأحمر حوالي ألف كيلومتر– جزءًا من الأمة العربية وعضوا بجامعتها العربية، اتساقا مع مقتضيات الأمن القومي العربي الهادفة إلى المحافظة على هذا البحر كبحيرة عربية إسلامية.

                                إلا أن هذا الأمل لم يتحقق رغم أن نسبة المسلمين في إريتريا تقارب 78%؛ فقد أخذ الرئيس "أسياس أفورقي" بلاده بتوجهات بعيدة عن العروبة والإسلام لاعتبارات تتعلق بتوجهاته الماركسية التي تعززت بفرضه اللغة التيجرينية لغة رسمية للبلاد بدلا من اللغة العربية، وتجاهله لقوانين الأحوال الشخصية للمسلمين، وعلاقاته الوثيقة مع إسرائيل.

                                إريتريا.. المعنى والتاريخ

                                تقع إريتريا عل الشاطئ الغربي للبحر الأحمر في نقطة حاكمة عند مدخله الجنوبي وعلى مقربة من مضيق باب المندب ذي الأهمية الإستراتيجية البالغة؛ فهي تشبه مثلثا محصورا بين إثيوبيا والسودان وجيبوتي، وتبلغ مساحتها حوالي (120)ألف كم2 تتنوع فيها التضاريس والمناخ، وتمتلك شاطئًا يمتد ألف كيلومتر على البحر الأحمر، يمتد من "رأس قصار" على الحدود السودانية شمالا إلى باب المندب في "رأس أرجيتا" في جيبوتي جنوبًا، ويقع في هذا الساحل أهم موانئ البحر الأحمر وهما: "عصب" و"مصوع".

                                وتتبع إريتريا (126) جزيرة، أهمها أرخبيل (مجموعة جزر) دُهلك وبه نحو (25) جزيرة، أهمها من الناحية الإستراتيجية جزيرتا "فاطمة" و"حالب". ويزيد عدد السكان عن أربعة ملايين نسمة. 78% منهم مسلمون، والباقي ينتمون إلى تسع مجموعات دينية وعرقية ولغوية أخرى.

                                وترجع تسمية إريتريا إلى الرومان الذين أطلقوا تسمية "سينوس أريتريوم" على البحر الأحمر وشواطئه التي سيطروا عليها عندما خضعت "عدوليس" على الشاطئ الإريتري لسلطانهم، وعندما احتل الإيطاليون هذه الشواطئ في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي أطلقوا اسم "إريتريا" عليها إحياء للتسمية الرومانية، وذلك بمرسوم أصدره الملك الإيطالي "همبرت الأول" في (جمادي الأولى 1307هـ= يناير 1890م).

                                إريتريا.. والإسلام

                                ترجع معرفة منطقة إريتريا بالإسلام إلى البدايات الأولى لظهور الإسلام؛ حيث كانت هذه المنطقة تتبع في تلك الفترة النجاشي ملك الحبشة. فعندما اشتد إيذاء الكفار للمسلمين في مكة أمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال لهم: "فإن لها ملكًا لا يُظلَمُ عنده أحد، وهي أرض صدق"؛ فهاجر المسلمون إلى الحبشة وهبطت سفنهم على ساحل مصوع، وتحديدًا في المكان الذي يطلق عليه "رأس مدر"، وبنوا فيه مسجدًا – ما تزال بقاياه موجودة إلى الآن– ومنذ ذلك التاريخ انتشرت الدعوة الإسلامية في إريتريا والحبشة، حيث مكث الصحابة المهاجرون بها ستة عشر عامًا متتابعة يقيمون فيها شعائر الإسلام.

                                وفي عهد الدولة الأموية والعباسية هاجرت بعض القبائل العربية إلى إريتريا، وأقامت بها مراكز للدعوة والتجارة فتحولت غالبية القبائل الوثنية إلى الإسلام، ونشأت بعض الممالك العربية والإسلامية في جزر دهلك، بالإضافة إلى نشأة سبع ممالك داخلية عرفت باسم "بلاد الطراز الإسلامي".

                                وعندما سيطر البرتغاليون على بعض سواحل البحر الأحمر ومن بينها شواطئ إريتريا في بداية القرن السادس عشر الميلادي، تدخل العثمانيون لمواجهة الخطر البرتغالي وحماية الأماكن المقدسة في مكة والمدينة من مهاجمة السفن الصليبية، وتمكنوا من الاستيلاء على "سواكن" و"مصوع" وجعلوا البحر الأحمر بحيرة عثمانية مغلقة. وخضعت سواحل إريتريا للحكم المصري بناء على فرمان أصدره السلطان العثماني سنة (1281هـ = 1865م)؛ فتحسنت أحوالها بعدما أصبح الساحل الإفريقي للبحر الأحمر في حوزة مصر.

                                الاستعمار الإيطالي

                                بدأت الأطماع الإيطالية في إريتريا مع ضعف الحكم المصري في عهد إسماعيل نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ودخل الإيطاليون إلى تلك المنطقة عبر بوابة الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي يتحكم فيها المنصّرون ورجالات الكنائس؛ فاستطاع المنصر "سابيتو" أن يشتري قطعة أرض في ميناء عصب سنة (1286هـ= 1869م)، ثم أصدر مجلس النواب الإيطالي في (1299هـ= 1882م) قانونا بتحويل عصب إلى مستعمرة إيطالية، وكانت سياسته فيها تقوم على العنصرية، ومحاربة اللغة العربية. واعترف الإمبراطور الحبشي "منليك الثاني" بحق إيطاليا في إريتريا حتى يستطيع مقاومة النفوذ الفرنسي والبريطاني.

                                واستمر الاحتلال الإيطالي (60) عاما حتى تمكنت بريطانيا وحلفاؤها من هزيمة إيطاليا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية، وأقامت بريطانيا بها إدارة عسكرية.

                                هيلاسلاسي.. أطماع وأحقاد

                                عاد الإمبراطور الحبشي هيلاسلاسي إلى الحكم في بلاده بمساعدة الإنجليز بعدما طرده الإيطاليون، ورأى أن يستغل الظروف الدولية لجمع أسلاب إيطاليا في إفريقيا؛ فيضم الصومال وإريتريا إلى مملكته التوسعية. وساعدته على ذلك بريطانيا والولايات المتحدة، حيث اتصل ببعض رجال الكنيسة لاستمالتهم إليه، وقامت المخابرات البريطانية بإثارة العدوان والنعرات الدينية والقبلية.

                                ونجحت إثيوبيا في خلق حزب موال لها في إريتريا سنة (1366هـ= 1946م) عُرف باسم حزب الاتحاد مع إثيوبيا كانت قاعدته من المسيحيين. ناهض المسلمون هذا الحزب وأسسوا حزب الرابطة الإسلامية الإريترية وحددوا أهدافه بالاستقلال التام. وشهدت تلك الفترة صراعات سياسية حادة، نشأت خلالها عدة أحزاب لها ارتباطات خارجية، تبنى بعضها سياسة الاغتيالات مثل حزب الاتحاد مع إثيوبيا الذي أنشأ ميليشيا إرهابية عرفت باسم "الشفتا" اغتالت عددا من القيادات الوطنية. كما عمل هيلاسلاسي على إثارة الخلافات بين الأحزاب الإريترية فكثرت الانشقاقات بها.

                                الأمم المتحدة صراعات الأروقة والمصالح

                                عُرضت القضية الإريترية على الأمم المتحدة التي أرسلت لجنة لاستطلاع آراء الأهالي حول تقرير المصير فخرجت اللجنة بآراء مختلفة، منها ضم إريتريا إلى إثيوبيا، وهو اتجاه دعمته الولايات المتحدة، وأمام هذا الضغط الأمريكي وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في (صفر 1370هـ= ديسمبر 1950م) على أن تكون إريتريا تحت سيادة التاج الإثيوبي في اتحاد فيدرالي مع تمتعها بالحكم الذاتي، وقررت الأمم المتحدة تعيين مندوب لها يكفل تنفيذ قرارها لأول مرة في تاريخ المنظمة الدولية، وبذلك حصلت إثيوبيا على منفذ لها على البحر الأحمر.

                                الاستعمار الإثيوبي

                                وتم تشكيل جمعية تشريعية منتخبة في إريتريا أقرت الدستور الجديد للبلاد، وعلما خاصا بها، وسلطات قضائية وتشريعية خاصة بها، واعتمدت اللغتين العربية والتجيرينية لغتين رسميتين لإريتريا، وفي (ذي القعدة 1371 هـ= أغسطس 1952م) صادق الإمبراطور هيلاسلاسي على الدستور الإريتري الجديد، ثم صادق على القانون الفيدرالي، وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق الاستعمار الإثيوبي لإريتريا، شاركت في تعبيده القوى الاستعمارية الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا التي انسحبت من إريتريا في (25 من ذي الحجة 1371هـ= 15 من سبتمبر 1952) بعدما سلمت كل الممتلكات الإريترية من موانئ ومطارات ووسائل مواصلات إلى الجيش الإثيوبي، ولم تترك للحكومة الإريترية ما يمكن أن تؤسس عليه دولتها الوليدة.

                                وتشكلت أول حكومة إريترية برئاسة "تدلا بايرو" السكرتير العام لحزب الاتحاد مع إثيوبيا، ولم يستطع هيلاسلاسي أن ينتظر طويلا ليرى تصرف الإريتريين في إطار الفيدرالية، فتعجل في تطبيق مخططه الاستعماري، وأصدر في نفس العام قرارًا يقضي بتطبيق القوانين والنظم الإثيوبية على إريتريا، كما نفذ خطة أخرى لتغيير التركيبة السكانية في إريتريا؛ فسلم الأراضي الخصبة في منطقة "وادي زولا" الإسلامية إلى نصارى الحبشة، وبنى لهم كنيسة وتكرر ذلك في المناطق الأخرى، ثم وقّع معاهدة مع الولايات المتحدة في (شعبان 1372هـ= مايو 1953م) مُنحت بموجبها واشنطن الحق في إقامة قواعد ومنشآت عسكرية على أراضي إريتريا.

                                واتخذت إثيوبيا مجموعة من الإجراءات التعسفية ضد المسلمين الإريتريين، ولجأت إلى سلاح الدين لخلق الفرقة في إريتريا، فألفت حزبًا سياسيًا من رجال الدين المسيحي تحت رئاسة القس ديمطروس الذي فرضته نائبا لرئيس البرلمان؛ فأثار ذلك غضب البرلمان الإريتري، ووجه إنذارا لإثيوبيا بوجوب إعطاء الضمانات لسيادة الدستور الإريتري، وإلا طالب البرلمان بتدخل الأمم المتحدة.

                                استبد الغضب بهيلاسلاسي فعزل حكومة تدلا بايرو، وعين مكانه إسفهاولد ميكائيل الذي استخدم أساليب إرهابية ضد الوطنيين، ومنع جميع الأحزاب من العمل، وصاغ نظاما اقتصاديا قائمًا على الإقطاع. وفي عام (1375هـ= 1956م) تم تعديل الدستور بناء على اقتراح حكومي، وألغيت اللغتان الرسميتان العربية والتجيرينية، وحلت مكانهما اللغة الأمهرية، وألغي العلم الإريتري، ونص التعديل الجديد أن يعين رئيس الوزراء الإريتري من قِبل الإمبراطور مباشرة، فقوبلت هذه الإجراءات بغضب شديد، وتبين للإريتريين أن الأمم المتحدة لا تريد أن تتدخل في حل المشكلة الإريترية الذي كان قرار الفيدرالية السبب المباشر في قيامها.

                                حركة التحرير الإريترية


                                لم يستسلم الإريتريون لحركة القمع الإثيوبية، وتمكن العمال المهاجرون (1378هـ=1958م) من تأسيس حركة تحرير إريتريا، التي كانت تنظيما سريا يتكون من خلايا تتكون من سبعة أفراد، وكان أبرز قادتها محمد سعيد نادو، وكان شعارها العنف الثوري هو الطريق الوحيد للاستقلال. وبدأت الحركة بتنظيم الخارج من المهاجرين ثم انتقلت إلى الداخل. ونشأت – أيضا – جبهة التحرير الإريترية، وحدث صراع وتنافس قوي بين التنظيمين.

                                ونشأت جبهة التحرير في عام (1380هـ = 1960م)، وقادها الشهيد حامد إدريس عواتي الذي أعلن الثورة المسلحة للحصول على الاستقلال التام في (ربيع أول 1382هـ= سبتمبر 1961م)، واتسع نطاق الثورة وغطت معظم مساحات إريتريا، وأصبحت حربا قومية في كافة الأقاليم؛ فأصدر الإمبراطور هيلاسلاسي قرارًا في (15 من جمادي الأولى 1382 هـ= 14 من نوفمبر 1962م) ألغى بموجبه الاتحاد الفيدرالي، وأعلن ضم إريتريا إلى إثيوبيا نهائيا، وجعلها الولاية الرابعة عشرة لإثيوبيا.

                                فشلت إثيوبيا في القضاء على الثورة الإريترية المسلحة، فاتجهت إلى الشعب ومارست معه العنف حتى يبتعد عن مساندة الثوار، فازداد الشعب التصاقا بالثورة التي أصبحت تتمتع بالتأييد الشعبي المطلق، وساعدها على الاستمرار ضعف الوجود العسكري الإثيوبي في إريتريا، وطبيعة التضاريس التي تساعد على حرب العصابات وتعوق تقدم الجيوش النظامية، وانضم إلى الثورة كثير من رجال الجيش والشرطة من الإريتريين.

                                انشقاقات وانشقاقات

                                كانت المشكلة التي تواجه الثورة الإريترية تكمن في تناحر قياداتها، والتوجهات اليسارية التي تسللت إلى الثورة بعد سنوات قليلة من تأسيس جبهة التحرير، فكان اليساريون والماركسيون وراء كل انشقاق وكل شرخ يحدث في صف الوطنيين؛ فالجبهة الشعبية لتحرير إريتريا تشكلت عام (1389هـ= 1969م) بعد انشقاقها على الجبهة الأم، وكان من زعمائها أسياس أفورقي وكانت توجهاته ماركسية.

                                وتوسعت هذه الجبهة الشعبية لتصبح أهم منظمة تحريرية في البلاد، ثم انشق أفورقي عن القيادة العامة، وشارك في تأسيس "قوات التحرير الشعبية"، وحدثت حرب أهلية بين هؤلاء الثوار انتهت عام (1394هـ= 1974م) وبعد عام عقد مؤتمر الخرطوم بين هذه الفصائل المتناحرة، لكن هذه الاتفاقية لم تصمد طويلا، بل كانت سببا في انشقاقات أخرى، وأعلن أفورقي وأنصاره من المقاتلين رفضه للوحدة الفوقية التي تمت في اتفاق الخرطوم.

                                وفي (صفر 1397هـ= يناير 1977م) انشق أفورقي عن قوات التحرير الشعبية، وأعلن تشكيل "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا"، وعكس هذا الانشقاق الجديد انقساما ثقافيا؛ فأفورقي ذو توجهات يسارية مع كونه من أبناء الطائفة النصرانية، واستطاعت هذه الجبهة تصفية الانشقاقات الأخرى، وانفردت بالساحة في إريتريا.

                                انقلاب إثيوبيا.. مراهنات خاسرة

                                وفي عام (1394 هـ= 1974م) تغير نظام الحكم في إثيوبيا بعد المجاعة، وتولى عسكريون ماركسيون بزعامة "مانجستو هيلاماريام" مقاليد السلطة، وراهنت الجبهة الشعبية على تحقيق تفاهم ما مع النظام الجديد نظرا للتقارب الفكري بينهما، وتمت لقاءات بين الجانبين تحت رعاية الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، لكنها لم تتوصل إلى شيء واستمرت مقاومة الاستعمار الإثيوبي.

                                وسجلت تقارير حقوق الإنسان في تلك الفترة من نظام مانجستو أنه يمارس حرب إبادة ضد مسلمي إريتريا، ويعمل على تغيير هويتهم نحو الشيوعية باتباعه سياسة الأرض المحروقة وتسميم الآبار ومصادرة المواشي والقضاء على أية إمكانات للبقاء على الأرض؛ فقام الإريتريون بتوحيد جهودهم وصفوفهم عام (1399هـ= 1979م)، وخاضوا حرب تحرير مريرة لتحقيق الاستقلال حققت خلالها انتصارات كبيرة وأرهقت نُظُم مانجستو.

                                التحرير بعد 30 عامًا

                                وتحالفت الجبهة الشعبية بزعامة أفروقي مع المعارضين الإثيوبيين بزعامة ميلس زيناوي تحت رعاية الإدارة الأمريكية في مؤتمر عقد بلندن نسق له وليام كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، وذلك لإسقاط نظام مانجستو، وانتهى المؤتمر باتفاق رعته واشنطن يقضي باعتراف إثيوبيا بحق تقرير المصير للشعب الإريتري على أن يختار بين الوحدة والانفصال، مقابل أن يلتزم أفورقي بدعم زيناوي في سعيه للتغلب على مناوئيه السياسيين وتولي السلطة، وأن تسمح إريتريا عندئذ باستخدام إثيوبيا ميناء عصب وكذا مصوع للأغراض التجارية.

                                ونجح الطرفان في إسقاط مانجستو، وتولى زيناوي حكم إثيوبيا، وأعلن استقلال إريتريا في (1 من ذي القعدة 1411هـ= 25 من مايو 1991م)، وتشكلت حكومة مؤقتة أجرت استفتاء عاما على الاستقلال تحت إشراف الجامعة العربية والأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية، وجاءت نتيجته 99% للاستقلال؛ فأصبحت إريتريا دولة مستقلة ذات سيادة في (1 من ذي الحجة 1413هـ= 23 من مايو 1993م)، ثم انتخب أسياس أفورقي رئيسا للبلاد.


                                منقول
                                [glow1=CC0033]المواطن الصالح من يجعل من حكمة تصرفه قانونا عاما[/glow1]

                                تعليق

                                يعمل...